أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 073 ب - اسم الله الحميد 2 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 073 ب - اسم الله الحميد 2


2008-03-30

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أسماء الله الحسنى: (الحميد):

 أيها الأخوة الكرام، لازلنا في اسم "الحميد".

الله عز وجل حمد نفسه في القرآن الكريم في مواضع كثيرة من هذه المواضع:

1 ـ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ:

 الله سبحانه وتعالى حمد نفسه في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، من هذه المواضع:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 1 )

 وفي آية أخرى يقول الله عز وجل دققوا:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

( سورة هود الآية: 119 )

 معنى

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

 أي خلق الخلق ليسعدهم، خلق الخلق ليرحمهم، هذه آية أولى.

 

2 ـ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ:

 الآية الثانية:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 43 )

(( يا عبادي، كُلُّكم ضالّ إلا مَنْ هَدَيتُه، فاسْتَهدُوني أهْدِكم ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]

﴿ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 71 )

 فما لم تتوجه إلى الله لمعرفة الحقيقة فلن تصل إليها، لأن هذه العين مهما تكن دقيقة لا قيمة لها من دون ضوء يتوسط بينك وبين المرئي، وكذلك العقل كالعين تماماً لا قيمة له إطلاقاً من دون وحي يعينك على فهم الحقيقة، من دون وحي:

﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴾

( سورة المدثر )

 إذاً أيها الأخوة

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ﴾

 خلقنا ونورنا، لذلك أنت أيها الإنسان تتمتع بنعم ثلاث، أنت تتمتع بنعمة الإيجاد ، بالطعام، بالشراب، بمظاهر الكون، بزوجة، بأولاد، وتتمتع بنعمة الهدى والرشاد، خلق الكون ونوره بالوحي، خلق الكون وهداك إليه.

 

3 ـ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ:

 ومن هذه المواضع:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

( سورة الكهف الآية: 1 )

 جعل لك منهجاً، افعل ولا تفعل، في أشياء، وفي أحكام، لماذا المؤمن يعيش في سلام ؟ لأنه يطبق الأحكام، يوجد بحياته حرام، يوجد بحياته حلال، يوجد بحياته واجب، يوجد بحياته مكروه، يوجد بحياته مستحسن، يوجد بحياته سنة، يوجد بحياته فرض، يوجد بحياته أحكام كثيرة

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً ﴾

( سورة الكهف)

  لذلك قال تعالى:

﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ﴾

( سورة المائدة الآية: 48 )

4 ـ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ:

 الآن:

﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً ﴾

( سورة الإسراء )

 على ماذا حمد نفسه ؟ حمد نفسه على عدم اتخاذ الولد، لأن اتخاذ الولد لا يؤكد صمدية الله عز وجل، الله صمد لا يحتاج إلى أحد، اتخاذ الولد لا يؤكد صمدية الله عز وجل، ولا يؤكد غناه عن خلقه، ولا يؤكد ملكه، ولا عبوديتنا له.
 شيء آخر: اتخاذ الولد ينافي الألوهية، ينافي الربوبية، ينافي الصمدية، ينافي الغنى

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ﴾

 الآن:

﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ﴾

  حمد نفسه أيضاً على عدم اتخاذ الشريك، لأن الله متفرد بالربوبية والألوهية.

 

5 ـ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ:

 أيها الأخوة:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ﴾

( سورة إبراهيم الآية: 39 )

 يعني أنت لك ولد، أنت مجبول على حبّ وجودك، وعلى حبّ سلامة وجودك ، وعلى حبّ كمال وجودك، وعلى حبّ استمرار وجودك، أنت بالولد تستمر، يعني يعيش ابن بار كل حياته يقول والدي الله يرحمه.

 

6 ـ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ:

  شيء آخر:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾

( سورة المؤمنون )

 الله فوق الأقوياء، فوق الظالمين، فوق الطغاة، الطغاة عصي بيده، في أي لحظة ينهيهم، ينتقم منهم، يكف شرهم، الله موجود.

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

( سورة الزمر )

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 54 )

﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾

( سورة هود )

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

( سورة الزخرف الآية: 84 )

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾

 كيف انتهى فرعون ؟ غرق في البحر، ولئلا يتوهم الناس أنه صعد إلى السماء قذف الله بجثته إلى البر، والآن محنط بمتحف في باريس.

 

7 ـ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ:

 أيها الأخوة:

﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾

( سورة الزمر الآية: 87 )

 أي بشكل أو بآخر:

﴿ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ ﴾

( سورة التحريم الآية: 8 )

الجنة وعد من خالق السماوات والأرض لكل إنسان مؤمن:

 أنت معك وعد من خالق السماوات والأرض.

