الدرس : 15 - سورة الشعراء - تفسير الآيات 201 - 214 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 15 - سورة الشعراء - تفسير الآيات 201 - 214


1989-10-27

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا، وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً، وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً، وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الخامس عشر من سورة الشُّعراء، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

العاقل لا يدفع ثمن تعلمه الحقائق باهضًا:

 مِن شأن الإنسان الذي كرَّمه الله عز وجل بِالعَقل ألاَّ يدْفَعَ الثَّمَن غالِيًا للحقائق التي يتعلّمها، فهل من الضروري أن ينفجر البيت حتى توقِنَ أنَّ الغاز مادّة خَطِرة، أم من الضروري أن تأخذ الاحتياطات والتعليمات من دون أن تدفعَ ثمن هذا الدرس باهظاً، حياتنا فيها شروط مُعقَّدَة جداًّ، والله سبحانه وتعالى كرَّم الإنسان بالعقل، وبالعقل يستطيع أن يكتشف الخطر قبل وُقوعهِ، إذاً كان هناك فرق بين البهيمة والإنسان !! البهيمة لا تكتشف الخطر إلا عند وُقوعه، ولكنَّ الإنسان بما أكرمه الله به مِن عَقلٍ يستطيعُ أن يكتشف الخطر قبل وُقوعِهِ، فالعاقل هو الذي يحتاط للأمور قبل وُقوعها، والله سبحانه وتعالى ذكر أنّ هؤلاء الكفار لا يؤمنون به حتى يرَوا العذاب الأليم، هل من الضروري من أجل أن تكتشف أنَّ الربا يمحقه الله أن يُدَمّر المال ؟ إذا دُمِّر المال كلّه، وكُشِفَ لك في النِّهاية أنَّ الربا يُدمِّر المال، فهذا الدرس دَفَعْتَ ثمَنَهُ باهظًا، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى بِما أنْعَمَ عليك من نعمة العقل، مكَّنك أن تكتشف بعقلك أنَّ الآية الكريمة قَطْعِيَّة الثبوت، وأنَّ معناها قَطعِيّ واضِح وأنَّ هذا كلام الله عز وجل، وأنَّ الله سبحانه وتعالى إذا قال فَعَلَ.
 فلذلك إذا حكَّم الإنسانُ عقلهُ، وقرأ كتابهُ، وتَعَرَّف إلى القوانين القَطْعِيَّة والثابتة، عندها بدَلَ أن يدْفَع ثمن المعرفة باهظًا يدْفَعُ الثَمَن قليلاً، هل من الضروري أن تكتشف أنَّ الاختِلاط حرام أن يُضَحِي الإنسان بِزَوْجَتِهِ، طبعاً لا، ولذلك هذا جزاء من يعطِّل فكره، ومن يُجَمِّدُ عقْلَهُ، وجزاء الذي لا يؤْمِن بالقرآن حتَّى يرى العذاب الأليم، فنحن المؤمنين إن شاء الله تعالى ينبغي أن نتعرَّف إلى الخطر قبل وُقوعِهِ، ومن خِلال كتاب الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (201) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (202) ﴾

 ( سورة الشعراء )

عذاب الله بغتة في ساعة غفلة

 هذه ساعة الغَفلة، أحيانًا يظنّ الإنسان أنَّ الأمور تجري هكذا، وإلى ما لا نهاية، وهذا خطأٌ كبير، ووهم كبير، فالله سبحانه وتعالى يُرْخي الحبل، ويمهل إلى أن يظنّ الإنسان أنَّه لا حِساب، وأنَّه لا مسؤوليّة، وأنّه يفعَلُ ما يشاء، وأنّ الحق للقويّ، وأنّ السماوات والأرض صدفةً وجدت، وعندئذٍ يأتي عِقاب الله عز وجل بغْتةً فيَعْرف أنَّ في السماء إلهًا لا يغْفَلُ عن كلّ منْحَرِف، لذلك كما قال تعالى:

﴿ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (201) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (202) ﴾

 ( سورة الشعراء )

 عندئذٍ يأتي العذاب بغْتةً، قد يكون العذاب مرضاً عُضالاً، وقد يكون فقْد حُرِيَّة، وقد يكون دماراً، وقد يكون هَواناً وإهانةً، الإنسان حينما تأتيه المصائب عندئذٍ يرْجو ربَّهُ أن يؤخِّر له هذا العذاب، قال تعالى:

 

﴿ رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾

 

 ( سورة الدخان )

 ثمَّ يقول تعالى:

 

﴿ فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ﴾

 

 ( سورة الشعراء )

استعجال العذاب استهزاء:

 لكنَّ هؤلاء الكفار لِشِدّة كفرهم ولشدة جُحودهم، ولبُعْدِهم عن ربِّهم وجهلهم بأسماء الله الحسنى يسْتعْجِلون بالعذاب اسْتِهزاءً، فيأتيهم الجواب، وسيّدنا عمر بن عبد العزيز كان إذا قام أو قعد، وإذا دخلَ مجلس الخِلافة، وقبل أن يحكم بين الناس يتلو هذه الآية:

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

الاستدراج مِن سنة الله في الكافرين:

 وأحيانًا يقع الإنسان في شبهة، ما هذه الشبْهة ؟ قد يرى أهل الدنيا يتمتَّعون بِصِحَّة جيّدة، وبأموال طائلة، وبِبُيوت فارهة، وبِمَركبات يقول: ما هذه المُفارقة ؟ المؤمنون مُعَذَّبون وضِعاف ومستضْعفون وهؤلاء الكفار المنافقون الجاحدون والملحدون غارقون في النعيم والعِزّ، وهم ذوو الجاه، ويتمتَّعون بكلّ ما لذَّ وطاب، أقول هذا مِن حكمة الله عز وجل، والجواب أيضاً في قوله تعالى:

 

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

 

 ( سورة الأنعام )

 هل من آية في القرآن الكريم أوْسعُ من هذه الآية ؟ أبواب كلّ شيء ! كلّ شيء له باب، أبواب المال، وأبواب الملذَات، وأبواب الجاه، قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

 ( سورة الأنعام )

متاع الدنيا غرور قليل:

 قال تعالى:

﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ ﴾

 ( سورة آل عمران )

 فالمؤمن العاقل لا يمكن أن يتمنَّى أن يكون في وضْعٍ من الدُّنيا ممتازٍ على حِساب دينه، وما من إنسانٍ فيه ذرّة من إيمان يرضى، أو يتمنَّى أن يكون مكان هذا الإنسان الغارق في ملذّاته، ويكون مكانه في جهله بالله، وفي جحوده، الآية الكريمة:

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 الإنسان يعيش سنواتٍ معدودة، خمسين ستِّين، وقد يمتدّ عمره إلى مئة سنة أو يزيد، ثم يدركه الموت، وكان في حياته كلها صحيحاً ذا عافية وقوة، وفرعون شاهد على ذلك، قال تعالى:

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 فقد عاش عمرًا مديدًا من دون مرض، ولا ألمٍ، ولا فقْر، ولا همّ، ولا حزن، قال تعالى:

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 ثم يدركه أجله، ويكون عمله حسرات عليه.
 وربنا عز وجل قال:

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197)﴾

 ( سورة آل عمران: 197)

 وفي آية أخرى:

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

(سورة النساء)

 خالق الكون يقول لك: قليل، ألسْتَ مُصَدِّقًا له ؟!
 آية ثالثة: قال سبحانه وتعالى:

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾

 ( سورة القصص: 60)

 أن تملك أكبر شركة في العالم هذا شيء، ولكنه متاع قليل إذ ينتهي بانتهاء العمر، وتحتلّ أرقى مكانة في المجتمع شيء، وأن تملك أكبر رصيد في العالم ؛ شيء كذلك، قال تعالى:

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾

 ( سورة القصص: 60)

 قال تعالى:

 

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ ﴾

 

 ( سورة القصص: 61)

 وأنت أيها المؤمن قد وعدك خالق السماوات والأرض وعَدَاً حسناً، كما وعدَكَ بالسَّعادة، ووعدكَ بالرِّضْوان ووعدك بالقُرب، ووعدك أن ترى وجهه الكريم قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ ﴾

 ( سورة القصص )

 فهل يستوي أهل الكفر وأهل الإيمان ؟ فالكافر والمؤمن كلامها يلقى جزاء ما قدَّمت يداه، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا﴾

 ( سورة النساء )

 وقال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ ﴾

 ( سورة التوبة )

 قال تعالى:

 

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

 

 ( سورة القصص )

 خُذْ من المال ما شئْت، وخُذْ من الجاه ما شئْت، وخُذْ من القوَّة ما شئْت وخُذ من الوسامة ما شئْت، لكنّ المصير إلى النار، قال تعالى:

﴿ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ*لَكِنْ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ﴾

 ( سورة آل عمران )

 لمَّا خرج قارون بِزينته، قال تعالى:

 

﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾

 

 ( سورة القصص )

 بالتَّعبير الفصيح هنيئًا له ! أحيانًا يرى الإنسان متاع الدنيا فيسيل له لعابهُ، والنبي الكريم علَّمنا إذا رأيْنا بيتًا فخْمًا، أو مركبةً فارهةً، وشيئًا من متاع الدنيا كان يقول: اللهمّ لا عَيْش إلا عَيْشُ الآخرة ! قال تعالى:

 

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

 

 ( سورة النساء )

 وقال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ﴾

 ( سورة القصص )

 لذلك هؤلاء أهل الدنيا الذين أعرضوا عن الله عز وجل قد يُعطيهم الله الدنيا بحذافيرها، ولكن ينطبق عليهم قول الله تعالى:

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) ﴾

 ( سورة الشعراء )

ثم جاء الموتُ !!!

 الأيام تسير هكذا وادعة هنيئة في نظر أحدهم، أفكلّ يوم يستيقظ صحيح الجِسم إلى ما شاء الله ؟! تخطَّى الخمسين، وتخطَّى السبعين، لكن لابدّ مِن يومٍ يشْكو ألمًا في أحد أعضائِه وهذا الألم يتفاقَم إلى أن يودِي بِحَياته، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا ؟ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ؟ أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ؟ أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا ؟ أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا ؟ أَوِ الدَّجَّالَ ؟ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ ؟ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

 

 ( رواه الترمذي )

 قال تعالى:

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

 ( سورة النساء )

 والإنسان بِضْعة أيام، كلَّما انقضى يوم انقضى بِضْعٌ منه..

