الدرس : 18 - سورة الشعراء - تفسير الأية 217 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 18 - سورة الشعراء - تفسير الأية 217


1989-11-17

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا، وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً، وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً، وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثامن عشر من سورة الشُّعراء، في الدرس الماضي وقفنا عند قوله تعالى:

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾

 ( سورة الشعراء )

تذكير بما سبق:

 وبيَنْتُ لكم بِفَضل الله تعالى بعض المعاني التي تنضَوي تحت مفهوم التَّوكّل، وكيف أنَّ الله سبحانه وتعالى أمر عباده المؤمنين بالتّوكّل، وأنَّ من لوازم الإيمان التَّوكّل، فمن توكّل فَتَوَكُّلهُ علامةٌ قاطعة على أنَّه مؤمن، وأيُّ مؤمن يجب أن يتوكَّل على الله، إن توكَلْت فأنت مؤمن، وإن آمنْتَ فيجب أن تتوكَّل، ولكن هذا الموضوع يحتاج إلى مزيد من الدَّرس والبحث.

 

التوكل حالٌ قلبيٌّ لا عبارات مردَّدة:

 الحقيقة أن التَّوَكّل حالٌ قلبي ؛ أن تقول شيئًا بِلِسانِك هذا لا يُقدِّم ولا يؤخِّر، وحينما أصبحَ الإسلام عِباراتٍ تُردَدُ في الأفواه، رأيْتُم كيف أن حال المسلمين ظلَّ على ما هو عليه من التردي والتخلف ! ربّنا سبحانه وتعالى:

 

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ﴾

 ( سورة النور )

 هذه وُعودٌ قَطْعِيَّة مِن قِبَل الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ ﴾

 ( سورة التوبة )

 قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾

 ( سورة النساء )

 إلا أنّ الأمر هو أن الفريق الآخر وهُم المؤمنون أخَلُّوا بما عليهم، فكان الله سبحانه وتعالى في حِلٍّ من وُعوده الثَّلاثة، إذًا حينما أصبَحَ الإسلام كلامًا، وألفاظًا، وحركاتٍ، وسكناتٍ، وفُرِّغ من مضمونه العلمي والأخلاقي عندئِذٍ أصْبحت كلمة المسلمين ليْسَت هي العليا، ولو أنّنا كُنَّا مع الله لكان الله معنا.

 

معية الله نوعان عامة وخاصة:

 ثمة شَيْءٌ دقيق جدًا هو أنَ مَعِيَّة الله عز وجل كما تعلمون مَعِيَتان ؛ مَعِيَّة عامَّة، ومَعِيَّة خاصّة، ربّنا سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

 ( سورة الحديد )

 هذه مَعِيَّة عامَّة ؛ يعني هو مع كُلِ مَخلوق، ومع كلِّ كائِن، ومع كلّ حيوانٍ ومع كل نبات، ومع كلّ إنسان، ومع كلّ كوكبٍ ومع كل ذرَّة قال تعالى:

﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا ﴾

 ( سورة الأنعام )

 آيةٌ بِنَصِّ القرآن الكريم، ولكنَّ المَطلوب ليْسَتْ المعِيَّة العامّة هذه، ولكنَّ المطلوب تِلْك المَعِيَّة الخاصَّة، قال تعالى:

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ﴾

 ( سورة المائدة )

 العلماء قالوا: مَعِيَّة الله الخاصَّة حِفْظُهُ وتأييدُه ونَصرُهُ، إلا أنَّ مَعِيّة الله الخاصَّة لها ثمن، ثمنها أن تستقيم على أمره، وأن تستجيب له، قال تعالى:

﴿ يَا أََيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾

 ( سورة الأنفال )

 إذًا الشيء الذي أُحِبّ أن أقوله قبل متابعة الحديث عن التَّوكّل أنّ الإيمان ليس شَكْلاً، وليس كلامًا، وليس حركاتٍ وليس مظاهر، إنَّما هو شيءٌ آخر، قال عليه الصلاة والسلام:

((ليس الإيمان بالتَّمَني ولا بالتَّحلّي...))

 ( الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال )

 ما من مخلوق على وجْه الأرض إلا ويتمنَّى أن يكون مؤمنًا، ويتمنَّى أن يكون صدِيقًا، ولكن ليس الإيمان بالتَّمَني ولا بالتَّحلّي ؛ لا أن ترتدي ثِيابًا إسلامِيَّةً، ولا أن ترتاد المساجد، وأنت مُعطَّر مهفْهَف، ثمّ تعود إلى بيْتِك، وتتحدث نقداً للخطيب والخطبة، وأنت في واد والإسلام في واد، ليس الإيمان بالتَّمَني ولا بالتَّحلّي، ولكن ما وقر في القلب، وأقرّ به اللِّسان، وصدَّقهُ العمل، معنى ذلك أن الإنسان إذا خلا قلبهُ من التَّوَكُل فهو يعتمِدُ على زيْد أو عُبَيد، ويعتمد على ماله، أو صِحَّته، أو على فلان، أو عِلاَّن، أو على هذه الجِهة القوِيَّة، أو على هذه المكانة، أقول: إذا خلا قلبهُ من التَوكّل، ومن الرِّضا ومن الصَّبْر، ومن التَسْليم، ومن التَفْويض، فماذا بَقِيَ من إيمانه ؟! بَقِيَ هَيْكلٌ بلا مَضْمون، لذلك حينما نتحدَّث بالتَّفْصيل عن معاني التَّوَكُّل فهذا مِن صُلْب الإيمان، والحديث عن التَّوَكُّل له وظيفتان ؛ أوَّلاً أن تعرفَ من هو المتوكَل عليه وما صفاته ؟ وثانيًا لِيَكون هذا البحث مِقياسًا لك وهدفًا لك، مِقياسًا تقيس به نفْسَكَ، وهدفًا تجْعلُهُ نُصْبَ عَيْنَيك، وهذا ما نقْصِدُ بالتَوَكُّل، ربّنا عز وجل يقول:

