أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 072 أ - اسم الله الغفور 1 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 072 أ - اسم الله الغفور 1


2008-03-23

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أسماء الله الحسنى: (الغفور):

 أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الغفور" وكما أن اسم المجيب من أقرب الأسماء إلى المؤمن، كذلك اسم "الغفور" من أقرب الأسماء إلى المؤمن.

ورود اسم الغفور في القرآن الكريم و السنة الشريفة:

 اسم الله "الغفور" ورد معرفاً ومنوناً، ورد معرفاً بالألف واللام في أحد عشر موضعاً في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى:

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

( سورة الحجر )

 هناك من يُغفل تتمة الآية:

﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾

( سورة الحجر )

 غفور رحيم إذا تبت إليه، أما إذا لم تتب فعذابه عذاب أليم، وفي قوله تعالى:

﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 133 )

  الله عز وجل خاطب النبي الكريم، وهو أرحم الخلق بالخلق، فقال له:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )

﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

 فإذا تراحم الخلق فبرحمة من الله

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

  توكيل تقليل برحمة

﴿ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

 وورد في اثنتين و سبعين آية في القرآن الكريم، منوناً، كما في قوله تعالى:

﴿ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

( سورة البقرة )

  أما في السنة: أبو بكر رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم:

 

(( يا رسولَ الله، عَلمني دُعاء أَدعو بِهِ في صَلاتي، قال: قُلْ: اللهمَّ إني ظَلمتُ نَفسي ظُلْما كثيراً، ولا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنتَ، فَاغْفِر لي مَغْفِرَة من عِنْدِكَ، وارحمني إنك أَنتَ الغَفُورُ الرَّحيمُ ))

 

[أخرجه البخاري عن ابن عمر ]

 هذا دعاء علمه النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا الصديق:

 

(( عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على رجل ـ كان قد مات ـ فقال اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك، وحبل جوارك، فأعذه من فتنة القبر وعذاب النار، أنت أهل الوفاء والحمد، اللهم اغفر له وارحمه، إنك أنت الغفور الرحيم ))

 

[أبو داود عن واثلة بن الأسقع]

 هذا دعاء النبي للميت، هذا فيما ورد في الكتاب والسنة عن اسم "الغفور" .

 

معاني اسم الغفور في اللغة:

 "الغفور" في اللغة، من صيغ المبالغة على وزن فعول، غافر، فاعل، غفور من صيغ المبالغة، يعني كثير المغفرة، ولا تنسوا أيها الأخوة، أن الاسم إذا جاء على صيغة المبالغة يعني المبالغة كماً ونوعاً، يغفر مليار ذنب، ويغفر أكبر ذنب، معنى غفور يدل على الكثرة والقوة، الكم والنوع في الفعل، طبعاً الفعل من هذا الاسم غفر، يغفر، غفراً، ومغفرة، وغفراناً، أصل الغفر التغطية، والستر، وكل شيء سترته فقد غفرته، كأن الله عز وجل حينما يغفر الذنب يستره عن صاحبه، لئلا يتعذر به، فطرة الإنسان فطرة سليمة، فإذا أخطأ الإنسان، أو سبب إيذاء لمخلوق يتعذب.
 فالمغفرة: أن يستر الله عنه هذا الذنب، وكل شيء سترته فقد غفرته، والمغفر غطاء الرأس، والمغفرة التغطية على الذنوب والعفو عنها، وغفر الله ذنوبه أي سترها:

(( يُدنى المؤمن من ربه حتى يضَع عليه كنَفَه - أي ستره - فيقرِّرُه بذنوبه: تَعْرِفُ ذَنّبَ كذا وكذا ؟ فيقول: أعرف ربِّ، أعرفُ - مرتين - فيقول سَتَرْتُها عليك في الدنيا، وأغْفِرُها لك اليومَ، ثم تُطوى صحيفةُ حسناته، وأما الآخرون - أو الكفار أو المنافقون - فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كَذَبوا على ربهم، ألا لعنةُ الله على الظَّالمين ))

[ البخاري عن ابن عمر]

 كما قلت قبل قليل: إن اسم "الغفور" من أقرب الأسماء الحسنى إلى المؤمن، لأن المؤمن مذنب تواب، والله عز وجل غفور.

