الدرس : 17 - سورة الشعراء - تفسير الأية 217 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 17 - سورة الشعراء - تفسير الأية 217


1989-11-10

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا، وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً، وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً، وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس السابع عشر من سورة الشُّعراء، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220) ﴾

 ( سورة الشعراء )

حقيقة التوكل:

 أيّها الإخوة الأكارم، وعدْتكم في الدرس الماضي أن يكون الموضوع في هذا الدرس حول التَّوَكّل، لِوُرود هذه الآية الكريمة التي فيها أمْرٌ من الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام، والله سبحانه وتعالى أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين، فأيّ أمْرٍ مُوجَّه إلى النبي عليه الصلاة والسلام هو في الوقت نفسِهِ مُوَجَّه إلى كلّ مؤمن، فأنت أيها المؤمن أمام نصّ قَطْعِيّ الثُّبوت، قَطْعِيّ الدلالة، يأْمُرُكَ بالتَّوَكّل، فما هو التوكّل ؟
 الله سبحانه وتعالى تحدَّث في القرآن الكريم عن التوكّل في آياتٍ كثيرة، من أبْرز هذه الآيات، قوله تعالى:

﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ﴾

 ( سورة آل عمران )

إن الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين:

 هذه آية صريحة، المؤمنون يجب أن يتوكَّلوا على الله، إذاً فهمْنا من قول الله عز وجل في سورة الشعراء:

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 على أنَّها موجَّهةٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأيُّ أمْرٍ يقتضي الوجوب موجَّه إلى النبي عليه الصلاة والسلام هو بالتَّبَعِيَّة مُوَجَّه إلى المؤمنين، ففي هذه الآية نصّ صريح يؤكِّد على كلّ مؤمن أن يتوكَّل على الله، والإيمان كما يعرِّفُه بعض العلماء: إقْرار باللِّسان، وعمل بالأركان، واعتقاد بالجنان، فهناك جانب داخلي، وجانب كلامي، وجانب سلوكي، ويبْدو أنَّ الناس قد يُعَلّقون أهَمِيَّة كبرى على الجانب السُّلوكي، وقد يُغْفِلون على ما يجب أن يكون في نفْس المؤمن من أحوال، من لوازم المؤمن أنّه متوكّل، والتوكّل سعادة، ومن لوازم المؤمن أنّه مسْتَسْلِم، وأنه راضٍ أنه مُفَوِّض، فلذلك إن لم نعْرف دقائق هذه المشاعر، وكيف تتم تنميتها ؟ وكيف السبيل إليها، فنحن لا تتوافر فينا صفة الإيمان، الإيمان مجموعة من الحقائق التي يجب أن تعتقد بها، ومجموعة من الأحوال التي يجب أن تشعر بها، ومجموعة من الأقوال التي يجب أن تنطق بها، ومجموعة من الأعمال التي يجب أن تفعلها، فالتَّوَكّل حالة نفْسِيَّة تُلازم المؤمن، فما التوكّل ؟ قبل كلّ شيء نحن إما بالتَّبَعِيَّة لقول الله عز وجل:

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 أو بالأصالة مأمورون بالتَّوكّل، قال تعالى:

﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

 ( سورة آل عمران )

 هذه اللام لام الأمر، إذا اقْترنَتْ بالفِعْل المضارع تجعله في المعنى فِعْل أمر فالفِعل اُكْتُب فِعْل أمر، والفعل كتَبَ فعل ماضٍ، وهناك مضارع يكْتب، لو جاءَت لام الأمر مع الفعل المضارع يُصبحُ هذا الفعل في المعنى فعلَ أمر، قال تعالى:

﴿ وَلْيُمْلِلْ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾

 ( سورة البقرة )

 فحيثما اقْترنتْ لام الأمر بالفعل المضارع جعلتْهُ في المعنى فعل أمر، وحيثما اقْترنَتْ لم بالفِعل المضارع جعلتْه في المعنى فعلاً ماضيًا ؛ لم يجْتهد لم ينْجح، وحيثما اقْترنَتْ لن بالفعل المضارع جعلتْهُ للمستقبل، بل إنَّ التَّوَكّل شرْط لازمٌ غير كافٍ للإيمان، والدليل قول الله عز

﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

(سورة المائدة )

 فإن لم تتوكَلوا فلسْتُم بِمُؤمنين.

الناس مع التوكل قسمان:

 إنَّ التوكّل يفْرز الناس قِسمَين:
 قسْم مؤمنٍ إيمانًا حقيقيًّا، وقِسْم آخر إيمانهُ شَكلي لا يُقدِّم ولا يؤخِّر، فالذي لا يتوكَّل على الله ليْسَ مؤمنًا به، ولا يعرفُه أساسًا، من علامة أنّك تعرف الله، وأنّك مؤمن به أن تتوكَّل على الله، قال تعالى:

 

﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

 

 ( سورة المائدة )

 فإن لم تتوكَلوا فلن تكونوا مؤمنين، هناك علاقة ترابطيّة بين الإيمان والتَّوكّل، إذا توكَّلْت فأنت مؤمن، وإذا آمنْتَ فأنت متوكِّل.

 

مقاييس التوكل كما جاءت في القرآن والسنة:

 النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث يُعطينا مقاييس كقوله صلى الله عليه وسلّم:

 

 

(( برئ من الشحّ من أدى زكاة ماله ))

 

 ( الجامع الصغير عن خالد بن زيد بن حارثة بسند فيه ضعف)

 هذا مقياس دقيق.