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾

 ( سورة الشعراء )

عقْربَ التَّوَكّل يُتابِعُ عقْربَ التَوحيد:

 الآن هناك نقطة دقيقة، إذا صحَ أن نُشَبّه أنَ للتّوحيد عدَّاداً له عقْرب، وإلى جانبِه عدَّاد آخر للتَوَكّل وله عقرب، يجب أن تعلمَ عِلْم يقين أنَّ عقْربَ التَّوَكّل يُتابِعُ عقْربَ التَوحيد، وإذا ارْتَفَعَت إبْرةُ التَّوحيد ترتفِعُ معها إبْرةُ التَّوَكُّل، وكلّما علا توحيدك علا توكُّلك، وإذا انْخفض التَّوحيد انْخفضَ التَوَكُّل ! لأنَّ هذه فِطرتُك، لأنَك لن تتوكَل على ضعيف، لن تتوكَل إلا على قويّ، ولن تتوكَّل على جِهةٍ لسْتَ متأكِدًا أنَ الأمر بيَدِها، متى تتوكَّل على إنسان ؟ إذا أيْقَنتَ أنَّهُ قويّ وأنَّ الأمر بيَدِهِ، عندئذٍ تطرُقُ بابه وتتوسَلُ إليه، وتُلْقي عليه بِكُلّ ثِقَلِك أما إذا كنتَ مُتَرَدِّدًا أو مرتابًا في قدرته على حلّ هذه المشكلة، أو مرتابًا في ولائِهِ لك، أو في عِلْمِهِ، أو في صلاحِيَّتِهِ، فأنت لن تتوكَّل عليه، لأنّه من السَّذاجة أن تظنّ أنَّك إذا قلتَ: يا ربّ توكَلْتُ عليك، فهل توكَلْت ؟! لا. والله، أنت ما فعلْتَ شيئًا، لأنَ التَّوَكّل ليس كلامًا تقولهُ بلِسانِك إنَّهُ حالٌ قلبي، إذا قلتَ توكَّلتُ عليك، فقد تكون في الحقيقة معْتَمِدًا على زيد، أو عُبَيد، أو فلان، أو عِلاَّن، وأنَك واضِعٌ كلّ ثقتك فيهما، إذاً أنت لسْتَ متوكِّلاً البتَّة، ولو أعْلَنْتَ بلِسانك أنَّك توكّلْت على الله ألف مرَّةٍ ومرَّة ! الكلام اللَّفظي لا قيمة له إطلاقًا، ولا يُقدِم، ولا يؤخِر، وإذا بَقِيَ الإسلام ألفاظًا تُرَدَّد، وأعمالاً تُقام، ومظاهر تُبْتغى فاقْرأ على الأمّة السَّلام فالإسلام مضمون فِكري، ومضمون عقدي ومضمون أخلاقي، فإذا كان كذلك فهذا هو الإسلام.

 

من شروط التوكل معرفة الله:

 اليوم نتحدَث عن التَّوَكّل، الشيء الأوّل ؛ لن تتوكَّلَ على الله إلا إذا عرفْتهُ، أحيانًا يُصاب الإنسان بِمَرض عُضال يظنّ أو يعتقد أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يستطيعُ أن يشْفِيَهُ من هذا المرض، ثلاثون طبيبًا قالوا: ليس لِهذا المرض دواء، وبلغ الدرجة الخامسة، ولا يمكن أن تُحلّ هذه المشكلة، إذا كنتَ معْتقِدًا أنّ الله لا يستطيع أن يشْفِيَكَ من هذا المرض العُضال الذي أجْمعَ الأطِبَاء على أنَّه لا شِفاء له، فكيف تتوكَّل عليه ؟ هنا المشكلة ! أنك لن تتوكَّل على الله إلا إذا عرفْتهُ، يجب أن تعرفهُ خالقًا يجب أن تعرفهُ مُربِّيًا، يجب أن تعرفهُ مُسيِّرًا، يجب أن تعرفهُ قدرتهُ كُنْ فيكون، وزلْ فيَزُول، لا توجد كلمة ثانية، آلاف الحالات من الأمراض التي أجمع الأطِبَّاء على استحالة برء صاحبها، ومع ذلك شُفيَتْ شِفاءً تامًّا فصَعِقَ الأطِبَاء، وقالوا هذه حالة جديدة لا نعرفها: سمَّوْها الشِّفاء الذاتي ؛ إنَه شفاء الله عز وجل، هناك حالات صِحِّيَّة مُسْتعصِيَة، كيف تتوكَّل عليه، وأنت لا تعلمُ أنّهُ بِقُدْرته أن يشْفيك، إنَّ الحديث عن التَّوَكّل هو حديث لا جَدْوى منه ما دامَتْ معرفة الإنسان قاصرة، ما دامَتْ معرفة الإنسان بالله محدودة، وما دامَتْ معرفتُهُ بالله لم تبْلُغ حدَّ التَّوحيد، فالتَّوَكُّل تشوبهُ شوائبُ كثيرة، والعلماء قالوا: لا بدَّ من التَّوَكّل على الله حقّ التَّوَكل من أن تعرفهُ، وهنا السُّؤال الدقيق: هاتوا لي طالبًا نالَ شهادةً عليا من دون أن يبْذِلَ من أجلها لا وقتهُ ولا جهده ولا ماله ! هذا من سابِعِ المسْتحيلات، إذاً يجب أن تعرف الله، والسؤال الخطير ؛ متى يجب أن تعرفه ؟ ووقْتُكَ كُله من أجل الدنيا، تقول لأحدهم: احضَر هذا الدَرْس فيقول لك: ليس عندي وقت ! عندي سهرة، أو على محاسبة أو موازنة !! إذا امْتصَّ عملكَ وقتك كلّه فأنت أكبر خاسِر نضْربُ على هذا مثلاً، لو أنَ طالبًا ذهب إلى بلدٍ أجنبي لِيَدْرس، وقد أرسل هذا الطالب بحيث لو نال هذه الشهادة فلهُ في بلدهِ أعلى منصب، وميزة، فذهبَ للدِّراسة، وهو مضْطرّ لِيَعمل ويدْرس، فإذا كان يكفيه ألف فرنك فرضًا، وهناك عمل بِساعَتين، وأجرة هذا العمل ألف فرنك، ووجدَ عملاً ثلاث ساعات بألف وخمسمئة فطَمِعَ في المبلغ، ووجد عملاً آخر لمدة أربع ساعات بألفين ! إلى أن بلغ العشرة آلاف فرضًا في اليوم، فإذا امْتصَّ عملهُ كلّ وقْته، وضيَعَ دِراستَهُ، ونَسِيَ مهمَّتهُ، ونسِيَ البعثة والدِّراسة ونسي آماله العريضة فهل هذا العمل الذي درَّ عليه مبلغًا كبيرًا في مصلحته ؟ لا لم يكن في مصلحته ! أنا أقول لكم: أيّ عملٍ مهما علا شأنهُ، ومهما كثُرَ دخْلُهُ، ومهما رفعَ صاحِبَهُ إذا امْتصَّ وقْتَكَ كلَّهُ فأنت أكبر خاسِر، إنَّك مخلوقٌ في هذه الدُنيا من أجل أن تعرف الله سبحانه وتعالى، لأنّك إذا عرفْتهُ صحَّ عملك، وإذا عرفْتهُ عبدْتَهُ، وإذا عبدْتهُ سَعِدْتَ بِقُرْبِهِ في الدنيا والآخرة، لا يصحّ العمل إلا بالمعرفة، وهذه نقطة مهمّة جدًّا، العمل أساس التَّصوّر، وأيّ عمل صالح أو طالح، حقير أو خطير، مُجدٍ أو غير مجدٍ، سيّئ أو جيّد، العمل أساسه التَّصَوّر هذا الذي يسرق لماذا يسرق؟ لأنّهُ يتصوَّر أنَّ السرقة عملٌ يعود عليه بالنَّفْع، دَخْلٌ كبير، وجُهْد قليل، وهذا الذي يكذب لماذا يكذب ؟ وهذا الذي يزني لماذا يزْني ؟ وهذا الذي يأكل الرِّبا لِمَ يأكل الربا ؟ ما من إنسان يعمل عملاً إلا وقبل هذا العمل تَصَوّر لهذا العمل انطلق منه.

