الدرس : 19 - سورة الشعراء - تفسير الآيات 217 – 220 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 19 - سورة الشعراء - تفسير الآيات 217 – 220


1989-11-24

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا، وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً، وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس التاسع عشر من سورة الشُّعراء، في الدرس الماضي تمّ بِفَضل الله عز وجل شرْحُ طرفٍ من معاني التّوكّل التي ورد الحديث عنها في قوله تعالى:

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾

الشطر الأول للتَّوكّل: العِلْم:

 ويا أيها الإخوة الأكارم، التَّوكّل عند بعض العلماء عِلْمٌ وحال وعمل، فالتَّوَكُّل لا يكون ولا يَصِحّ إلا إذا عرفْتَ الله سبحانه وتعالى، وقد يسأل سائل كيف أتعرَّفُ على الله تعالى ؟ قبل كلّ شيء، لا بدّ من اقْتِطاعٍ وقتٍ من أوقاتك الثَّمينة للتَعَرّف إلى الله عز وجل، أما أن تمتصّ الحياةُ الدنيا كلَّ وقْتِك فإنَّك لن تستطيع التَّعَرّف إلى الله عز وجل، فلا بدّ من تخصيص وقْت لِمَعرفة الله، كيف تعرف الله عز وجل ؟ إنَ التَّوَكُّل مرتبِطٌ بِمَعرفة الله، وإنَّك لن تتوكَّل إلا على القويّ، ولن تتوكَّل إلا على الغنيّ، لن تتوكَل إلا على القدير، لن تتوكَل إلا على الحكيم، لن تتوكَل إلا على الرحيم، لن تتوكَل إلا على العزيز، إذًا: معرفة الله أوَّلاً ثمَّ التوكُّل عليه ثانيًا.

 

أبواب معرفة الله: آياته القرآنية والتكوينية وأفعاله:

 

1 - الكتب المقروء:

 هناك أبواب ثلاثة لِمَعرفة الله، الله سبحانه وتعالى خَلَقَ الخلْق، وجعلهم مَظْهرًا لأسمائِه الحسنى وصفاته الفضلى، والله سبحانه وتعالى أنْزَلَ هذا الكتاب، وهذا الكِتاب لو قرأْتَهُ، ولو تلَوْتَهُ حقَّ تِلاوتِهِ، وتدبَّرْتَهُ حقَّ تَدَبُّرِهِ، لَعَرَفْتَ عظمة الله عز وجل من خلال هذا الكتاب.

 

2 – أفعال الله:

 وشيءٌ آخر، وهو ما يجْري في الأرض من أفعال، هذه أفعال الله، والكون خلقهُ، وهذا كلامه، وهذه أفعاله، وخلقهُ يدلّ عليه، وكلامه يدلّ عليه، وأفعاله تدلّ عليه، فإذا شئْت أن تعرف الله عز وجل فحَسْبكَ الكون، وإلا شئْتَ أن تعرف الله عز وجل فحَسْبُك هذا الكتاب، وإذا شئْتَ أن تعرف الله عز وجل فَسِرْ في الأرض، وانْظُر كيف كان عاقبة المكَذِّبين، هذه أبواب معرفة الله عز وجل، قد يقول قائلٌ معرفة أمره لا يكفي، هناك خَلْقٌ وهناك أمْر، وهناك ربّ عظيم، فهناك عِلْمٌ بأمر الله، وهناك عِلْمٌ بِخَلقه، وهناك عِلْمٌ به، فالعِلْم بِخَلقِهِ كما يحْدثُ في شتَّى بِقاع الأرض، بَحْثٌ ودرْسٌ واكْتِشاف واخْتِراع ؛ هذا كلّه معْتَمِدٌ على معرفة القوانين الدقيقة التي تنْظِمُ علاقة الأشياء المادِّيَّة بعضها ببعض، هذا عِلم خلق الله.

 

 

3 - الآيات التكوينية:

 فالظَّواهر الفيزيائيَّة، والظَّواهر الكيميائيّة، والظواهر الاجتماعيَّة والاقتِصاديّة والفَلَكِيَّة، والظواهر المادِيَّة، الرِّياضيات والفيزياء، والكيمياء والتاريخ والجغرافيا، علم النَّفس وعِلم الاجتماع، هذه كلّها عِلومٌ من خلق الله، وقد تَفَوَقَتْ بعض البلدان في هذا المِضْمار تفوُّقًا كبيرًا فهذا علم بِخَلق الله، أما أنّ الإنسان إذا اسْتغرق في هذا العلم وبقِيَ محصورًا به، ونَسِيَ خالقه ومُربِّيه، هذا العلم لا ينفعُهُ شيئًا، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

((اللهمّ إنِّي أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عَيْنٍ لا تَدْمع، ومن أُذن لا تسمع، وأعوذ بك من هؤلاء الأربع ))

 

 (الترمذي عن عبد الله بن عمرو )