 

(( وبرئ من الكِبْر من حَمَلَ حاجتهُ بيَدِهِ ))

 

 ( الجامع الصغير عن أبي أمامة بلفظ سنده ضعيف: من حمل سلعته فقد برئ من الكبر )

 و:

(( من أكثر من ذِكر الله فقد برئ من النِّفاق))

 ( الجامع الصغير عن أبي هريرة بسند ضعيف)

 وهذا مِقياس، قال تعالى:

﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

 ( سورة المائدة )

 إن كنتَ مؤمنًا فلا بد أن تتوكَّل على الله، وما أكْثر الهموم، وما أكثر أشْباه المصائب، وما أكثر المُقْلِقات في الحياة الدنيا، والله سبحانه وتعالى هكذا جَعَلَ الدُّنيا ؛ مَشْحونةً بالمُقْلِقات وبالمَخاوِف، ومن أجل أن تلْتجئ إليه، فما هذه المشكلات ؟ وما تلك المخاوِف ؟ وما هذه الأشباح إلا من أجل أن تنْدفِعَ إلى بابه، وأن تقف على بابه، وأن تُمَرِّغَ جبْهتك في أعْتابه، وهذه حِكمة المصائب، من أجل أن تندفِعَ إلى الله عز وجل إذًا قال تعالى:

﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

 ( سورة المائدة )

 إن كنتَ مؤمنًا فتَوَكَّل على الله، وإن كنت متوكِّلاً على الله فأنت مؤمن، هناك علاقة ترابطِيَّةٌ بين الإيمان والتَّوَكّل.
 شيءٌ آخر، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾

 ( سورة الطلاق )

 أي: يَكْفيه، أحيانًا تُوَكِل أخًا لِحَلِّ قَضِيَّة، وقد تُفاجأ أنَّ هذا الأخ الذي وكَّلْتَهُ بِهذه القضِيَّة ليس في المستوى المَطلوب، بل دون المستوى المطلوب، فخَسِرت هذه القضية، وقد تضَعُ ثِقَتَكَ بإنسانٍ فإذا هذا الإنسان ليْسَ في المستوى المطلوب لا إخلاصًا ولا علمًا ولا قُدْرةً، وقد ينقُصُه الإخلاص لك فَيُهْمِلُ هذا التَكليف، وقد يكون مخْلِصًا لك، ولكن ينْقصُه العِلم الغزير، فَيُخْفِقُ مَسْعاه، وقد يكون مخْلِصًا لك، ويتمتَّعُ بِعِلْمٍ غزير، ولكنَّ قدْرتهُ محدودة على حلّ هذه المشكلة، لكنَّ الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾

 ( سورة الطلاق )

رحمة النبي عليه الصلاة والسلام بالخَلق:

 إنّ الله سبحانه وتعالى خَلَقَ العِباد لِيَرْحمهم، فهو الذي يُحِبُّهم، وهو الذي خلقهم لِيُسْعِدَهم، وما رحمة العباد فيما بينهم إلا جزءٌ يسيرٌ يسير من رحمة المولى القدير، قال تعالى:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

 ( سورة آل عمران )

 أيْ بِرَحمةٍ جُزْئِيَّة، وهذا تنكير التَّقليل، وهو أرحمُ بِنا من أنفسنا، وأرْحمُ بالابن مِن أُمِّه، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

 ( سورة التوبة: 128)

 كلّ هذه الرَحمة التي يمتلئ بها قلبُ النبي عليه الصلاة والسلام جزْءٌ يسير يَسير من رحمة الله عز وجل، والدليل قول الله عز وجل:

﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

 ( سورة الكهف )

 هذه الألف واللام تُفيد الاسْتغراق، أيْ الرحمة كلّها عند الله عز وجل، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو في الطائف، وقد وصَلَها مَشيًا على قَدَمَيْه هو وغلامهُ زَيْد، وقد ردَّ أهلها عليه ردًّا قبيحًا، وردًّا غليظًا وردًّا مُجافيًا، وكذَّبوهُ وسَخِروا منه، وأغْرَوا به صِبْيانهم، وألجؤوه إلى حائط، وجاءهُ جبريل عليه السلام وقال: يا محمّد، أمرني ربي أن أكون طَوْع إرادتك، لو شئْتَ لأطْبقْتُ عليهم الأخْشبَيْن ! يعني الجبلين قال: لا يا أخي اللهمّ اهْدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون ماذا فعَل النبي عليه الصلاة والسلام ؟ الواحدُ مِن الناس إذا مَسَسْتَهُ بِسُوء يتمنَّى أنْ يُمَزِّقَكَ إربًا إِربًا، إنْ مسَسْتَ مكانتَهُ، وإن مسسْتَ سُمْعتَهُ، وإن مسسْتَ ماله وحاجاته، فالنبي عليه الصلاة والسلام جاء ليَهْديهم فكان الأذى والصد ردّهم قال: يا محمّد أمرني ربّ أن أكون طَوْع إرادتك، لو شئْتَ لأطْبقْتُ عليهم الأخْشبَيْن ! يعني الجبلين قال:

((لا يا أخي اللهمّ اهْدِ قومي فإنَّهم لا يعلمون لعلّ الله يُخْرج من أصلابهم من يُوَحِّدُه ))

 هذه رحمة الله، قال تعالى:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

 ( سورة آل عمران )

 أما الله سبحانه وتعالى:

﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾

 ( سورة الكهف )

 الرّحمة كلّها عنده، إذًا كما قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾

 ( سورة الطلاق )

