الدرس : 25 - سورة الأنفال - تفسير الآيات 66 - 68 ، قياس الوسع بالتكليف - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 25 - سورة الأنفال - تفسير الآيات 66 - 68 ، قياس الوسع بالتكليف


2010-01-15

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

 

الحدّ الأقصى و الحدّ الأعلى:

أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الخامس والعشرين من دروس سورة الأنفال، ومع الآية السادسة والستين، وهي قوله تعالى:

﴿ الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

( سورة الأنفال )

الحد الاعلى يفعله الابطال أما الحد الادنى مقبول ويفعله كل الناس
أيها الأخوة، قد يسأل سائل في الآية السابقة:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ﴾

( سورة الأنفال الآية 65)

أي واحد لعشرة.

﴿ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ﴾

( سورة الأنفال )

﴿ الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

هاتان الآيتان يشف منهما موضوع دقيق في الإسلام، هذا الموضوع ألخصه بكلمتين هناك الحد الأدنى، وهناك الحد الأقصى، أضرب أمثلة:
مسيلمة الكذاب قبض على صحابيين، فجيء بهما إليه، فقال للأول: أتشهد أنني رسول الله ؟ قال: ما سمعت شيئاً، فقطع رأسه فمات، فسأل الثاني، أتشهد أني رسول الله ؟ قال: أشهد أنك رسول الله، الأمر بلغ النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي: أما الأول فقد أعزّ دين الله فأعزه الله ـ الذي قُطع رأسه عندما قال لمسيلمة: ما سمعت شيئاً ـ وأما الثاني ؟ الصحابة قلقوا عليه أشد القلق، قال: وأما الثاني فقد قبل رخصة الله، هناك موقف بطولي، وهناك موقف مقبول عند الله، الأول الحد الأقصى، والثاني الحد الأدنى، هذا موضوع دقيق في الإسلام، هناك حدّ أقصى، وهناك حدّ أدنى.

 

عظمة هذا الدين وجود حدٍّ أدنى يستطيعه كل الناس و حدّ أعلى يفعله الأبطال:

حينما أُلزم علماء المسلمين أن يقولوا بخلق القرآن، بعضهم كنوا عن موافقتهم بكناية قال: القرآن، والإنجيل، والتوراة، والزبور كلها مخلوقة وقصد أصابعه، هذا الحد الأدنى ونجوا.
لو ألغينا الحد الأعلى لألغيت البطولة في الارض
أما ابن حنبل قال: لا، لا أقول بخلق القرآن، فدخل السجن وعُذب كثيراً، ابن حنبل أخذ الحدّ الأعلى، بقية العلماء أخذوا الحدّ الأدنى.
إذاً عظمة هذا الدين أنه يوجد حدّ أدنى يستطيعه كل الناس، و حدّ أعلى يفعله الأبطال، فلو ألغينا الحدّ الأعلى لألغيت البطولة في الأرض، لو أن أصحاب الأخدود قبلوا تحت تهديد القتل أنه إله، لا شيء عليهم، الله عز وجل ما كلف الإنسان ما لا يطيق، لكن أصحاب الأخدود رفضوا أن يعترفوا بألوهيته، فدفعوا حياتهم ثمناً لهذا الموقف البطل.
ماشطة بنت فرعون وقع المشط من يدها فقالت: بسم الله، قالت لها بنت فرعون: ألك إله غير أبي ؟ قالت لها: الله ربي وربك ورب أبيك، أخبرت أباها، جيء بها وعندها خمسة أولاد، وجاء بقدر فيه زيت مغلي، فقال لها: ألك إله غيري ؟ قالت: الله ربي وربك، أمسك ولدها الأول وألقاه في الزيت، حتى انفصل لحمه عن عظمه، ورأته بعينها فأمسك الثاني، قال: لك إله غيري ؟ قالت: الله ربي وربك، فأمسك بالثاني وألقاه في القدر حتى انفصلت عظامه عن لحمه، وأمسك بالثالث، قال لها: ألك إله غيري ؟ قالت: الله ربي وربك ألقاه في القدر، أخذ الرابع، سألها ألك إله غيري: قالت: الله ربي وربك، ألقاه في القدر، الخامس رضيع، فلما قال لها: ألك إله غيري ؟ فسكتت، والحديث في الصحاح، فأنطقه الله أن يا أمي اثبتي أنت على حق، قالت: الله ربي وربك، فألقاه في القدر، ثم ألقاها في القدر، في أثناء الإسراء والمعراج شمّ النبي رائحة لم يشم مثلها قط، قال: يا جبريل ما هذه الرائحة ؟ قال جبريل: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون.

