الدرس : 20 - سورة الشعراء - تفسير الأية 221 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 20 - سورة الشعراء - تفسير الأية 221


1989-12-01

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما، علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً، وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً، وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس العشرين من سورة الشُّعراء، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ(227)﴾

 ( سورة الشعراء )

تنزيل القرآن خالص من عند الله:

 أيها الإخوة الأكارم، هذه الآية اسْتئناف، الجُمَل تكون ابْتِدائِيَّة واسْتِئْنافِيّة، فهذه الآية اسْتِئنافٌ ساقهُ الله سبحانه وتعالى لِيُبَيِّن اسْتِحالة تنزّل الشياطين على رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وفي آيات سابقة قال الله عز وجل:

﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) ﴾

 ( سورة الشعراء )

 أي إنّ هذا القرآن لم تتنزَل به الشياطين، وفي هذه الآية:

﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 مقامُ النبوّة مقامٌ منزَّه عن الكذب والإفْك، بينما الشياطين من صِفاتهم الثابتة أنّهم أفَّاكون آثِمون، فالأفاك هو الذي يقلِبُ الحق باطلاً، والباطل حقًّا الأفاك هو الذي يكذب، الأفاك هو الذي يوقِعُ بين الناس العداوَة والبغضاء، الأفاك هو الذي يُزَوِّرُ الحقائق، الأفاك هو الذي يقول ما لا يعْلم ويماري فيما يَعِلَم، قال تعالى:

﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) ﴾

 ( سورة الشعراء )

مقام النبوّة منزَّه عن الكذب:

 كأنَّ الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة يُبَيِّن مقام النبوَّة ؛ إنَّه مقامٌ منزَّه عن الكذب، وبالمناسبة فإنَّ الكذب يتناقض مع الإيمان، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))

 

 ( رواه أحمد )

 في بعض أقواله صلى الله عليه وسلَّم:

(( المؤمن لا يكذب ! ))

 لِمُجَرَّد أن يكون الكذب داخلاً في حياتك بِشَكلٍ أو بآخر فالنبي عليه الصلاة والسلام نفى عنك الإيمان:

(( المؤمن لا يكذب ! ))

 فالمؤمن قد يُقَصِّر، وقد تَزِلّ قدمه، وقد يفْعل شيئًا وينْدم عليه، ولكنَه لا يكذب، لذلك فمقام النبوَّة مقامٌ عظيم منزَّه عن الكذب، وعن الإثم، فالكذب هو انْحِرافٌ قولي، والإثْم انْحِراف سُلوكي والنبي عليه الصلاة والسلام يقول في بعض أحاديثه الشريفة:

 

(( لا يستقيم إيمان عبْد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ))

 

 (أحمد عن أنس)

 لذلك فالذي يقول: التِّجارة شطارة ! هذه مبنيَّة على الكذب، وبين أصحاب المِهَن هناك من يقول لك: لا بدّ من الكذب، هذا كلامٌ مرفوض، المؤمن لا يكذب ورزقهُ على الله، ومن ترَكَ شيئًا مخافة الله عز وجل عوَّضَهُ الله خيرًا منه، إذا كان الرِّزْق لا يأتي إلا بالكذب فلا كان هذا الرّزق، والله هو الغنيّ، فأَنْ تقول: إنَّ الكذب ضرورة فهذا كلام الشَّيطان، فالله سبحانه وتعالى يُبَيِّن في هذه الآية أنَّ من يدَّعِي أنَّ الشياطين تتنزَّل على النبي عليه الصلاة والسلام هذه دَعْوة باطلة ؛ لماذا ؟ لأنَّ الشياطين لا يتنزَّلون إلا على كل أفَّاك أثيم، ومقام النبوة مقام عظيم مُنَزَّه عن هذا الوصْف.

 

لا تنزل الشياطين إلا على مَن له قابلية:

 هناك نقطة مهمَة جدًّا لا بدّ أن نقف عندها، يقول الإمام القاشاني: تنْزِلُ الشياطين على مَن عنده اسْتِعداد لِقَبُولها، فمن الذي عنده اسْتِعداد لِقَبول الشياطين ؟ مَن كان على شاكلتهم من الخُبْثِ، والكَيْد، والمكر، والفساد، والخِيانة، وسائر الرذائل، وهذا القَوْل ينقلنا إلى حقيقة مفادُها: أنَّ أحدًا لا يستطيعُ أن يُضِلّ أحدًا، والشيطان يضِلّ من كان على شاكلته، ومن كان عنده اسْتِعداد لِتَقَبُّل أفكاره، ولِتَقبُّل وساوسِه وانْحِرافاته، والإنسان له جِبِلَّة، وهذه الجِبِلَّة فطرها الله سبحانه وتعالى فِطْرةً نَقِيَّة، وصفْحةً بيْضاء، فإذا دنَّسَها الإنسان بانْحِرافاته ومعاصيه وشهواته وجاء الشيْطان لِيُوَسْوِسَ لهذا الإنسان البعيد المنقطع ؛ فإنَّ هذا الإنسان يستجيب للشيْطان، الشيطان لا يستطيعُ أن يؤثَّر إلا لِمَن كان عنده اسْتِعداد لِقَبوله، قال تعالى:

 

﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222)﴾

 ( سورة الشعراء )

 مُنحرفٌ في أقواله، منْحرفٌ في أعماله، والإثم فِعْل المعاصي، والموبقات، واتِّباع الشَّهوات، والمَيْلُ نحو الغرائز والأفعال القبيحة، فالأفَّاك الأثيم هو الذي تنزَّل عليه الشّياطين.

 

من صفات المؤمن: عدم سماعه أقوال الشياطين:

 شيء آخر، هو أنَّ المؤمن لا يمكن أن يُصْغي إلى قول الشياطين، لا يمكن أن يُصغي إلى وساوسهم، لا يمكن أن يستجيب لهم، هذه حقيقة فهذا الذي يقول لك: لا أستطيع، وهكذا فَعَلَ بيَّ الجن، وهكذا دخلوا فيّ، هذا كلُّه كلام باطل، لا يقْبلُ وساوس الشياطين، ولا إيحاءات الجنّ، ولا يقْبَلُ تعاوُنَهُ مع الجنّ إلا إذا كان على شاكلتهم، وهذه حقيقة واقعة في الحياة اليوميّة، الإنسان السيّئ يُفْسِدُ مَن كان مثلهُ سيِّئًا، أوْ من كان يمْلِكُ اسْتِعدادًا للفساد، وعندهُ رغْبةٌ في الفساد يأتي المُفْسِد فَيُفْسِدُهُ، أما الذي سَمَتْ نفسُهُ، وارْتَقَتْ روحُه، واستقام على أمر ربّه واقبل عليه، وشعَرَ بالطهارة والعفاف، وشعَرَ بالقُرْب من الله عز وجل ؛ مِثْل هذا الإنسان لا يستطيعُ شيطان الإنس ولا شيطان الجنّ أن يُفْسِدَهُ، فلذلك على الإنسان ألاّ يقول كلّما زلَّتْ قدَمَهُ: لعن الله الشيطان ويحمل الشيطان تبعة أعماله، بل عليه أن ينظر في حقيقة تصرفاته وأنها من فعل يده واكتساب نفسه ! إنَّ الشيطان نفسه يوم القيامة يقول، كما في قوله تعالى:

 

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

 ( سورة إبراهيم )

 هذا كلام ربّ العالمين، ما كان لي عليكم من سلطان فالشيطان إذاً لا يستطيع أن يُفْسِدَ إلا من كان عنده اسْتعداد للفساد، وإلا من كانت عنده رغبة الفساد، وإلا من كان على شاكلة الشيطان من الخبث والانحراف، والكَيْد، والخِيانة، والكذب والفجور، قال تعالى:

﴿ اسْتَزَلَّهُمْ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ﴾

 ( سورة آل عمران )

 كسبوا السيّئات، فجاء الشيطان فأزلَّ أقْدامهم، فلذلك إذا زلَّتْ قدمُ الإنسان يجب أن يعلم عِلْم يقين أنَّه وحده يتحمَّل المسؤوليَّة كاملةً، ولا ينبغي له أن يُحَمِّلها أحداً، ولا أن يُحَمِّلَ بعضها للشيطان.
قال تعالى:

﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222)﴾

 ( سورة الشعراء )

 المؤمن ليس أفَّاكًا، ولا يكذب، وكان النبي عليه الصلاة والسلام إذا شَعَرَ أنَّ أحدًا من أهل بيْتِهِ قد كذَبَ يغضبُ غضبًا شديدًا، ويُقاطِعُه إلى أن يتوب، إذًا لمَّا كان مقامُ النبوَّة مُنَزَّهًا عن الإفك والإثم والكذب والفجور حُقَّ لِكُلّ مؤمن أن ينْفِيَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أن يكون للشياطين أو لبعضهم دَوْرٌ في إنزال هذا القرآن، أو في الوُصول إلى النبي العدنان عليه الصلاة والسلام.
 قال تعالى:

﴿ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ

 النبي عليه الصلاة والسلام سألهُ ناسٌ عن الكُهَان، فقال صلى الله عليه وسلّم:

 

(( إنَّهم ليْسُوا بِشَيء ))

 

 ( الأدب المفرد عن عائشة بسند صحيح)

 الحديث طويل، ولكن لو اكْتَفَينا بهذا الكلام لكفى ـ فكلّ ما يقوله الناس من أعمال الجنّ، ومن مكرهم، ومن أفعالهم ومن تآمرهم على الإنس، وبِعِلْمهم بما سيَكُون أي علمهم الغيب، كما قال سيّد الخلق:

 

(( إنَّهم ليْسُوا بِشَيء ! فقالوا: يا رسول الله: إنَّهم يُحَدِّثون بالشَّيء يكون ))

 وكثير من الإخوة الأكارم يسْمعون مِن أقاربهم، مِمَّن حوْلهم، وممَّن يلوذ بهم، أنَ فلانًا تنبَّأ بكذا، وكان كذا، فما تفسير هذا ؟! أُجيب كما أجاب النبي عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( إنَّهم ليْسُوا بِشَيء ))

 

أمر الله بالاستعاذة من شر الشياطين والسحرة

 ولكن الله سبحانه وتعالى أرشدنا في القرآن الكريم في آياتٍ كثيرة إلى أن نسْتعيذ به، قال تعالى:

 

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)﴾

 

 ( سورة الفلق )

 ودلَّنا أن نستعيذ مرَّةً ثانية، قال تعالى:

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6) ﴾

 ( سورة الناس )

 والله سبحانه وتعالى وصف المتَّقين فقال:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾

 ( سورة الأعراف )

 وفي آية رابعة يقول الله عز وجل:

﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

 ( سورة فصلت )

 أما أجمل ما في هذه الآية الأخيرة ؛ إنَه هو السَّميع العليم، فقد يقول لك قائل: أنا اسْتَعَذْتُ بالله، والشيْطان لم يبْرحني، فكيف تُفسِّر هذه الظاهرة ؟ إنَّه هو السميع العليم ؛ سمِيعٌ لاسْتِعاذتك باللِّسان، ويعلم ما إذا كان قلبك حقيقةً قد اسْتعاذ بالله، أم أنَّك اكْتَفَيْت بالاسْتِعاذة بِلِسانِك، يعني إذا كانت الاستعاذة باللِّسان هذه لا تكفي، ولا تفعل شيئًا، ولا تستطيعُ هذه الاستعاذة باللِّسان أن تدفعَ الشيطان، لذلك قال تعالى:

﴿ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

 ( سورة فصلت)

 فإذا أَلَمَّ بالإنسان وسواس، أو ألمَّتْ به مشكلة، أو لاحَتْ له شبهة، أو جاءَتْهُ خواطر لا ترْضي فإنَّها من الشَّيطان إذاً فلْيَسْتَعِذ بالله، ولكن فلْيَسْتِعذ بِقَلبِهِ قبل لسانه وأن يتوجَّه إلى الله بِكُلِّيتِه، أن يلْتجأَ إليه، وأن يحْتمي بحِماه حتى ينقذهُ الله سبحانه وتعالى من هذه المِحْنة، فالنبي عليه الصلاة والسلام: فإنَّهم يُحَدِّثون بالشيء يكون ! فقال عليه الصلاة والسلام:

 

(( تلك الكلمة من الحق يخطفها الجِنِّي، فَيُقَرْقِرُه في أُذُن وليِّه، كَقَرْقَرَة الدَّجاج فَيَخْلِطون معها أكثر من مئة كِذْبة ))

 

 ( الأدب المفرد عن عائشة بسند صحيح)

 حينما تنزل أوامر الله سبحانه وتعالى إلى الملإ الأعلى هناك من الشياطين من يستمعون، فإذا الْتَقَطَ أحدهم كلمةً ألقاها في أُذن الكاهن، ونسج على مِنوالها مئة كذبة، كما قال عليه الصلاة والسلام: كذبَ المُنَجِّمون ولو صدَقوا، ومن أتى كاهنًا فصدَّقهُ فقد كفر بما أُنزل على محمَّد، ومن أتى ساحرًا فصدقة لم تُقبل له صلاة أربعين صباحًا.
 قال تعالى:

 

﴿ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ﴾

 

 ( سورة الشعراء )

تفسير:﴿ يُلْقُونَ السَّمْعَ

المعنى الأول:

 من تفسيرات هذه الآية أنَّ هؤلاء الشياطين يسترقون السَّمع، ويُلقُون السَّمع إلى الملائكة ليأخذوا بعض أمر الله للبشر، فَيَبُثُّون في أُذن الكُهَّان لِيكذبوا عليه مئة كذْبة.