 يُحِبُّنا ورحيمٌ بنا، وعلمهُ لا حدود له، أحيانًا تُعطي آلةً لإنسانٍ تتوهَّم أنَّ فيه العِلم الكافي لإصلاحها، فإذا هو يُفْسدها، ويُخَيِّب ظنَّك فأنت توكَّلْت عليه فأفْسَدَ لك الآلة، إذًا عِلْمهُ ليس في المستوى المطلوب، عِلْمُ الله عز وجل محيط، وبكلّ شيءٍ عليم، وأحيانًا تضعُ هذه الحاجة عن زَيْد، وزيْدٌ يُحِبّك ومخْلصٌ لك، وزيْدٌ علْمهُ غزير، ولكنّ قدْرتَهُ محدودة، يقول لك: هذه ليْسَت في طاقتي، وتحتاج إلى توقيعٍ من فلان، وفلان لا يُوَقّعُها، حاوَلْتُ معه فَرَفَضَ، توسلت له فأبى.
 أما ربّنا عز وجل فكل شيء بين أُصبعيه، والقلوب بين أُصبُعَيه كما قال عليه الصلاة والسلام، كُنْ فيَكُون وزل فيَزُول، إذًا محبَّتُهُ وعِلْمُهُ وقُدْرتُهُ، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾

 ( سورة الطلاق )

 لذلك قالوا: إذا أردْتَ أن تكون أقوى الناس فَتَوَكَّلْ على الله، لو كنْتَ مُجَنَّدًا في ثكنة، وكان لك رفيق عِرِّيف، وهو يستطيع أن يتغاضى عنك إذا غبْتَ، وتنتهي هنا مسؤوليَّته، ولكنّ هناك قضايا تحتاج أكثر من عِرِّيف، لك ملازم رفيقك، هذا رتبتُهُ أوْسَع ولكن محدودة، فما قولك إذا كان قائِدُ الجيش مِن طرفك ؟ أيُّ شيءٍ يعْسُر عليه في تطبيق الأنظمة النافذة ؟ كلّما كان الذي توكَّلْت عليه عظيمًا كلَّما أوْرَثَكَ أمْنًا واطْمِئْنانًا، كلّما رفعْتَ المسْتوى توسَّعت في الراحة، فلِذلك:

﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾

 ( سورة الطلاق )

 هناك آية أخرى تُفيد المعنى نفسه، قال تعالى:

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا ﴾

 ( سورة النساء )

 يكْفيك أنّ الله عز وجل إذا توكَّلْت عليه لا يُخَيِب ظنَّكَ، لذلك يقول الله عز وجل في الحديث القدسي:

 

(( أنا عند ظنِّي عبدي بي فليظن بي ما شاء ))

 

 ( الترمذي وابن ماجه )

 ولا تقل: هذا الشيء صعب، قال تعالى:

﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 الأشياء التي تبْدو لك مستحيلة هي مسْتحيلة بِحُكم العادة، ولكنَّها على الله ليْسَت مسْتحيلة، وسَلْ الأطِبَّاء عن الحالات التي تمَّ في الشِّفاء بعد أن كان الشِّفاء ميْؤوسًا منه ؟ يقولون لك: هناك آلاف الحالات شفيت شفاءً ذاتياً، فيا أيّها الأطِبَّاء، ماذا تُسمُّون شفاء هذه الحالات ؟ قالوا: الشِّفاء الذاتي، مرضٌ مَيْؤوسٌ منه، ومع ذلك إذا تدخَلَتْ قدرة الله عز وجل أصْبح السقيم صحيحًا، والفقير غنِيًّا، والطريد آمِنًا، ولكن إيَّاك أن تتوكَّل على الله عز وجل في الباطل ! يا محمَّد، هكذا قال بعض من حَوْل النبي، مثِّلْ بهم يتصدون قتلى المعارك من الكفار، هؤلاء كُفَّار قريش الذين أخْرجوك، وعذَّبوا أصْحابك، وقاتلُوك، وكادوا لك، وشَتَموك، واتَّهَمُوك بالسِّحر والجنون، والشِّعْر، هؤلاء قد قتلْتهم بِبَدْر مثِّلْ بهم فقال عليه الصلاة والسلام:

(( لا أُمثِّلُ بهم فيمَثِّل الله بي، ولو كنتُ نبيًّا !!! ))

 هذه النّقطة أتمنَّى أن تقفوا عندها، يعني أن تتوكَّل على الله لِتُؤْذيَ الناس ولِتَنال شيئًا ليس لك ؛ هذا شيءٌ مستحيل، إذا كان بعض البشر يُحابون أتباعهم على الباطل، فهذا ليس من صفات الله عز وجل،

(( لو أنَّ فاطمة بنتُ محمّد سرقَتْ لقطَعْتُ يدها ))

 ( البخاري عن عائشة )

(( يا فاطمة بنت محمَّد، يا عبَّاس عمّ رسول الله، أنْقِذا نفْسَيْكُما من النار فأنا لا أُغني عنكما من الله شيئًا ))

 ( الترمذي)

(( من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبُه ))

 ( الترمذي، أبو داود، ابن ماجه)

(( لا يأتيني الناس بأعمالهم، وتأتوني بأنسابكم ))

 ( ورد في الأثر )

 لا محاباة في الدِّين.

 

(( لا فضْل لِعَربيّ على أعجميّ إلا بالتّقْوى ))

 

 ( البيهقي عن جابر)

(( الناس كلّهم بنو آدم، وآدم من تراب ))

 ( الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة)

(( الخَلْقُ كلّهم عِيال الله، وأحبُّهم إلى الله أنفعهم لِعِياله ))

 ( البخاري عن عائشة )

 الله سبحانه وتعالى لا يُحابي أحدًا.
 قال سيدنا عمر رضي الله: << يا سعْدُ، لا يغرنَّك أنَهُ قد قيل: خال رسول الله ‍>> ! لا يوجد صحابي قال له النبي صلى الله عليه وسلّم:

(( فِداك أبي وأُمِي ))

 إلا سيّدنا سعْد، قال له:

(( ارْمِ سَعْدُ، فداك أبي وأُمِّي ))