 

إلى متى أنت باللَّـذات مَشْــغـول  وأنت عن كلّ ما قدَّمْت مسؤول
* * *

 قال تعالى:

 

﴿ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

البطل مَن يعد العدّةَ لساعة الفراق:

 البطل هو الذي يُعِدّ العُدَّة لِساعة فِراق الدُّنيا، والبَطَل هو الذي يُعِدّ العُدَّة لِنُزول القبر، والبطل هو الذي يُعِدّ جوابًا لِكُلّ شيء لله عز وجل، لماذا فعلْت كذا ؟ يا ربّ، فعلْتُ هذا مِن أجلك، ولماذا أعْطَيْتَ فلاناً ؟ ولماذا منَعْتَ فلانًا ؟ ولماذا غَضِبْتَ ؟ ولماذا ابْتَسَمْتَ ؟ ولماذا مَنَعْت ؟ ولماذا وَصَلْت ؟ ولماذا قَطَعْت ؟ هذا هو السَّعيد، الذي يُعِدّ العدَّة لِخَالقِهِ، كما قال تعالى:

﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

 ( سورة المطففين )

 ورد في الأثر أنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:

 

(( تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا، فسألَت السيّدة عائشة رضي الله عنها النبي عليه الصلاة والسلام قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ؟! فَقَالَ: الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكَ ))

 

 ( رواه البخاري )

 عراةً ومن دون طهور، وقد سألتْهُ مرّةً أيَعرفُ بعضنا بعضًا يوم القيامة ؟ قال: نعم، إلا في ثلاثة مواضِع عند الصِّراط، وعند الميزان، وإذا الصّحف نشِرَت ‍! في هذه اللَّحظة لو وقعَتْ عَين الأم على ابنها، أو عَيْنُ الابن على أمِّه لا يعرفها، ولا تعرفهُ، وفي ما سوى هذه المواقف قد يعرف الابن أمَّه، وقد تعرف الأمّ ابنها، تقول له يا ولدي: لقد كان صدري لك سِقاءً، وحِجْري وِطاءً، وبطني وِعاءً فهل مِن حسنةٍ منك تجود بها عليّ ؟ فيقول الابن: ليْتني أستطيعُ ذلك يا أُمَّاه، إنَّني أشْكو مِمَّا أنت منه تشْكين ! لذلك قال تعالى:

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207) ﴾

 ( سورة الشعراء )

لا ينفعك في الآخرة إلا عملك الصالح:

 ماذا ينْفَعُكَ مالكَ حينما تُغادر الدنيا ؟ وماذا تنفعُكَ اللَذات التي أمْضَيْت بها السِّنين الطَّويلة ؟ وماذا ينْفعُكَ أصحابك ؟
وماذا ينفعُكَ أهلك ؟ وماذا ينفعُك من حولك ؟ قال تعالى:

﴿ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 لذلك أحد الصالحين اشْترى قبرًا، وكان يجْلسُ فيه كلَّ خميس، ويتْلو فيه قوله تعالى:

 

﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) ﴾

 

 ( سورة المؤمنون )

 قال تعالى:

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207) ﴾

 ( سورة الشعراء )

(( لو أنَّ الدنيا تعدِلُ عند الله جناحَ بعُوضة ما سقى الكافر منها شرْبَةَ ماء ))

 ( الترمذي )

 فلْينْظر ناظرٌ بِعَقْلِهِ أنَّ الله أكْرمَ محمَّدًا أم أهانهُ حين زوى عنه الدُّنيا، فإن قال: أهانه فقد كذب، وإن قال: أكرمَهُ فلقد أهان غيره حين أعطاه الدنيا ! فهي لا شأن لها عند الله ؛ تافِهَةٌ، قال تعالى:

﴿ وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

مِن عدل ورحمةِ الله بعباده الإنذارُ قبل الإهلاك:

 لا بدّ من أنْ يسْبِقَ الإهلاك إنذارًا، وهذا من رحمة الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 الله سبحانه وتعالى لا يظلم الناس مثقال حبّة من خردل، يُروَى أنَّ سيّدنا عمر جاءهُ رجل قد سرق، فقال له: يا أمير المؤمنين، هذه أوّل مرَّة قال: كذبْت ! هذه المرّة الثانية ؛ إنَّ الله لا يفضح مِن أوَل مرَّة فالله سبحانه وتعالى يحذّر، حينما يُصِرّ الإنسان على خطئِهِ عندئذٍ يأخذه الله عز وجل بِذَنْبِهِ، وبعض الشُّعراء قال:

 

نهارك يا مغْرور سَهْوٌ وغفلــةٌ  وليـلـكَ نـومٌ والرَّدى لازِمُ
فلا أنت في الأيقاظ يقْظان حازم  ولا أنت في النُّوام ناجٍ وسالمُ
تُسَرُّ بما يفنى وتفرح بالمُنــى  كما سُرَّ بالـلَّـذات حــالِمُ
وتسعى لما سوف تكْرهُ غِبَّــهُ  كذلك في الدنيا تعيش البهائمُ
* * *

 هذا الذي يعيش لِوَقته ولذَّتِهِ، ولا يعي على خير، ولا يرى ما سيكون ولا يُعْنى بالمستقبل، ولا يُعنى بِساعة اللِّقاء، فهذا إنسان عطَّلَ تفكيرهُ، وهذا مثلهُ كمثل البهيمة.
 قال تعالى:

 

 

﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ﴾

 

 ( سورة الشعراء )

لا حظ للشيطان في نزول القرآن:

 هذا القرآن الكريم ما تنزَّلَت به الشياطين، إنَّه لقَول رسول كريم، قال تعالى:

﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) ﴾

 ( سورة الشعراء )

 قال تعالى:

﴿ وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) ﴾

 ( سورة الشعراء )

 قال تعالى:

﴿ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 هذا الشيطان إذا أراد أن يسترق السَّمع يأتيه شِهاب ثاقب فَيُحْرقُهُ.
 قال تعالى:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 هذه الآية مركز الثِّقل في هذا الدرس، إنَّها تدور حول الشِّرْك.