 

الله عز وجل غفور يستر العيوب والذنوب:

 الآن الله عز وجل غفور، ما المعنى الدقيق ؟ قال: "الغفور" هو الذي يستر العيوب ويستر الذنوب، مهما بلغ الذنب، مهما بلغ الذنب من الكبر، ومهما تكرر من العبد وأراد الرجوع إلى الرب، فإن باب المغفرة مفتوح في كل وقت، ما لم تغرغر النفس، وليس التوبة:

﴿ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ ﴾

( سورة النساء الآية: 18 )

 عند الغرغرة لا تقبل التوبة، أو تطلع الشمس من مغربها، وقد ذكرت لكم من قبل: أن من معاني طلوع الشمس من مغربها، أن المسلمين حينما يستصغرون دينهم ويرون أن الغرب بما فيه من فسق، وفجور، وانحلال، وتطاول، وغطرسة، وكبرياء ، هم القوم، هم المتحضرون، هم الأخلاقيون، إذا أغفلنا ديننا، وتطلعنا إلى الغرب على أن الحضارة منه، والقيم منه، والحسن ما فعله، والقبيح ما قبحه، لا تعطى رخصة في أي مكان في العالم لفندق من نوع الخمس نجوم إلا إذا كان فيه الخمر، هكذا، حينما نرى الغرب مصدر الحضارة، مصدر الرقي، الغرب هم الأناس الذين عرفوا كيف يعيشون.

 

(( كل نفس تحشر على هواها، فمن هوي الكفر فهو مع الكفرة، ولا ينفعه عمله شيئاً ))

 

[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]

 حينما نرى الغرب كل شيء ونحن لا شيء، نحن على ما نحن عليه، عندنا وحي السماء، عندنا دين القيمة، عندنا سيد الأنبياء والمرسلين، عندنا منهج الخالق، عندما لا نرى أنفسنا شيئاً، ونرى الغرب كل شيء، عندئذٍ يغلق باب التوبة، لماذا يتوب الإنسان ؟ هذا أخطر شيء بالإنسان أن تهتز مبادئه و قيمه من الداخل.
 لذلك باب المغفرة مفتوح في كل وقت، ما لم تغرغر النفس وتطلع الشمس من مغربها، طبعاً من معاني طلوع الشمس من مغربها، أن نرى الغرب في أعلى درجات الرقي على ما هم فيه من إباحية، من تفلت، من انحلال، لكن في تقدم مادي مذهل.

 

الاستغفار نوعان: عام و خاص:

 اسم الله "الغفور" يدل على دعوة العباد للاستغفار بنوعيه، هناك استغفار عام واستغفار خاص، ما الاستغفار العام ؟ هو الاستغفار من صغائر الذنوب، وقبائح العيوب ، وما يدور من خواطر السوء في القلوب، فالقلب فيه منطقتان، منطقة حديث النفس، ومنطقة الكسب، وأنت ساكت، هناك حديث داخلي، وهناك حديث ذاتي.
 شخص ركب بمركبة إلى حلب، لوحده، طوال الطريق يحدث نفسه، قال: يا ترى هل أزور فلاناً ؟ لا، لا أريد أن أزوره، حوار ذاتي، يسموه كتّاب المسرح منولوج، حوار الذات، ففي منطقة الحديث حديث النفس، قد يأتيك خاطر لا يرضي الله، قد تفكر بإيذاء إنسان، قد تستصغر إنساناً مؤمناً لكن فقير، كل خاطر، كل حديث ذاتي لا يرضي الله ينبغي أن تستغفر الله من هذه الخواطر، هذا الاستغفار العام، يعني الله عز وجل تفضل علينا، وكأنه عفا عنا فيما حدثنا به أنفسنا، أما إذا انقلب إلى عمل، صار في استغفار خاص، في ذنب ارتكبته، في سلوك فعلته، في موقف وقفته، في نظرة نظرتها، في استعلاء استعليت به، مادام في سلوك، انتقلنا إلى منطقة أخرى، منطقة الكسب، في خواطر، خطرات، أفكار قد لا ترضي الله، تحتاج إلى استغفار عام، وفي منطقة الكسب في سلوك، وقفت موقفاً عنيفاً، وقفت موقفاً في استعلاء، من أنت ؟

﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾

( سورة فصلت الآية: 15 )

 الموقف الذي في استعلاء، الذي في خطأ، الذي في كبر، الذي في تجاوز الذي في مخالفة، هذا يستدعي استغفار خاص، أن تستغفر الله من هذا الذنب بالذات.

 

من نعم الله الكبرى على الإنسان أن الله يغفر لنا ما خطر في أذهاننا من خواطر لا ترضيه:

 أيها الأخوة، قال تعالى:

﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

( سورة يوسف )

  أي من نعم الله الكبرى أن الله يغفر لنا ما خطر في أذهاننا من خواطر لا ترضيه:

 

(( والله إِني لأستغفرُ الله وأَتوبُ إليه في اليومِ سَبعينَ مَرة ))

 

[ البخاري عن أبي هريرة]

 إلا أن توبة النبي هناك من أعطاها معنىً آخر، يعني كلما أقبل على الله انكشفت له من حقيقة الذات الإلهية ما رأى أن رؤيته السابقة ذنباً تستحق الاستغفار، هذا الكلام في شأن النبي صلى الله عليه وسلم.