 

 

صحةُ العمل مِن صحة التصور:

 إذًا إذا صحَّ تصوّرك صحَّ عملك، وإذا فسد تصوّرك فسدَ عملك، إذا اعْتَقَد إنسانٌ أنَّ هذا الضوء الأحمر في ساعة السيارة إذاً تألّق فمعنى ذلك أنَّه يُسَلِّيك في الطريق ! وهو ضوء الزَيت، هذا التَّصَوُر يجعل هذه السيارة تقف وتدفعُ من أجل إصلاحها عشرات الألوف، أما إذا تصوَّرْتَ أنَّ هذا الضَّوْء إذا تألّق معنى ذلك أنَ الزَّيْت قد انتهى، وإذا خطر لك أنَّ الزَّيْت ولو يكفي لِمِتر واحدٍ ففي سيرك خطر كبير ولابدَّ أن تقف فجأةً، أنا أقول لكم هذا الكلام من أجل أن نعتقِدَ جميعاً أنَّ صِحَّة المعرفة أساسها صحّة التَّصوُّر، وصِحَّة التَّصوّر أساسها معرفة منهج الله عز وجل، لأنَّ الجِهة الوحيدة في الكون التي يمكن أن تعْطِيَك الحقيقة الصافِيَة، قال تعالى:

 

﴿ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

 ( سورة فاطر )

 ليس في الكون إلا الله القادر على أن ينبئك بالحقيقة الصحيحة القَطْعِيَة في ثبوتِها ودلالتها، إذًا المشكلة يجب أن تعرف الله حتى تسْتقيم على أمره، وحتى تتقرَّب إليه، وحتى ترْجو ما عنده، وحتى تخاف عذابهُ، يجب أن تعرف الله من أجل أن تتوكَّل عليه، وتُفَوِّض له الأمر، وتستسْلِمَ له، ومن أجل أن تُحِبَّهُ ومن أجل أن ترضى بِقضائِه وقدرهِ، ومن أجل أن ترضى عن أفعاله، إذاً حجرُ الزاوية وركن الأركان، وأساس البنيان أن تعرف الواحد الدَّيان وهذا يحتاج إلى وقت، وإلى جُهد وإلى مال، قد تضْطرّ إلى أن تركبَ سيارة لِتَحضر هذا الدرس، وقد تضطرّ أن تنفق من مالك في سبيل الله وقد تضطرّ أن تشتري كتاباً، وقد تضطرّ أن تعمل صالحًا بِمالك، فإذا ظَنَنْتَ أنَّكَ تعرف الله وأنت في راحتك التامّة وأنت في عملك، وأنت تعمل لِمَصلحتك، ولأجل بيْتِك، إذا أردْتَ ذلك فهذا من رابِع المستحيلات، تلك أوَل نقطة في هذا الدّرس؛ لن تستطيع أن تتوكَّل على الله إلا إذا عرفْتهُ أما إذا عرفْتهُ، وتوكَّلْت عليه فأنت أقوى الناس، وأغناهم، وأكرمهم، وتشعر بِمَشاعر لو اطَّلَعَ عليها المُلوك، والله الذي لا إله إلا هو لقاتلوك عليها بالسَّيف، ويُلقي الله في قلبك من الأمْن، والطُّمأنينة والرضا، والشُعور بالراحة، والشُّعور بالفوز، والفلاح، والنَّجاح ما لو وُزِّعَ على أهل بلْدةٍ لكفاهم، قال تعالى:

﴿ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

 ( سورة الرعد )

 لكن بشرْط أن تعرف من هو الله ؟ وأن فلاحك في هذا الأمر عائدٌ له ؟ وبيَدِهِ الأمر كله ؟ إذا رأيْتَ أنَّ الأمر كلّه إليه، ليس لك من الأمر شيء، قال الله عزوجل:

﴿ لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾

 ( سورة آل عمران )

 هذا الذي أتمنَّى عليكم أن يكون واضحًا في أذْهانكم ؛ التَّوَكّل على الله إذا شبَّهْناه بِعَدَّاد له إبرة، وإلى ِجانِبِهِ عدَّاد آخر هو عداد التوحيد له إبره أيضاً، فعدَّاد التَّوحيد، وعدَّاد التَّوَكّل إنَّ إبرتاهما تتحرَّكان معًا، فكلَّما ارْتَفَعَ مُسْتوى توحيدِك ارْتَفَعَ مستوى توكّلك، ولن تتوكَّل إلا على الله الواحد الأحد ؛ في أمر الصِّحة، وفي أمر العمل، وفي أمر الزَّواج، وفي أمر الخصومات، وفي أمر الأعداء والأصدقاء، وفي أمر كسْب المال وفي أمر إنفاقه، في أيّ شيءٍ، إلهي أنت مقصودي ورِضاك مطلوبي، والتوحيد هو مُلَخَّص الأديان كلّها، قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

 ( سورة الأنبياء )

 كيف لنا بمعرفة الله عز وجل ؟ الصَنْعة تدلّ على الصانع، والخلْقُ يدلّ على الخالق والأقدام تدلّ على المسير، والماء يدلّ على الغدير، والبعْرة تدلّ على البعير، أفسَماءٌ ذات أبراج، وأرض ذات فِجاج ألا تدلاّن على العليم الخبير ؟!

 

مِن إعجاز الله في خلقِ الإنسان:

 

1 - حاسة الشمّ:

 تحدَّثْتُ اليوم في خطبة الجمعة عن الشمّ، فمن مِنَّا يصدِّق أنَّ في كلّ شقٍّ من شِقَي الأنف مئة مليون خليّة شَمِيَة، مئتا مليون خلية شمْيّة في الأنف، ويخرج من هذه الخلايا الشميّة عدد كبير جدًّا من الخيوط العصبية خمسون مليون خيط عصبي، بِخَمسين مليون خيط عصبي، ثمَّ تقلّ هذه إلى خمسين ألف، فالعصب الشمِّي ضمنه مئة ألف عصب، والشيء الذي يَلفِتُ النَّظَر أنَ الشمّ شخصي، بينما السَّمع والبصر موضوعي، فإذا وضعنا لوحةً كُتِبَتْ عليها آية، لو رآها الناس جميعًا لقرؤوا الآية نفسها، ولو حدثَ صوْتٌ لسَمِعَهُ الناس بِشَكل واحِد، ولكن لكلّ إنسانٍ بُنْيةٌ خاصَّة في شمِّهِ، هذا يُحِبّ هذه الرائحة، وهذا لا يُحِبّها، وهذا يحبّ هذه الأكلة لِنَكْهتها، وهذا لا يحبّها بهذه النَكهة، فالشمّ شيءٌ عجيب.

 

2 - الكريات الحمراء:

 وقبل أسابيع حدَّثتكم عن الكريات الحمراء، الكُرَيَّة الحمراء سبعة ميكرونات، أي سبعة أجزاء من الألف من الميليمتر، عددها خمسة وثلاثون مليون مليون، وفي كلّ ميليمتر مكعَّب خمسة ملايين، وتعيش الكُريَة مئةً وعشرين يوماً، وتقطع مئة وسِتِّين ألف رِحلة، وتمرّ بِأوْعِيَة تتناهى في الدِّقة والضِّيق إلى حجْم الكريّة الحمراء، فهناك أوْعِيَة دموية لا تسمح إلا بِمُرور كُرَيَّة كُرَيَّة، وسعة هذا الوعاء سبْعة ميكرون، وهناك أوعيَةٌ أضْيَق من سبعة ميكرون، هذه الكريّة تنضغِط، وتتطاوَل وتمشي في هذا الوريد، صُنْعُ مَن ؟ ويدُ مَنْ صنَعَتْ ؟ فالحديث عن الشمّ وعن السَّمع لا ينتهي.

 

 

3 – حاسة الأذن:

 وكذلك الأُذن الوُسطى فيها جهاز بالغ التَّعقيد يُضَعِّف الصَّوت القويّ، ويُكَبِّر الصوت الضعيف، وأنت لا تدري، قد يأتي الصَّوت ضعيفًا فهذا الجِهاز يُكَبِّر الصَّوت، وقد يأتي فَيُضَعِّفُهُ.

 

 

4 – حاسة العين:

 وكذا الحديث عن العين لا ينتهي عَمَلِيَّة المطابقة في العين تُبيِّنُ لِكُلّ ذي لبّ عظمة الله عز وجل.

 

 

5 – الكـبد والمعدة والقلب:

 أما الكبد فله خمسة آلاف وظيفة، ناهيك عن المعدة والأمعاء، والقلب هذا الذي يضخّ في اليوم ثمانية آلاف لتر !! ثمانية أمتار مكعَّبة، كلّ متر مكعَّب خمسة براميل !! ما هذا ؟

 

 

6 – العضلات:

 والعضلات أنواع ثلاثة ؛ عضلات إرادِيَّة مخطّطة وعضلات لا إرادية ملساء، ونوعٌ ثالث مُعقَّد جدًّا هو عضلة القلب ؛ يعمل بلا كلل، ولا ملل، ولا راحة ولا مراجعة، لا يغفل ولا يسْهو، منذ أن يكون الإنسان في بطْن أُمِّه جنينًا، وإلى أن يحين حينُهُ.