 

خطورة الشرك بجميع أنواعه:

 أوَّلاً: العلماء اتَّفقوا على أنَّ الشِّرك نوعان ؛ شِرْك جليّ، وشِرْك خفي، شرْك ظاهر وشرك باطن، شرْك كبير وشرك صغير، ما هو الشِّرْك الجليّ ؟ والكبير ؟ والظاهر ؟ الشِّرك الجليّ أنْ تدَّعِي جِهةً ؛ جمادًا أو حيوانًا أو إنسانًا أو كائنًا أياً كان أن تدّعيهِ إلهًا وتُسَوِّيهِ بِرَبِّ العالمين، والله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98) ﴾

 ( سورة الشعراء )

معنى: إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبّ العَالَمِينَ:

 كيف التَّسْوِيَة ؟ أغلب الظنّ أنَّ هذا الذي يعبد صنمًا من دون الله لا يُصدِّق نفسهُ أنَّ هذا الصَّنَم يُسيِّر السماوات والأرض، ولكن كيفَ يُسَوِّي هذا الإنسان تلك الآلهة التي ادَّعاها من دون الله، إنَّ التَّسْوِيَة كما قال بعض العلماء في المحبّة والتَّعظيم والعبادة، إذا أحْببْتَ هذه الجِهة ولْتَكُن إنسانًا، إذا أحْببْتَها وعظَّمْتها وأطعتها فقد سوَّيْتَهَا بِرَبِّ العالمين، لأنَّ الجهة الوحيدة التي لا ينبغي أن يكون هذا لِسواها، والتي ينبغي أن تُعظَّم، وتُحَبّ، وأن تُطاع هي الله سبحانه وتعالى، فأيُّ مخلوقٍ يتَّجِه إلى ما سوى الله تعظيمًا ومحبَّة وطاعةً فقد أشْركَ شِرْكًا كبيرًا، من علامات المُشْرِك أنَّكَ إذا تكلَّمْتَ عن إلهِهِ المزعوم اسْتشاط غضبًا، وأنَّكَ إذا دَغْدَغْتَ أفكارهُ ومشاعِرَهُ بالثَّناء عليه انتشى طربًا، وهذا من علامات المشرك، قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾

 ( سورة النساء )

 لكنَّ العلماء حمَلُوا هذه الآية على معنًى مُضْمر وهو: إن لم يتوبوا ‍! والحقيقة أصْلُ الشِّرْك اعتِقادُ المُشْرك أنَّ هذا الذي يعْبُدُه من دون الله يستطيع أن ينقذهُ عند المِحَن !! ويستطيع أن يشْفعَ له !! وهذا هو أصل الشِّرك، أنهم يعتقدون أنَّ زَيْدًا أو عُبَيْدًا، أو أنَّ هذا الصَّنَم أو أنَّ هذا النَّوْء، أو أنَّ هذا الحيوان بإمكانه أن يُبارك حياتهم، أو ينقذَهُم من المهالك، وكذلك فهم يعتقدون بهذه الأصنام أنّها تشفعُ لهم وتنجيهم من عذابٍ مُحَقَّق، وهذا هو أصْل الشِّرْك، ومنه اعتقادُ الشَّفاعة، فماذا يقول الله عز وجل عن الشَّفاعة ؟ قال الله عز وجل:

 

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ ﴾

 

 ( سورة البقرة )

 إذاً ليس في الكون جهة تستطيع أن تنقذكَ، أو أن تشْفَعَ لك، أو أن ترقى بك إلا الله عز وجل، فكلّ من يعتقِد أنَّ جهةً من دون الله تستطيعُ أن تُنْجِيك، أو أن ترفعَكَ فهذا شِرْك.
 الآية الثانية:

﴿ وَلا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَنْ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾

 ( سورة الأنبياء )

 وسبحان الله ! فإنَّ القرآن ثلاث آيات مترابطة، الآية الأولى:

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ ﴾

 ( سورة البقرة )

 متى يأذن ؟ عندما يَرْضى عن عمل الإنسان، وعن قوله، ومتى يرضى عن عمله وعن قوله ؟إذا كان مُوَحِّدًا لله تعالى طائعًا له، سلسلة نُعيدها ثانيةً كلُّ ما سِوى الله لا يستطيعُ أن يشفع لك عند الله، إلا إذا أذِنَ الله،ومتى يأذن الله عز وجل ؟ إذا رضي عنك، وإذا رضي عن عملك وعن قولك، ومتى يرضى عن قولك وعن عملك ؟ إذا كنتَ موحِّدًا وطائعًا، لذا قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾

 ( سورة الزمر )

مفهوم الشفاعة:

 الشيء الآخر: شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه لا علاقة لها بهذا الموضوع، لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام سئل: يا رسول الله، من أسعد الناس ؟ ـ دقِّقوا في هذا الحديث، لأنَّ مفهوم الشفاعة مفهوم في أصله صحيح، ولكن أصاب هذا المفهوم تشْويهٌ وتزوير وتعطيل إلى الدرجة التي أصبحَت الشفاعة تُسبِّب للإنسان كسلاً وقُعودًا وتساهلاً في طاعة الله عز وجل ـ هذا الذي يعتقدُ خطأً، ويعتقِدُ متوهِّمًا أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام لن يدخل الجنَّة حتى يُدْخِلَ أُمَّتَهُ قبله ؛ على معاصيهم وعلى انْحِرافاتهم وعلى أغلاطهم وعلى شرْكهم وعلى عُدْوانهم، فهو إنسانٌ واقعٌ في وهْمٍ كَبير كبير ؛ لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( يا فاطمة بنت محمَّد، يا عباس عمّ رسول الله، أنْقذا نفْسَيكما من النار، فأنا لا أغني عنكما من الله شيئًا ! ))

 

 ( الترمذي )

(( من يُبطِئُ به عمله لم يُسْرع به نسبه، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بِأنسابكم ))

 ولأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام نظر إلى بعضٍ من أُمَّتِهِ يوم القيامة، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ:

﴿ رَبِّ ِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ﴾

 الآيَةَ، وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلام:

﴿ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

  فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ:

 

(( اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتي، وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ: مَا يُبْكِيكَ ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ، وَهُوَ أَعْلَمُ، فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ، وَلا نَسُوؤُكَ ))

 

 ( رواه مسلم )

 والله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يقول:

﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾

 ( سورة الزمر )

 هذه آية أصْلٌ في نَفْي المفهوم الساذج والسَّخيف والمحدود في الشفاعة، ولكنَّ شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام حقّ، فمن يسْتَحِقّها ؟ يسْتحِقّها مَن نجا مِن الشِّرْك، جاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ:

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ فَقَالَ: لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ ))

 ( رواه البخاري )

 خالصًا بها، أيْ حَجَزَتْهُ عن محارم الله تعالى، كما في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَيُؤْمِنُوا بِي، وَبِمَا جِئْتُ بِهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ))

 

 ( رواه مسلم )

 إذاً فالشَّفاعة لها معنى صحيح، وورَدَت فيها أحاديث صحيحة إلا أنّ العامَّة والجهلة فَهِموها فهْمًا مُزَوَّرًا عطَّلوا بها العدالة الإلهِيَة، وعطَّلوا بها سَعْي الإنسان لِمَرضاة ربِّه، إذا مات الإنسان غير مشرِكٍ، وإذا كان موحِّدًا، ومخلصًا في توحيده اسْتحقَّ شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام وربّنا سبحانه وتعالى بيَّن لِهَؤُلاء الذين اتَّخذوا أنْدادًا من دون الله يحِبُّونهم كَحُبّ الله، ولهؤلاء الذين عبدوا جِهاتٍ كَعِبادة الله، جِهاتٍ لا تنفعهم ولا تضرّهم، قال الله عز وجل:

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾

 ( سورة العنكبوت )

 عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

 

(( كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالَ: يَا غُلامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ))

 

 ( رواه الترمذي عن ابن عباس )

 والآية الكريمة:

﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

 ( سورة فاطر )

 هذا هو الشِّرْك الجليّ، وهذا الشِّرْك الكبير، وهذا الشِرْك المهْلِك، وهذا الشِرْك الذي يتناقض مع العِبادة، ويتناقض مع الدِّين، فما هو الشِّرْك الخفيّ الذي يقع من معظم الناس ؟!!

 

الشرك الخفي صُوَرُه وآثاره السيئة:

 الشِّرْك الخفيّ تُؤكِده آيةٌ كريمة وهي قوله تعالى:

 

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾

 ( سورة يوسف )

1 - عدم التوحيد في الأفعال:

 آمن بالله تعالى خالقًا، وآمن بالله مربِّيًا، وآمن بالله مُسَيِّرًا، ولكنَّه لم يُوَحِّد ربَّهُ في الأفعال، قال: فلان أزْعجني، وفلان أغضبني، وفلان أعطاني، وفلان حرمني، إذا لمْ يُوَحِّد في الأفعال، ويراها كلّها من الله عز وجل فقد وقعَ في نوْعٍ من الشِّرْك الخفيّ.

 

2 - الرياء اليسير:

 ما الشِّرك الخفيّ ؟ العلماء قالوا: الرِّياء اليسير، تقول: هذا من أجل زَيْد، وهذا من أجل عُبَيْد، وأنت تقول هذا الكلام، وأنت لسْتَ قانعًا به من أجل فلان، وتغضَبُ غضبًا متصنَّعًا من أجل علاَّن، وأنت متظاهر بذلك، لكنك لسْتَ غاضِباً مِن أجْلهِ، فالرِّياء اليسير نوعٌ من أنواع الشِّرْك الخفيّ.