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

( سورة النور الآية: 55 )

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وابشروا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾

( سورة فصلت )

  الله عز وجل يقول:

 

﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ﴾

 

( سورة النساء )

﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾

( سورة التوبة الآية: 111 )

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾

( سورة الزمر )

8 ـ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ:

 أحياناً يكون في ضيق، في يأس، في ألم، في قهر، الله عز وجل يزيح عنا هذا الألم.

﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴾

( سورة فاطر الآية: 34 )

 يعني في مواضع كثيرة حمد الله ذاته العلية على أنه خلقنا، على أنه هدانا، على أنه أنزل على رسوله الكتاب، على أنه نجانا من القوم الظالمين.

 

حمد النبي عليه الصلاة والسلام الله عز وجل من خلال صلاته و تهجده:

 أما النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا قام من الليل يتهجد قال:

(( اللهم لك الحمد، أنتَ نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد، أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن ولك الحمد، أنت الحق، ولقاؤك حق، ووعيدك حق، وعذاب القبر حق، والجنة حق ، والنار حق، والساعة حق، والقبور حق، ومحمد حق، اللهم بك آمنت، ولك أسلمت وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخَّرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، ولا إله غيرك ))

[أخرجه مسلم وابن خزيمة عن عبد الله بن عباس ]

 هذا من تهجد النبي عليه الصلاة والسلام.

﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ﴾

( سورة الإسراء )

  أعلى مقام في بني البشر المقام المحمود، بل هو الوسيلة، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( سَلُوا الله ليَ الوَسِيلةَ، قالوا: يا رسولَ الله، وما الوسيلةُ ؟ قال: أعلى درجة في الجنة، لا ينالُها إِلا رجل واحد، أرجو أن أكونَ [ أنا ] هو ))

 

[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

حمد العبد لربه يقوم على مدحه بصفات الكمال و الجلال:

 أيها الأخوة، لو دخلنا في التفاصيل، حمد العبد لربه، يقتضي اعتقاداً وسلوكاً ، هناك اعتقاد، وهناك سلوك، أي أنك أيها الإنسان لا تسمى حامداً إلا إذا اعتقدت اعتقاداً معيناً، وإلا إذا سلكت سلوكاً معيناً، أما الاعتقاد فأن توقن بأن الحمد يقتضي مدح المحمود بصفات الكمال كله.

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 180 )

 يقتضي الاعتقاد الصحيح لمن حمد الله أن يمدحه بصفات الكمال كلها، ونعوت الجلال كلها، صفات الكمال، وصفات الجلال، صفات الكمال رحيم، صفات الجلال قوي قهار مع المحبة، ما عبد الله من أطاعه ولم يحبه، وما عبد الله من أحبه ولم يطعه، مع المحبة، والرضا، والخضوع، لابدّ لكي تكون حامداً لله من اعتقاد وسلوك، الاعتقاد أن تعتقد أن الله سبحانه وتعالى كمالاته مطلقة، صاحب الأسماء الحسنى، والصفات الفضلى ومع أن هذا الكمال ذو جلال، ومع الجلال المحبة، ومع المحبة الرضا، ومع الرضا الخضوع، هكذا تكون عقيدة الحامد لله عز وجل.
  لكن لا يكون حامداً لله من جحد صفات المحمود، يعني إذا إنسان اعترض على شيء من أفعال الله لا يعد حامداً.

 

الطرق لمعرفة الله ثلاثة ؛ من خلال خلقه أو كلامه أو أفعاله:

 بالمناسبة: الطرق لمعرفة الله ثلاثة، يمكن أن تعرفه من خلال خلقه، ويمكن أن تعرفه من خلال كلامه، ويمكن أن تعرفه من خلال أفعاله، لكن أسلم طريق أن تعرفه من خلال خلقه، إذا تفكرت في مخلوقات الله الطريق آمن وسالك، مهما تفكرت في ملكوت السماوات والأرض تزداد تعظيماً ومحبة لله عز وجل، والطريق الثاني أن تتأمل كلامه أيضاً كلامه يدل عليه.
 يعني أحياناً تجد بلداً غارقاً في المعاصي والآثام، إباحي، ظالم، متجبر ، مستكبر، قوي، غني، وبلد مسلم يعاني ما يعاني، تقرأ القرآن الكريم، تقرأ قوله تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾

( سورة الأنعام الآية: 44 )

 قدم الله لك تفسيراً لهذا التناقض في أمة غارقة في المعاصي والآثام، وأمة مسلمة تعاني ما تعاني، يعني الأمة التي شردت عن الله عز وجل يعطيها ما تريد، ويؤخر عقابها إلى يوم الدين، أما الأمة التي تعاني ما تعاني هي ضمن العناية المشددة، هكذا معنى الآية.
 إذاً أضاء الله لك حالة تدعو إلى العجب.