 ( الترمذي وابن ماجه عن علي )

 وكان إذا دَخَلَ سعْدُ، يقول: هذا خالي أروني خالاً مثل خالي، هل بعد هذه المحبّة محبّة ؟ هل بعد هذا الإيثار إيثار ؟ وهل بعد هذا التَّكريم تكريم، ومع ذلك سيّدنا عمر الذي عرف الله عز وجل قال: يا سعْدُ، لا يغرنَّك أنَهُ قد قيل خال رسول الله ‍! لا تغترّ، فالخلْق كلّهم عند الله سَوَاسِيَّة، وليس بعينه بينهم قرابة إلا طاعتهم له، وهذه المعاني تبثّ الطمأنينة في النَّفس، يقول لك: أنا مَنْسوب !! قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( أنا جدّ كلّ تقيّ ولو كان عبْدًا حبشِيًّا...))

 

 ( سلسلة الأحاديث الضعيفة)

 و:

(( سلْمان مِنَّا آل البيت ))

 ( الجامع الصغير عن عمرو بن عوف)

 قال تعالى:

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5) ﴾

 ( سورة المسد )

 فأبو لهب عمّ رسول الله !! << ويا سعْدُ، لا يغرنَّك أنَهُ قد قيل: خال رسول الله ‍! فالخلْق كلّهم عند الله سَوَاسِيَّة، وليس بينهم قرابة إلا طاعتهم له >>.

 

فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ

 إذاً هذا الكلام كلّه تمهيد لهذه الآية:

 

﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾

 ( سورة النمل )

 إذا كنتَ على الحقّ فتوكَّل على الله، وإن كنتَ على خِلاف الحق، فإن توكَّلْتَ أو لم تتوكَل فلن يكون الله معك، قال تعالى:

﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾

 ( سورة المائدة )

 معِيَّة الله مَشْروطة، لا توجد هناك مَعِيَة مطلقة، إن فَعَلْتُم كذا وكذا فلكم كذا وإلا فلا !! قال تعالى:

﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾

 ( سورة النمل )

 فيا أيّها الإخوة الأكارم اِجْتهَدوا أن تكونوا على الحقّ المبين، في بيعِكَ وشِرائِك، من دون غِشّ أو تدْليس، ومن دون غَدْر ولا اسْتِغلال جهْل الشاري، غبْن المسترسل ربا وحرام ! وفي علاقتك بِزَوْجَتِك لا تكن ظالمًا، إذا كنتَ على الحقّ المبين فتوكَّل على الله، وفي أيّ حركاتك وفي أيّ نشاط، وفي أيّ تحرّك، كُنْ على الحقّ، ولا تخْشَ في الله لوْمة لائم، قال تعالى:

﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾

 ( سورة النمل )

 و أحيانًا يكون للإنسان صاحب وثيق الصِّلة به، وهذا الصاحب له شأن كبير في المجتمع، هذا الصاحب يُدْخل على قلبهِ الطمأنينة، يقول لك: أنا فلان صاحبي ولا يهمني إذاً أحداً ! فإذا مات هذا الإنسان ؛ ماذا تفعل ؟ ربّنا عز وجل قال:

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ﴾

 ( سورة الفرقان )

 هؤلاء يموتون، قد يموت قبل أن يُعْطيكَ ما وعَدَك به، وقد تُعَلِّقُ على صُحْبتِهِ آمالاً عريضة، فيموت بِحادِث، أين آمالك ؟ ضاعَت مع هذا الحادث ! قد تُعَلِّقُ عليه أحلامًا فتقول: وعدني بهذا المنصِب، ووعدني بهذه الأرض، ووعدني بِمُوافقته على سفري، فإذا ماتَ فجأةً أين هذه الوعود ؟ لكن كما قال الشاعر:

 

اِجْعَل لِربِك كلّ عِزٍّ يستقرّ ويثبت فإذا  اعْتَزَزْتَ بِمَـن يموت فإنَ عِزَّك ميِّتُ
***

 لذلك قال تعالى:

 

 

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ﴾

 

 ( سورة الفرقان )

 الآية الأخيرة في التوكّل:

﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾

 ( سورة آل عمران )

 معنى ذلك أنَ كلّ عملٍ في الأرض لا ينْجح إلا بِشَرْطَين ؛ أن تأخذ بالأسباب التي رسمها الله عز وجل، وأن تتوكَل على الله عزو جل الذي يحدث أنَّ هناك من يأخذ بالأسباب بِكُلّ طاقاته، ولكنَّه لا يتوكّل فَيُخْفِق، وهناك من يتوكَّل ولا يأخذ بالأسباب فيُخْفِق، إذًا الأخْذ بالأسباب والتَّوكّل كلاهما شرط لازمٌ غير كافٍ، خُذْ بالأسباب وتوكَّل على الله، لذلك قال تعالى:

 

﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾

 هذا الطبيب، المحامي، المهندس، المُدرّس، البائع، التاجر، الصانع، قبل أن تقول خطَّطْت، وقرَّرْت، ودرستُ السوق والأسعار والمواد ؛ قُلْ: اللهمّ لا سَهْل إلا ما جعلتهُ سهلاً، وأنت تجعل الحزن إذا شئْت سهلاً، واللهمّ إنِّي تبرَّاْتُ من حولي وقوَّتي، والْتجأْتُ إلى حولِك وقوَّتك يا ذا القوّة المتين، قبل أن تقول: أنا، أعْلِنْ افتقارك إلى الله عز وجل حتى تسْتحِقَّ المعونة ؛ لأنَّه من اتَّكَلَ على نفْسِهِ أوْكلَهُ الله إيَّاها، ومن شُؤْمِ العَبْد أن يعْتدَّ بِنَفْسِهِ فيَكِلُهُ الله إليها قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) ﴾

 ( سورة المعارج )

 لأنَّهم متوَكِّلُون.