 

 

هذا خلق الله:

 إذا فكَّرْتَ في جِسمك، وإذا فكَّرْت إلى ما حولك ؛ في هذا الطَّعام، وفي هذه الأزهار، وفي هذه الطيور، وفي هذه الثِّمار وفي هذه الخضراوات، وفي هذه المحاصيل، وفي هذه الجِبال، وفي هذه التِّلال، وفي هذه الوِدْيان، في هذه المعادن، في أشباه المعادن، فيما هو جميل، فيما هو قاسٍ وفيما هو متين، فيما هو كثير، فيما هو قليل، في هذه العصافير اللَّطيفة، في هذه الأسماك الرائِعَة ؛ أسماك للزِّينة، وأسماك للطّعام شيءٌ لا يُصدَّق، لذلك يجب أن تعرف الله تعالى قبل أن تتوكَّل عليه ويجب أن تعرف من هو الله، لأنَ على حجْم معرفتك تتوكَّل عليه.

 

 

من لوازم التوكل معرفةُ قدرةِ الله وكفايته وقيوميته:

 شيءٌ آخر ينقلنا إلى أنك مطالب أن تعرفَ قدْرتَهُ، وكِفايتَهُ، وقيُّومَتَهُ، قال تعالى:

 

﴿ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾

 ( سورة البقرة )

 قيام كلّ شيءٍ بالله تعالى، فهذه الطاولَة لولا أنَّ الله سبحانه وتعالى أقامها لما قامَتْ، فلا جبل، ولا أرض، ولا سماء ولا كوكب، ولا شمس، قال تعالى:

﴿ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾

 (سورة البقرة )

 هو قيُّوم السماوات والأرض، وكلّ شيءٍ قائمٌ به، كُنْ فيكون وزُلْ فيزول، فإذا كان الله قيُّوم السماوات والأرض فلماذا لا تتوكَّل عليه ؟ يجب أن تعرف قُدرتهُ وكفايتَهُ، وقيُّوميتهُ، وانتِهاء الأمور إلى عِلْمه، فأحيانًا تتمنّى على فلان أن يعلمَ هذا الموضوع، ولكن لا يعْلمُه، وأنت لا تُحِبّ أن تُعْلِمَهُ إيّاه، ولكن يجب أن تعلَمَ أنّ الله يعْلم كلّ شيء، إذًا قبل التّوكّل تكون المعرفة، والمعرفة لها أبواب كثيرة، يمكن أن تعرف عظمة الله عز وجل من خلقهِ، ويمكن أن تعرف عظمة الله من شرْعِهِ؛ خلْقُهُ وشرْعُهُ يُنْبئنِكَ بعظمته، فإذا عرفْتَ عظمته عندئذٍ تعُدّ للمليون قبل أن تعْصيه لأنَّك تفقدُ كلّ شيء إذا عصيته تفْقِدُ هذا الحِفْظ وهذه المَعِيَّة، وهذه الرِّعاية، وهذا التَّأييد وهذا النَّصْر وهذا التَّجَلِي وهذا الإقبال، كلّ هذا تفقدُهُ فجأةً لذلك لأَنْ يُقَطَّعَ جسدُ المؤمن إربًا إربًا أهْوَنُ عليه من أن يعصي الله عز وجل، المنافق يعْصي الله بِيُسْرٍ وسُهولة، وبِسُرْعة، يبْدو ذنب المنافق كالذُّبابة، وذَنْبُ المؤمن كالجبل جاثمٌ على صدْره، الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

 (سورة الرعد )

 وهناك آية أخرى تُحَيِّر، وهذه الآية تؤكِد أنَك إذا ذَكَرْتَ الله تعالى وَجِلَ واضطراب قلْبُكَ، طبْعًا اضْطِراب القلب إذا ذَكَرْتَهُ يعني أن تنظر إلى الآخرة، وما فيها من أهوال، وما فيها من نعيم مُقيم، فهل نَجَوْتُ من النار ؟ وهل أنا مؤهَّل للجنَّة، وإذا ذكرْتَ الله اطْمأنَّ قلبك للدنيا لأنَّ الله عز وجل لم يجْعل الدنيا عقبةً بينك وبين الله تعالى، قال الله عز وجل:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾

[ سورة النساء ]

 وقال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾

[ سورة فصلت ]

معرفة الله بالتفكر في خَلقه وكلامه وأفعاله:

 إذاً هذا حديث يطول، ويمكنك أن تعرف الله من التفكر في خلْقه، فالتَّفَكُّر إذًا عِبادة كالصَّلاة، لماذا أنت تُصَلِّي ؟ لأنَّها فرْض، ولأنَّ الله تعالى أمَرَ بها أمْرًا مقطوعًا به، فالفرض هو الأمر القطعيّ الثبوت وقَطعيّ الدلالة، طيِّب كم آية هناك في التَّفَكّر ؟ إذًا تفكُّرك في خلق السماوات والأرض من أجل أن ترى عظمة الله، ومن أجل أن تزداد معرفتك بالله، هذا فرْض آخر، بل إنَّ بعض العلماء جعل التَّفَكّر فريضة من أجَلِّ فرائِضِ الدِّين إذا درسْتَ شريعة الله عز وجل فإنّك تعرفُه أيضًا، ولكنَّك تعرفُه من جهة أخرى، لأنَّ هذا الكتاب كلامه، وهذا الكون خلقهُ، وهذه الأفعال أفعاله، فَيُمكن أن تعرفهُ من خلال خلقه قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾

 (سورة آل عمران )

 ويمكن أن تعرفهُ من كلامه ومن شريعته، لأنَّ هذا القرآن كون ناطق، ويمكن أن تعرفهُ من نبيِه عليه الصلاة والسلام، لأنَّ القرآن خُلقهُ ؛ تعْرفُه بالأُسوة، وتعرفه بالخَلق، وتعرفُهُ بِكَلامه وشرْعِهِ ويمكن أن تعرفهُ بأفعاله في الدنيا، قال تعالى:

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

 (سورة الأنعام )

 إذًا من أجل أن يكون التَّوَكُل صحيحًا لا بدّ أن تعرف الله عز وجل اِعْرِفْهُ وتوكَّل عليه.