 

إثبات عدل الله أن تصدقه لأنك لن تستطيع إثبات عدل الله بعقلك:

 أيها الأخوة، إذاً لابدّ من أن تعتقد بكمال الله المطلق، وبجلاله، وأن تحبه، وأن ترضى عنه، وأن تخضع له، هكذا يكون الحامد.
 لكن الطريق الثالث لمعرفة الله، الأول خلقه، الثاني كلامه، الثالث أفعاله، هذا طريق خطر، كأنه حقل ألغام، قد تفاجأ أن طفلاً صغيراً مات، أو طفلاً أصيب بمرض عضال وهو صغير، قبل التكليف، إنسان ولد فاقد البصر، ففي حالات كثيرة لا تستطيع تفسيرها وحدك، بل إن الحقيقة الدقيقة إنك لن تستطيع إثبات عدل الله بعقلك، لأن عقلك قاصر بل تستطيع إثبات عدل الله بعقلك بحالة واحدة مستحيلة، أن يكون لك علم كعلم الله هذا مستحيل.
 لذلك إثبات عدل الله أن تصدقه إذا قال:

﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

( سورة النساء )

﴿ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ﴾

( سورة غافر الآية: 17 )

﴿ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ ﴾

( سورة الروم الآية: 9 )

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ*وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

( سورة الزلزلة )

 عندئذٍ تصدق الإله العظيم بقرآنه الكريم بأنه لا يظلمك، أما أن تبحث من خلال أفعاله لا تستطيع إثبات عدل الله من أفعاله إلا أن يكون لك علم كعلمه، لأن كل الذي تراه هي قصة من آخر فصل، آخر فصل لا يكفي لحكم الله عز وجل ، هناك فصول أولى.
 لذلك أحياناً في حياة كل واحد منا عدة قصص يعرفها من أول فصل لآخر فصل لذلك يرى عدل الله مطلقاً، أما إذا سمعت عن إنسان فقد بصره، أو فقد حركته، أو الله امتحنه بشيء أنت لا تعلم الفصول الأولى من حياته، الله عز وجل يستر، ستير.

 

من جحد صفات الله عز وجل أو أعرض عن محبته كان غير حامد له:

 أيها الأخوة، ولا يكون المرء حامداً لله من جحد صفات الله، ولا من أعرض عن محبته، أو لم يخضع له، ما دام لم تخضع لله أنت لست حامداً له، ما دام لست راضياً عنه أنت لست حامداً له، ما دام محبتك ضعيفة أنت لست حامداً له، ما دام هناك شك بكماله أنت لست حامداً له.
 وأقول لكم بشكل صريح: قد لا تجد مسلماً يعترض على أفعال الله بلسانه لكن قد يعترض بقلبه، هذا الاعتراض دليل نقص معرفته بالله، مثل بسيط:
 النبي عليه الصلاة والسلام قال لأصحابه قبيل معركة بدر ـ دققوا قصة مهمة جداً ـ قال: لا تقتلوا عمي العباس، عمه العباس في مكة، ومع قريش، وفي بدر سيأتي فرسان قريش ليحاربوا النبي، والعباس عنده، فهذا الصحابي فكر تفكيراً محدوداً أن أحدنا يقتل أباه وأخاه، وينهانا عن قتل عمه ! ما فهم هذا التوجيه، أو فهمه فهماً لا يليق برسول الله، ثم تبين بعد حين أن عمه قد أسلم وهو هناك، وهو عينه في قريش، وكل قرار يتخذ هناك ينقله للنبي، إدارة النبي إدارة ذكية جداً، يعني اخترق خصمه عن طريق عمه، فعمه مسلم وأخفى إسلامه، الآن دققوا لو أنه قال: لا تقتلوا عمي العباس لأنه أسلم، كشفه وانتهت مهمته، لو أن أمر عنه العباس ألا يشترك بالمعركة كشف نفسه وانتهت مهمته، لو أنه سكت لقتله أصحابه، إذاً هو لا يمكن إلا أن يقول كلمات معدودة، لا تقتلوا عمي العباس فقط.
  هذا الصحابي يقول: إن أحدنا يقتل أباه وأخاه وينهانا عن قتل عمه ؟ يعني التفسير ما راق له، ثم يقول: ظللت أتصدق عشر سنين رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله.
  هذا مع إنسان فكيف مع الواحد الديان ؟ إياك أن تتهم الله في عدله، إياك أن تتهم الله في رحمته، إياك أن تتهم الله في أفعاله، أنت لا تعلم، وعقلك لا يمكن أن يحيط بعظمة الله، عقلك مثل مركبة تصل بك إلى البحر، لكن لن تستطيع بهذه المركبة أن تخوض غمار البحر.
 لذلك: تفكروا في مخلوقات الله، ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا.
 لا يكون حامداً من جحد صفات المحمود، ولا من أعرض عن محبته، ولا من لم يخضع له، وكلما كانت صفات المحمود أكثر كان حمده أكمل.