 

كلُّ إنسان مخير وعندما يختار الأيسر والأسهل لا شيء عليه:

معنى ذلك بكل موقف هناك حدّ أعلى يجعلك بطلاً، والله عز وجل ما كلفك فوق ما تطيق، فعمل لك حداً أدنى، هذا شأن المسلمين في كل مكان، وهناك حدّ أعلى له ثمن باهظ وله مكانة كبيرة، وهناك حدّ أدنى لا تستطيع أن تضحي بحياتك، فقبلت، لذلك الله عز وجل قال:

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

( سورة البقرة الآية: 286 )

image

كل انسان مخير وعندما يختار الايسر والاسهل فلا شيء عليه

فالإنسان عندما يختار الأيسر والأسهل لا شيء عليه.
لكن هناك قصة ذكرتها مرة في بلد إسلامي، الله عز وجل كافأ الأول برقم فلكي ـ في ذلك الوقت كنت بتركيا ـ قلت: أعطى الأول عشرة آلاف دولار، والثاني أعطاه عشرة آلاف تركي، الثاني أخذ أجراً لكنه قليل جداً بالقياس إلى أجر البطل.
فأنت مخير، الله عز وجل ما كلفك ما لا تطيق، إن أردت أن تكون بطلاً هناك ثمن كبير جداً، و مكافأة فلكية، إن أردت أن تكون كأي إنسان عادي الحد الأدنى تأخذ به.
فلذلك مع قوة الإيمان، مع نزع الدنيا من قلب الإنسان، مع البعد، مع أهل الضلال، قد يأخذ الإنسان الموقف الأعلى، قد يكون إيمانه قوياً جداً، عندئذٍ تأتي الآية الأولى،

﴿ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ﴾

هناك حدّ أدنى، وهناك حدّ أقصى.

 

كل أمر كلف الله به الإنسان هو أمر ضمن وسعه:

أيها الأخوة، لكن يجب أن تعلموا علم اليقين أن الله جلّ جلاله قال:

 

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

كل امر كلف الله به الانسان هو ضمن وسعه
أي مستحيل وألف ألفِ مستحيل أن تكلف بأمر فوق طاقتك، إلا أن المشكلة أن الناس يقيسون التكليف بوسعهم، الأصح أن تقيس الوسع بالتكليف، ما دام هذا الأمر كلفك الله به إذاً قطعاً ضمن وسعك، حينما يقول الله عز وجل:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾

( سورة النور الآية: 30 )

يجب أن تؤمن كل خلية بجسمك، وكل قطرة في دمك، أن غضّ البصر في أصعب الأزمنة، وفي زمن الكاسيات العاريات، المائلات المميلات، في زمن أن المرأة تمشي في الطريق تبدو كل مفاتنها في هذا الزمن الصعب غض البصر ضمن وسعك، ما دام هناك أمر إلهي هذا الأمر ضمن وسع الإنسان، لكن ضمن وسع الإنسان الصادق الذي أراد الدار الآخرة، الذي أراد الله ورسوله والدار الآخرة، أما إذا كان هناك إصرار على الدنيا يقول لك: هذا شيء فوق طاقتي، متى يرى هذا الشيء فوق طاقته ؟ إذا أراد الدنيا.