 

(( والله إِني لأستغفرُ الله وأَتوبُ إليه في اليومِ سَبعينَ مَرة ))

 

[ البخاري عن أبي هريرة]

  و:

 

(( إِنه لَيُغَانُ على قَلبي ـ ليغطى على قلبي ـ حتى أَستَغفِر الله في اليومِ مئةَ مرة ))

 

[مسلم عن الأغر المزني]

 وقال بعض العلماء: كلمة مئة تدل على الكثرة، لا على العدد المحدد، هذا الاستغفار العام، أما الاستغفار الخاص هذا كما قلت قبل قليل: متعلق بمنطقة الكسب، بعد تعمد الفعل، يعني سخر، اغتاب، نمّ، احتقر، ضرب، استكبر، استعلى، بعد تعمد الفعل واقتراف الإثم في اللسان والجوارح كقوله تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ آثاما * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً *إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾

( سورة الفرقان )

  أي قبل التوبة كان بخيلاً، بعد التوبة أصبح كريماً، قبل التوبة كان غضوباً، بعد التوبة أصبح حليماً، قبل التوبة كان قليل الورع، بعد التوبة أصبح كثير الورع.

 

الله عز وجل خلق الإنسان بإرادة حرة تميز بين الحق والباطل:

 أيها الأخوة الكرام، الله عز وجل خلق البشر بإرادة حرة، أنت حر، أنت مخير ، لولا أنك مخير لا معنى للجنة ولا للنار، ولا للثواب ولا للعقاب، ولا للسعادة ولا للشقاء ، أنت مخير.

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

( سورة الكهف الآية: 29 )

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

( سورة الإنسان )

  فالله عز وجل خلق البشر وأعطاهم إرادة حرة.

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 148 )

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تخرصون َ ﴾

( سورة الأنعام )

 إذاً خلقهم بإرادة حرة، مخيرة بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين الخطأ والصواب، وأعلمهم أنه غفور رحيم، و تواب كبير، ليظهر لهم الكمال في أسمائه، وليحقق فيهم مقتضى أوصافه، لتعود المنفعة عليهم أجمعين.

 

(( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ ))

 

[ الترمذي عن أنس بن مالك]

العاقل من حاسب نفسه حساباً عسيراً قبل لقاء الله عز وجل:

 عند مسلم من حديث أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( لو لم يكن لكم ذنوب يغفرها الله لكم لجاء الله بقوم لهم ذنوب يغفرها لهم ))

 هذا الحديث يحتاج إلى شرح، له رواية أخرى:

 

(( لَو لَم تُذنِبُوا لَذَهَبَ الله بكُمْ، وَلَجَاءَ بقوم يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ، فَيَغْفِرُ لهم ))

 الحقيقة ليس معنى الحديث أن تسارع إلى الذنب، مستحيل وألف ألف مستحيل ولكن معنى الحديث أن الذي لا يشعر بذنبه هالك، منتهٍ، لا يعبأ الله به، يفعل الكبائر، يقول لك ماذا فعلت ؟ لم أفعل شيئاً ؟ هذا الذي لا يرى ذنبه إطلاقاً،

 

(( لَو لَم تُذنِبُوا ))

 بمعنى لو لم تشعروا بذنوبكم، يسهر سهرة كلها غيبة ونميمة، يقول لك ماذا فعلت ؟ نتسلى ! لا، كل كلمة ذكرتها فيها حساب شديد،

(( لَو لَم تُذنِبُوا ))

 أنتم هالكون عند الله، لا يعبأ بكم، يأتي بقوم إذا أخطأ بكلمة لا ينام الليل، إذا أكل قرشاً حراماً يحاسب نفسه حساباً عسيراً.
 رأى النبي تمرة على السرير، قال: يا عائشة ! لولا أني أخشى أنها من تمر الصدقة لأكلتها، يحاسب نفسه حساباً عسيراً.

 

(( وركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ))

 

[ الجامع الصغير عن أنس ]

 أيها الأخوة، إذاً

(( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ ))

[الترمذي عن أنس]

(( لَو لَم تُذنِبُوا لَذَهَبَ الله بكُمْ، وَلَجَاءَ بقوم يُذْنِبُونَ ))

[ رَوَاهُ مُسلِمٌ عن أبي أيوب خالد بن يزيد]

 بمعنى يشعرون بذنوبهم، يتألمون منها، في حياة، إذا إنسان حي ضربته يتألم إذا ميت لا يتألم.

