مدارج السالكين - الدرس : 035 - التوبة - 2 مفهوم التوبة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مدارج السالكين - الدرس : 035 - التوبة - 2 مفهوم التوبة


1992-03-08

تمهيد:

 أيها الأخوة الأكارم؛ مع الدرس الخامس والثلاثين من دروس مدارج السالكين, ولا زِلنا في موضوع التوبة.
 في دروسٍ سابقة تحدثتُ عن الإثمِ والعدوان, وعن الفحشاءِ والمُنكر, وعن أنواعِ الفسوقِ والكُفرِ والشِركِ والنِفاق, وعن أكبرِ ذنبٍ وهو:
 أن تقولَ على اللهِ ما لا تعلم.
 وعن الكبائر وعن الصغائر, ثمَّ دخلنا في تفصيلات التوبة, وانطلقت في هذه الموضوعات من حقيقةٍ ثابتة وهيَ:
 أنَّ التوبةَ أساسُها العِلم، لن تتوبَ من ذنبٍ إلا إذا عرفتَ أنهُ ذنب، فالتوبـةُ أساسُها العِلم، ومن شروطِها الندم، ومن نتائجها الإقلاع من الفور, والعزم على أن لا يعودَ الإنسانُ إلى ذنبهِ في المستقبل, والإصلاح في الماضي إذا كانَ الذنبُ متعلّقاً بحقٍ من حقوق العِباد.
 أيها الأخوة الأكارم؛ ألا تكفينا هذه الآية التي قالَ اللهُ عزّ وجل فيها:

﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

[سورة النور الآية: 31]

 كأنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى جعلَ التوبةَ أساساً للفلاح، والفلاح مُطلق النجاح.
 قد نقول: فُلان ناجحٌ في عمله، أو قد نقول: فُلان ناجحٌ في حياته.
 يعني في حرفتهِ, وفي اختيار زوجتهِ, وفي تربيةِ أولادهِ, وفي علاقاتهِ العامة, حتى في صِحتهِ، ما مِنّا واحدٌ إلا ويتوقُ إلى النجاح، إلى مطلق النجاح، إلى مُطلقِ الفلاح، إلى مُطلقِ الفوز، إلى مُطلق التفوّق.
 هذه الآية فيها أمرٌ صريحٌ واضحٌ للمؤمنين؛ بأن يتوبوا جميعاً دونَ استثناء.

﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

 ولكنَّ الشيء الذي يلفت النظر؛ أنَّ هذه الآية وردت في سورة النور، وسورة النور مدنيّة، إذاً:
 اللهُ سبحانهُ وتعالى يُخاطبُ أصحابَ رسول الله, الذينَ خاضوا معركةَ بدرٍ وأُحدٍ والخندق, ولهم باعٌ طويلٌ في الجِهاد، ولهم تضحيتهم وهجرتهم ومؤاثرتهم.

مفهوم التوبة.

 التوبةُ ليست قاصرةً على مرحلةٍ من مراحل الإيمان، إنها تسير معَ الإنسان طــَوالَ حياته, لأنهُ في كُلِ مرحلةٍ قد يقع في ذنبٍ لم يقع بهِ من قبلُ، كُل مرحلة لها ذنوب، من الذنوب أن تنشغلَ بغير الله عنه, هذا ذنب, كُلما ارتقت مرتبتُك كانت حسنات المؤمنين سيئات المُقرّبين، كُلما ارتقت مرتبتُكَ عِندَ اللهِ عزّ وجل كُلما دقّت حساسيتُكَ في اكتشاف الذنب.الشيء المُخيف أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾

[سورة الحجرات الآية: 11]

 الناسُ رجُلان على اختلافِ أنواعِهم ومشارِبِهم وانتماءاتِهم, الناسُ رجُلان؛ تائبٌ وظالم, وليسَ هُناكَ رجلٌ ثالث، تائبُ وظالم.

﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾

 وفي الصحيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((وَاللَّهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً))

[أخرجه البخاري في الصحيح, والترمذي في سننه]

 ربما إذا أقبلتَ على اللهِ عزّ وجل, وبدا لكَ من جمالِهِ، من كمالِهِ، من رحمتِهِ, ما لم تُكن تعرفهُ من قبلُ, فهذه المعرفة الدُنيا تُعدُّ في حقِ الأنبياءِ ذنباً، كُلما أقبلتَ على اللهِ, ورأيتَ من رحمتهِ, ومن عِلمهِ, ومن قُدرتهِ, ومن فضلِهِ, ومن لُطفِهِ, الشيء الذي لم تكُن تعرفهُ من قبلُ, تشعر أنَّ معرِفَتُكَ المتواضعة من قبلُ هيَ ذنبٌ في حقك.
 إذا دخلتَ على رجُلٍ لا تعرِفهُ, وعرضتَ عليه خدماتِكَ في عِلمِك, فقال لكَ: أنا أحمل دكتوراه, ألا تستحي منهُ في هذا الاختصاص؟ عرضتَ عليهِ خِدمةً أُخرى في مجال آخر, فقال لكَ: أنا في هذا متفوّق، عرضتَ عليهِ خِدمةً ثالثة في مجال ثالث, فقال لكَ: أنا في هذا أحمل ماجستير، ألا تشعر أنكَ أذنبتَ في حقهِ, حينما ظننتَ أقلّ من ذلك؟ يعني مثل للتقريب.
 إذاً ربُنا سبحانهُ وتعالى حينما قالَ:

﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

 معناها: الإيمان كُل مرتبة، كُل درجة، كُل طور، كُل حال، كُل منزِلة، كُل مستوى، لهُ استقامتهُ, ولهُ ذنوبهُ.
 قد تقول لإنسان مبتدئ: يا أخي دع شُربَ الخمر، دع أكلَ مالِ اليتيم، فأنتَ إذا رأيتَ إنساناً غارقاً في المعاصي, تركَ شُربَ الخمرِ, وتركَ أكلَ المال الحرام, تشعر أنهُ إنسان صار جيد جداً، فإذا صلّى، فإذا صام ارتقى، إذا ترك العُصاة المعاصي درجة جيدة، إذا أدّوا صلواتِهم درجة جيدة، بعدَ أن صلّوا، الآن إذا تكلّموا كلمةً لا تليقُ, هذا ذنب.
 يعني إذا نظرَ إلى إنسان نظرةً ليست جيدةً، نَظَرَ إليهِ شذراً, هذا ذنب بحق المؤمن، فكُلما ارتقت مرتبَتُك دقّت حساسيتُكَ في كشفِ الذنبِ، معنى ذلك: أنَّ التوبة مستمرّة، كُلّما ارتقت مرتبتُك, هُناكَ تقصيرٌ إن في خواطِرك، وإن في ظنك، وإن في تصوّرِك، وإن في حركاتِك، وإن في سكناتك.
 إذاً:
 هذه الآيةُ التي نَزَلت تُخاطب المؤمنين، نَزَلت في المدينة, وهيَ تُخاطِبُ كِبارَ الصحابة, الذينَ ضحّوا بالغالي والرخيص, والنفسِ والنفيس.

﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾

 لا ثالثَ لهُما, إمّا أن تكونَ تائباً وإمّا أن تكونَ ظالِماً، هذه الفاتِحة التي تقرؤها كُلَّ يوم، كُلَ يومٍ, وفي كُلِ صلاة, وفي كُلِ ركعة, وفي الفرض والسُنّةِ والواجب، تقرؤها عشرات المرات, بل بِضع عشرات المرات, ألم تقرأ فيها قولهُ تعالى:

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾

[سورة الفاتحة الآية: 6-7]

 ألم تطلب من الله عزّ وجل أن يهديّكَ الصِراطَ المستقيم؟ الشيء الدقيق هوَ:
 أنـكَ إن جَهِلتَ الصِراطَ المستقيم فتوبَتُكَ ليست صحيحة.
 لن تكونَ تائباً إلا إذا عَرَفتَ الصِراطَ المستقيم، إذا عَرَفتَ الصِراطَ المستقيم ولم تُزمع أن تستقيم, فأنتَ من نوع آخر, فإمّا أن تُرمى بالجهلِ، وإمّا أن تُرمى بالتقصير، الذي يقولُ في صلاتِهِ:

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾

[سورة الفاتحة الآية: 6-7]

 لا يمكن أن يكونَ جاهِلاً بالصِراط المستقيم.
 فمن لوازم التوبة: أن تتعرفَ إلى دقائق الصراط المستقيم.
 من لوازم التوبة: أن تُقبِلَ على تطبيق الصِراط المستقيم، وإلاّ تُعدُّ قِراءةُ الفاتحة في حَقِكَ باطِلةً، إن لم تتقص أمرَ اللهِ عزّ وجل, وإن لم تُطبّق هذا الأمر, فقراءةُ الفاتحةِ التي هيَ السبعُ المثاني التي لُخّصَ فيها القرآنُ كُلهُ تُعدُّ باطِلةً.
 الإنسان متى يُذنب؟ متى تتمكنُ منهُ شهوتهُ؟ متى تَزِل قدمه؟ متى يُغلب؟ متى يؤثر الشهوةَ على طاعة الله؟

 

متى يتخلى الله عن الإنسان؟!!