 

صور عملية لحقيقة التوكُّلِ والأخذِ بالأسباب:

 النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح يقول:

 

 

(( لو أنَّكم توكَّلتم على الله حق توكّله لرزقتم كما يرزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا ))

 

 ( الترمذي وابن ماجه عن عمر بن الخطاب)

 هناك توكّل هوائي، وتوكّل فارغ، وتوكّل شكلي، وهناك تواكل، وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( من قال: لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة...))

 

 ( أخرجه الحاكم )

 ومعنى راحَ في الحديث السابق عاد إلى بيْتِهِ، على خِلاف اسْتِعمال العامّة لهذه الكلمة، فلو طرقَ الإنسان بابك، وقال ابنك للطارق: راح بابا ‍!! وكنت أنت داخل البيت، فابْنُكَ صادِق، لأنَّ راحَ بِمَعنى عاد إلى البيت وغداً ذهب إلى عمله، ولكنَّهُ كاذِبٌ شرْعًا لأنَ السائل فَهِمَ أنَّه ليس في البيت، فهو صادقٌ لغةً، وكاذِبٌ شرْعًا ! لو أنَّكم توكَّلتم على الله حق التوكّل...." خِماصًا أي جائعة، بطنها فارغ، وتعود بطانًا أيْ ممْتَلِئَة، فهل يُفْهم من هذا أنَّ الطَّيْر بَقِيَتْ في أعْشاشِها وجاءها الرِّزْق ؟ قلَّما من ينتبِه لهذا الحديث، عامَّة الناس يظنون أنَّه يأتيها رزقها رغَدًا، طيِّب هذه الطَّيْر تركَت عشَّها، وطارَتْ تبْحثُ عن رِزْقها، إذاً التَّوَكُّل يُرافقهُ السَّعي، والسيّدة مريَم، أليس الله سبحانه وتعالى قد تكفَّلَ بِرِزْقها ؟ ولكن ما قال لها: كُلِي، ولكنه لن يقل لها كما في قوله تعالى:

﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ﴾

 ( سورة مريم )

 يحتاج الأمر إلى حركة وهزَّة، فالسيّدة مريم أُمِرَتْ أنْ تهزّ جِذْع النَّخْلة وهذه الطَّيْر تغْدو خِماصًا، اُخرج من بيتك، واسأل، وابْحَث، ولكن أن تقْبعَ في بيتك، وتتمنَى أن يأتيك رزقك، فهذا سوء أدبٍ مع الله عز وجل، والنبي عليه الصلاة والسلام مِن أدْعِيَتِهِ الشَّريفة يقول:

((اللَّهمّ إنِّي أسْألك التَّوفيق مِن محابِّك من الأعمال، وحُسْن الظنّ بِك، وصدق التوكّل عليك.. ))

 يعني هناك توكّل كاذب، وتوكّل صادق، فإذا قلْتَ توكّلْتُ على الله، وأعمالك كلّها معْقودة على زَيْد أو عُبَيْد، هذا توكّل كاذب، وتوكَّلْتُ على الله، وأنت متوكِّل على فلان ؛ هذا توكّل كاذب، النبي عليه الصلاة والسلام يدعو ربه ويقول:

((اللَّهمّ إنِّي أسْألك التَّوفيق مِن محابِّك من الأعمال، وحُسْن الظنّ بِك وصدق التوكّل عليك ))

 روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه عن ابن عباس: أنّ الآية

﴿ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ ﴾

 قالها إبراهيم فنجَاه من النار، وقالها محمّد حينما قال له الناس:

﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ ﴾

 كان من الممكن لسيدنا إبراهيم أن ينْجُوَ من القبْض عليه، وكان من الممكن ألا يُفكِّر قومه بإحراقه بالنار، وكان من الممكن أن تسقط أمطار غزيرة تُطفئ النار، مكَّنَ الله قوْم إبراهيم من القبْض عليه ومكَّنهم مِن جمْع الحطب وإشعال النِّيران، ومكَّنهم أنْ يضعوه بِطَريقةٍ تجعله في وسط النار، كلّ هذا من أجل أن تكون هذه القِصَّة شيئًا صارخًا جدًّا جدًّا على مدى الأجيال، فإذا الإنسان أُضرِمَت له النِّيران بِشَكل مُخيف وأُلْقِيَ فيها فهذا موتُهُ مُحَقَّق، لكنَّ النار عند أهْل السنَّة والجماعة لا تُحْرقُ بِذاتها، ولا تُحْرقُ إلا إذا سمَحَ الله لها أن تُحْرق، لذلك علماء التَّوحيد يُلخِّصون هذه العقيدة بِكَلمتين: عندها لا بها، فالنار تُحْرق عند مشيئة الله لا بِقُوَّة مودَعةٍ فيها، والدَّواء لا يشْفي إلا عند مشيئة الله لا بِقُوَّة مودَعةٍ فيه، وهذه الخلايا لا تنْمو نُمُوًّا عَشْوائيًّا إلا بِمَشيئة الله لا بِقُوَة مودعةٍ فيها، وهذا الدَّسام يضيقُ بِمَشيئة الله لا بِقُوَة مودعةٍ فيه يجب أن تعْتَقِد أنّ كلّ شيءٍ لا يقعُ إلا بِمَشيئة الله، يقولون عندها لا بها، لذلك جاءهُ جبريل، وقال له: ألَكَ حاجة ؟ قال: منك ؟ قال: لا، من الله عز وجل، قال: " علمه بِحالي يُغني عن سؤالي ! " قال: حسبنا الله ونعم التوكل فنجَّاهُ الله من النار، وإنسانٌ يُقْذَفُ في الماء فيلْتَقِمُهُ الحوت ! والله هذا شيءٌ مستحيل، قد يركب الإنسان مركبةً، ويكون احتمال في تدهورها بحدود كبيرة، وفي أثناء تدهْوُر هذه المركبة بنحو ذلك الإنسان الذي يركبها، علماً بأن احتمال نجاته كان ضئيلاً، ولو أنَّ واحدًا ركِبَ طائرةً، واحْتَرَقَتْ في السماء ومقعده في مكان انْشِطارها مقعدُه فنَزَلَ هذا الراكب من ارْتِفاع ثلاثة أربعين ألف قدم، فالأمل بالنَّجاة صِفْر !! لكنه نزل بِغابات سويسْرا بالشِّتاء، ولكن سماكة الثلج على أغْصان الصَّنوبر خمسة أمتار، فهذه الأغصان مع الأمتار الخمسة امتصَّت الصَّدْمة فَنَزَلَ واقِعًا على قدَميْه ! أما إذا وقعَ الإنسان في الماء، والْتَقَمَهُ الحوت، وكان في ظلمات ثلاث ؛ في ظُلْمة البحر، وظلمة الليل، وظُلمة بطْن الحوت، فكم الأمل ؟! صفْر، ربّنا عز وجل قال:

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ﴾

 ( سورة الأنبياء )

قانون: وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ

 القصَّة انْتَهتْ واتضح مصير يونس، وبدأ التَّعليق الذي قلَبَها إلى قانون، قال تعالى:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 ( سورة الأنبياء )

 فكُلَّما واجَهَك أمرٌ تذكَّر سيّدنا يونس وتوكل على الله واستسلم لله مثله، وهو في بطن الحوت في ظلْمة بطْنِهِ، وفي ظلْمة الليل، وفي ظلمة البحر، ولم يجعلها الله تعالى خاصَّة به، وقال:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 ( سورة الأنبياء )

 فكان قانونًا إلهياً لكل مؤمن. وكلَّما ألمَّ بك أمْر لن يكون أمرك أصْعب من سيدنا إبراهيم الذي ألْقيَ في النار، قال تعالى:

﴿ قُلْنَا يَا نََارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

 ( سورة الأنبياء )

 لولا كلمة سلامًا لمات من البرْد، فالتَّوَكُّل يدفع في النَّفْس الطمأنينة ويبثّ الراحة والرِّضا، ويبثّ فيك أنّ الله يُحِبُّك، وأنَّك بِعَيْنِهِ، قال تعالى:

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾

 ( سورة الطور )

 وقالها النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه حينما قيل لهم:

﴿ إِِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ ﴾

 أحيانًا يقولون لك: احْذَر ! فإنِّي قرأْتُ شيئًا بِعَيني ضِدَّك، ولكنك تسلك سبل الحق، فقُل له: حسبنا الله، ونِعم الوكيل، الله عز وجل بِيَدِهِ كُلّ شيء، خُصومك بيَدِهِ، وحُسَّادُك بيدِهِ، وأعداؤُك بيَدِهِ، وأنفاسهم بيَدِهِ، وقلوبهم بيَدِهِ، وحركاتهم وسكناتهم بيَدِهِ وإلْهاماتهم بيَدِهِ، وقُدراتهم بيَدِهِ، قال تعالى:

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ﴾

 ( سورة هود )

 أنت علاقتك ليس مع الدَّواب المربوطة، ولكن بِمَن هو ماسكها بيَدِه! فإذا قرَّبها من أحد أخافه بها، كالكلب العقور المخيف، قال تعالى:

﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

 ( سورة هود )

 علاقتك مع من بيَدِهِ زِمام هذه الوُحوش، ربّنا عز وجل قال:

﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) ﴾

(سورة الفلق)

 هناك أشخاص يُحِبُّون إيقاع الأذى، وهناك وُحوش فِعْلِيَّة في الصَّحراء، وهناك حشرات مُخيفة، وهناك ثعبان وأفعى وعقرب، وهناك إنسان كالعقرب يُحبّ أن يوقِعَ فيك الأذى:

أَطِعْ أمْرَنا نرْفَعْ لأجلِكَ حُجْبنا  فإنَ منَحْنا بالرِّضا من أحبَّنا
ولُذْ بِحِمانا واحْتَمِ بِجَنابِنــا  لِنَحْميك مِمَّا فيه أشرار خلقنا
* * *

 فهؤلاء الأشرار لهم دَوْر كبير جدًّا، وهو أنَّهم يُقَرِّبوك من الله عز وجل، وكلَّما خوَفُوك تُقَرِّب من الله عز وجل أكثر، فهم لهم دَوْر إيجابي في مسارك لأن الإنسان المؤمن إذا خاف الْتَجَأَ إلى الله عز وجل.
 النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( اللهمّ لك أسْلمْتَ وبك آمنت، وعليك توكَلت وإليك أنبْتُ، وبك خاصَمْتُ... ))

 ( أبو داود عن ابن عباس )

 ولخَّص هذا كلّه بِدُعاءٍ فقال عليه الصلاة والسلام:

 

(( اللهمّ بِكَ وإليك ))

 

 ( أبو داود عن علي )

 أي أنا بك، عِلمي بك وقُدْرتي بك وحِلْمي بك، ورزقي بك، وأنت الهدف الأكبر
 والنبي عليه الصلاة والسلام علَّمنا هذا الدُّعاء ؛ قال:

 

(( من خرج من بيته فقال: بسم الله، توكَّلت على الله، ولا حول ولا قوّة إلا بالله، يُقال له: هُديتَ ووُقيتَ وكُفيتَ ))

 