 

ليس من مات فاستراح بميت  إنما ميتُ ميت الأحياء
* * *

 فالذي لا يشعر بذنبه إطلاقاً، ولا يعبأ به، يقول لك ماذا فعلنا ؟ الناس كلهم هكذا.

 

 

الغفور من أقرب الأسماء إلى المؤمن لأن الله عز وجل أعطى الإنسان أملاً بالمغفرة:

 أيها الأخوة، مرة ثانية: هذا الاسم من أقرب الأسماء إلى المؤمن، لأن العبد من شأنه أن يذنب، وأن الله تعالى من شأنه أن يغفر، شأن العبد أنه يذنب، وشأن الرب أنه يغفر، وما أمرك أن تستغفره إلا ليغفر لك، وما أمرك أن تستغفره إلا لأنه علم ضعفك وغفلتك أحياناً، في ضعف أمام بعض الشهوات، وفي غفلة، فالمغفرة علاج الضعف البشري، أو الغفلة، لولا أن الله جلّ جلاله غفور رحيم ماذا حلّ بنا ؟ وماذا نفعل بذنوبنا ؟ وكيف نواجه ربنا ؟ لكن الله سبحانه وتعالى غفور، يستر ذنبك عن الخلق، ويعفو عنك، ويحول بينك وبين العقاب.
 تصور ما في مغفرة، ولا في توبة، الإنسان من أقل ذنب يفجر، ما في أمل أحياناً الطغاة لا يرحموا، ولا يغفروا، فالإنسان لما ييأس يرتكب أكبر الكبائر ما في أمل، أما الله عز وجل أعطاه أملاً.

﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى ﴾

( سورة طه )

 

شروط المغفرة العودة والتوبة والإنابة والإقلاع عن الذنب:

 لكن في فهم ساذج أن الله غفور رحيم، لا، غفور رحيم إذا تبت إليه

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

 رجعت إليه تائباً، مستقيماً، مقلعاً عن الذنب، الله عز وجل يقول:

 

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾

 

( سورة الزمر الآية: 53 )

 تتمة الآية:

﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ﴾

( سورة الزمر )

 يعني غفور رحيم إن عدت إليه، غفور رحيم إذا تبت إليه، غفور رحيم إذا أنبت إليه، غفور رحيم إذا استغفرته، أما غفور رحيم على إطلاقها، الآية واضحة جداً،

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

﴿ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾

( سورة الحجر )

 غفور شرط العودة، والتوبة، والإنابة، والإقلاع عن الذنب.

 

العفو لا قيمة له إلا إذا كنت مقتدراً:

 أيها الأخوة، أحياناً الإنسان لضعفه يقول لك سامحته، لأنك ضعيف، لأنك لا تملك أن تحاسبه، لا تملك أن تعاقبه، ضعيف، لكن أنت حينما تعفو عن عدوك وهو في قبضتك، وبإمكانك أن تسحقه، وبإمكانك أن تذيقه ألوان العذاب، وتعفو عنه هذا العفو يرقى بك عند الله.
  لذلك حينما ائتمرت قريش على رسول الله عشرين عاماًً، ونكلت بأصحابه ، وحاربته مرات عديدة، ثم وقعوا في قبضته عند فتح مكة، عشرة آلاف سيف متوهجة ينتظرون كلمة من فمه الشريف، قال:

(( ما تظنون إني فاعل بكم ؟ قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء ))

[ السيرة النبوية]

 لذلك العفو لا قيمة له إلا إذا كنت مقتدراً، وقد قيل العفو عند المقدرة، أحياناً يقول لك: أنا أديت الحق، أنت موقع سنداً، موقع إيصالات، وأعطيت مكان إقامتك وخصمك ليس سهلاً، يقيم دعوى، يأخذ المبلغ كاملاً منك، أنت إذا أديت هذا المبلغ ما فعلت شيئاً، أما حينما لا تكون مداناً في الأرض.
 أقسم لي إنسان بالله أودع معه إنسان عشرين مليوناً ليستثمرها عنده، ولم يعلم أحداً، ولا أخذ وصلاً، ومات بحادث، في الأرض ليس مداناً، توجه إلى الورثة، وقدم لهم المبلغ، هذه الأمانة، أنت تؤدي ما عليك، ولست مداناً في الأرض.
 لذلك هناك صفات أخلاقية يجب أن تكون معك، أداء الأمانة ألا تكون مداناً، العفو أن تكون مقتدراً، العفو عند المقدرة.
 أيها الأخوة، لها الاسم العظيم شرح طويل إن شاء الله نتممه في لقاء آخر.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018