 العلماء يقولون:
 إذا تخلّى الله عنه أصبحت مقاومتهُ هشّةً، امرأةٌ تُغريه، مبلغٌ من المال يُرديه، لقاءٌ يدفعهُ إلى ارتكابِ معصيةٍ.
 متى يعصي الإنسانُ ربّهُ؟ متى تَزِلُ قدمهُ؟ متى يُغلب؟ متى يؤثر الشهوةَ على طاعة الله؟ قال:
 إذا تخلّى اللهُ عنه.
 ومتى يتخلّى اللهُ عنك؟ قال: إن لم تعتصم باللهِ تخـلّى اللهُ عنك.
 فالعبدُ بينَ حالين؛ بينَ أن يكونَ اللهُ عزّ وجل وليّاً لهُ, وبينَ أن يدعهُ لنفسهِ.

 

الآية الأولى: ومن يعتصم بالله فقد هدي.........

 استمعوا إلى القرآن، يقول اللهُ عزّ وجل:

﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

[سورة آل عِمران الآية: 101]

 أنتَ تملِكُ هذا السِلاح، لو سافرت إلى بلد أجنبي مضطرّاً واعتصمت باللهِ عزّ وجل: يا رب قِن الزلل، قِن أن أقعَ في الهاوية، قِن أن أقعَ فيما لا يُرضيك، أنتَ ما دُمتَ قد اعتصمتَ بهِ لن يتخلّى عنك، يُلقي في قلبِكَ نوراً، يُلقي في قلبِكَ طُمأنينةً، يُقوّي مناعتكَ، يُقوّي مقاومتكَ، تشعرُ أن بينكَ وبينَ الذنب مراحِلَ فِساحاً، تشعر وكانّكَ في الأعماق ما دُمت قد اعتصمتَ باللهِ عزّ وجل، فإذا قُلت: أنا إرادتي قويّة، إذا لم تعتصم بالله, واعتمدتَ على نفسك, تخلّى اللهُ عنك, ووكَلَكَ إلى نفسك.
فلذلك:
 موضوع الذنب، اقترافُ الذنب، زلّةُ القدم، الانغماسُ في شهوةٍ مُحرّمةٍ، الانغماسُ في أكلٍ مالٍ حرام, هذا كُلُهُ يأتي في لحظة التخلّي من قِبِل الله عزّ وجل.
 من اتكلَ على نفسهِ أوكلَهُ اللهُ إيّاها.
 أمّا أن تبقى مع الله عزّ وجل معتصماً.

﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

الآية الثانية: واعتصموا بالله هو مولاكم .........

 قال تعالى:

﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾

[سورة الحج الآية: 78]

 الحياة فيها مغريات، فيها منزلقات، فيها متاهات، فيها تُرّهات، فيها أحابيل للشيطان.
 الدُنيا تغرُّ وتّضُر وتَمُر.
 فيها ما يُفتن، فيها ما يُغوي، فيها ما يُنسي.
 كيفَ تنجو من هذه المُنزلقات؟
 كيفَ تنجو من تِلكَ المتاهات؟
 أن تعتصمَ باللهِ عزّ وجل.
 من قدوتُنا في هذا؟ سيدنا يوسف:

﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾

[سورة يوسف الآية: 33]

 فالإنسان لا يعتمدُ على نفسهِ، لا ينبغي أن يعتمدَ على نفسهِ, وعلى إدراكِهِ, وعلى عِلمهِ, وعلى قُدرتهِ, وعلى قوةِ إرادتهِ, وعلى حزمِهِ, هذا كُلهُ كلام فارغ, إذا ضعّفَ اللهُ مُقاومتك, نسمعُ الكثير عن شخصياتٍ مهمةٍ, وقعوا في حبائلِ امرأةٍ ساقطةٍ, فأصبحت سُمعتُهم فـي الحضيض، أصبحت سُمعتُهم في الوحول، هذا يقع.

﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

 أأنتَ بينَ توليةَ اللهِ لك, أن يتوّلى اللهُ أمرك, وبينَ أن يخذِلِك؟
 إن اعتصمتَ بــهِ يتولّى أمرك، وإن اعتمدت على ذاتِك وعلى نفسك خَذَلَك.
 ولِماذا يَخذلُكَ وهوَ الرحمن الرحيم؟ يخذِلُكَ ليؤدِبُكَ، يخذِلُكَ ليُعرّفُكَ، يخذِلُكَ ليُعطيكَ درساً قاسياً، ليُعطيكَ خِبرةً مُرّةً لا تنساها أبداً.

 

قصة شاب مع التوبة.

 ـــــــــــــــــــ أنا أعرفُ شاباً زارني في البيت, ما إن دخلَ البيت حتى أجهشَ بالبُكاء.
 قُلتُ لهُ: لماذا تبكي؟ -هوَ من طُلابِنا-
 قالَ: إنني أنظرُ إلى النساءِ في الطريق, وأنا بعدَ هذه التوبةِ النصوح, وبعدَ هذا الجهدِ البليغ, لي في طريق الإيمانِ سنواتٌ كثيرة, ثمَّ تنتهي بي النهايةُ, إلى أن أُطلق بصري في الحرام, وأتبعُ النِساءَ في الطريق.
 قُلتُ لهُ: يا رجل, تُب إلى الله عزّ وجل, فازدادَ بُكاءً, وقالَ: كيفَ أتوب؟ لقد تُبتُ إليه عشرين مرة.
 ـــــــــــــــــــ مرة سألوا مُدمناً على الدُخان, قال: إنَّ الإقلاع عن التدخين أمر سهل جداً, فأنا أقلعتُ عنهُ عشرينَ مرة, معناهُ ليسَ سهلاً.
 في هذه الجلسة لم أكتشف السِر الذي ضَعُفت فيه مقاومةُ هذا الشاب, في سِر, كانَ شديداً في طاعته، كانَ غاضّاً لِبصره، فجأةً انهارت مقاومتـهُ, وصارَ يتبّعُ هؤلاءِ النساء الكاسيات العاريات بنظرِهِ, ويملأُ عينيهِ من الحرام، وقد قالَ عليه الصلاة والسلام:

((من ملأَ عينيهِ من الحرام, ملأهُما اللهُ من جمرِ جهنم))

[ ورد بالأثر]

 النظرةُ سهمٌ مسموم من سِهام إبليس.
 في جلسةٍ قادمة, لعلَّ اللهَ عزّ وجل ألهمني, ذكر لي بعضَ التفصيلات:
 هذا بعدَ أن تابَ إلى اللهِ توبةً نصوحاً، وبعدَ أن شعرَ بحلاوة القُرب, وحلاوة الإقبال على الله, وشعرَ بمكانتهِ عِندَ الله، وشعرَ أنَّ اللهَ يُحبهُ، وأنهُ متفوق, وأنهُ فالح, وأنهُ وأنهُ وأنه وأنه وأنه ............, نظرَ إلى أبيهِ وأُمهِ, فرآهُما ليسَا على ما يُريد, فصارَ يُقرعهُما بِلا أدب, وصارَ يتيهُ عليهما باستقامتهِ, وظنَّ أنهُ مستقيمٌ بقوتهِ, وبحزمِهِ, وبإرادتهِ الحديدية، فجأةً انهارت مقاومتهُ, ووقعَ فيما كانَ يُحذّرُ منه, وكأنَّ اللهَ أرادَ أن يُؤدبهُ.
 لذلك:
 لا تنس حينما تقرأُ الفاتحة قول الله عزّ وجل:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾

 وقد قالَ عليه الصلاة والسلام: ألا أُنبئكم بمعنى لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله؟ لا حولَ عن معصيتهِ إلا بهِ، ولا قوةَ على طاعتهِ إلا بهِ.
 هذا معنى قول النبي الكريم سيدنا يوسف:

﴿وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ﴾

 مرةً التقيت مع رجل يعمل في مستشفى, وفيها ممرضات كثيرات، قالَ لي باعتداد: أنا لا أنظر إليهن أبداً, قُلتُ لهُ: يا رجل أنتَ أظلم من سيدنا يوسف؟ استعن بالله, لا تعتد بنفسك, استعن بالله:

﴿وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ﴾

 طبعاً: لعلّي ذكرت موضوع النظر للنساء في أي موضوع، في أي موضوع آخر، في أي مخالفة، إيّاكَ أن تعتدَّ بنفسك.
 إذاً: أنتَ بينَ أن يتولى أمركَ اللهُ إذا عتصمتَ بهِ, أو أن يخذلكَ إذا اعتمدتَ على نفسِك ولم تعتصم بهِ، ولماذا يخذلُكَ وهوَ الرحمن الرحيم؟ ليؤدِبَكَ، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام: أدّبني ربي فأحسنَ تأديبي؟