 فالعِلْم بِخَلق الله مُتَعَلِق بالدنيا إذا أردْت به الدنيا، ويتعلَّق بالآخرة إذا أردْتَ به الآخرة، فإذا درسْتَ الفلَكَ لِتَكْتشف العظمة الكامنة في خلق السماوات والأرض، فهذا العِلْم المتعلِّق بِخَلْق الله يوصِلُ إلى الله عز وجل، وإذا درسْتَ تشْريح الإنسان وأجهزته وأعضاءهُ، وبُنْيتَهُ، وعلم وظائفه من أجل أن تبْحث عن عملٍ تقْتاتُ بِرِزْقه، فهذا عِلمٌ أوْصَلَكَ إلى الدنيا، أما إذا اتَّخَذْت من هذا العِلْم سبيلاً إلى الله عز وجل كي تعرف عظمة خلقِه، ورَوْعَة صَنْعته، وإتقان خلقه، فهذا العِلم ؛ عِلم التشريح وعِلم وظائف الأعضاء يوصِلُك إلى الله عز وجل، فأيّ شيءٍ خلقه الله عز وجل، إما أن ترْقى به إلى الله، وإما أن تهْوي به إلى الدنيا، أو تنال به رضى الله وسعادة الدنيا، وأنت حرّ، وأنت مُخَيَّر، حتى العلوم المتعلِقة بِخَلْق الله، إنَّك إذا تأمَّلْت في قوانينها، ودرسْت خواص الأشياء، وخصائص المادّة، فإنَّ هذه العلوم تكشف له عن جانبٍ كبير من عظمة الله عز وجل، فهذا عِلْم خلْق الله.
 أما العِلم بأمر الله تعالى، هذا القرآن الكريم، وهذه السنَّة المطهَرة، إذا تلَوْت القرآن حقَّ تِلاوته، وتدبَّرْت آياته حقّ تدبّره تكشف لك هذه الآيات عن جانبٍ عظيم من جوانب أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، وإذا تأمَّلت في الخلق، وتأمَّلت في الحركة التي تجري بينهم، وتأمَّلت في تصرّف الله عز وجل فيما يتعلَّق بشؤونهم، إنَّك إذا تأمَّلْت في هذا أيضًا تعرّفت إلى الله عز وجل، فهذه المصادر الثلاثة ؛ خلقُهُ: الكون، وكلامه: القرآن، وأفعاله: الحوادث كلها تدل عليه سبحانه، فَخَلْقُهُ يدلّ عليه، وكلامه يدلّ عليه، وأفعاله تدلّ عليه.

 

لكل إنسان مرتبة في معرفة الله:

 ولكلّ إنسان في الأرض مرتبة في معرفة الله، فكلما ازْدَدْتَ تفكُّرًا في آيات الله، وتتبُّعاً لأفعاله، وتدبّرًا في كلامه كلّما ارْتَفَعَت مرتبتُك عند الله عز وجل، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

 

((لا بورك لي في يوم لم أزْدَدْ فيه من الله عِلْمًا ))

 

 (سلسلة الأحاديث الضعيفة )

العلم هي قيمة الترجيح بين الخَلق:

 وكما قلتُ من قبل: القيمة الوحيدة التي اعْتَمَدَها القرآن الكريم كَقيمة وحيدة للتَّرجيح بين خلقِهِ هي العِلم، فإذا أردْت الدنيا فَعَلَيك بالعِلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معًا فعليك بالعِلم، ويظلّ المرء عالمًا ما طلب العِلم، فإذا ظنَّ أنَّهُ قد عَلِم فقد جَهِلَ، والعِلم لا يُعطيك بعضهُ إلا إذا أعْطَيْتَه كلّك، فإذا أعْطيْتَهُ بعضك لم يعْطِكَ شيئًا.
 إذاً لقد أردتُ من هذا الكلام أن أقول لكم: إنَّ التَّوَكُّل لا يكون، ولا يصحّ إلا إذا عرفْت الله عز وجل، تتوكَّلُ على مَن ؟ على العزيز الرحيم وعلى الخَلاَّق العليم، وعلى مَن بِيَدِهِ كلّ شيء، وعلى القويّ، وعلى القادر، وعلى الغني، والسميع، وعلى البصير، إذاً فلا بدّ من معرفة الله عز وجل، وقد قيل: أصل الدِّين معرفة الله، والذي جاء النبيَّ عليه الصلاة والسلام وقال له: " جئْتُكَ لِتُعَلِمني من غرائب العِلم ‍‍‍! " فقال عليه الصلاة والسلام:

 

((فماذا صَنَعْت في أصل العلم ؟ هل عرفْت الربّ ؟ ))

 

 (ورد في الأثر )