 

 

3 - التصنُّع للخَلق:

 التَّصَنُّع للخَلْق، كأن تُصَلِّي صلاةً مُتْقَنَةً أمام الناس، وقد تكون غير ذلك فيما بينك وبين نفسك، وهذا من الشِّرْك الخفي، أنْ تُظْهر الورع إذا كنت تحت أنظار الناس، فإذا خَلَوْتَ تساهلْتَ في هذا الأمر، فالتَّصَنُّع للخَلْق نوعٌ مِن أنواع الشِّرْك الخفيّ.

 

 

4 – الحلف بغير الله:

 ومَنْ حلفَ بِغَير الله فقد وقعَ بالشِّرْك الخفيّ، كأن يحلِفَ بأُمِّه أو أبيه أو أولاده، وبأعزّ ما يمْلك، لذا مَن كان حالفًا فلْيَحْلف بالله تعالى، لكنَّ الله عز وجل يقول:

 

﴿ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ﴾

 ( سورة المائدة )

 أما أن تحلف بغير الله فهذا نوعٌ من أنواع الشِّرْك الخفيّ.

 

5 - ربط مشيئة الله مع مشيئة العبد:

 إذا قلتَ: ما شاء الله وشئْت، ما أراد الله وأردت، فهذا شِرْك لأنَّ رجلاً جاء النبي عليه الصلاة والسلام فقال له: ما شاء الله وشئت، فغضب النبي أشد الغضب وقال:

 

 

(( أجعلتني لله ندّا ؟ قل: ما شاء الله وحده ))

 

 ( الأدب المفرد للبخاري عن ابن عباس بسند صحيح )

 فكلمة: ( ما شاء الله وشئت )نوعٌ من أنواع الشِّرْك الخفيّ.

 

6 - نسبة البلاء إلى العبد:

 وكلمة هذا من الله ومنك ؛ هذا البلاء منك !! تعتقدُ اعْتِقادًا جازمًا أنَّ هذا البلاء جاءك من فلان بالذات فهذا شِرْكٌ خفيّ، أين الله ؟ كيف سمح له أن يفعَلَ هذا ؟ وكيف سمَحَ له أن يطولك بِكَلماته أو أفعاله ؟ إذا اعتقدْت أنَّ فلانًا أو عِلاَّنا بإمكانه أن يصيبَكَ بِشَيء فهذا شرْك خفيّ.

 

 

7 – التوكل على العبد:

 وإذا قلت: أنا بالله وبك فهذا شِرْكٌ خفيّ، وإذا قلتَ: ليس لي إلا الله وأنت، فهذا شِرْك خفيّ، قال تعالى:

 

 

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾

 

 ( سورة يوسف )

 إذا قلتَ: أنا متوكِّلٌ على الله وعليك، قال الله عز وجل في الحديث القدسي:

 

(( أَنَا أَغْنَى الشُّركاء عن الشِّرك ))

 

 ( ابن ماجه عن أبي هريرة )

8 – لولا كذا …:

 وإذا قلتَ: لولا أنت لم يكن كذا وكذا !! لولا هذا الطبيب لمات الابن ! ولولا المحامي لخَسِرنا الدَّعْوَى، ولضاعَ البيت، ولولا فلان لكُنتُ في حالةٍ صعبة، إذا عَزَوْت النَّفْع أو الضَّرر إلى إنسان فهذا شِرْكٌ خفيّ، وإذا قال شخصٌ لفلان: أنا تائبٌ إليك، فهذا شِرْك، المبالغة في تعظيم غير الله تعالى شِرْك خفيّ ز

 

9 - التوبة لغير الله:

 وأن تعتقد أنَّ هذا الإنسان تنتهي عنده آمالك وهو يرْفَعُك أو يخْفضك فهذا شِرْك، وقعَ أسيرٌ في عهْد النبي عليه الصلاة والسلام بيد المسلمين فقيل له: تُبْ، فقال هذا الأسير: اللهمّ إنِّي أتوب إليك ولا أتوب لِمُحمَّد !
 فعَنِ الأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِأَسِيرٍ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَتُوبُ إِلَيْكَ، وَلا أَتُوبُ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

 

(( عَرَفَ الْحَقَّ لأَهْلِهِ ))

 

 ( رواه أحمد )

 لا يُتاب إلا لله عز وجل.

 

10 - النذر لغير الله:

 ومَنْ نذر لغير الله فقد وقعَ في الشِّرك الخفيّ لأنَّ النَّذر يجب أن يكون لله وحده، هناك آيات كثيرة، قال تعالى:

 

﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾

 ( سورة الإنسان )

 النَّذْر لله، ومن نذَرَ لغير الله فقد أشْركَ.
 ومن توكَّل على غير الله، ومن اعْتَمَدَ على غير الله، ومن أرْضى غير الله، ومن أراد غير الله، ومن توجَّه لغير الله ؛ هذا كلّه شرْك خفيّ ونرْجو الله سبحانه وتعالى أن ننْجُوَ منه جميعًا.

 

11 – التذلل لغير الله:

 كذلك التَّذَلُّل لغير الله شرك، والخضوع ؛ شرْك، وأن تبتغي مرضاة زَيْد ؛ شِرْك.