 

التوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب:

 الشيء الثاني: أجْمَعَ العلماء أنَّ التّوكُّل لا يتنافى مع الأخذ بالأسباب أبداً، ومن قال لك: إنَّ التَّوَكّل يتناقض مع الأخذ بالأسباب فهذا جاهل، وما سبَب تأخير المسلمين وغلبة أعدائهم عليهم إلا هذا الوَهْم الباطل الذي روَّجَهُ إبليس، التوكّل لا يتناقض مع الأخذ بالأسباب، فالله عز وجل حينما خلق الكون صمَّمَهُ وفْق قوانين، فإذا احْترمْتَ هذه القوانين وعملت بها، فهذا جزء من إيمانك بالله، فإذا احْتقرْتها ولم تُبال بها وجمَدْتها، ولم تأخذ بها فهذا جهل منك بالله، إنَّ بعض العلماء يقولون: لا يصِحّ التَّوَكّل إلا بالأخذ بالأسباب، فالطالب الذي يقول: أنا أخذْت بالأسباب وأنا مؤمن، وأنا أخدم هذا الجامع، وسوف يُنَجِّحُني الله ! هذا كلام فارغ، وتاجر يختارُ بِضاعة سيّئة من دون جهد، ولا يهتم بِسِعرها ثمَّ يقول: أنا أتوكَّل على الله ! الله تعالى أمرك أن تبْحث وأن تختار البِضاعة الجيِدة، والسِّعْر المناسب، فأيّ عمل تهْملُ فيه الأسباب فأنت لسْتَ متوكِلاً على الله أبدًا، قال تعالى:

 

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ﴾

 (سورة الكهف )

من موجبات التوكل الأخذ بالأسباب:

 أجْمَعَ العلماء على أنَّ التوكّل لا يتناقض مع الأخذ بالأسباب، كما أنّهم أجمعوا على أنَّه من موجِبات التَّوكّل الأخذ بالأسباب، الصانِعُ في مصْنَعِهِ والتاجر في متْجرهِ، والزارعُ في مزرعته، والموظَّف وراء طاوِلَتِه، والمُعلِّم في قاعة تدْريسه، والطبيب في حِرْفَتِهِ، والمهندس في مكتبه ؛ هؤلاء جميعا يجب أن يدْرُسوا الأسباب التي وضَعها الله عز وجل وأن يأخذوا بها، وأُريد أن أُوضِّح لكم هذه الحقيقة: السُّقوط له قانون، عرفه العلماء، ودرسه الطلاب في الثانويات والجامعات ؛ هذا القانون قائِم، ونافِذ إنْ أعْجَبَكَ أو لم يُعْجِبْك، وإن آمنْتَ به، أو كفَرْتَ، وإن أرْضاك أو أغْضَبَكَ، وإن انْتَبَهْتَ إليه أو غفلْتَ عنه، وإن اعْتَرَفْتَ به، أو لم تعترف، فلو أنَّكَ واقف في طائرة، وكُلِّفْت أن تسقط منها لِمُهمَّة فإذا آمنْتَ بِقانون السُّقوط تستخدمُ المِظَلَّة، لأنّ المِظَلَّة مَبنِيَّة على أساس قانون السُّقوط ؛ وزْنُ هذا المِظَلِي واتساع رقعة المِظَلَّة، ونوع قِماشها المُحكم الذي لا ينفذ منه الهواء والأربطة المحكمة، فهذه المِظَلَّة مَبنِيَّة على أساس قانون السُّقوط فإذا قلت: أنا لا أعْترف بها القانون ! لم يُقْنِعني، وما قيمة هذا القانون ؟ دَعُوهُ جانبًا !! نقول له: تفضَّل وانْزِلْ، اسْتهزئ بهذا القانون وانْزل من الطائرة من دون مِظَلَّة وسوف ترى ما سيَكُون ! قوانين الله عز وجل هكذا ؛ قائمة وموجودة ونافذة، عرفْتَ أم لم تعْرف، رضيتَ أم لم ترْض، أعْجَبَكَ أم لم يُعْجِبْك، في كلّ الأحوال، إما أن تأخذ بها فَتَنْجو، وإما أن تُهْمِلَها فتَهْلكَ، وهذا مُلَخَّصُ مُلَخَّصِ المُلَخَّص ! يعني إذا أردْتُم أن تضْغطوا هذا الدّرس كلّه في كلمات إنَّ لله عز وجل في كونه وفي خلْقه سُنَن، إما أن تأخذ بها فَتَنْجو، وإما أن تُهْمِلَها فتَهْلكَ.
 إنك إذا أهْمَلْتَ هذه السُّنَن، فلو بكَيْتَ، ورَجَوْتَ، ودَعَوْتَ، ورفعْتَ صوتك بالدُّعاء كلّ هذا كلامٌ فارغ، أعمال لا جدْوى منها، وحركات زائدة عن الحدّ المعقول، هذا الذي أتمنَّى عليكم أن يكون واضِحًا بين أيديكم، العلماء قالوا: إنَّ مِن موجِبات التَّوَكُّل الأخذ بالأسباب، وهذا الكلام للطُّلاب والمُدرِّسين والمهندسين والأطِبَاء، وللمحامين وأصحاب الحرف، والصُّناع والمزارعِين، والموظّفين، ولكلّ إنسان، فإهْمال العمل وعدم الأخذ بالأسباب محبط، تُقدِم عملاً ناقِصًا من دون دِراية، ويقول: دع الأمور لِسَيِّدك !! هذا كلام زعْبرة ! وليس له أيّ معنى إطلاقًا.
 إنَّ مِن موجِبات التَّوَكُّل الأخذ بالأسباب، وما تخلّف المسلمون إلا بِهذا المفهوم المغلوط، لأنّهم جعلوا التَّوَكّل في الجوارح، ولم يجْعلوه في القلب، التَّوَكُّل حال نفسي مكانه القلب، وأما الجوارح فيجب أن تعمل، فإذا أهْملْت العمل أي توكَّلْتَ بِجَوارحك ! فليسَتْ الجوارح مكان التَّوَكّل بل القلب، فالله عز وجل جعَلَ إنْجاب الأولاد يتمّ عن طريق الزَّواج، وجَعَلَ الشِّبَع يتمّ بِتَناول الطَّعام، وجعَلَ الوُصول إلى بلد يحتاج إلى رُكوب وسيلة كالدابة، كلّ شيء له سبب، أنت أيُّها الإنسان مَقْهور بالعِلَة الغائِيَّة، لا تستطيعَ أن تأكل شيئًا إلا إذا زرعْتَهُ، لكنَّ الله وحْده وهو خالق الكون أعمالهُ مُنَزَّهة عن العِلَّة الغائِيَّة، فالله تعالى يقول للشيء: كُنْ فيَكُون، أما أنت فلا بدّ أن تزْرع هذه الفاكهة حتَى تأكلها، وهذا درْسٌ بليغٌ يوضع بين أيديكم.
 على من التَّوَكُّل ؟ لنا عَوْدة لهذا الموضوع في الدرس القادم، قال تعالى:

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾

معاني اسم العزيز:

 الآن دخلنا في اسم العزيز، من هو العزيز ؟

 

المعنى الأوّل:

 إن القرآن الكريم فيه آيات كثيرة جدًّا طافحة بهذا الاسم الكريم، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

 وقال تعالى:

﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

 فالعزيز مأخوذ مِن عزَّ يَعِزُّ بكَسْر عَيْن الفِعْل، وهو بِمَعنى نَدَرَ، أيْ لا مثيل له، ولا نظير، فالله عزيز لأنَّه لا مِثْل له، ولا شبيه، وكلّّ ما خطَرَ بِبَالِكَ فالله خِلاف ذلك، الله سبحانه وتعالى لا يُشْبهُ شيئًا من خلْقه، فلا مِثْل له، ولا نِدَ له، ولا إله معه.

 

المعنى الثاني:

 وعندنا فِعْلٌ آخر، هو عَزَّ يَعُزُّ، بِمَعنى غَلَبَ يغْلب، و ثمة مثلٌ عربي شهير يقول: مَن عزَّ بزّ، أي من انْتَصَرَ وغلبَ له الحقّ أن يأخذ الغنائم والآية الكريمة:

 

 

﴿ وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ ﴾

 أي غلبني في الخِطاب، إذاً عَزَّ يَعُزُّ يعني غلبَ يغلب، فالعزيز يعني أنَّهُ لا مِثْل له، ولا شبيه له من عزَّ يعِزّ، ويعني أنَه القاهر فوق عباده من عزَّ يعُزُّ.

 

 

المعنى الثالث:

 وعندنا فِعْلٌ ثالث، هو عَزَّ يَعَزُّ، بِمَعنى اشتدَّ وقوي، والدليل قوله تعالى:

 

﴿ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ ﴾

 (ص: 14)

 بقي علينا ؛ لماذا قال الله عز وجل:

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾

 الله سبحانه وتعالى له تِسْعةٌ وتسعون اسْمًا، لماذا اخْتار من بين أسمائِهِ كُلِها اسم العزيز، وقال لك:

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾

 أُعِيدُ عليكم مرَّةً ثانية: عندنا في اللُّغة ثلاثة أفعال: عزَ يَعِزُّ، وعزَّ يعُزُّ، وعزَّ يَعَزُّ، فالأوَّل: بمعنى ندر ينْدر، شيء عزيز أي نادر وقليل، والثاني: بمعنى غَلَبَ يغلب، والثالث: بِمَعنى اشْتدَّ، وقويَ، نقول: تعزيز بِمَعنى مُعاونة، ومُساعدة، وتأكيد وتدعيم، فالله سبحانه وتعالى عزيز من عزَّ يَعَزّ، وعزيز مِن عزَّ يَعُزُّ أي يغلبُ ويقْهر، وعزيز مِن عزَّ يعَزّ أي اشْتدَّ، وقَوِيَ، الآن الاسم الأوَّل للتَّنْزيه، عزَ يعِزُ أي لا مثيل له ولا نظير، وليس كمثله شيء، والاسم الثاني والثالث من صِفات الذات الذي يغلبُ، والذي يقْهر، قال تعالى:

 

﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ﴾

 

 (الأنعام: 18)

 وهو القويّ المتين.
 المعنى الثاني والثالث من أسماء الذات.

 

المعنى الرابع:

 وهناك معنى رابِع العزيز مُعِزّ، كأن تقول: هذا جرحٌ أليم بِمَعنى مُؤْلِم، وزن فعيل بمعنى مُفْعِل، العزيز بمعنى المُعِزّ، هذا من أسماء أفعاله، فأوَّل الاسم تنْزيهي، واسمين من أسماء الذات، واسم من أسماء الأفعال، هو عزيز ليس كمثله شيء، وعزيز يغلب ويقهر من سِواه، وعزيز قويّ وعزيز يُعِزّ، وهذه معاني العزيز.