 هناك في الدِّّين شيءٌ ليس ظاهرًا ظُهورًا صارخًا، كالبناء الشامخ، بناءٌ مؤلَّف من طوابق عديدة، إنَّ في هذا البناء شيئًا أساسيًّا خطيرًا جدًا، هو الأساس فالأساس تحت الأرض، والذي يبْدو لك هذه الطَّوابق، ولو لم يكن هناك أساس مكين لانْهار البناء، لذلك فالإنسان إن لم يعرف الله حقَّ المعرفة فشَهْوَةٌ صغيرة تُفْسِدُ أخلاقه، وتحت تأثير أيّ ضغط قليل يخرج عن اسْتِقامته، فهو مُعَرّض لإغراءٍ أو لِضَغْطٍ، فالإغْراء جاذب، والضَّغط مانِع، فحياة الإنسان مَشْحونة بالضُّغوط والمُغْرِيات، فما لم يكن هناك إيمان كبير بالله عز وجل أساسه البحث والتَّدقيق والمعرفة والتَّفَكُّر والتَأمّل والدَّرس، ما لم يكن هناك إيمان قويّ فإنَّ الإنسان ينْهار لِضَغْط يسير، أو لإغراءٍ قليل ! وعندها يفْقد إيمانه، وقد وصف عليه الصلاة والسلام إيمان الناس في آخر الزمان فقال:

 

((يصبح الرجل مؤمنا، ويمسي كافرًاً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا ))

 

 (الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة )

السور المكية دعوة إلى التفكر والتأمل:

 لماذا ؟ لأنَه ما عرف الله عز وجل، والمشكلة التي يُعانيها المسلمون تتلخَّص في عدم معرفتهم بربهم، إنّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما جاء بالإسلام أمضى مع أصحابِهِ ثلاث عشْرة سنةً في مكَة يدْعوهم إلى معرفة الله عز وجل، وإذا شئْتم فاقْرؤوا السُّوَر المكِيَّة، تقرؤون ماذا ؟ قال تعالى:

 

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾

 

 (سورة الشمس )

 وقال تعالى:

 

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ﴾

 

 (سورة الشمس )

 وقال تعالى:

﴿ وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) ﴾

 (سورة الفجر )

 إذا قرأتم السُّوَر المَكِيَّة فلا تجدون فيها إلا الآيات الكونِيَّة، وتكاد السُّوَر المَكِيَّة تقريبًا تتحدَث عن شيئين ؛ عن الإيمان بالله من خلال آياته الكونية، وعن اليوم الآخر، وهذا هو أساس الإيمان، فإذا عَلَّمْتَ الناس الأحكام الشَّرْعِيَّة قبل أن يعْرفوا المُشَرِّع، وعلَّمْتهم الأمر قبل أن يعرفوا الآمر، علَمْتهم أحكام الدِّين قبل أن يعرفوا خالق الكون، عندئذٍ لا يستقيمون على أمر الله، آيةٌ كريمة مِن أدقّ الآيات التي وردَت في أواخر سورة الطَّلاق، يقول الله عز وجل:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا ﴾

 (سورة الطلاق: من آية " 12 " )

 أيْ أنَّ خلْق السماوات والأرض من أجل أن تعلم، وعِلَّة خلْق السماوات والأرض أن تعلم، قال تعالى:

﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾

 (سورة الطلاق )

قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ

 يجب أن تعرف اسم العليم، واسم القدير، ويجب أن تعرف أنَّ علمه يطولك، وأنّ قدرته تَطُولك، من أجل أن تستقيم على أمره، فإذا بقيَ الإسلام في حَيِز التّفْكير، وفي حيِّز الثَّقافة لا يقطف الإنسان ثماره، وإذا بقي الإنسان في حيِز العواطف لا يقطف الإنسان ثماره، لن يقطف الإنسان ثمار الدِين فيَسْعَدَ به في الدنيا والآخرة إلا إذا أحاط به من كلّ جوانبِهِ ؛ فهذا خلْقُهُ، وهذا القرآن كلامه، وتلك الحوادث أفعاله ومن خلال القرآن تعرف الله، ومن خلال الكون تعرف الله، ومن خلال الحوادث تعرف الله، تعرف الله إذا تأمَّلْت، وتعرف الله إذا قرأْت، وتعرف الله إذا اسْتَمَعْتَ، لك أن تُفَكِّر ولك أن تقرأ، ولك أن تسْتَمِع، وهذه كلها طرقٌ موصِلَةٌ إلى الله عز وجل، لذلك من أجل أن تكون أقوى الناس، ومن أجل أن يصِحَّّ تَوَكُّلك لا بدّ من أن تعرف ربَّك، يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

((إنَّ الصِّدق يهدي إلى البرّ... ))

 

 (الترمذي، أبو داود، ابن ماجه عن ابن مسعود )

 إذا صدَقْت في معرفة الله فإنَّ الله سبحانه وتعالى يهْديك إليه، قال تعالى:

 

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

 

 (سورة العنكبوت )

 فبِمُجَرَّد أن تنعقِد إرادة ورغْبة صادِقة مُصَمِمة على أن تعرف الله عز وجل، فإن ربّنا سبحانه وتعالى يُريك آياته الكَوْنِيَّة، ويُلْهِمُكَ أن تفكِّر بها، ويُسْمِعُكَ الحقّ من أهل الحقّ، ويجْمعك مع أهل الحقّ في مكانٍ حقٍّ وهو المسجد.
إذًا في التَّوَكّل أشياء ثلاثة، وهذا مُلخَّص الدَرسين السابقين ؛ في التَّوَكُّل عِلم، وفي التَّوكّل حال وفي التَّوكل عمل، فالعلم هو أن تعرف الله، وهذا أساس الدِّين،