من ازداد معرفة بالله ازداد محبة له:

 الحمد معرفة بالله، يعني طفل صغير على كرسي طبيب الأسنان، أحياناً يصرخ، أحياناً يبكي، الطفل صغير جداً، أحياناً يضرب يد الطبيب، لأنه لا يعلم أن هذا الذي يفعله معه لصالحه، أما الراشد قد يقول طبيب الأسنان لراشد: قلبك لا يتحمل مخدر، فتتحمل الآلام، فهذا المريض الكبير الراشد يضع يديه على الكرسي، ويضغط على أسنانه كي يتحمل الألم لأنه موقن أن هذا الألم لمصلحته.
 فكلما ازدادت معرفتك بالله ازداد رضاك عنه.
 لذلك الله عز وجل ذم آلهة الكفار، وعابها بسلب أوصاف الكمال عنها، فقال إنها لا تسمع، ولا تبصر، ولا تتكلم، ولا تهدي، ولا تنفع، ولا تضر، ولا تميت، ولا تحيي، سلب الله عنها صفات الكمال.

من لوازم معرفة الله عز وجل أن تحمده:

 الآن أيها الأخوة، بالفطر السليمة، وبالعقول القويمة، والكتب السماوية الحكيمة هذا كله يؤكد أن فاقد صفات الكمال لا يكون إلهاً، ولا مدبراً، ولا رباً، بل هو مذموم ناقص ليس له الحمد، لا في الأولى، ولا في الآخرة، إنما الحمد في الأولى والآخرة لمن له صفات الكمال، هو أهل التقوى وأهل المغفرة.
 أيها الأخوة، الله عز وجل يقول: هو الحي الباقي على الدوام.

﴿ هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة غافر )

 يعني الحمد لا أن تقول الحمد لله ولك ألف اعتراض على الله، الحمد لا أن تقول الحمد لله وفي شك بعدل الله، الحمد أن تعرف الله، من لوازم معرفته أنك تحمده.

 

العبد الحامد يحمد الله بالقلب واللسان والجوارح:

 الآن هذه العقيدة، سلوك، سلوك العبد الحامد يحمد بالقلب، وباللسان ، وبالجوارح، هناك حمد بالقلب، يعني معتقد الله كامل، أفعاله كاملة، عدله مطلق، رحيم ، حتى إذا شيء ما فهمه يقول هناك حكمة لا أعرفها، ظنه بالله حسن، يحسن الظن بالله، أما الذي يسيء الظن بالله ليس مؤمناً.

﴿ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ﴾

( سورة الفتح الآية: 6 )

﴿ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ﴾

( سورة الأحزاب )

كن عن هموك معرضا  وكل الأمور إلى القضـا
وابشر بخــير عاجل  تنسى فيه ما قـد مضى
فلرب أمر مسخط لك  فــي عواقبه رضـا
* * *

ولربما ضـاق المضيق  ولــربما اتسع الفضـا
الله يفـــعل ما يشاء  فــــلا تكن معترضا
الله عودك الـــجميل  فــقس على قد مضى

 لا بد من أن تعرف الله حتى تحبه.
 أيها الأخوة، سيدنا علي رضي الله عنه يقول: يا بني الناس ثلاثة، عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، لم يستضيؤوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، فاحذر أن تكون منهم، ما الناس سوى قوم عبدوك، وغيرهم همجٌ همجُ.
  الآن نحن نعيش بمجتمع همجي، مجتمع القتل، مجتمع القهر، مجتمع التطهير العرقي، مجتمع العنصرية، مجتمع الحصار الاقتصادي، مجتمع إذلال الإنسان، مجتمع سلب حقوق الإنسان، ما الناس سوى قوم عبدوك، وغيرهم همجٌ همجُ.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018