 

المعنى الآخر:

 أنَ المنحرف يُلقي سمْعهُ، والأفَّاك يُلقي سَمْعهُ إلى الكذب لذلك في نِظام المحاكمات يُقال: لا تُسْمعُ هذه الدَّعوة، القاضي يرفض سماعها في الأصل، إذا كانت لم تسْتَوْفِ شُروطها الإجْرائِيَّة ومضمونها الصحيح، دَعْوى غير مَسْموعة، والمؤمن كذلك إذا كان في عالم القُدُس، وكان مع الله سبحانه وتعالى، وكان في طهارته وعِفَّتِهِ لا يُلقي السَّمْع للشياطين، ولا لِوَساوِسِهم، قال تعالى:

 

﴿ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

من صفات غالبِ الشعراء الكذبُ:

 هؤلاء يكْذبون، والكذب كما تعرفون هو قلبُ الحقائق وتزويرها، وهناك من يقول: إنَّ النبي عليه الصلاة والسلام شاعر، وفي آيات كثيرة أشار الله سبحانه وتعالى إلى هذه التُّهمة التي اتُّهِمَ بها النبي عليه الصلاة والسلام من أنَّه كاهن، ومن أنّه شاعر، في بعض الآيات الكريمة يقول الله عز وجل:

 

﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43) ﴾

 

 ( سورة الحاقة )

 لا هو بِقَول شاعر، ولا هو بِقَول كاهن، بل هو قول رسول كريم، تنزيل من ربّ العالمين، هذا هو الحق، فهناك من ادَّعى، ومن زعمَ من كُفَّار قريش أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام شاعر، فكان هذا الردّ، وإذا زعمت أنَّه شاعر، فالشُّعراء يتَّبِعُهم الغاوون، الشُعراء ليْسُوا كذلك.

 

صور من كذب ومبالغات الشعراء:

 من هو الشاعر ؟ هذا الذي يتكلَّم كلامًا وفْق هواه فقد يمدحُ مديحًا كاذبًا، وقد يهْجو هِجاءً ظالمًا، وقد يصِفُ حالةً ساقطة، وقد يُبالغ، كما جاء على لسان بعض من الشُّعراء:

 

 

ولو أنّ النّســاء كمـن فقَدْنا  لَفُضِّلَت النِّساء على الرِّجال
* * *

 أراد شاعِرٌ أن يتقرَّبَ إلى المعتصِم، فلما َتُوُفِّيَت أُمّ المعْتَصِم، مَدَحَ أُمَهُ بِقَصيدةٍ مَطْلعها:

 

 

ولو أنّ النّســـاء كمن فقَـدْنا  لَفُضِّلَت النِّساء على الرِّجال
* * *

 من أجل هذه المرأة التي لا يعرف التاريخ عنها شيئًا !! وهذا كذب هذه مبالغة، ومبالغة كبيرة، وبعض الشُّعراء يمدح مديحا كاذبا، مديحا يخلو من كل حقيقة، يسبغ على ممدوحه صفات البطولة، والكرم، والشجاعة، والتَّقوى، وهو ليس كذلك، إذًا هذا المديح الكاذب فيه معْصِيَة، لأنَّ الله سبحانه وتعالى يغضب إذا مُدِحَ الفاسق فَمِن أجل مكاسب رخيصة، من أجل نوال محدود وعطاء قلَّ أو كثر، كان هذا الشاعر يُصْبغُ على ممدوحهِ صِفاتٍ كلّها ملفقة متكلَّفة، لذلك فربّنا عز وجل قال عن هذا النبي الكريم:

 

 

﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ﴾

 

 ( يس: 69)

 لأنَ من شأن الشعراء أن يكذبوا، هناك لقَطَاتٌ كثيرة من أقوال الشعراء ينحدر فيها الشاعر، ويسف إسفافاً:

 

أيَّ عظـيمٍ أتَّقـي  وأيَّ مكانٍ أرتقـي
و كـلّ ما خلـق  الله وما لـم يخلق
محتقر في نظري  كشَعْرةٍ من مرْفقي
* * *

 هذا قول المُتَنَبِّي ! ما قيمة هذا الشِّعر ؟ هذا الكون العظيم الذي تحار به العُقول قال عنه المُتَنَبِّي إنَّه محْتقرٌ في نظرهِ، فهل يُعْقَلُ أن يكون النبيّ شاعرًا، هذا المتنبِّي الذي قال مرَّة:

 

 

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبـي  وأسْمَعَت كلماتي من بِهِ صمَــمُ
أنام ملء جُفوني عن شـواردها  ويســهر الخلْق جرَّاه ويخْتصِمُ
الخيل والليل والبيـداء تعرفنـي  والسيف والرمح والقرطاس والقلم
* * *