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ﴾

القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلّما تنقضه الأيام:

أيها الأخوة، الحقيقة الدقيقة: قس الوسع بالتكليف الأمر الذي تتوهم أنك لا تستطيعه هو الذي لا تريد أن تفعله
الأصل هو التكليف، فما دام الله قد كلفك هذا الأمر يقيناً وقطعاً ضمن وسعك، أما الناس يقيسون التكليف بوسعهم، هو مُصّر على المعصية، بعيد عن الله، آثر الدنيا، يقول لك: لا أستطيع، وقد قيل: اعلم يقيناً أن الأمر الذي تتوهم أنك لا تستطيعه هو الأمر الذي لا تريد أن تفعله، وهناك قصص لا تعد ولا تحصى.
إنسان في صعيد مصر، أميّ، لا يقرأ ولا يكتب، أرسل ابنه إلى الأزهر، وعاد بعد خمس سنوات شيخاً، وألقى خطبة في جامع القرية، فبكى الأب بكاءً مراً، وقد ظن الناس أن هذا البكاء الشديد كان فرحاً بابنه الذي أصبح خطيباً، لكن الحقيقة هي العكس، كان هذا البكاء الشديد أسفاً على عمر ضيعه في الجهل مستحيل أن تطمح بشيء وتصدق في طلبه ولا تصل اليه
في اليوم التالي ركب دابته وتوجه إلى القاهرة، الطريق ألف كيلو متر، وعلى الدابة مسير شهر، فوصل بعد شهر إلى القاهرة، سأل: أين الأزعر ؟ لا يحفظ اسمه، قيل له: لا يوجد عندنا أزعر، عندنا أزهر، قال: هذا الذي يتعلم الطلاب به، أخذوه في الخامسة والخمسين إلى الأزهر، فتعلم القراءة والكتابة، ثم طلب العلم ومات في السادسة والتسعين وهو شيخ الأزهر.
إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلّما تنقضه الأيام، والله مستحيل وألف ألفِ مستحيل أن تطمح بشيء وتصدق في طلبه ولا تصل إليه، من سابع المستحيلات.

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة العنكبوت )

ما دام الله قد كلفك فهذا ضمن وسع الإنسان، لقوله تعالى:

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

مستوى الإيمان الضعيف مقبول عند الله مع مضي الزمن والفتوحات والغنائم والأموال:

لكن سؤال:

 

﴿ الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ ﴾

مستوى الإيمان الضعيف مقبول عند الله في زمن الفتن
الآن تشير إلى الزمان، يبدو أن الصحابة الكرام وهم مع سيد الأنام كانوا في أعلى درجات الإيمان، وفي أعلى درجات البعد عن الدنيا، وفي أعلى درجات البعد عن الفتن، وفي أعلى درجات القرب من الله، بهذا القرب، وبهذا الإقبال، وبهذا البعد عن الدنيا، وبهذا الصدق الكبير، كان الواحد منهم بعشرة:

﴿ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ﴾

لكن مع مضي الزمن، والفتوحات، والغنائم، والأموال، والاستقرار، هذا يضعف الإيمان، أو مع الإقبال على الدنيا، وضعف الإقبال على الآخرة، هذا يضعف الإيمان، مع انتشار الفتن هذا يضعف الإيمان، لذلك جاء التوقيت زمني،

﴿ الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ﴾

لكن مستوى الإيمان الضعيف مقبول عند الله، بالجامعة يوجد مقبول، و وسط، و جيد، و ممتاز، و درجة شرف، مراتب النجاح هناك نجاح مقبول، و هناك نجاح بدرجة شرف.
أيها الأخوة، الملخص أنك إذا واجهت رجلين، وفررت منهما، فأنت فار من الزحف وهي من الكبائر، لأن هذا الحد الأدنى، أما إذا واجهت عشرة وفررت منهم هذا دليل ضعف الإيمان، لكن لو فررت من ثلاثة لا تعد عديم الإيمان، أما من اثنين أقل من ضعيف، أي راسب.