 

 

رأي الإمام الغزالي في معنى العزيز:

 لكنّ الإمام الغزالي له تحليل رائِع جدًّا لهذا الاسم، يقول: العزيز الشيء الذي يقلّ وُجود مثله، وتشتدّ الحاجة إليه ويصْعب الوُصول إليه، فإذا اخْتلّ أحد هذه الشروط لا يسمَّى هذا الشيء عزيزًا، إذا قلّ وُجود مثله، واشْتدَّت الحاجة إليه، ولكن سَهُل الوُصول إليه فليس عزيزًا، إذا قلّ وُجود مِثْله، وصَعُب الوُصول إليه، ولكن لم نكن بِحاجة إليه، فهذا ليس عزيزًا، ولو أنَّهُ صعُب الوُصول إليه، واشْتدَت إليه الحاجة، ولكنَّه كثير، فليس عزيزًا، فلا يُسمَّى الشيءُ عزيزًا إلا إذا قلّ وُجود مثله، واشْتدَّت الحاجة إليه، وصعُب الوصول إليه، أيْ لا يُنال جانبهُ، هذه صفات الأشياء إذا سمَّيناها عزيزة أما إذا أردنا أن نفهم اسم الله العزيز، يَقِلّ وُجود مثله حتى لا يوجد إلا هو لا إله إلا الله، وتشْتدّ الحاجة إليه، وكلّ شيءٍ بيَدِهِ، ويصْعبُ الوُصول إليه فلا يستطيع أحدًا أن ينال منه، والأمور كلّها إليه، وليس في مقْدور أحد من خلقه أن ينال منه، وليس كمثله شيء، متفرّد في ذاته وصفاته وأسمائه وفي أفعاله.
 كمالُ نُدْرة وُجودِه أنَّه واحِد، وليس كمثله شيء، وكمال الصِفة الثانية شِدَّة الحاجة إليه، وجميع المنافع عائدة إليه، وكمال أن يصْعب الوُصول إليه أنَه يصل إلى خلقه، ولا أحد من خلقه يصل إليه، بمعنى أنَّه ينالهُ ولذلك قال بعضهم: العزيز هو الذي لا يُدْركُهُ طالبوه، ولا يعْجزهُ هارِبوه، وهذا الاسم العزيز، واحِدٌ ليس كمثله شيء، كلّ الحاجات إليه، وكلّ المنافع بيَدِهِ، ولا يستطيعُ أحدٌ من خلقِهِ أن ينال منه، وعلى العزيز توكّل، وليس كمثله شيء، ولا شيء يصل إليه.
 هل أدْركتم معي لماذا قال الله عز وجل:

 

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾

 لماذا انتقى الله عز وجل من أسمائِهِ كلّها اسم العزيز ؟ لأنَّ غيره لا شيء، ولا شيء سِواه، وغير الله وهم، وخيال وصورة، أما الحقيقة هو الله عز وجل، وغيره ليس بيدِه شيء، وغيرهُ مقهور، أما الله عز وجل لا شيء قبله، ولا شيء بعده، ولا شيء مثله، ولا شيء نظيره، والمنافعُ كلّها إليه، ولا أحد ينال منه، لا يُدركُهُ طالبوه، ولا يُعْجزهُ هارِبُوه، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

 

((من جلس إلى غنيّ فتضَعْضع له من أجل ماله ذهب ثلثا دينه ! ))

 

 ( الترغيب والترهيب عن أبي الدرداء بسند ضعيف )

 لكن هناك آية دقيقة جدًّا يقول الله عز وجل:

﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

 (المنافقون: 8)

 إذا اعْتَزَزْتَ بالعزيز فأنت عزيز، الله عز وجل يُعطيك شيئًا من هذا الاسم، يرفعُ مكانتك، يمْنَع الناس من أن ينالوا جانبك وتشْتدُّ الحاجة إليك، يجعل الخير بيَدَيْك، إذا أحبَّ الله عبْدًا جَعَلَ حوائج الناس إليه، إذا أقْبَلْتَ على العزيز مُنِحْت شيئًا من هذا الاسم العظيم، والدليل قول الله عز وجل:

 

﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

 

فوائد اسم العزيز المسلكية:

 تتميَّز، وتشْتدُّ الحاجة إليه، ويجعل الله حوائج الناس عندك، ويحْميكَ مِن خُصومك، ولا ينالكَ أحد، وإذا اعتَززْتَ بالعزيز فأنت عزيز، والدعاء المشهور: سبحانك إنَّه لا يعزّ من عاديت، ولا يذلّ من واليْتَ فالذي تُواليهِ يا ربّ يزْدادُ عِزًّا، والذي تُعادِيه يزْدادُ ذُلاًّ، كُنْ مع العزيز تَكُن عزيزًا، وكُن مع الذليل تَكن ذليلاً، الله عز وجل قال:

 

﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

 

 (المائدة: 54)

 ولا ينبغي للمؤمن أن يذلّ نفسه، وابْتَغوا الحوائِج بِعِزَّة الأنفس، فإنَّ الأمور تجري بالمقادير، وشرف المؤمن قِيامُهُ بالليل، وعِزُّه اسْتِغْناؤُهُ عن الناس، واحْتجّ إلى الرجل تكن أجيرهُ، وتكن أسيرَهُ واسْتَغْنِ عنه تكن نظيرهُ، وأحْسِن إليه تكن أميرهُ، لذلك فالله عز وجل جعَلَ فضلهُ مبذولاً لِكُلّ الخلق، قال تعالى:

 

﴿ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

 

 (لنساء: 32)

قل لمن بات لي حاسِدًا  أتدري على من أسأتَ الأدب ؟
أسأْتَ على الله في فِعلِهِ  إذْ لمْ ترْضَ لـي مـا وهَـبَ
ملِكُ الملوك إذا وَهَـب  قُـم فاسْــألنَّ عن السَّــبب
الله يعطي ما يشـــاء  فَـقـِفْ عـلى حـــدّ الأدب
* * *

 كما أنَّ الله ربّ فلان فهو ربك، وكما أنّ فلانًا عبدُهُ فأنت كذلك عبْدُه فالعزيز اسم دقيق جدًّا، وأتمنَّى عليكم أن تزيدوا هذا الاسم بحثًا ودرْسًا لعلّ الله عز وجل ينفعَكم بهذا الاسم العظيم، وإلى درس آخر.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018