 

((ابن آدم اطلبني تَجِدني، فإذا وَجَدْتني وجَدْت كلّ شيء، وإن فِتُّكَ فاتَكَ كلّ شيء، وأنا أحَبُّ إليك من كلّ شيء ))

 

 (ورد في الأثر )

 أصْلُ الدِّين معرفة الله تعالى، فالتَّفَكُّر عِبادة من أرقى العبادات، بل إنَّها لا تقِلُّ خطورة عن الصَّوم والصَّلاة، والآيات التي تحضّ على التَّفَكّر لا تُعدُّ ولا تُحْصى، اِقرأ القرآن قال تعالى:

﴿ قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾

 (سورة يونس )

 قال تعالى:

﴿ فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِه ﴾

 (سورة عبس )

 قال تعالى:

﴿ فَلْيَنظُرْ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾

 (سورة الطارق )

 هذه كلّها آياتٌ تحثّكم على التَّفَكّر في خلْق السماوات والأرض، واعلم جيداً أنَّك لن تتوكَل على الله إلا إذا عرفْته، هذا جانب من جوانب الموضوع.

 

الشطر الثاني للتوكل: الحال:

 الجانب الآخر أنَّ التَوَكُّل حال، كيف ؟ الجواب: لو أن أحدنا له قضِيَّة فيها خُصومة، ووكَّلَ مُحامِيًا بارعًا قَوِيًّا، ومُتَفَهِمًا للقوانين، وضليعًا في حِرْفَتِهِ، طليقًا في لسانه، وله مكانة كبرى في القصْر العدلي، إذا وكَّلْت هذا المحامي فإنَّك تشْعر بشيءٍ من الطّمأنينة ؛ فكيف إذا كان الذي يتولَى عنك كلّ شيء هو خالق السماوات والأرض، الله سبحانه وتعالى يقول:

 

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

 

 (سورة الحج: من آية " 38 " )

 نعم يُدافعُ عنك الله، ويتولَى أمْرك، و:

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾

 (سورة البقرة: من آية " 257 " )

 إذا كان الله معك فمَن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ما من مخلوق يعتصِمُ بي من دون خلقي أعرف ذلك مِن نيّته فتكيدهُ أهل السماوات والأرض إلا جَعَلتُ له من بين ذلك مَخْرجًا، وما من مخلوقٍ يعتصم بِمَخلوقٍ دوني أعرف ذلك مِن نِيَّته إلا جعلْتُ الأرض هَوِيًّا تحت قدَمَيه، وقطَّعْتُ أسباب السماء بين يديه ! حالة المتوكِل هي حالة التَّسليم، وحالة الرِّضا، وحالة الطمأنينة وحالة السكينة والتَّفويض، هذه كلّها ثِمار يانعة للتَوَكُّل، شتَّان بين إنسانٍ مقْهورٍ خائفٍ قلق ومضطربٍ يشعر بالقهْر والذلّ، والخنوع، والِخَوفٍ يأكل نفسه، وبين إنسانٍ آخر يشْعر بالأمن والعافية والسلامة والرِّضا والتَّسليم ؛ الفرْق كبير، ولذلك ربّنا عز وجل لما قال:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

 (سورة الجاثية: من آية " 21 " )

 من رابع المستحيلات، بل من سابع المستحيلات، بل من كل المستحيلات أن تكون حياة المؤمن النَّفْسِيَّة كَحَياة الكافر النَّفْسِيَّة ؛ هذه نفْسٌ قلقة مضْطربةٌ يائسة ومقْهورة وخانعة وذليلة، وهذه نفْسٌ مطمئنة وآمنة، ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) ﴾

 (سورة الأنعام )

فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ

 ما قولك بهذه الآية ؟ لو أنَّ الله عز وجل قال: أولئك الأمن لهم، لكان المعنى لهم ولغيرهم، أما حينما قدَم الله عز وجل لهم أي الأمن لا يحسّ به أحدٌ سِواهم، والأمْنُ لهم وحْدهم فقط، لا يشْعر بالأمن إلا المؤمن، ولا يشعر بالطمأنينة إلا المؤمن، ولا يشعر بالسَّكينة إلا المؤمن، هذه من ثمار التَّوَكّل، وبِشَكل بسيط جدًّا أنت جنديّ مثلاً وصاحب أعلى رتبة في هذا الجيش يحِبُّك حبًّا جمًّا، ويحْرصُ عليك حِرْصًا بالغًا، فعندئذٍ لا تخاف شيئًا، وهذا حال سيّدنا هود، حينما قال كما قال تعالى:

﴿ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) ﴾

 (سورة هود )

 إذا عرفْتَهُ توكَلْت عليه، وإذا توكَلْت عليه شعرْت بالأمْن والطُّمأنينة.