 ( الترغيب والترهيب عن أبي هريرة )

 الإنسان يخرج من البيت صباحًا، يا ترى يرجع من دون مشكلة ؟ قد تأتي مشكلة كبيرة بالنَّهار، يذهب ماله كلّه، وقد يتعرض لحادث ما فيفقد بعض الأعضاء، وهناك مشكلاتٌ لا تعَدّ ولا تُحْصى، فإذا خرج الإنسان من بيته وقال: توكَّلت على الله ولا حول ولا قوّة إلا بالله يُقال له: هُديتَ، ووُقيتَ، وكُفيتَ، حتى إنّ بعض العلماء قال: إنَّ التوكّل هو نصف الدِّين ! من أين لك بهذا ؟ قال لأنَّ الله عزَّ وجل يقول:

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾

 ( سورة الفاتحة )

 القرآن كلّه جُمِعَ في الفاتحة، والفاتحة كلّها جُمِعَتْ في هذه الآية، إياك نعبد وإياك نستعين، فأحدهما الطاعة، والثانية التَّوَكُّل، ونصف الدِّين هو التَّوَكّل.

 

التوكّل عامٌّ:

 بل إنَ بعض العلماء يقول: التوكل عامّ، فما مِن إنسان إلا ويتوكَّل، ولكن هناك إنسان يتوكَل على الله لِيَستقيم على أمْرهِ، ويتوكَّل عليه لِيصْلح حاله مع ربّه، ومنهم من يتوكَل على الله من أجل الرِّزْق ؛ يا فتَّاح، يا عليم، يا رزَّاق، يا كريم، والتاجر يتوكَّل على الله، فلعلَّ الله سبحانه وتعالى يَجْبُر عنه هذه البِضاعة، والمُزارع يتوكَل على الله فلعلَّ الله عز وجل يُنْبتُ له الزَّرْع والزَّيْتون فيجني هذه الثمار فيعيش طوال العام، والصانع يدعو لعلّ الله عزَّ وجل يُوفِّقُهُ إلى هذه الصِّناعة، والمعمل يحتاج إلى مواد أوَّليَّة، وله إنتاج، وعمَّال، وأُجور، ويحكي لك همومًا لا تنتهي، فكلّ إنسان له عند الله تعالى هُموم.
 وهناك من يتوكَّل على الله في أمْر آخرته، يا ربّ اِهْدِني، واهْدِ بي يا ربّ أصْلِح حالي معك، ويا ربّ ألْهِمني السداد والرَّشاد، وألْزِمني سبيل الاستقامة، هناك من يتوكَّل على الله لِصَلاح أمْر آخرتِهِ، قال: هذا أعلى أنواع التَّوكّل وأسماها وأقْدَسها، وهناك من يتوكَّل على الله من أجل دُنياه، اللهمّ أصْلِح لنا ديننا الذي هو عِصْمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم، فهذا يحتاج إلى زوجة صالحة يأمرها فَتُطيعُه، وينظر إليها فتَسُرُّه، ويغيبُ عنها فتَحْفظهُ، وهذا يحتاج إلى بيت مُشْمس، مساحته مئة وعشرون متراً، ولكن هناك من يتوكَّل على الله في المعاصي، أحيانًا يتلبَّس بِمَعْصِيَة فإذا كُشِف فالوَيْل له والثُّبور، ويقول: يا ربّ !! فالتَوكّل عام، ولكن هنيئًا لمن كان توكُّله في ما يُرْضيه، في الدَّرجة الأولى لِمَن كان توكّله لأمر الآخرة، وفي الدرجة الثانية لمَن كان توكّله في الدنيا في المباحات المَشروعة، وأحدهم قال لشيخه ـ فاسمع للحوار بينهما ـ أريد أن أعْصِيَ الله، فقال له شيخه: خمسُ أشياء إن فعلْتها لا تضرّك معْصِيَة، فقال له: ما هي ؟ قال: إذا أردْتَ أن تعصي الله عز وجل فلا تسْكُن أرضَهُ، فقال: وأين أسْكُن إذًا ؟! فقال له: أتسْكُن أرْضَهُ وتعْصيهِ ! وتشرب الماء الذي هو من خلْق الله عز وجل، فقال: هاتِ الثانِيَة ؟ قال له: إذا أردْت أن تعْصيه فلا تأكل رزْقهُ ! فقال: ماذا آكلُ إذًا ؟! قال: أتسْكن أرضهُ وتأكل رزقه وتعْصيه ؟!! فقال: هات الثالثة ؟ فقال: إذا أردْت أن تعْصيهِ فاعْصِهِ في مكانٍ لا يراك فيه ! فقال: إن الله بأيّ مكانٍ هو معنا، فقال: أتسْكن أرضهُ وتأكل رزقه وتعْصيه وهو يراك ؟! لذلك سيّدنا بلال يقول: لا تنظر إلى صِغَر الذَّنْب ولكن اُنْظر على مَن اجْتَرَأْتَ !