 

الله عز وجل مع المؤمنين بالتوفيق و التأييد و النصر و الحفظ:

أما قول الله عز وجل:

 

﴿ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

ماذا أقول بهذه الآية ؟ هذه معية خاصة، هو معهم بالتوفيق، معهم بالتأييد، معهم بالنصر، معهم بالحفظ، معهم بالرعاية، لو إنسان قال: سافرت إلى بلاد الغرب ومعي خمسة دولار، تصدقه ؟ مستحيل ! لكن لو علمت أن معه إنساناً معه ملايين فالكلام صحيح، أو إنسان ضعيف قال: نقلت هذه الصخرة من هنا إلى هنا، كلام غير مقبول، لو علمت أن معه بطلاً بالوزن الثقيل أعانه عليها صار الكلام مقبولاً.
إذا قلت:

﴿ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

البطولة أن تكون مع الله والله يتولى حفظك وتوفيقك ونصرك
أي معهم بقدرته، معهم بعلمه، معهم بغناه، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟ فالبطولة أن تكون مع الله، والقضية الدقيقة أن هناك معية عامة حينما يقول الله عز وجل:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

( سورة الحديد الآية: 4 )

أي معكم بعلمه، هناك معية عامة، أما إذا قال الله عز وجل: ﴿ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ هذه معية خاصة، معهم بالتوفيق، معهم بالحفظ، معهم بالنجاح، معهم بالإكرام، معهم بالعطاء، مع الخاصة رائعة جداً.

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنفال )

﴿ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

(سورة الأنفال: الآية 66)

﴿ مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

( سورة التوبة )

هذه معية خاصة.

 

المعية الخاصة لها ثمن و ثمنها الآية التالية:

المعية الخاصة لها ثمن وثمنها هذه الآية
الله عز وجل يبين لنا أن هذه المعية الخاصة لها ثمن.

 

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾

 

( سورة المائدة الآية: 12 )

هذا ثمن معية الله عز وجل، ولا تنسوا أبداً أنه إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ الآيات تصبح:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ * الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

 

 

دلالات القصة التالية:

أيها الأخوة الكرام، في موضوع غزوة بدر، كلكم يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام اختار لأصحابه مكاناً مناسباً في هذه الغزوة، فجاء صحابي جليل اسمه الحُباب بن المنذر ـ أنا ما رأيت قصة لها دلالات كهذه القصة ـ قال له: يا رسول الله هذا الموقع وحي أوحاه الله أم هو الرأي والمشورة ؟ إذا كان وحياً لا أتكلم ولا كلمة، أما إذا كان اجتهاداً لي كلام، لكن حكمة الله المطلقة أن الله حجب عن نبيه الموقع المناسب، حجبه عنه وحياً، وحجبه عنه اجتهاداً، وحجبه عنه إلهاماً قصة اختيار موقع غزوة بدر تعلمنا ضرورة الاصغاء الى الناصح
فجاء هذا الصحابي بأدب جمٍّ قال له: يا رسول الله هذا المكان وحي أوحاه الله إليك أم هو الرأي والمشورة ؟ قال له: هو الرأي والمشورة، قال له: والله يا رسول الله ليس بموقع، أي هذا الموقع غير مناسب، النبي الكريم ببساطة وبعفوية وبمودة قال له: أين الموقع المناسب ؟ أشار له إلى موقع آخر، فأعطى النبي أمراً لأصحابه أن ينتقلوا إلى هذا الموقع ـ القصة دقيقة جداً ومعبرة جداً ـ القصة تعني أن النبي معصوم من أن يخطئ في أفعاله، وأقواله، وإقراره، لكن لحكمة بالغةٍ بالغة حجب الله عنه الموقع المناسب، حجبه وحياً، وحجبه إلهاماً، وحجبه اجتهاداً، فكان هذا الموقع الذي اختاره لم يعجب هذا الصحابي، هذا الصحابي من شدة أدبه قبل أن يدلي برأيه قال له: هذا الموضع وحي أم رأي ؟ فإن كان وحياً لا أتكلم و لا كلمة، وإن كان رأياً أنصح، الآن النبي معصوم.
إلا أن فضيلة واحدةً لا يمكن أن تبدو منه، فضيلة الرجوع إلى الصواب، هو معصوم، فكيف يظهر بهذه المكرمة ؟ وهذه الفضيلة ؟ لا بد أن يحجب عنه الموضع المناسب وحياً، وإلهاماً، واجتهاداً، ويأتي صحابي مؤدب جداً ويسأله ؟ يجيبه أن هذا الرأي والمشورة، يقول له: ليس بموقع.
لذلك هذه القصة لها دلالات كبيرة جداً تبين أنه حتى الفضيلة لا يمكن أن تظهر من النبي لأنه معصوم، الله عز وجل هيأ له ظرفاً دقيقاً، وظهرت هذه الفضيلة، فضيلة الإصغاء إلى الناصح، فضيلة الرجوع إلى الصواب، فكانت هذه القصة من معالم سيرته النبوية صلى الله عليه وسلم.