 

الشطر الثالث للتوكل: العمل:

 والشَطْر الثالث في التَوَكّل هو العمل، ربّنا عز وجل خَلَقَ الكون وخلقهُ وفْق سُنَن دقيقة، وأيْضًا أشار في كتابه إلى سنن أخرى في التعامل مع عباده، فَمِن لوازم العبودِيَّة لله عز وجل أن تتأدَّب مع هذه السُّنَن، الله سبحانه وتعالى جعل لكل شيءٍ سببًا، وجعل لكلّ هدفٍ طريقًا، وجعل لكلّ غايةٍ وسيلةً، وجعل لكلّ شيءٍ خِطَّةً، فأنت حينما تكون عبْدًا لله عز وجل حقًّا تأخذ بهذه الأسباب، وتأخذ بهذه الوسائل، وتحترم هذه السُّنن وتُطَبِّقها، لذلك كما قال العلماء: لا يتناقض التَّوَكُّل مع الأخذ بالأسباب بل إنَّ الأصحّ مِن هذا أنَّ الأخْذ بالأسباب من لوازم التَّوَكّل، ما من طريقٍ يرفعُ المسلمين، ويجعلهم قادةً في الأرض إلا أن يأخذوا بهذا المعنى ؛ التَوَكّل محَلُّهُ القلب، والجوارح محلّها السَّعي، فإذا نقلْتَ التَّوكّل من القلب إلى الجوارح فقد قعدْت عن الأخذ بالأسباب، وأكلَ قلبَك الخوف، وهذا ما يقعُ عند الناس، هناك كسلٌ، وهناك التِباس بين التَّوَكّل وبين القعود، أو بين التَّوكّل والتَّواكُل ! فالذي يجب أن نعلمَهُ عِلْم يقين أنَّ التَّوكّل عِلمٌ وحال وعمل، كالتوبة تماماً، علم من أجل أن تعرف الله، وحالٌ وهو الشُّعور بالأمْن والطمأنينة، والسّكينة وهذا من ثِمار التَّوكّل والأخذ بالأسباب في كلّ حقل من حقول الحياة ؛ في عملك، وفي الطريق إلى الله.
 فهذا الذي يقول: نحن عبيد إحسان، ولسْنا عبيد امتحان ! هذا الذي يرْجو الجنَة من دون عمل، وهذا الذي لا يُقدِم شيئًا للمجتمع، يكتفي أن يقول: سبحان الله، وربّ اغْفر لي ذنوبي ! نقول له: ماذا قدَّمْت ؟ وماذا فعلْت ؟ ولماذا أنت في الدنيا ؟ الإنسان بلا عمل لا قيمة له، وقيمة المرء ما يُحْسِنُهُ، بل إنَّ العمل الصالح هو الذي يُحدِّد مكانتك عند الله عز وجل والدليل قوله تعالى:

 

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

 (سورة الأنعام: من آية " 132 " )

 فحينما قال الله عز وجل:

﴿ وَتَوَّكَّل ﴾

 فقد أمرَكَ بالتَّوَكّل، وكلّ أمر في القرآن يقتضي الوجوب، ولكنَّ الله عز وجل كما قلتُ في الدرس الماضي: اخْتار من بين أسمائِهِ الحسنى كلّها اثْنَين، لم يقُلْ لك: وتوكَّلْ على القويّ، بل قال:

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾

 (سورة الشعراء )

 وقد بيَّنْتُ لكم في الدرس الماضي أنَّ العزيز كما شرحَ هذا الاسم الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله: أن العزيز هو الشيء الذي ينْدُر وُجوده وتشْتدّ الحاجة إليه، ويصْعب الوُصول إليه، وكمال هذه الصِّفات الثلاث الشيء الذي يندر وُجوده حتى لا يكون غيره ؛ لا إله إلا الله، وتشْتدّ الحاجة إليه حتى تكون جميعُ المنافع بيَدِهِ، المنافع كلَّها بين يديه، ويصعب الوُصول إليه، ولا يستطيعُ مخلوقٌ أن ينالَ جانبهُ ! فإذا كان الله سبحانه وتعالى أحدٌ صمَد، وفرْد لا إله إلا الله، ولا مثيل له، وليس كمثله شيء، وينْدر وُجود مثله، بل لا إله إلا الله، وتشْتدُ الحاجة إليه، جميعُ المنافعِ المادِّية والمعْنَوِيَة، والحقيرة والجليلة، والدُّنيَوِيَّة والأُخرَوِيَّة بيَدِهِ، وتشْتدّ الحاجة إليه، ويصْعُب الوُصول إليه، إذا كان الله كذلك فلمَ لا نتوكَل عليه ؟ ربّنا عز وجل يقول:

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾

معنى الرحيم:

 كلمة(الرحيم )، يُعَذِّب من يشاء، ويرحم من يشاء، فالرَّحيم هو الذي يسوق الخير للناس.