 بكل فارس مِغْوار شجاع لا يهاب المنايا، كان في طريقه من بغداد إلى حلب أو من البصرة إلى حلب، فخرج عليه كمين فولَّى هاربًا ! فقال له غلامه: ألم تقل:

 

 

الخيل والليل والبيـداء تعرفنـي  والسيف والرمح والقرطاس والقلم
* * *

 فقال: قتلتني قاتلك الله، وعاد وقاتل حتى قُتِل، إذًا هناك مبالغات شيءٌ غير صحيح، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام أعظمُ بِكَثير وأسْمى بِكَثير، من أن يكون شاعرًا، قال تعالى:

 

﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ﴾

 ( سورة يس )

 إنَّه رسول الله، الشاعر ينطلقُ من خيال، وقد يبتعد عن الواقع الإسلام دينُ الفِطرة، لذلك هناك تناقض بين ما هم عليه الشُّعراء، وبين قواعد الدِّين، فليس من قواعِدِ الدِّين أن تكذب في المديح، وليس من قواعِد الدِّين أن تَهْجُوَ هِجاءً مقذعًا، ولا هِجاءً مُراً، وليس من قواعد الدِّين أن تُثير الغرائز بِشِعْر رخيص، وهذا كلُّه من صفات الشعراء، والنبي عليه الصلاة والسلام فهو فوق ذلك، ومن المبالغات إلى غزل إلى هِجاء إلى وصْف كلُّه ما أراده الله سبحانه وتعالى، ولكنَّ الحقيقة التي أُحبُ أن أُقرِّرَها في هذا الدَّرس ؛ هو أنَّ الإسلام لم يُهاجِم الشِّعْر لذاته، ولكن هاجَمَهُ لِمَضمونه، لأنّ مضمونه يتنافى مع قواعد الدِّين فكلّ شاعر سخَّر شِعرهُ للهِجاء الباطل، وللمديح الكاذب، ولإثارة الغرائز، وللتَّحليق في عالم الخيال، مُبْتَعِدًا عن الواقع فهذا الشاعر ينطبق عليه قول الله عز وجل: والشعراء يتَّبعهم الغاوون.

 

حكم الشعر في الإسلام: كلام حَسَنُهُ حسَن، وقبيحُهُ قبيح:

 إلا أنّ الشِّعْر كما يقول العلماء: كلام حَسَنُهُ حسَن، وقبيحُهُ قبيح، وهذا حُكمٌ فقهي في الشِّعر، نوَّهَ به النبي عليه الصلاة والسَّلام، فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا أَنَّهُ قَدِمَ رَجُلانِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

 

(( إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا، أَوْ إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ ))

 

 (رواه البخاري)

 (مِن )هذه للتَّبعيض، فبعض الشِّعر فيه حِكمة، وبعض البيان في سِحر ما كلّ البيان ساحر، وما كلّ شعر حكيم.

 

 في صحيح البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام تمثَّل قَول لبيد، فقال:

(( أصدق كلمة قالها لبيد: ألا كلّ شيءٍ ما خلا الله باطل ))

 ولكنَّه عليه الصلاة والسلام ما أتمَّ البيت، لأنَّ في تمام البيت مخالفة للحقيقة، فالبيت أصله:

 

ألا كلّ شيءٍ ما خلا الله باطل  وكـل نعيم لا محالـة زائل
* * *

 فنعيم أهل الجنَّة لا يزول، وهذا الكلام في الشطر الثاني غير صحيح.
 شيءٌ آخر، الإسلام لم يُهاجم الشِّعر لذاته بل هاجمهُ لِمَضْمونه، لأنَّ الشِّعر كلامٌ حسَنُهُ حسَنَ، وقبيحُهُ قبيح، لو أنَّ الشاعر اسْتَخْدم شِعرهُ في الحديث عن الله عز وجل، أو عن هذا الكون العظيم، أو عن النبي الكريم، أو أثار الهِمَم للأعمال الطَّيِّبَة، فهذا الشِّعر حسَن، بعض الشعراء يقول:

 

 

