الدرس : 16 - سورة الشعراء - تفسير الآيات 214 - 216 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 16 - سورة الشعراء - تفسير الآيات 214 - 216


1989-11-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا، وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً، وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً، وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس السادس عشر من سورة الشُّعراء، في الدرس الماضي وصلنا إلى قوله تعالى:

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207) وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (209) وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212) فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) ﴾

 ( سورة الشعراء )

الأقربون أولى بالمعروف:

 النبي عليه الصلاة والسلام أُمِرَ في هذه الآيات أن يُنْذِرَ عشيرته الأقربين، والأقربون أولى بالمعروف، الأقربون إليك أولى بِتَوجيهك، الأقربون أولى بِعِنايتِك، الأقربون نسبًا، والأقربون مكانًا، والأقربون في العمل، المؤمن يبدأ بِمَن حوله، يبدأ بأهله وأولاده، ويبدأ بِإخوته، وأخواته، ويبدأ بِعَشيرته، ويبدأ بأبناء حَيِّه، وبِزُملائِهِ بالعمل ويبدأ بِجيرانِهِ، هكذا كان توجيه الله تعالى لِنَبيِّه صلى الله عليه وسلّم، قال تعالى:

﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 وهناك أُناسٌ يَدَعون بلدهم، ويبحثون عن عملٍ صالح في مكان آخر، لكنَّ بلدهم أوْلى بهم، وهذا هو الأصل، وأقْرباؤُهم أولى بهم، وعشيرتهم أولى بهم، البلد الذي احْتضنهم أولى بهم، قال تعالى:

﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 ما مِن علاقة أوْقَعُ في النَّفس من علاقة الإيمان بين الأقارب، فإذا كان إخوانك وأخواتك مؤمنين، وكان أولادك على الطريق الصحيح فهذه سعادة ما بعدها سعادة، وهذا يُستنبط من قوله تعالى:

﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 ثم الآية التي تليها:

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

أمْرُ اللهِ نبيَّه عليه الصلاة والسلام بخفض الجناح والتواضع:

 بادئ ذي بدْء، هذا تَوْجيه من الله سبحانه وتعالى للنبي عليه الصلاة والسلام في الطريقة التي ينبغي أن يُعامِلَ بها أصحابهُ، هذا توجيه، أو تربيَةٌ، أو تأديب، حينما سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الأدب الرفيع الذي يتحلَّى به فما زاد أنْ قال:

 

(( أدَّبني ربِّي فأحسن تأديبي ))

 

 ( الجامع الصغير عن ابن مسعود بسند ضعيف )

 وهذه الآية مِن تأديب الله سبحانه وتعالى واخْفض جناحك لِمَن اتَّبَعَك من المؤمنين.

معنى خفض الجناح:

 خفْض الجناح كِنايةً، والكناية هي التَّعبير عن الشيء بِبَعْض لوازِمِه، إذا أردْت أن تُعَبِّر عن كرم الإنسان قد تستخْدمُ أُسلوبًا غير مباشر، فالكريم من لوازمهِ أنَّ بابه لا يُغْلَق، دائمًا الضُّيوف يدخلون منه، فإذا عبَّرْتَ عن الكرم بِطريقةٍ مباشرة تقول: فلان كريم، هذا الأسلوب اسمُهُ الأسلوب المباشر، أما إذا أردْتَ أن تعبِّرَ عن كرم هذا الإنسان بِطَريقةٍ غير مباشرة تسْتخدم الكناية، وتقول: فلان بابهُ لا يُغْلَقُ، أي هو كريم، وإذا أردْتَ أن تُعَبِر أنَّ هذا الإنسان قد نَدِمَ، وقلتَ فلان نَدِم، فأنت اسْخدمْت الأُسلوب المباشر، أما إذا أردْت أن تستخدم الكناية تقول: فلان عضَّ على أصبعه ! قال تعالى:

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ﴾

 ( سورة الفرقان )

 هذا كنايةٌ عن النَّدَم الشديد، وخفضُ الجناح كِنايةٌ عن التواضع، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا، وَلا يَبْغِي بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ ))

 

 ( رواه ابن ماجة )

 والله سبحانه وتعالى يُوَجِّه النبي عليه الصلاة والسلام، أو يؤدِّبُهُ أو يُرَبِّيه كي يكون متواضِعًا مع أصحابه، قال تعالى:

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

فوائد خفض الجناح:

 يبْدو أنَّ خفْض الجناح يؤلّف القلوب، وخفْض الجناح يُعين على المحبَّة، والمحبّة أساس في الدَّعوة إلى الله.
 أحدُ المُعلِّمين القدامى الذين جاؤوا في العصور الساحِقَة، في التاريخ القديم وهو أفلاطون اسْتَدعى ولِيًّا من أولياء تلاميذه، وقال له: خُذْ ابنَكَ عنِّي، فإنَّه لا يُحِبُّني !
 التَّعليم أساسه المحبّة، والتَّعليم بالقهْر وبالإلزام لا يُجدي، كما قال أحد العلماء: " يا بني، نحن إلى أدبك أحْرص مِنَا إلى عِلْمك"! فهذا الأدَب، وذاك العطف، وذاك التواضع من المعلِّم يجعل قلوب المتعلِّمين تميل إليه، لذلك قال ربنا عز وجل:

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾

 ( سورة آل عمران )

 وقبلها يقول عزَّ وجل:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين ﴾

 ( سورة آل عمران: 159)

 هذه الرحمة التي اسْتكنَّتْ في قلبك كان من آثارها هذا اللِين ؛ لينُ الجانب قال تعالى:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾

 ( سورة آل عمران )

من صفا الداعية المسلم خفضُ الجناح:

 نحن أمام آية من آيات تربيَة الله سبحانه وتعالى للنبي عليه الصلاة والسلام، يجبُ علينا أن نأخَذ بها نحن، وعلى كلّ من دعا إلى الله، وتصدَّى إلى هِداية الناس، وكلّ مَن نصَّبَ نفسهُ إمامًا أو داعِيَةً، لا بدَّ من أن يتخلَّق بأخلاق النبي عليه الصلاة والسلام، وإلا تأتي دعوته جَوفاء لا جَدوى منها. قال تعالى:

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 خفْضُ الجناح كِناية عن التواضع، قال تعالى:

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 هذه الآية وردَتْ في صيغةٍ أخرى في مكان آخر من هذا الكتاب الكريم:

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 قاطبةً، أيْ أنت أيّها الأخ إذا دَعَوْت إلى الله فلا ينبغي أن تزدري مؤمنًا ليس من جماعتك، هذا ضيقُ أُفُق، وهذه نظرةٌ ضيِّقَة، وهذه تُثير مشاعر العِداء، قال تعالى:

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 هذه مطلقة، ولو لم يتَّبعوك، والمؤمن الصادق لا يغمط الناس حقَّهم والمؤمن الصادق يعرف لكلّّ ذي حقّ حقَّه، والمؤمن الصادق ليس ضيِّق الأُفق، ولا محدود النَّظرة، وليس يَعنيه إلا مَن حولهُ، لا، ثم لا، والله للجميع، وفوق الجميع، وبابهُ مفتوح للجميع، ورحمته لكلّ الناس، وهذا الذي جاء النبي عليه الصلاة والسلام وقال:

 

(( اللهمّ ارْحمني ومحمَّدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فقال عليه الصلاة والسلام: لقد حجَّرْتَ واسعًا))

 

 ( الترمذي عن أبي هريرة )

 رحمة الله واسعة ! فالفرْق بين الآيتين، الآية الأولى:

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 والآية الثانية:

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

 ( سورة الحجر )

 في عهْد النبي عليه الصلاة والسلام كان بعض المؤمنين في مكّة كانوا عَيْن النبي عليه الصلاة والسلام، وكان إيمانهم في قلوبهم، والنبي يعرف ذلك، لذلك هؤلاء الذين آمنوا بِقُلوبهم، واقْتَضَتْ المصْلحة ألا يظْهروا مَشْمولون بهذه الآية:

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

 ( سورة الحجر )

 سواء كان إيمانه ظاهرًا أم غير ظاهر، وسواء كان معك أو ليس معك، المؤمن الصادق لا يغمط الناس حقَّهم، ولا يزْدري الناس إن لم يكونوا من جماعته، وهذه نظْرةٌ ضيِّقة محدودة لا تصلح إطلاقًا، قال تعالى:

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

 ( سورة الحجر )

صور من تواضع النبي عليه الصلاة والسلام:

 الشيء الآخر، ومما يؤكد تمسك النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الأدب العظيم، ومِمَّا يؤكِّد اسْتجابته لهذا التَّوجيه الكريم، ومِمَّا يؤكِّد حِرْصه على التمسك بهذا التَّأديب مِن قِبَل الله عز وجل، كان عليه الصلاة والسلام إذا اجْتَمَع بأصْحابه كأنَّه كأحدهم، والدليل: إذا دخل عليهم رجل يُريدهُ، والنبي عليه الصلاة والسلام معهم، ولا يعرفُهُ فيقول: أيُّكم محمَّد ؟‍! ماذا نستنبط من هذا ؟ أنَّه كان عليه الصلاة والسلام إذا جلس مع أصحابه فهو كأحدهم تمامًا، وإذا سار مع أصحابه كان كأحدهم أيْضًا، وقد كان عليه الصلاة والسلام لا يعطي لِنَفسه امْتِيازًا أبدًا، والقصّة المشهورة حينما كان النبي مع أصحابه الكرام قال:

 

(( وأنا عليَّ جمع الحطب ))

 

 (ورد في الأثر)

 هذا هو خُلُق النبي عليه الصلاة والسلام، والقصَّة التي تعرفونها كذلك، وأتلوها على مسامعكم دائمًا يوم بدر

 

((... وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة....))

 

 ( شرح السنة عن ابن مسعود)

 قال تعالى:

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 إذا أردت أن يُحِبَّك الناس فتواضَعْ لهم، وإذا أردْت أن تكون طريقهم إلى الله فاخْفِض جناحك لهم، وهذا وصْفٌ، وفي هذه الآية جاء توجيهٌ يُسَمِّيه علماء التفسير تربية الله تعالى للنبي عليه الصلاة والسلام، وقد يأتي وصْفٌ، وقد تكون هذه التربيَة تعليمًا لنا، فكلّ من دعا إلى الله عز وجل لا بدَّ من أن يتواضع للمدعو، إذا أردْت أن تدعو صديقك الذي في العمل إلى الله فاخْفِض جناحك له، واجْلِس معه، ولا تسْتعلِ عليه، ولا تقل له: أنا أعلم، وأنت لا تعلم، فهذا يُنَفِّر قلبهُ منك، دع الحديث عن نفسك كليًّا، حدِّثْهُ عن الله عز وجل، وعن رسول الله واكْتَفِ بهذا، ودع نفْسَكَ في الظَّل، بعيدًا عن الأضواء حتى يُحِبَّك الناس.
 النبي عليه الصلاة والسلام تَطبيقًا لهذا التَّوْجيه الإلهيّ العظيم كان يخْصفُ نعْلَهُ بيده، ويخيطُ ثَوْبهُ، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم، بل كان يكْنسُ بيتهُ، ويحلبُ شاته، ويخْدم نفسهُ، إذا كانت الزَّوجة نائمة فاخْدِمْ نفْسَكَ، وكان يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( إنّما أنا عبْد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد ))

 

 ( الجامع الصغير عن عائشة بسند صحيح )

 وفي معظم وقتِهِ كما وصفه العلماء كان في مهْنة أهله، أيْ في خدمة أهله، فإذا حضَرَت الصَّلاة خرج إلى الصلاة، وكانت الأمَة أي الجارية الصغيرة تأخذ بيَدِهِ فتنطلقُ به حيث تشاء، وهذا من تواضعه صلى الله عليه وسلّم، وكان عليه الصلاة والسلام تَطْبيقًا لهذا التوجيه الإلهي يمرّ بالصِّبْيان فَيُسَلِّم عليهم، ولو لم يعرف أسماءهم، يقول: السلام عليكم يا صِبْيان.
ومن هذا التَّوجيه الكريم كان إذا أكَلَ لعَقَ أصابعه الثلاث، وهذا مِن السنَّة، ومن تَوجيه الله الكريم أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام ما رُئِيَ مادًّا رجْليْه قطّ، سيّد الخلق، وحبيب الحقّ، وما عابَ طعامًا قطّ، من تواضعه صلى الله عليه وسلم، ولم يكن ينتَقِمُ لِنَفْسِهِ قطّ، إنَّما يغضَب إذا انْتُهِكَت حُرْمةٌ من حرمات الله تعالى، وكان عليه الصلاة والسلام يأكل مع الخادم ويُجالس المِسكين، ويمْشي مع الأرملة والمسكين، وكان يبدأ من لَقِيَهُ بالسَّلام، ويُجيبُ دَعْوةَ من دعاه، ولو إلى أيْسَر شيء، قال مرَّةً:

 

(( لو دُعيتُ إلى ذِراعٍ أو كراعٍ لأجَبْتُ، ولو أهْدِيَ إليّ ذِراعٌ أو كُراعٌ لأجَبْتُ ))

 

 ( الجامع الصغير عن أبي هريرة بسند صحيح )

 هذه أخلاقه صلى الله عليه وسلّم، وكان يعود المريض، ويشْهد الجنازة، ويرْكب الدابة، طبعاً ففي وقْته أن ترْكب حِصانًا غاليَ الثَّمَن شيءٌ يدْعو إلى الشُّعور بالتَّفَوّق، أما أن تركب دابَّة قميئة فهذا شيء لا يفعلهُ إلا أواسط الناس، كان عليه الصلاة والسلام يركبُ دابَّة مِمَّا يرْكبهُ عامَّة الناس.
 ومن تواضعه صلى الله عليه وسلّم أنَّ امرأة كانت تخدمُ المسجد، ولا يعرفها أحد، بل لا أحدٌ يعرف أحدٌ اسمها، وكانت تخدم المسجد، ولما تُوُفِّيَتْ بدا لأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ورأَوا أنَّها أقلّ شأنًا من أن يذْكروا للنبي أنّها ماتَتْ ! ماتَتْ ودَفَنوها، فلمَّا سأل عنها النبي عليه الصلاة والسلام، وأجابوه أنَّها ماتَتْ، ودُفِنَتْ تألَّمَ ألمًا شديدًا، وقال:

(( هلاَّ آذنتموني ؟!))

 ( متفق عليه)

 فتوجَّه إلى قبرها، واسْتغفر لها.
 هذه أخلاقه، وإذا كنت من المؤمنين الصادقين فهذه أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 وبعض علماء السيرة جمعوا بعض شمائله في نصِّ متَّصل، من المناسب أن أقرأهُ لكم في مناسبة هذه الآية، قال تعالى:

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾

 (سورة الشعراء )

من شمائله عليه الصلاة والسلام:

 فقد كان عليه الصلاة والسلام جمَّ التواضع، وافر الأدب، يبدأ الناس بالسَّلام، وينصرِفُ بِكُلِه إلى مُحدِّثِهِ صغيرًا كان أم كبيرًا، أحيانا يحدِّثك ابنك مرَّةً، ومرَّتين، وثالثة، ثمَّ تقول له: ماذا قلْتَ لي ؟ النبي عليه الصلاة والسلام مِن أدبِهِ الرَّفيع أنَّه ينْصرفُ بِكُلّه إلى محدِّثه، صغيرًا كان أم كبيرًا، ويكون آخر من يسْحب يدهُ إذا صافحَ، وإذا تصدَّق وضَعَ الصَّدَقة بِيَدِهِ في يد المسكين، لا يلْقيها له إلْقاءً، وهذا من تواضعه صلى الله عليه وسلّم، وإذا جلس جلسَ حيث ينتهي به المجلس، ولم يُرَ مادًّا رِجْليْه قطّ، ولم يكن يأْنفُ من أي عمل لِقَضاء حاجاته، من حمَلَ حاجته بيَدِهِ برؤ من الكِبْر، أو حاجة صاحبٍ أو جار، وكان يذهب إلى السوق، ويحملُ بِضاعته ويقول: أنا أولى بِحَمْلها، قال تعالى:

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 وكان يُجيب دعْوة الحرّ والعبْد والمِسكين، وكان يقْبلُ عُذْر المعْتذر، وكان يرْفو ثوْبهُ، ويخصف نعلهُ، ويخدم نفسهُ، ويَعْقِلُ بعيره، ويكنسُ داره وكان في مهنة أهله، وكان يأكل مع الخادم، ويقضي حاجة الضَّعيف والبائس، وكان يمشي هَوْنًا خافض الطَّرف، متواصل الأحزان دائمَ الفِكرة، ولا ينطق إلا لِحاجة، طويل السُّكون، إذا تكلَّم تكلَّم بِجَوامع الكلِم، وكان دَمِثًا أي لطيفًا، ليس بالجاِفِ ولا المُهين يُعظِّمُ النِّعَم وإن دقَّتْ، فلو أنَّه شرب كأس ماء قال: الحمد لله رب العالمين الذي جعل هذا الماء مسْتساغًا، وجعل طريقه سالكًا، لا يذمّ من هذه النِّعَم شيئًا فهناك من يكشّر حينما يأكل، وكأنَّه قد اشْمأزّ منها، ولا تُغْضِبُهُ الدنيا، ولا ما كان منها، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غضَّ بصرهُ، وكان يؤلِّفُ ولا يُفَرِّق، يقرِّب ولا يُبَعِد، يُكَرِّم كريم كلّ قوم، ويولِّيه عليهم، ويتفقَّد أصحابه، ويسأل الناس عمَّا في الناس، كيف حالكم ؟ كيف أعمالكم ؟ كيف أهلكم ؟ هل أنتم مرْتاحون ؟ يسأل الناس عما في الناس، يُحَسِّنُ الحسَنَ ويُصَوِّبُهُ، ويُقَبِحُ القبيح ويوهِّنُهُ، لا يُقَصِّر عن حقّ ولا يُجاوِزُهُ، ولا يحْسب جليسهُ أنَّ أحدًا أكرم عليه منه، من سأل حاجةً لم يردّه إلا بها، أو ما يسرّه من القول، وكان دائِمَ البِشْر، سَهل الخُلُق، ليِّن الجانب، ليْس بِفظ ولا غليظ، ولا صخَّاب ولا فحَّاش، ولا عيَّابٍ ولا مزَّاحٍ، يتغافل عمَّا لا يشتهي، ولا يُخَيِّبُ فيه مؤمِّلاً، وكان لا يذمّ أحدًا ولا يُعَيِّرُهُ، ولا يطلبُ عَوْرتُه، ولا يتكلَّم إلا فيما يُرْجى ثوابُهُ، يضْحك مِمَّا يضحك منه أصحابه، ويتعجَّب مِمَّا يتعجَّبون، ويصبر على الغريب وعلى جَفْوَته في مسألته، ومنطقِهِ، ولا يقْطعُ على أحدٍ حديثاً حتى يجوزهُ، والحديث عن شمائلِهِ صلى الله عليه وسلّم لا تتَّسِع له المجلَّدات، فإذا شخص قرأ كتاب الجامع الصغير يجد في آخره أكثر من مئة حديث عن شمائله صلى الله عليه وسلّم وكان جلّ ضَحِكِه التَّبسّم، وكان كذا وكذا، وكان يأكل كذا وكذا، وكان إذا دخل بيْتهُ لفَّ ثوْبهُ، وهذه شمائلهُ صلى الله عليه وسلّم إذا اطَّلَعَ الإنسان عليها ينبغي أن يجعلها طريقًا له في حياته.
 الآن الشيء الذي يعْنينا هو أنَ الله سبحانه وتعالى وجَهَ النبي عليه الصلاة والسلام، أو أدَّبَهُ أو ربَّاه بِهذه الآية: قال تعالى:

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

هل في القرآن الكريم آياتٌ توجيهية أخرى للنبي عليه الصلاة والسلام ؟

 والخلاصة أن علينا أن نحسن الاقتداء به عليه الصلاة والسلام، وهناك سؤال يفرض تنفسه هو: هل في القرآن الكريم آياتٌ أخرى تؤدِّب النبي عليه الصلاة والسلام ؟ وتكون هذه الآيات أيضًا منهجًا لنا في معاملة الناس ؟ الحقيقة في القرآن الكريم ما يزيد على سبْع عشرة آية تخْتصّ بِتَأديب النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الآيات، قوله تعالى:

﴿ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ﴾

 ( سورة التوبة )

 أيْ يستمِعُ إلى الناس، ويُصْدرُ أحكامهُ ارْتجالاً من دون بحْثٍ أو تدقيق، ويستمع إلى كلام الآخرين، ويتصرّف من دون دِرايةٍ، هكذا يتَّهِمُهُ أعداؤُهُ، والله سبحانه وتعالى علَّمه أن يُجيبهم عن هذا النَّقْد الجارح إجابةً لطيفةً هادئة، قال تعالى:

﴿ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُل أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ﴾

 ( سورة التوبة )

 أنا أسْتَمِعُ لِقَضاياكم ولمُشكلاتكم، ولا أتِّخِذُ قرارًا من دون تحقيق أو بحْثٍ أو تبصّر، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ يَا أََيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾

 ( سورة الحجرات )

 حتى النَّقْد الجارح، وحتى النَّقْد القاسي، إذا نُقِد به النبي عليه الصلاة والسلام علَّمهُ الله سبحانه وتعالى أن يُجيب عليه إجابة هادئةً لطيفةً لا تجْريح فيها، قال تعالى:

﴿ وَيَقُوُلون هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ ﴾

 ( سورة التوبة )

 أستمع لكم لأنْفعَكُم، وأسْتَمِعُ لآخُذَ بيَدِكم، ولا أُبادِرُ إلى عمل من دون تدقيق أو بحثٍ أو دراسة أو متابعةٍ.
 شيءٌ آخر، الله سبحانه وتعالى وجَّهَ النبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:

﴿ وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

 ( سورة المائدة )

 هذا موقف دقيق، فأحيانًا تتمنَّى أن تتساهل مع زيْدٍ من الناس، لعلّه يأتي إلى المسجد، ولعلّه يصبحُ من إخوانك لعله يستقيم، إذا تساهلْت معه في الباطل، وإذا أفْتَيْتَ له فتيا لا ترضي الله، وترضيهِ هو، فهذا لا يصحّ في الدَّعوة إلى الله عز وجل:

﴿ وَأَنْ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

 ( سورة المائدة )

 أي لا تتَّبع أهواءهم رجاء أن يؤمنوا، قال تعالى:

﴿ وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾

 ( سورة فصلت )

 من صفات الدَعوة إلى الله أن تردّ على الإساءة بالإحْسان، فأنت فوق مستوى الانتقام، وأنت فوق أن تردّ على السيّئة بسَيِّئة مثلها، ولأنَّك مثلٌ أعلى للناس، قال تعالى:

﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

 ( سورة فصلت )

 من توْجيه الله عزَّ وجل للنبي عليه الصلاة والسلام:

﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

 ( سورة فصلت )

 هذا توجيه للنبي وتعليم لنا، فالله سبحانه سميع لاسْتِعاذتك، ولكن كلمة عليم تعني أنَّ الاستعاذة باللِّسان لا تكفي، الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم لا تكفي باللسان أبدًا، لا بدّ أن تكون في القلب أيضًا، لابدَّ أن تتَّجِه النَفس كلّها لِرَبِّها ملتجِئَةً إليه حتى تُقْبَلَ استعاذتها، لذا نسمعُ قِصَصًا كثيرة عن أناس يحسّون كوابيس في الليل، أو تعاوُنٍ بين الإنس والجنّ فأقول له:

﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

 ( سورة فصلت )

 فيجيبني: اسْتَعَذْت، ولم يحدث شيء ! وإليك الجواب ؛ لم يحدث شيء لأنَّك اسْتَعَذْت بِلِسانك فقط، ولكن يجب أن تتَّجه النَّفس بِكُلِّيَتها، وبِكُلّ مشاعرها، وبكلّ طاقاتها إلى الله عز وجل مستعيذةً به، حتى يحْمِيَكَ الله من نزْغ الشيطان، قال تعالى:

﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

 ( سورة فصلت )

 إنه سميع عليم لما في قلبك.
 تَوْجيهٌ آخر من الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:

﴿ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾

 ( سورة الحجر )

 ما هو الصَّفْحُ الجميل ؟ هو الصَّفْح الذي لا غضب فيه، ولا تدمّر، ولا كِبْر.
 فهذه توجيهات الله تعالى للنبي عليه الصلاة والسلام، إنَّها توجيهات وتعليم لنا في الدرجة الأولى، وتوجيه آخر من هذه التوجيهات، وهذه التوجيهات كلّها على شاكلة:

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 قال تعالى:

﴿ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾

 ( سورة طه )

 يعني لا تَطْمع بما عند الناس، أو لا تتمنَّ ما أعطى الله بعض الناس من متاع أهل الدنيا، وهذا شأن من دعا إلى الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

 ( سورة طه )

 سيّدنا عمر دخل على النبي عليه الصلاة والسلام وقد استلْقى على الحصير، وقد أثَّر الحصير على خدِّه الشريف، فقال سيدنا عمر: رسول الله ينام على الحصير، وكِسْرى ملك الفرس ينام على الحرير ؟! فقال عليه الصلاة والسلام:

((أَوَ في شكٍّ أنت يا ابن الخطاب ؟ أولئك قوم عُجِّلَت لهم طيِّباتهم في حياتهم الدنيا، وإنَّما هي نبوّة وليس ملكًا ! ))

 قال تعالى:

﴿ وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

 ( سورة طه )

 قال تعالى:

﴿ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴾

 ( سورة المدثر )

 وهذا توْجيهٌ آخر، أيْ لا تستكثر الناس بِعَطائك، ولا تُعَلِّق أمَلاً على أنَّ هذا العطاء يجعل الناس يلتفتوا إليك ويُحِبُّوك، أعْطِهم لله دون أن تنتظر منهم ولاءً ولا إقبالاً ولا التِفاتًا، ولا تمْنُن تسْتَكْثر بِمَنِّكَ هذا الناس حولك قال تعالى:

﴿ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) ﴾

 ( سورة المدثر )

 ولْيَكُن صبْرُك لله عز وجل، لا لِجِهة أخرى، قال تعالى:

﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ ﴾

 ( سورة النحل )

 قال تعالى:

﴿ خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ ﴾

 ( سورة الأعراف )

 وهذا توجيه آخر من توجيهات الله عزَّ وجل للنبي عليه الصلاة والسلام، وهذا الذي يدْعو إلى الله لا بدّ أن يتَّسِمَ بالعَدل، والصَّفْح لأنَّ الصِّفَة التي تُخالف هذه الصِّفة لا تليق بِمَن دعا إلى الله سبحانه وتعالى.
توجيهٌ آخر، وما أكثر التَّوجيهات، قال تعالى:

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾

 (سورة آل عمران )

 النبي عليه الصلاة والسلام شاوَرَ أصحابه قُبَيل معركة بدر، وشاورَهم قُبيل معركة أحد، وشاورهم قبل معركة الخندق، وكان يُشاورُهم مُشاورَةً حقيقيَّة، لأنَّ الله سبحانه وتعالى أمرهُ أن يُشاورَهم، ومن اسْتَشار الرِّجال اسْتعار عُقولهم، وشيءٌ آخر من توجيهات الله عز وجل، كما في قوله تعالى:

﴿ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ ﴾

 ( سورة الأحزاب )

 كان حياؤُه صلى الله عليه وسلّم يغْلب عليه، وكان يسْتحي أن يُواجِهَ أحدا بما يكْره، وكان يستحي أن يُنبِهَ أحدًا إلى عملٍ يؤذي النبي، يحْتَمِلُ الأذى، ويخشى أن يُكَلِّمَهُ كلمةً تؤذيه، قال تعالى:

﴿ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِ مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقِّ ﴾

 ( سورة الأحزاب )

 الله عز وجل تولَّى عنه تنبيه أصحابه بِبَعض ما كان يؤذيه فيسْتحي من أصحابه، فهذه الآيات التي وجَّه بها النبي عليه الصلاة والسلام أنْ شاورْهم في الأمر، وتحدَث عن حيائِه وعن أمْرهِ، وعن الإعراض عن الجاهلين، وأمرهُ أن يصبر لله عز وجل، وأن لا يمدنَّ عينيه، وأمره أنْ يصْفح الصَّفْح الجميل، وأمرهُ أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم لسانًا وقلبًا، وأمرهُ أن يدْفعَ بالتي هي أحْسن، وأمره ألا يحْزنَ عليهم، وأن يترفَّعَ عن عطاياهم، وأن يحكم بينهم بما أنزل الله، ولا يتَّبع أهواءهم، هذه التوجيهات يجب أن يأخذ بها كلّ إنسان إذا أراد أن يُحدِّث الناس عن الله عز وجل، ويدعو إليه، وعلى كُلٍّ ذكرْتُ هذه التوجيهات اسْتدراكًا للتوجيه الذي ورد في هذه الآية:

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220) ﴾

 (سورة الشعراء )

 وفي الدرس القادم إن شاء الله سيكون مركز الثِّقل في هذه الآيات بحْث التَّوَكّل، ومتى يكون صحيحًا ؟ ومتى يكون التوكل تواكلاً ؟ ومتى يُذمّ الإنسان على تواكله ؟ ومتى يُمْدح على توكله ؟ بحثٌ دقيقٌ إن شاء الله نجعلهُ موضوع الدرسِ القادمِ، وهو حول الآية الكريمة:

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ﴾

 ( سورة الشعراء )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018