 

صور الرحمة وآثارها:

 إذا كنتَ في برْدٍ شديد ودخلْت غرفةً دافئةً شعرْتَ بالدِّفْء يسْري في عُروقِك، فالدِّفْءُ رحمة، وإذا كنت في حرّ شديد، ودخلْتَ غرْفةً مُكَيَّفةً، وشعرْت بالبرودة تسْري في أوْصالك فالبرودة رحمة، وإذا كنت في جوعٍ شديد، وأكلْتَ طعاماً شهياً، وشبِعْتَ، وسَكَنَتْ جوارحُك بهذا الطَّعام، فهذا الطَعام رحمة، وإذا كنتَ في عطشٍ شديد يكاد الإنسان يأكل الثرى من هذا العطش، وشرب ماءً فراتاً عذْبًا باردًا وشعر بالريّ فهذا الريّ رحمة.
 وإذا كان الإنسان وحيدًا لا أسرة له، وأكْرمَهُ الله بِزَوجة صالحة سكَنَ إليها ؛ فهذه الزوجة رحمة، وإذا وهبَهُ الله طِفْلاً صغيرًا كان قرّة عينٍ له، فهذا الطِّفل رحمة، إذا رزقَهُ عملاً مُريحًا يدر عليه رزقًا معقولاً يكفي حاجاته من دون أن يُنافق، ومن دون أن يبذل ماء وجهه فهذا الرِّزق رحمة، فأيّ شيءٍ تسْعَدُ به في الدنيا هو من رحمة الله عز وجل، ومن رحمة الله بك في الدنيا، وأمّا رحمة الله في الآخرة، أن يأتي ملكُ الموت بِشَكل أحبّ الناس إلى الإنسان، ثم إذا انتَقَلَ من دار الدنيا إلى الدار الآخرة من دون خوفٍ ولا وجل، ومن دون اضْطراب، فهذه النَقلة رحمة، وإذا اتَّسَعَ القبر فصار فسيحاً وروضةً من رياض الجنَة، فهذا القبر رحمة، وإلا قطَع الإنسان الصِّراط المستقيم سريعًا من دون وجل ولا خوف أو عُسْرٍ فهذا رحمة، فأيّ شيءٍ يُسْعِدُك هو رحمة.
إذاً فالرَحيم هو الذي يُعطي، والذي يُسْعِد، والذي يرْحم، والذي يُخَفِّفُ المتاعب، والذي يُزيل المصائب، والذي يُبْعِدُ الخوف والقلق، إن صفة العزيز تنتزِعُ إعْجابهُ، وصفة الرحيم تنتزعُ محبة قلبك، إنَك تُعَظِم الله بالقَدْر الذي تُحِبُّه، الإنسان في الدنيا أحيانًا يُحِبُّ مخلوقًا ولا يُعْجَبُ به، أو يُعْجَبُ بمَخلوقٍ ولا يُحِبُه، قد تلتقي بِمُدرِّسٍ ذكيّ جدًا، مُطَّلِعٍ خبير وضليعٍ في اخْتِصاصه، يتَّقد ذكاءً ولكنَّه قاسٍ في المعاملة ؛ إنَّك تُعْجَبُ به ولكنك تُحِبُّه، وقد تلتقي بإنسان لطيفٍ وديعٍ لكنَّه في مجال اطِّلاعه على العلوم مُقَصِّر كثيرًا فأنت تُحِبُّه ولا تُعْجَبُ به، ولكنَ الله تعالى حينما حدَّثنا عن ذاته العظيمة قال تعالى:

 

 

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ﴾

 

 (سورة الرحمن )

 أنت تُجِلُّه وتكرم به، فالإجلال ينتزِعُ إعجابك، والإكرام ينتزعُ محبَّتك فتُجِلُّهُ وتُحِبُّه، لذلك ربنا عز وجل من أسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى اخْتار هذين الاسْمَين ؛ العزيز الرحيم..

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾

 العزيز الفرْد الصَّمَد، الذي لا مثيل له، والحوائج كلّها إليه، وبيَدِهِ كلّ شيء ولا يستطيعُ أحدٌ أن يصل إليه، هذا الشَّرح لهذا الاسم ينْتزِعُ كلّ إعجابك، وكلّ تقديرك، ولكنَ الرّحيم ينْتزِعُ كلّ محبَّتِك، يرْحمك وأنت جنين في رحمِ أُمِّك، ويرحمك بأن خلق لك أُمًّا وأبًا، قال تعالى:

﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾

 (سورة طه: من آية " 39 " )

 اُنظر إلى الأُمَّهات والآباء ؛ حياتهم كلّها، ووقتهم كله، وتِجارتهم وسَعيُهم، وهواجسهم وخواطرهم، وهمومهم من أجل أولادهم. كيف رحِمَ الله عبيده ؟ بهذه الطريقة ؛ جعلَ الأمّ والأب رمْز حنان الله عز وجل ورحمته، لذلك قوله تعالى:

 

﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾

 

 (سورة طه: من آية " 39 " )

 أيْ ألْقيتُ في قلب الأمّ وقلب الأب هذه المحبّة، محبَّة الله تَجَسَّدَتْ على شكل محبّة الأم والأب، إذًا كما قال تعالى:

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾

 اسمٌ يشدّ إعْجابَكَ، واسْمٌ يشدّ محبَّتَك، وهذا الإله العظيم العزيز الرحيم تَوَكَل عليه..