اُنظر لِتِلك الشَّجـــرة  ذات الغُصون النّضـرة
كيف نَمَتْ مِن حبَّــةٍ ؟  وكيف صارَتْ شَجَـرة
فابْحَث وقل مـــن ذا  الذي يُخرجُ منها الثَمرة ؟
و انْظر إلى الشمــس  جذوتها مُسْتَعِــــرة
فيها ضِيـــــــاء  وبها حرارة منتشــرة
من ذا الذي أوْجَــدَها  في الجوّ مثل الشَّــرَرة
و انْظر إلى الليـــل  فمن أوْجَدَ فيه القمـــر
و زانـهُ بأنْجُــــمٍ  كالدُّرر المنتشــــرة
و انْظر إلى الغَـــيم  فمن أنزل منه مطــرًا ؟
فصيَّرَ الأرض بـــه  بعد اصْفِرارٍ خَــضِرة
ذاك هو الله الــذي  أَنْعُمُهُ مُنْهَمِــــــرة
ذو حِكمةٍ بالغـــة  وقدرةٍ مقــــــتدرة !
***

 فالشِّعر ليس حرامًا لِذاته، ولكنَّ المديح الكاذب والهِجاء الرَّخيص والغزل وإثارة الغرائز ؛ هذا الذي هاجمه الإسلام، فإذا كان الشاعر في هذا المسْتوى حيث استمعنا لوصف الشجرة فأنْعِم به من شاعر، والقرآن الكريم استثنى فقال:

 

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

 ( سورة الشعراء )

استثناء الشعراء المؤمنين من شر الغواية:

 لأنَّك إن أردْتَ أن تُحْدِثَ موقفًا انفعالياً في الناس، فإنك تسْتخدمُ الشِّعر، فهو يُحَرِّك المشاعر، ويُحَرِّك العواطف والبلاغة والقدرة التَّعبيريّة شيءٌ ثمين إذا وُظِف للحق فأنْعِم به، وأكرِم، لذلك الشِّعر كلامٌ حسنُهُ حسَن وقبيحُهُ قبيح، ولا ينبغي أن نُطْلقَ عليه حُكْمًا جائرًا وعامًّا، ولكنَّ هؤلاء الذين زعَمُوا أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام شاعر، قال تعالى:

 

﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ﴾

 وليس مقام النُّبوّة يقترب منه مقام الشّعر، ففي الشِّعر الكذب والهِجاء، وخيالات وبُعْدٌ عن الواقِع، كافور الإخشيدي مدحَهُ المُتَنَبّي بقصيدة، جعل من هذا الإنسان أحد أصحاب رسول الله ! فلمَّا غضِبَ عليه، ولم يُوَلِه العِراق قال:

 

 

لا تشْترِ العَبد إلا والعصا معه  إنَّ العبيد لأنجـاس مناكيدُ !
* * *

 وقال:

 

 

وفي كلّ أرضٍ وطِئْتُها أمم  تُرعى بِعَـبْد كأنَّهم غَنَم
يسْتخشِنُ الخزّ حين يلْبسُهُ  وكان يُبْرى بِظُفرِهِ القلَمُ
* * *

 هذا هو الشِّعر، رفعُه إلى مستوى عال جدًا، فلمَّا أحْبط مسْعاه ويئسَ منه جعَلَهُ في أسفل سافلين، أما النبي عليه الصلاة والسلام فقد نهانا عن أن يحمِلَكَ الغضب على أن تُبالغ، أو أن يحمِلَكَ الرضا على أن تُبالغ يجب أن تقف عند الواقع عند ما هو كائن، فكلّ زِيادة وكلّ مبالغةٍ ليست من شأن المؤمن.
 حال الشُّعراء مُنافيَةٌ لِحال رسول الله صلى الله عليه وسلّم، فالنبي عليه الصلاة والسلام في مراتب عليا من الطَّهر ومن العفاف، من الصِّدق ومن المروءة، ومن الواقِعِيَّة، أما هؤلاء الشُّعراء فإنهم يمْدحون ويهْجون ويتغزَّلون ويُحَلِّقون بالخيال، ويبتعدون عن الواقع، فليس من يقول: إنَّ النبي شاعر هو مُحِقّ بل هو مبطِل، قال تعالى:

 

﴿ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 هل هؤلاء الصَّحابة في مستوى أن يكونوا أتباع شاعر ؟ لا والله! قال تعالى:

﴿ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) ﴾

 ( سورة الشعراء )

تفسير: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ

 لم يقل الله عز وجل: في كلّ طريق يهيمون، قال: في كلّ واد ! يعني هناك متاهات، واد فيه مغاوِر، وفيه مسارب، وفيه اتِّجاهات متناقضة وفي حَيرة، والفِعْل هامَ تقول: هامَ على وجْهه سارَ بِلا هُدَى، ومن دون بصيرة، ولا هدف، فالشُّعراء في كلّ وادٍ يهيمون، يميل مع مصلحته أينما مالَت، حتى إنَّ شاعرًا في العصر العباسي مدَحَ وهجا اثنَي عشر خليفةً، يمْدحُهُ ثمَّ إذا جاء خلفُهُ هجاه، فَكُل هذا زورٌ وكذب وبهتان، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 فهذا الذي مَدَحَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم بِقَصيدة رائعة، له أبيات أخرى:

 

رمضان ولَّى هاتِها يا ساقي  مشْـتاقةً تسْعى إلى مُشتاق
* * *

 يقصِدُ بها الخمر ‍‍! فهو إذا أراد النبي مدحه، وإذا أراد الخمر مدحها أهَذا مسلِم ؟ وهل هذا منضبِطٌ ويؤخَذُ عنه ؟ إن أموره لا ضابط يضبطها، وتسترسل من دون حدود، هي فوضى ! لذلك ربّنا سبحانه وتعالى قال:

 

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 في كلّ واد تخوضون، تارةً يُتَّهَمُ بعض الشعراء بالزَّندقة، وتارةً يُقال عنه إنَّه مؤمن، وتارةً يؤمن بالآخرة، تارةً يرفض الآخرة، هناك اضطراب فِكري، واضطراب عقدي، واضطراب سُلوكي، فهل يمكن أن نأخذ شيئاً عن هؤلاء ؟ وإذا كان عندهم شيء يؤخذ، فهو المَقْدُرة اللُّغوِيّة والشِعريّة ليس غير، أما أن يكون الحقّ معهم فهذا أبْعدُ شيءٍ عن الواقع، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) ﴾

 ( سورة الشعراء )

وَأَنَهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ

 سيّدنا عمر رضي الله عنه استعْمَلَ واليًّا على البصرة اسمهُ النعمان بن عَدِيّ وكان هذا الوالي يقول الشَعر، قال قصيدة وقال في خِتامها:

لعلّ أمير المؤمنين يسوؤُه  تنادمنا بالجَـوثق المتهدِّم
* * *

 فبَلَغَ سيِّدنا عمر هذه القصيدة، فقال: إي والله، إنَّه لَيَسُوؤني ذلك، ومن لَقِيَهُ فلْيُخْبرْهُ أني عَزَلْتُه، وكتَبَ إليه:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ(3)﴾

 ( سورة غافر )

 أما بعد فقد بلغني قولك: واَيْمُ الله إنَّهُ لَيَسُوؤُني ذلك، وإنِّي قد عَزَلْتُك ! فسيّدنا عمر كان حريصًا حِرْصًا بالغًا على أن يكون هذا العامل الذي يسْتَعْملهُ على مِصْرٍ، أو على قُطْرٍ من أقطار بلاد المسلمين في المستوى الراقي الذي لا تشوبُهُ شائبة.

 

موقف بعض شعراء الصحابة بعد نزول هذه الآية:

 شيءٌ آخر مُتَعَلِّق بِهذا الموضوع ؛ هو أنَّ بعض أصحاب النبي عليهم رِضوان الله، ومنهم سيدنا حسَّان بن ثابت، ومنهم سيّدنا عبد الله بن رواحة، ومنهم كعب بن مالك كانوا شعراء، فحينما نزَلَ قوله تعالى:

 

﴿ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 أتَوْا النبي عليه الصلاة والسلام وهم يبْكون فقالوا: يا رسول الله، إنَّ الله سبحانه وتعالى حينما أنزل هذه الآية يعْلمُ أنَا شُعراء، ونحن قد هَلَكْنا فقال عليه الصلاة والسلام مُتَلَطِّفًا:

(( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأنتم هؤلاء ! ))

 وهذا الاسْتِثناء مهمّ جدًّا، فالإنسان الآن إذا كان يمْلكُ قُدْرةً لُغَوِيَّة، وشِعْريَّة، ووظَفَها في الحق، فهذا عمل طيِّب، والآن بالمقاييس الملتزمة بالشِعر، يَعُدُّون الشِّعْر الملْتَزم من أرقى أنواع الشِّعْر، إن هذا الشِّعر الذي يُنافحُ عن قضِيَّة، الذي يلْتَزِمُ مبدأً، ويُسَخَّرُ لِخِدمة أحداث عظمى، هذا شِعر مُلتَزِم، فسيّدنا حسَّان بن ثابت، وكذا سيدنا عبد الله ابن رواحة وكعب بن مالك كان شِعرهم مُوَظَّفًا في خِدمة الحق، فالنبي عليه الصلاة والسلام اسْتَثناهم انطلاقاً من قوله تعالى:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

المؤمن يُجاهد بِسَيفه ولسانه:

 وقد أُثِرَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنَّهُ قال لِحَسَّان بن ثابت هاجِهِم وجِبريل معك، ‍‍يعني أنه أذن له في هجاء الكفار ! وكان ديوان حسَّان رضي الله عنه كله في مَدْح النبي عليه الصلاة والسلام، وفي الردّ على خُصومه، وفي حديث آخر رواه الإمام أحمد في مسنده عن كعب بن مالك أنَّه سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن هذه الآية فقال:

 

(( إنَّ المؤمن يُجاهد بِسَيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنّما ترمونهم به نضح النبل ))

 

 ( البغوي في شرح السنة عن كعب بن مالك بسند صحيح )

 أيْ هذه القصائد التي ينظمها أصحاب رسول الله في الردّ على أعداء الإسلام كأنَّها نِبال تُصيبهم، وهذا بعض ما جاء في السنَّة المطهَّرة عن شعراء الإسلام الذي نافحوا بِشِعرهم عن هذا الدِّين العظيم.
 قال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) ﴾

 ( سورة الشعراء )

من صفات غالب الشعراء: أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ

 هذا شيءٌ خطير، يقولون ما لا يفعلون ! هم في واد وأفعالهم في واد قال تعالى:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

من صفات الشعراء المؤمنين: لا يلهيهم الشعر عن ذكر الله:

 أجْمَلُ ما في هذه الآية أنّ الشِّعر لم يُلْهِهِم عن ذِكْر الله تعالى ؛ وهذا معنى، والمعنى الثاني أنَّهم ذكروا الله كثيرًا في شِعرهم، فشِعْرُهم كلّه طافِح بالحديث عن آيات الله الكونيّة، وعن رحمته وعن عظمته، وعن قدرته، وعن نبيِّه صلى الله عليه وسلّم، فإذا لم يشْغل الشِّعر الشاعر المؤمن عن ذِكر الله، أو أنَّه كان شعره ذكراً كثيرًا، فهذا من صفات الشاعر المؤمن.
 قال تعالى:

﴿ وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ﴾

[ سورة الشعراء ]

الأمرُ بالردِّ على شعراء الأعداء:

 وهذا هو الردّ على الشُّعراء الذين ناصَبُوا النبي العِداء، وكان حسَّان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم يرُدُّون على خصوم الإسلام، فإذا كان الشِّعْر ردًّا على خُصوم الدِّين، أو ذِكراً لآيات الله أو لأسمائه الحسنى، أو مَدْحاً للنبي الكريم، فهذا من حسنات الشعراء المؤمنين، قال تعالى:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾

 ( سورة الشعراء )

 هذه مُطلقةٌ، يعني أيُّ ظالم، قال تعالى:

﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ

 هذه لأيِّ ظالم، وبعضهم قال: سيعلمُ الذين ظالمو من هؤلاء الشعراء، ظلَمُوا الناس بِهِجائهم، وظلموا بِمَديحهم الكاذب، وبِنفاقهم، وثرْثرتهم، وإثارة الغرائز، قال تعالى:

﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 سيّدنا الصِّديق رضي الله عنه حينما عَهِدَ بالخِلافة إلى عمر بن الخطاب كتَبَ هذه الوصيّة فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما وصَّى به أبو بكر بن أبي قِحافة عند خُروجِهِ من الدُّنيا، حين يُؤْمن الكافر، وينتهي الفاجر، ويصْدق الكاذب، إنِّي اسْتَخْلفْتُ عليكم عمر بن الخطّاب فإن يَعْدِل فذلك ظنِّي به، ورجائي، وإن يَجُر ويُبدِّل فلا عِلْم لي بالغَيب، وهي وَصِيَّة رائِعة جدًّا، ومات وكان هذا الذي أوصى به أبو بكر بن أبي قِحافة عند خروجه من الدنيا.. إذاً:
 هذا على قَول الله تعالى:

﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 وكان سيّدنا عمر يقول: تعلَّموا العربيّة فإنَّها من الدِّين، إذا أردْتَ أن تدْعُوَ إلى الله عز وجل واسْتخْدمْتَ اللُّغة السليمة، والعبارة الأدبيَّة القويّة، والنبي عليه الصلاة والسلام ففي ذلك أداء الرسالة الحق والخير قال:

 

(( إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا، أَوْ إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ ))

 

 ( رواه البخاري )

 فإذا وُظِّفَتْ اللغة كما وظَّفها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم في الحق فهنيئًا لمن فعله، وإذا امتلكَ أحد ناصِيَة البيان كَهَؤُلاء الشُّعراء المنحرفين الذين يكذبون ويأفكون ويتَّهمون ويجورون ويظلمون فالويل له ثم الويل، لقوله تعالى:

﴿ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾

 ( سورة الشعراء )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018