 

كيف يؤدب الله العبد؟

 مرةً قالَ لي أخ من أخواننا الكِرام:
 عِندهُ معمل متواضع، جاءهُ أخ من المسجد, ليشتري بعضَ الحاجات، هوَ يبيع بالجملة, يبيع مئات الدزينات، فجاءهُ رجل صغير فقير, يريد أربع قطع ألبسة, قطعتين ثلاثة, فرأى في هذا الشِراء إهانةً لهُ، قال: يا أخي, أنا لا أبيع بهذا, أنا أبيع بالجُملة, اعذرني، قال لهُ: خير إن شاء الله وغادر، يُقسم هذا الأخ الكريم, أنهُ مضى عليه ثلاثةٌ وعشرونَ يوماً, لم يدخل معملهُ إنسان, ليسألهُ عن شيء يشتريه, هذا تأديب الله عزّ وجل، أدّبني ربي فأحسنَ تأديبي، كُلما خالفتَ أمرهُ يؤدِبُكَ، يقول العوام: المربى غالٍ, المؤمن كُلما زلّت قدمهُ جاءَ التأديب.

 

العناية الإلهية.

 بالمناسبة أيها الأخوة الأكارم؛ إذا شعرتَ أنهُ كُلما أخطأت جاءكَ التأديب, افرح, إنكَ عِندَ اللهِ محظي، لأنكَ ضِمنَ العناية المُشددة، افرح إذا كُنتَ في العناية المُشددة، واحزن على نفسك, وابك عليها كثيراً, إذا فعلتَ المعصيةَ, ولم يحدث شيء, إذا تجاوزتَ الحدود ولم يحدث شيء، إذا تطاولتَ على العِباد ولم يحدث شيء, معناها أنتَ خارِجُ العناية المُشددة, أنتَ في دائرةِ الإهمال، فشتّانَ بينَ أن تكونَ مُعتنى بِكَ وبينَ أن تكونَ مُهملاً، لذلك إذا أحبَّ اللهُ عبدهُ ابتلاه، إذا أحبَّ اللهُ عبدهُ عجّلَ لهُ بالعقوبة، فكُلما اقتربتَ من الله فَهِمتَ على الله، لماذا كذا؟ لأجلِ كذا، حقاً يا رب؟ سمعاً وطاعةً يا رب، لماذا يا ربي كذا؟ من أجلِ كذا، طيب: من يقول لكَ: من أجلِ كذا؟ هُنا السؤال, جاءت مصيبة، قضية انزعجتَ مِنها، من يقول لكَ: من أجلِ كذا؟ إلهامٌ يقعُ في القلب, هل هُناك دليل في القرآن عليه؟

﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾

[سورة الشمس الآية: 8]

﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾

[سورة النساء الآية: 79]

﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

[سورة التغابن الآية: 11]

 يهدي قلبهُ إلى أسبابِ هذه المصيبة، الحقيقة الكلمة الشهيرة:
 من لم تُحدث المصيبةُ في نفسهِ موعِظةً, فمصيبتهُ في نفسهِ أكبر.
 إذا جاءت مصيبة, لا تمُر عليها مر الجاهلين، لا تمُر عليها مر المُتلبدين، مُر عليها مر الأذكياء، اللهُ عزّ وجل غنيٌ عن تعذيبي، غنيٌ عن ازعاجي، غنيٌ عن قهري، لماذا قهرني؟ لماذا أزعجني؟ لماذا أقلقني؟ لماذا أخافني؟ لماذا أتلفَ مالي؟ لا بُد من ذنب, ابحث عن هذا الذنب.
 أخطرُ الذنوب:
 هوَ الذنبُ الذي يقودُ إلى ذنبٍ آخر، أخطرُ ذنبٍ ما ولدَ ذنباً آخر، إنسان وقعَ في ذنب, فأعجبهُ هذا الذنب, فاستقر عليه, واستمر بهِ، استقرارهُ عليه واستمرارهُ بهِ ذنبٌ آخر، تحدثَ عنهُ ذنبٌ ثالث.
 لذلك:
 أخطر أنواع الذنوب ما كانَ سبباً لذنوبٍ أكبرَ منها، من اقتراف الذنب، إلى الاستمرار في الذنب، إلى الفرحِ بالذنب، إلى المجاهرةِ بالذنب, هذا الذي استقرَ على ذنب واستمرأهُ وفَرِحَ بهِ.
 ألم يعلم أنَّ اللهَ ينظرُ إليه وهوَ يُذنب؟
 إن قُلتَ: لا يعلم فهوَ كافر.
 وإن قُلتَ: يعلم فهوَ وقح.
 بينَ أن يكونَ الإنسانُ وقحاً وبينَ أن يكونَ كافراً، إن عَلِمَ أنَّ اللهُ ينظر إليه وهوَ يُذنب، وهوَ يعصيه، فهوَ لا شك وقح, سيءُ الأدبِ مع الله عزّ وجل، وإن كانَ لا يعلم أنَّ الله ينظر إليه فهوَ كافر، الذي يُنكرُ آياتِ القرآن هوَ كافر, لأنَّ اللهَ عزّ وجل يقول:

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

[سورة الحديد الآية: 4]

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾

[سورة الفجر الآية: 14]

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾

[سورة النساء الآية: 1]

 فشيء مُخيف بينَ أن يكونَ وَقِحاً، مُجترئاً على الله عزّ وجل, وبينَ أن يكونَ كافراً بكلامهِ.

حقائق التوبة:

 من حقائق التوبة:
 1- تعظيم الجناية.
 2- واتهام التوبة.
 3- والغَيرةُ لله.
 كلام دقيقٌ جداً, الآن ندخل في التفاصيل، تفاصيل علاقَتِكَ بالله، تفاصيل اتصالِكَ بهِ.

تعظيم الجناية:

 هُناكَ علاقةٌ عكسية بينَ صِغرِ الذنب وبينَ الفرحِ بهِ، كُلما فَرِحتَ بالذنب، كُلما هانَ عليكَ الذنب عَظُمَ الذنب، وكُلما عَظُمَ عليكَ الذنب هانَ الذنب, هذه علاقة عكسية, العلاقة العكسية هكذا, كُلما استصغرتَ الذنب صارَ عظيماً، وكُلما استعظمتهُ صارَ صغيراً.
 الحقيقة: أنهُ كُلما عَرَفتَ اللهَ أكثر استعظمتَ أن تعصيهُ.
 لا تنظر إلى صِغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت.
 كُلما عَرفتَ اللهَ أكثر، كُلما ازدادت معرفتُك, استعظمتَ أن تعصيهُ، فإذا عظّمتَ ذنبك فقد صَغُرَ هذا الذنب، لذلك:
 علامة ذنب المُنافق أنهُ كالذبابة, كلام العوام عند ارتكابهم الإثم؛ ماذا حصل؟ ما فعلنا؟ نظرنا إلى المرأة!! أكلناها؟!! إذا جلسنا معها سوفَ تأكُلنا!! هذا كلام العوام, الذنبُ صغيرٌ عِندهم، ذنبُهم كذبابة، وأمّا المؤمنون فذنبُهم كأنهُ جبلٌ جاثِمٌ على صدرهم, علامة الإيمان.
 الآن: الطفل المُربّى المُهذّب إذا أعرضَ عنهُ أبوه يموتُ بُكاءً, إذا أعرضَ عنه إعراضاً فقط، كُلما دقّت حساسيةُ الطِفلِ تجاهَ أبيه, كانَ إعراض الأبِ عنهُ كافياً لإيقاعهِ في أشدِ أنواعِ الآلام، وكُلما قلّت حساسيتهُ ربما إذا ضربهُ لا يتأثّر.
 تعظيمُ الجنايةِ علامةُ التوبةِ الصادقةِ، لذلك المؤمن يبكي على خطيئته، يتوبُ منها كثيـراً, ويدفعُ الصدقات ويستغفر.
 أحد الصحابة جاءهُ خاطر: أن رسول الله ينهانا عن قتلِ عمهِ, ونحنُ نقتلُ آباءنا وأخواننا في الحروب.
 النبي عليه الصلاة والسلام أمرَ أصحابهُ في معركة بدر: ألاّ يقتلوا عمهُ العباس، الصحابة استغربوا, نحنُ نقتلُ آباءنا وأخواننا في الحروب, لأنهم كُفّار, جاؤوا ليقتلونا, وكيفَ ينهى النبي عن قتلِ عمهِ؟ هذا عمهُ مُسلم, وقد كتمَ إسلامهُ, وبقي عيناً لهُ في مكة, فلا يقعُ شيء في مكة, إلا ويُخبر النبي عليه الصلاة والسلام, فإذا لم يخرج مع المُشركين, كُشِفت حالهُ أمامُهم, وإذا نهى النبي عن قتلِ عمهِ, وقال: أنهُ مُسلم كَشَفَ حالَهُ, في طريق دقيق جداً, فالنبي نهى عن قتلِ عمّهِ، هذا الصحابيُّ الجليل بعدَ أن كُشِفت له الحقيقة, وشعرَ أنهُ أساءَ الظنَّ برسول الله, قال: بقيتُ عشر سنوات, وأنا أتصدّق, وأُعتق العبيد, وأُصلّي الليل, لعلَّ الله يغفِرُ لي هذا الذنب, ما فعلَ شيئاً إلا أنهُ أساءَ الظن برسول الله، فلذلك الإنسان إذا أساءَ الظن باللهِ عزّ وجل, يجب أن يشعر أنهُ وقعَ في ذنبٍ كبير, حُسنُ الظنِّ باللهِ ثمنُه الجنة.