 

 

12 – حمدُ غير الله على ما أعطاك:

 وأن تحمَدَ الناس على ما أعطاك الله ؛ شرْك، وأن تذمَّهم على ما منَعَكَ الله ؛ شرْك، قال النبي عليه الصلاة والسلام:

 

((إنه من ضعف اليقين أن ترضي الناس بِسَخط الله، وأن تذمّهم على ما لم يعْطِكَ الله))

13 – طلب الحوائج من ا لموتى:

 ومن هذا القبيل طلبُ الحوائج من الموتى، إنسان ماتَ، والإنسان إذا مات انْقَطَعَ عمله، فإذا وقفْت على شُبَّاك وليّ، وأمْسَكْتَ بالنافذة، وهززْتها بِعُنْف، وقلت: يا فلان، فهذا شرْك خفيّ، ماذا يفعل لك هذا الوليّ القابعُ في قبره ؟ والدليل أنّ النبي عليه الصلاة والسلام قال الله في حقِّه:

﴿ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ ﴾

 ( سورة الأعراف )

 إذا كانت هذه حال النبي عليه الصلاة والسلام، فما بالك بغيره من الناس، وهناك آية ثانية:

﴿ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾

 ( سورة يونس )

 قال العلماء: إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يملكُ لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، فَلأنْ يعجز عن أن يمْلِكَ للناس النَفع والضرّ فهذا من باب أولى، وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: لا أعلم الغيب، فأيّ مخلوقٍ يدَّعي ذلك فهو كاذِب، أيّ مخلوق يدَّعي أنَّه يملك الضرّ والنَّفع فهو كاذب، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ))

(رواه الدرامي)

 

 هذا كلّه من الشِّرك الخفيّ.

14 - الاعتماد الخالص على الأسباب:

 وقد بقي في الشِّرْك الخفيّ موضوع قصير، وهو أنَّ بعض العلماء ومنهم الشَّيخ الأكبر محيي الدين بن العربي في كتابه الوصايا يقول: " الشِّرْك الخفيّ أن تعتمِدَ على الأسباب "، فالمال سبب، فالذي معه المال والوفير ومعتمدٌ عليه، وواثق من كثرته، ويعلم أنَّ المال يحل كلّ مشكلة، هذا الذي يعتمد على الأسباب وقعَ في الشِّرْك الخفيّ وهو لا يدري فلان قويّ البُنيَة، وقد اعْتَمَدَ على بنْيتِهِ، وقد اعتنى بِصِحَّته وظنَّ أنَّ عمرهُ مديد وقعَ في الشِّرْك الخفيّ، أو اعْتَمَد على جاههِ واعتمدَ على مَنْ حوله، وعلى جماعته، حينما تعتمد على الأسباب قد وقعْت في الشِّرْك الخفيّ فما معنى قوله تعالى:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

العلاقة بين المعصية ونتائجها:

 الحقيقة هناك معنى دقيق جدًّا، فهناك علاقة بين المعصِيَة وبين نتائِجِها، وإنّ هذه العلاقة علاقة عِلْمِيَّة، أيْ: علاقةُ سبب بِنَتيجة، وإن علاقة المعصِيَة بِنتائِجِها، هي علاقة عِلْمِيَّة، إذ هي علاقة سبب بِنَتيجة، فما معنى قوله عز وجل:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 مَن اعتمد على ماله فقد وقعَ في شرْكٍ خفيّ، لماذا يُعَذَّب ؟ في حال وُجود المال، يخاف أن يفْقِدَهُ، فَتَوَقُّعُ المصيبةِ مصيبةٌ أكبر منها، في حال وُجوده في هذا المنصب الرفيع يخاف أن يفْقِدَهُ، فخَوفُ فقْدِ هذا المنصب هو عذابٌ مستمرّ ؛ لأنَك من خَوْف الفقْر في فقْر، ومن خوْف المرض في مرض، وتوقّع المصيبة مصيبة أكبر منها، فالإنسان الذي أشْرك بالله فاعْتَمَدَ على بعض الأسباب يُعذَّب لأنَّه قد يتوهَّم فقْدها في حال وُجودها، وإذا فُقِدَتْ منه فعْلاً يُعَذَّب بِفَقْدها، فأنت في حال وُجودها تتوهَّم زوالها فَتَعَذَّب، وفي حال زوالها فتُعَذَّب بفقدها، أما إذا اعْتَمَدت على الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾

 ( سورة القصص )

 مَنْ اعْتمَدَ على ماله ذلّ، ومن اعتمَدَ على نسبه اخْتلَّ، ومن اعْتمَدَ على الله لا ذلّ ولا اخْتلّ، لذلك:

 

اجْـعَل لـربِّك كلّ عِزّك  يستقرّ ويثبـــــتُ
فإذا اعْتَزَزْتَ بِمَن يموت  فإنَّ عِزَّكَ ميِّــــتُ
* * *

 

جوهر القرآن التوحيد:

 لو تتبَّعْتَ القرآن الكريم في أكثر آياته، تجد أنَّ جوهر القرآن هو التَّوحيد، قال تعالى:

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) ﴾

 ( سورة هود )

 هذا هو التوحيد، قال تعالى:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾

 ( سورة الأنبياء)