 

 

 

من كان مع الله كان الله معه:

أما كلمة

 

﴿ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

أي عندما كان في الغار، ووصل الكفار إليه، الحقيقة هناك ملمح آخر دقيق جداً هو أن النبي عليه الصلاة والسلام أخد بالأسباب وكأنها كل شيء، وتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، أخذ بالأسباب، هيأ من يأتيه بزاد، من يأتيه بالأخبار، من يمحُو الآثار، اتجه جنوباً والمدينة شمالاً، اتجه ساحلا والمدينة في الداخل، قبع في غار ثور أياماً ثلاثة وقت شدة الطلب، فكل ثغرة غطاها، إذاً هو أخذ بالأسباب، هذا منهج أخذ بالأسباب كأنها كل شيء، وتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
من كان مع الله كان الله معه
لكن واقع العالم أن الغرب أخذ بالأسباب، واعتمد عليها، وألهها، ونسي الله، فوقع في الشرك، وأن الشرق لم يأمر بها أصلاً فوقع في المعصية، والصواب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، لكن حينما وصل المطاردون إليه هناك ملمح دقيق جداً، لو أنه أخذ بالأسباب، واعتمد عليها، ووصلوا إليه، لانهارت قواه، لكنه أخذ بالأسباب طاعة لله، واعتمد على الله، فلما وصلوا إليه قال أبو بكر: " يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا "، فقال:

(( يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ]

أي إذا كان الله معك فمن عليك ؟

﴿ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

أي أنت مع الله قوي جداً، أنت مؤمن ضعيف بمرتبة اجتماعية متدنية، و دخل متواضع جداً، لا يعرفك أحد، لست مشهوراً، إذا كنت مع الله أنت أقوى الناس، وأذكى الناس، لأنك تأخذ قوة الله، وتأخذ علم الله، وتأخذ رحمة الله، فالأصل أن تكون مع الله.

من كان مع الله أيده الله بالسكينة والطمأنينة والسعادة:

لذلك

﴿ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

من كان مع الله أيده الله بالسكينة والطمأنينة والسعادة
كلمة مع قليلة ؟ مثلاً: مواطن متواضع، دخله محدود، ضارب آلة كاتبة، بيته بأقصى المدينة، بيته ستون متراً، لكن الملك معه، صار أقوى من كل وزراء الملك.
فأنت يجب أن تعلم ماذا أن يكون الله معك، ولا تنسى هذه المقولة: "وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ".
لا تنسى هذه المقولة: " يا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟ ".
حينما تكون مع الله ينزل على قلبك السكينة، السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، هذه السكينة أكبر عطاء إلهي، طمأنينة، ثقة، قوة شخصية، سعادة، رضا، تفاؤل، معنويات مرتفعة جداً، هذه السكينة.