 

فـوِّض إلينا الأمر في كلّ ما يكن  فما القُـرْب والإبْعاد إلا بأمرنـا
ولا تعترِضنا في الأمور فـــكلّ  من أردناه اجْـتـبَيْناهُ حتى أحبَّنا
يُنادى له في الكون أنَّا نُحِبُـــه  فيسْـمَعُ مَن في الكون أمْرَ مُحِبِّنا
أَطِـعْ أمْـرنا نرفع مِـن أجلـك  حُجْبنا فإنَا منَحْنا بالرِّضا مَن أحبَّنا
ولُـذْ بِحمـانا واحْتَمِ بِجـنابنــا  لِنَحمـيك مِمَّا فيه أشـرار خلقنا
* * *

 قال تعالى:

 

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾

ملخص التوكل:

 إذًا التَّوَكّل عِلمٌ، وحال، وأخْذٌ بالأسباب، وهذا هو الملخَّص، والصحابة الكرام وصلوا إلى ما وصلُوا إليه بِسَبب حُسْن توكُّلهم على الله عز وجل، والمسلمون الذين جاؤوا بعد قُرون عِدَّة وانحدروا إلى ما وصلوا إليه من التَخَلّف بِسَبب تواكلهم على الله لا توكُّلِهِم.

 

معنى: الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ

 العزيز الرحيم يراك حين تقوم، أنت في بيتك تقوم إلى عملك فيراك، وتقوم إلى صلاتك فيراك، تقوم إلى شيءٍ مُباح فيراك، وتقوم إلى صلاة الليل فيراك، تقوم إلى خِدمة إنسان فيراك، وتقوم إلى عملٍ لا يرضى عنه فيراك، تقوم إلى عملٍ يُؤْذي بعض العباد فيراك، قال تعالى:

 

﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾

 (سورة الشعراء )

 إذا خَصَّصْناها بالنبي عليه الصلاة والسلام، النبي عليه الصلاة والسلام يقوم حصْرًا لِخِدمة الخَلق، وللاتِّصال بالحقّ، وإذا وسَّعْناها فأيُّ قِيامٍ يراك الله به، إذًا لا ينبغي أن تتوكَل على الذي لا يراك لأنَّك عندما تشْتدُ الحاجة إليه لا يراك، غائبٌ عنك، أمّا ربّنا سبحانه وتعالى مادام يراك حينما تقوم فهو معك إذًا، فَتَوَكَّلْ على مَن هو معك دائمًا، قال تعالى:

﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾

 لذلك اُعْبد الله كأنَّك تراه فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك، وفي الدُّعاء النبوي الشريف: اللهمّ اجْعَلنا نخشاك حتى كأنَّا نراك، وأسْعِدْنا بِلُقْياك، قال تعالى:

﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾

 وبعضهم قال: هذه متعلِّقة بالصَّلاة فقط حينما تقوم، والأولى أن تُوَسَّع.
ثمَّ يقول تعالى:

﴿ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ﴾

 (سورة الشعراء )

وَتَقُلُّبَكَ فِي السَّاجدين

 التَّقلُّب هو التَنَقّل من حال إلى حال، والساجدون له لهم مراتب كثيرة، فأنت لك عند الله تعالى حَجم، والله سبحانه وتعالى يعْرفُهُ حقّ المعرفة، هناك إنسان قد يغْمطُك حقّك، قد يرفعُك إلى مستوى أنت لسْتَ فيه، أو قد يغضّ من شأنك وهو لا يعلمُ مِقدار حجْمك، قال تعالى:

﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾

 (سورة الإسراء )

 أما الذي يرى تقلّبك في الساجدين، يرى مقامك الحقيقيّ، ويرى الدَّرجة التي أنت فيها هو الله عز وجل، فإذا اطمأنَّ الإنسان إلى أنَّ الله يعرف مقامه عنده، فما بالهُ يتألَّم إذا أنكرَ الناس حقّه، وما باله يفْرح إذا رفعهُ الناس فوق المكان الذي هو فيه، لو معك كيلو غرام معدن، توهَم الناس أنَّه ذهب ! فأثْنَوا عليك، وعلى هذه الثَّرْوَة وهو من التَنَك !!! من هو الخاسر ؟ أنت، ولو أنّ هذا المعدن ذهب وأوهَمْتهم خلاف ذلك ؛ كذلك أنت الخاسر ! إذا ظنَّه الناس معدناً نفيساً، وهو معدن خسيس، من الخاسر؟ أنت، فهذه الآية:

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ(219)﴾

 هناك عارفون بالله، بعض الفِرَق الإسلاميَّة رفعتْهم فجَعَلتْهم في القِمّة، وبعضهم جعلوه في الحضيض، فبعضهم قال: الشيخ الأكْفَر، وبعضهم قال: الشيخ الأكبر ! يا تُرى تقْييم هؤلاء، أو تَقييم هؤلاء هل يرفعُ من رتبته أو يخْفضها ؟ كلّ إنسانٍ له عند الله تعالى مقام لا يزيد ولا ينقص، فإذا اطْمَأننْت أنَّ مقامك عند الله مَبْنِيّ على أساس دقيق جدًا؛ فهذا مِمَّا يُريحُ قلْبَكَ.
 قال تعالى:

﴿ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220) ﴾

 قال الله عز وجل:

﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾

 (سورة طه )

أهل السنَة والجماعة لا يُعَطِّلون الصفات:

 وكما قلتُ من قبل: إنّ الله يسمع ويرى، وإذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا، ويد الله فوق أيديهم، فهذه الآيات أهل السنَة والجماعة لا يُعَطِّلونها، ولا يُجَسِّمون هذه الكلمات بحيث يصبح الله سبحانه وتعالى مُشابهًا لِخَلْقِهِ، عقيدة أهل السنَّة والجماعة لا نُجَسِّد ولا نُعطِّل، وقول الإمام مالك هو أجْمل قَولٍ في هذا الموضوع ؛ فقد قال: " الاسْتِواء معلوم، والكَيْف مجهول، والإيمان به واجب، والسُّؤال عنه بِدعة " ! وانتهى الأمر، هذا شيء فوق مستوى عقولنا، فالله تعالى إذا تكلَّمت يسمعُك، وإذا سكتّ يعلم ما في قلبك، والإنسان إن تكلّمْت سمِع، وإن سكتَّ جَهِلَ ! أما الله تعالى إن تكلَّمْت سمِعَك، وإن لُذْتَ بالصَّمْت علم الحقيقة، وعلم ما في قلبك، لذلك أن تقول شيئًا أو لا تقولهُ سيَّان، وهذا ينقلنا إلى قوله تعالى:

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾

 (سورة البقرة: من آية " 284 " )

الله سميع عليم:

 إن أبْدَيتهُ أو أخْفَيْتَهُ فهو سيَّان عند الله تعالى، لأنّ نفْسكَ مَكشوفةٌ أمام الله عز وجل كالصًّفحة البيضاء.
 سميعٌ لِقَولك عليم بِحالك، سَميعٌ لِدُعائِك، عليم بِخفايا نفسِك، سميعٌ لِتَوَسُّلاتك، عليم بِنَواياك، فالذي يخفى على الناس يعلمُه الله، والذي تُبْديهِ يسْمَعُهُ، لذلك فأعلى درجة من درجات الإيمان أن تشْعر أنَّ الله معك قال تعالى:

 

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

 

 (سورة الحديد: من آية " 4 " )

 وأن تشعر أنَّ الله عليك رقيب، قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾

 (سورة النساء )

 وأن تشعر أنَّ الله بالمرصاد، إذا شعرْت أنَ الله بالمرصاد، وأنَّه رقيب عليك، وأنَه معك أيْنما كنت، عندئذٍ لا بدّ أن تسْتحي منه، ابن آدم استحي منِّي فأنا أسْتحي منك، وهذا الحال عبَّر عنه الصُّوفيُّون بالمُراقبة، لو أنَّ إنسانًا راقَبَ إنسانًا، هذا الإنسان ينضبط، لو شعر المؤمن أنَّ الله تعالى يُراقبُهُ في خَلْوَتِهِ، وفي جَلْوَتِهِ وفي جِدِّه وفي هَزْلِهِ، ومع أهله ومع الناس، وفي حضره، وفي سفرهِ ومع إخوانِهِ، ومنْفَرِدًا، هذا الشُّعور لابد أن يستمر ليرقى صاحبه، لذلك قالوا: من علامات الإخلاص أن يسْتوي عملك في السرّ والعَلَن، وأن تستوي السريرة والجريرة، والباطن والظاهر، وهذا من علامات الإخلاص، أن تُصلِّي صلاةً منفرِدًا كما صليتها مُجْتَمِعًا، قال تعالى:

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220) ﴾

 قال تعالى:

﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) ﴾

 أعداء النبي عليه الصلاة والسلام، وصناديد الكفْر في مكَة كانوا يتَّهِمون النبي عليه الصلاة والسلام بأنَّ هذه الرِّسالة افتراء، وهذا الوحي إن هو إلا رُؤى رآها، أو أمْلاها عليه الشياطين، فالله سبحانه وتعالى دافَعَ عنه، قال تعالى:

 

﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222)﴾

 الأفّاك هو الذي يختلق الكذب، والأثيم هو المنْحَرف، قال تعالى:

 

 

﴿ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾

 بقي علينا إن شاء الله هذه الآيات الأخيرة، قال تعالى:

 

 

﴿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ(227)﴾

 أرجو الله سبحانه وتعالى أن يُمَكِّننا من تفسير هذه الآيات، وسيكون الدَّرْس القادمُ الدرسَ الأخير من سورة الشعراء بمشيئة الله، وننتقل بعدها إلى سورة النَّمل.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018