 

 

تعصي الإله وأنت تظهر حبَّه  هذا لعمري في المقال بديعُ
لـو كان حُبُّك صادقًا لأطعْتهُ  إنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبّ يُطيعُ
* * *

 

أقوال العلماء في التوكل:

 والأئمّة الكِبار لهم أقوال في التَّوَكّل، لا مانِعَ من أن نسْمعها، فالإمام أحمد بن حنبل يقول: " التَّوكّل عمل القلب، وليس من عمل اللّسان، وليس من عمل الجوارح "، يا ربّ توكَّلتُ عليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك التوكّل بالقلب، فاللِّسان لا يُقدِم ولا يؤخِّر، قد تنطق بِلِسانك بِصِيَغ التَّوكّل، وأنت غير متوكِّل على الله، القلب في أعماقهِ يجب أن يكون مطمئنًّا إلى الله عز وجل راضِيًّا بِحُكمه، وليس التَّوكّل كما يقول الإمام أحمد من عمل اللّسان وليس من عمل الجوارح، فالأعضاء يجب أن تسْعى بالأسباب، أما التوكّل محلّه القلب، ولكن من تخلّف المؤمنين صار التَّوكّل في الجوارح، والشِّرْك في القلب، ترَكُوا الأخْذ بالأسباب، ثمّ يقولون: توكَّلْنا ! لا فأنت ما توكَّلْت، فالتَّوَكّل محلّه القلب أمـا الجوارح يجب أن تأخذ بالأسباب.
 بعضهم قال: التَّوَكّل عِلم القلب بِكِفاية الربّ للعبد، قال تعالى:

﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾

 ( سورة الزمر )

 هو الذي يكْفيك، وبعضهم قال: التَّوَكّل سُكون القلب فالاضْطراب والقلق والخَوف يشعران بعدم التوكل، فلان يوافق أو لا يُوافق، ماذا سأفعل لا ينام الليل !! ليس هذا هو المتوكِّل، فالمتوكِّل ساكن القلب، وعليه ترْك الاختيار والاسْتِرسال في مجاري الأقدار، نعم أنت مُخَيَر، ولكنَّ المتوكِّل يُسَلِم اخْتِيارهُ إلى الله، أنا مختار، واخْتَرْتُ يا ربّ أن تختار لي أنت ما تريد في شؤون الزَّواج، وفي شؤون العمل اللهمَّ خر لي واختر لي.

 

من تعريفات التوكل:

 التَوَكُّل في تعريفاته الدَّقيقة " الرِّضا بالمقدور "، فهذا الذي لم يرْضَ بِفِعْل الله عز وجل ليس مُتَوَكِّلاً، فهناك توكّل كاذِب.
قال بعض العلماء: تتوكَلُ على الله وأنت تكبُ عليه ! قال: وكيف ؟ قال: من توكَّل على الله رَضِيَ بما يفْعلُ الله، مِن علامات التَّوَكُّل أن ترْضى عن الله، قال أحد الأشخاص، وهو في طوافه حول الكعبة: يا ربّ، هل أنت راضٍ عنِّي، فكان وراءهُ الإمام الشافعي، فقال له الإمام الشافعي: وهل أنت راضٍ عن الله حتى يرْضى عنك ؟ قال: سبحان الله، ومن أنت يرحمك الله ؟ قال: أنا محمَّد بن إدريس ! قال: كيف أرْضى عنه وأنا أتمنَى رِضاه ؟ فقال له: يا هذا، إذا كان سرورك بالنِّقْمة كَسُرورِكَ بالنِّعْمة فقد رضيت عن الله تعالى، وإذا رضيتَ عن الله رَضِيَ الله عنك فهل ترى أنّ يد الله حكيمة عليمة عادلة، وهذا الأمر مِن فِعْل الله، واصْبِر لِحُكم ربِّك.
 متى يكون الرّجل متوكِّلاً ؟ قيل: إذا رضي بالله وكيلاً، مِن معاني التَّوَكُّل الثِّقة بالله، كأنَّك تُبْرِزُ عَجزك أمام الله عز وجل، والله عز وجل إذا توكَّلْتَ عليه فهُوَ حسْبُك، والطُّمأنينة إليه، والسُّكون إليه.
 ذو النُّون المِصري يقول: التَّوكّل ترْك التَّدبير، والانْخِلاع من الحَول والقوّة، أيْ تَرْك التَّدبير النَفسي، أنت تسْعى، أما أن تعتمد على حَوْلِكَ وقوّتك فأنت لسْتَ متوكِلاً، وبعضهم قال: التَّوكّل هو التَّعلق بالله في كلّ حال، في الرِّضا وفي الغضب، وفي البحبوحة وفي الضِّيق، وفي الصِّحة، وفي المرض، وفي الخوف، والطمأنينة، وفي إقبال الدنيا وفي إدبارها، وفي العلوّ والانخِفاض، وفي كلّ شيء، وبعضهم قال: التَّوكّل نفيُ الشُّكوك والتَّفويض إلى ملك الملوك، ومن توكّل على الله ولو كاد له من في السماوات والأرض فإن الله سبحانه وتعالى يُنَجِّيه، ويجعل له من بين ذلك مَخْرجًا، أما من توكَل على زيد أو عُبَيد جعل الله الأرض هَوِيًّا تحت قدَمَيْه، وقطَّع أسباب السماء بين يديه.
 إن شاء الله في الدرس القادم نُتابِعُ موضوع التَّوكّل، ونصل إلى موضوع العزيز الرحيم، ماذا يعني اسم العزيز ؟ لِقَول الله عز وجل:

 

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 الحديث القدسي الذي كرتُهُ قبل قليل:

((ما من مخلوقٍ يعْتصِمُ بي من دون خلقي أعرفُ ذلك مِن نِيَّتِه، فتكيدُهُ أهل السماوات والأرض إلا جعلْتُ له من بين ذلك مخرجًا، وما من مخلوقٍ يعْتصِمُ بِمَخلوقٍ دوني أعرفُ ذلك من نيَّتِهِ إلا جعلتُ الأرض هَوِيًّا تحت قدَمَيْه، وقطَّع أسباب السماء بين يديه ))

ملخَّص الدرس:

 ملخَّص الدرس ؛ إذا أردْتَ أن تكون أقوى الناس فتوكَلْ على الله، وإذا أردْت أن تكون أغنى الناس فَكُن بِما في يدي الله أوْثَقُ منك بما في يديك، وإذا أردْت أن تكون أكرم الناس فاتَق الله.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018