 

استشارة النبي الكريم أصحابه في أسرى معركة بدر:

أيها الأخوة الكرام، شيء آخر: هذه الموقعة ـ موقعة بدر ـ تمّ أسر سبعين قرشياً، فالنبي الكريم استشار أصحابه الكرام، فقال: ما ترون في هؤلاء الأسرى ؟ ماذا نفعل بهم ؟ إن الله قد مكنكم منهم، وإنما هم أخوانكم بالأمس، فقال أبو بكر: "يا رسول الله أهلك وقومك، قد أعطاك الله الظفر، ونصرك عليهم، هؤلاء بنو العم، والعشيرة، والأخوة، استبقهم، أي اعفُ عنهم، وإني أرى أن تأخذ الفداء منهم، فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم بك، فيكونوا لك عضداً "، فقال عليه الصلاة والسلام: ما تقول يا بن الخطاب ؟
الرسول قدوتنا علمنا الشورى في أسمى صورها
نحن أحياناً بالأخبار نسمع أن هذا الوزير من الصقور، وهذا الوزير من الحمائل، هناك وزير صقر، وهناك وزير حمامة، فلما سأل سيدنا عمر، قال له: " يا رسول الله كذبوك، وأخرجوك، وقاتلوك، ما أرى ما رأى أبو بكر، أرى أن تمكنني من فلان فأضرب عنقه، وأن تمكن علياً من عقيل فيضرب علي عنقه، وتمكن حمزة من فلان حتى يضرب عنقه، حتى ليعلم الله أنه ليس في قلوبنا مودة للمشركين، هؤلاء صناديد قريش، وأئمتهم، وقادتهم، فاضرب أعناقهم، ما أرى أن يكون لك أسرى، فإنما نحن راعون مؤلفون ".
وقال عبد الله بن رواحة: "يا رسول الله أنظر وادياً كثير الحطب، فأضرمه عليهم ناراً " فقال العباس وهو يسمع ما يقول: " قطعت رحمك"، قال أبو أيوب: فقلنا ـ أي الأنصارـ: "إنما يحمل عمر ما قال حسد لنا "، فدخل عليه الصلاة والسلام البيت، فقال أناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال أناس: يأخذ بقول عمر، وقال أناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة، ثم خرج فقال: إن الله تعالى ليلين قلوب أقوام حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله تعالى ليشدد قلوب أقوام حتى تكون أشد من الحجارة.
في حياتنا اليومية ضمن الشرع هناك إنسان لين، وهناك إنسان قاس.

 

أبو بكر و عمر من وجهة نظر النبي صلى الله عليه وسلم:

ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: مثلك يا أبا بكر في الملائكة كمثل ميكائيل يتنزل بالرحمة، ومثلك يا أبا بكر في الأنبياء كمثل إبراهيم، قال:

﴿ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

( سورة إبراهيم )

ومثلك يا أبا بكر كمثل عيسى بن مريم إذا قال:

﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

( سورة المائدة )

image

كان النبي يرى أبو بكر رحيما أما عمر فكان شديداً على أعداء الله

ومثلك يا عمر في الملائكة كمثل جبريل يتنزل بالشدة والبأس والنقمة على أعداء الله، ومثلك في الأنبياء كمثل نوح قال:

﴿ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً ﴾

( سورة نوح )

ومثلك في الأنبياء كمثل موسى قال:

﴿ اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾

( سورة يونس )

لو اتفقتما ما خالفتكما، لكن واحد مع الصقور، وواحد مع الحمائل، واحد شديد وواحد لين، أخذ قراراً لا يَنْفَلِتَنَّ أحد منكم إِلا بِفداء، أو ضَرب عُنُق، ومن بين الأسرى كان عدد كبير من أغنياء قريش، النبي أخذ قرار فداء أو قتل.
أيها الأخوة، لذلك قال تعالى:

﴿ الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

فجاء الوحي يقول :

﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

( سورة الأنفال )

أيها الأخوة الكرام، تتمة هذه الآيات وشرحها في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018