اتهام التوبة:

 أمّا اتهامُ التوبة: الإنسان أحياناً يتوب .....
 مرةً كُنتُ في الجامعة, رأيتُ لوحةً تُحذّر الطُلاب من العلاقات المشبوهة, حِرصاً على صحتِهم, واتّقاءً لمرض الإيدز، وقفت عِندَ هذه اللوحة متأملاً, قُلت: سُبحان الله! الإنسان إذا رأى خطراً مُخيفاً, قد يبتعد عن بعض المعاصي, لا خوفاً من الله عزّ وجل, ولا اتقّاءَ سخطهِ, ولا رغبةً فيما عِندهُ, ولكن ليتقي هذا المرض، طيب هذه توبةٌ لمن؟ هذه ليست توبةٌ إلى الله عزّ وجل، هذا حِرصٌ على صِحتِك، وشرُّ الناس من يتقونَ المعاصي, لا حُبّاً باللهِ, ولا خوفاً منهُ, ولا طمعاً فيما عِندهُ, ولكن حِرصاً على صِحتهم، هذه توبةٌ ليست كما يُريد الله عزّ وجل، يعني هُنا حَبِطَ عَمَلُهُ, فيتقي هذه العلاقة خوفاً من هذا المرض.
الآن بأوروبا: قِصص لا تُعد ولا تُحصى, يعني حمامات السِباحة, قلَّ روادُها إلى الربع, خوفاً من هذا المرض الوبيل, يعني هُناك صار كُل الفتيات اللواتي يفعلنَ الفاحشة, لا بُدَّ من أن يُقدّمن شهادة صحيّة, لمن يقترف معهن الفاحشة, تؤكّد هذه الشهادة: أنهُنَّ بريئات من مرض الإيدز، صار في خوف, وهذا الخوف ليسَ من الله عزّ وجل, بل من هذا المرض الوبيل.
 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ:

((أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ, خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ, وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا, إِلّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا, وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَؤونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ, وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ, وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا, وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ, وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ, إِلا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ))

[أخرجه ابن ماجة في سننه]

 هُناك نقابات, وهُناك جمعيات, تُطالب بحقوق, وتخرج بمسيرات, وتُقابل المسؤوليــن في دول الغرب, من أجلِ أن يُرد اعتبارُهم إليهم، الذين يرتكبون بعض الفواحش الشاذّة أيضاً.

((لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا, إِلّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ))

 وهذا من آيات اللهِ الدالةِ على عظَمتهِ, اتهام التوبة، الله عزّ وجل قال:

﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾

 لو أنَّ إنساناً اقترف مخالفة للنظام العام, والدين يُعاقب عليها, وتركها خوفاً من عِقابٍ ماديّ, هذا ليسَ تائباً إلى الله عزّ وجل، البطولة أن تتوبَ إلى الله:

﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾

 وأن تصبر لله:

﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾

[سورة النحل الآية: 127]

من علامات صحة التوبة:

 أن تكونَ بعدَ الذنب خيراً مما كُنتَ قبلَ الذنب، حالك أعلى، وصِلتُكَ بالله أقوى، وشعورك أقرب إلى الله عزّ وجل.
 الذي يقعُ في الذنب, يُصاب بحالة, اللهُ يُحبُها، ينكسر, هذا الانكسار يقتربُ بِكَ من حالة العبوديّة، قال: هذه الكسرة اسمُها كسرةٌ خاصّة, تحصل لقلب المؤمن إذا وقعَ في ذنب, صارَ يهيض الجناح، صارَ أمامَ اللهِ متذللاً، قال: هذا التذلل يُحبهُ الله عزّ وجل.
 رُبَّ معصيةٍ أورثت ذُلاً وانكساراً, خيرٌ من طاعةٍ أورثت عِزّةً واستكباراً.
 لعلَّ بُكاء التائبِ أحبُ إلى اللهِ من خُيلاءِ المُطيع, لعلَّ الذي يُصلي الليل, ويُدِلُ على الناسِ بصلاة الليل أقلُ عِندَ اللهِ, من إنسانٍ زلّت قدمهُ, فمرّغَ الأرضَ بجبهتهِ وبللها بدموعِهِ، لأنهُ كُلما كُنتَ إلى اللهِ مُتذللاَ, كُنتَ أقربَ إلى العبوديةِ الحقةِ لهُ.
 بعضُهم دعا ربهُ فقال: أسألُكَ يا رب بِعِزّكَ وذُلّي إلا َرحمتني، أسألُكَ بِقوتِكَ وضعفي بِغِناكَ عنّي وفقري إليك، هذه ناصيتي بينَ يديك، عبيدُكَ سِوايَ كثيرون, وليسَ لي سيدٌ سِواك، لا ملجأَ ولا منجا مِنكَ إلا إليك، أسألُكَ مسألةَ المسكين، وأبتهِلُ إليك ابتهالَ الخاضع الذليل، وأدعوكَ دُعاءَ الخائف الضرير, سؤالَ من خضعت لكَ رقبتهَ, ورَغِمَ لكَ أنفــه, وفاضت لكَ عينهُ, وذلَّ لكَ قلبه.
 الإنسان إذا صلّى الليل, وناجى ربهُ, وتذللَ لهُ, يشعر بطعمِ القُرب, وهذا حال كِبار المؤمنين، لكن هذا الذُل لله عزّ وجل يُقابِلهُ عِزٌ في الحياة الدنيا, يُعزُكَ الله عزّ وجل، يرفعُ من مقامِك.
 يوجد أشخاص يتكبّرون عن الخضوع لله, لكنَّ الله يُرغمُ أنفهمُ بينَ الناس، يجعلهُم أذلاء، يُقهرون، يُهانون، يُشتمون، يُقرّعون.
 إيّاكَ أن تستنكفَ أن تعبُدَ اللهَ عزّ وجل، إيّاك أن تتكبرَ على اللهِ عزّ وجل، إذا خضعتَ إليه خضعَ لكَ الناسُ جميعاً، إذا تذللتَ إليه رفعكَ اللهُ فوقهم جميعاً، إذا وقفتَ بينَ يديه وقفَ لكَ الناسُ احتراماً، علاقة عكسية: كُلما استنكفتَ أن تعبُدَ الله, وتكبّرتَ على اللهِ عزّ وجل, كُلما رَغِمَ أنفُك بينَ الناس، يعني هذا المُتذلل هوَ بينَ الناسِ علم، وبينَ الناسِ عزيز النفس، وبينَ الناسِ قوي، وبينَ الناسِ ذو شأنٍ رفيع.
 اجعل لربِكَ كُلَ عِزّكَ يستقرُّ ويثبُتُ فإذا اعتززتَ بمن يموتُ فإنَّ عِزكَ ميتُ
 آلاف القِصص؛ كُلما اعتززتَ باللهِ عزّ وجل, جعلَ اللهُ كُلَّ مصائِبكَ من قِبَلِ هذا الذي اعتززتَ بهِ.

الخاتمة:

 نحن نتمنى أن نتابع الموضوع, وموضوع التوبة شيّقٌ جداً, وفي درسٍ قادمٍ إن شاءَ الله نتابِعهُ، يعني موضوع التوبة موضوع الحياة, ليسَ موضوعاً ينقضي في أولِ طريق الإيمان, لا, هوَ معكَ في كُلِ مراحل الإيمان، في كُلِ أطوارِ حياتِك, لأنكَ معَ اللهِ عزّ وجل بينَ مُصيبٍ ومُخطئ، فإذا أخطات, فالتوبةُ صمامُ الأمان، إذا كان الذنوب ضغطت التوبة صمام الأمان، وإذا غَرِقَ الإنسان في ذنوبِهِ فالتوبة حبل النجاة، وإذا أُغلِقت عليكَ الأبواب فالتوبة باب النجاة, بابُ نجاةٍ، وحبلُ أمانٍ وصمام أمان، والقرآن الكريم يقول:

﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018