 الدِّين كلّه توحيدٌ وطاعة، وتوحيدٌ وعبادة، أما الشِّرْك يُسَبِّب الحِقْد والشِّرْك يُسَبِّب النِّفاق، والشِّرْك يُسَبِّب المعْصِيَة، والشِّرْك يُسَبِّب الحُزْن والألم، والقهْر، أما إذا وحَّدْت الله عز وجل فقد أُزيحَتْ عنك جِبال من الهموم، لذلك أعراض الشِّرْك كثيرة جداً، وكلها أعراض لمرضٍ واحد، ألا وهو الشِّرْك، والشِّرك عِلاجه التوحيد، والتوحيد عِلاجه التَفكّر في خلق السماوات والأرض، ومعرفة كتاب الله عز وجل.
 وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى نُتابع قوله تعالى:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220) ﴾

 ( سورة الشعراء )

الفرق بين اتخاذِ الأسباب والاعتمادِ على الأسباب:

 بقي تعقيب صغير، ويتلخَّص في الفرق بين الأخذ بالأسباب، والاعتماد على الأسباب، لا يعني أن عليك أن تُعطِّل الأسباب، فَلَكَ أن تأخذ بالأسباب، ولك أن تأخذ من كلّ شيءٍ سببًا، ولك أن تعالج ابنك عند الطبيب، فهذا لا يتعارض مع التوحيد، واعلم أنّ التوحيد أن تأخذ بالأسباب، والشِّرْك أن تعتَمِد على الأسباب، وفرْق كبير بين أن تأخذ بها وبين أن تعتمد عليها، فإنَّ الأخذ بالأسباب دين.
 عن ابن عباس قال: << كانوا يحجون ولا يتزودون، قال أبو مسعود: كان أهل اليمن أو ناس من أهل اليمن، يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فأنزل الله عزوجل:

﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾

 

 

الآية.

 ( أبو داود بسند صحيح )

 ولِمُجَرَّد أن تعتمد على الأسباب فقد أشْركت، لماذا ؟ لأنَّ الله سبحانه وتعالى خلقَ الكون وَفْقَ نِظام دقيق، وهذا النِّظام لن يُخْرق من أجلك، فإذا أراد الإنسان أن يُقيم مشروعًا توفَّرت له أسباب النجاح، ومكان المشروع له قيمة، وحجم رأس المال له قيمة، طُرُق التَّعامل لها قيمة ونوع البِضاعة لها قيمة، إن لم تأخذ بالأسباب سُبِقْت، وحينما تخلَّف المسلمون عن ركْب بقِيَّة الأُمم فإنَّما تخلَّفوا بسبب فهْمِهم السَّقيم للتَّوكل فالتوكّل محلّهُ القلب، والأسباب محلّها الجوارح.
 كأنَّني أريد أن أقول لكم: إيَّاكم أن تفْهموا من التَّوحيد ترْك الأخذ بالأسباب، التوحيد أن تأخذ بالأسباب، ولكنَ الشِّرك أن تعتمد عليها، وتنسى الله عز وجل، والقصص التي لا تُعدُّ ولا تُحصى مفادُها أنَّ الإنسان لِمُجرَّد أن يعتمد على ماله أو على قوَّتِهِ، أو على صِحَّته أو على أهله، أو على مَنْ حوله، أو على جماعته عندئذٍ يؤدِّبه الله عز وجل، وإليكم هذه القصَّة الخِتامِيَّة:
 أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام هم أشْرفُ البشر بعد الأنبياء باعوا أنفسهم لله عز وجل، وفَدَوْا نبِيَّهم بأرواحهم، واتَّبعُوه في ساعة العُسْرة، ومع ذلك خاضوا معه بدْراً وأحداً والخندق، وهاجروا، وتركوا أموالهم وأولادهم، وأطاعوا ربّهم، وحينما قالوا والنبي معهم في حنين: لن نُغْلَبَ مِن قِلَّة، واعْتَمَدوا على عددهم وعلى قوَّتهم بعد فتْح مكَّة كما قال تعالى:

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

 (سورة التوبة )

 لما أعجبتهم قوته، وركنوا إليها تفرّقوا بَدَدا، هذا ملخَّص الملخَّص، فإذا كان أصحاب النبي صلوات الله عليه ورضي الله عنهم قد عالجهم الله من الشِّرْك الخفيّ، فَمَن نحن حتى لا نعالج ؟!! فَبِمُجَرَّد أن تقول: أنا وقعْتَ في الشِّرْك، وقعت في المطبّ، ولكن قل: الله، وهذا من فضل ربِّي، لقد أعانني ربّي، وألهمني، وساعدني، ولقد نوَّرني، فلذلك الطبيب الماهر قبل أن يُعالج المريض يقول: اللهمّ إنِّي تبرَّأْتُ من حولي، وقوَّتي، وعلمي، والْتَجَأتُ إلى حولك، وقوَّتك يا ذا القوَّة المتين، وهكذا المعلِّم والمحامي والتاجر، وأيّ إنسان في أيّ عمل، وأنت كذلك عليك أن تعْلن براءتك من حولك وقوّتك وعلمك، وقل: يا ربّ، ليس لي إلا أنت، وهذا هو التوحيد، وما دُمْت معه فهو معك، فإذا قلتَ أنا وانْفَصَلت عنه، واسْتَغْنَيْت عن الله واتَّكَلْت على نفْسِك أوْكَلَك الله إيَّاها، وهذا شيء مهمّ ودقيق في عالم الإيمان ؛ والتَّوْحيد، وإنَّ الذي يتناقض معه هو الشِّرك، نعوذ بالله من الشِّرْك الخفيّ والجليّ.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018