الدرس : 14 - سورة الشعراء - تفسير الآيات 194 - 202 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 14 - سورة الشعراء - تفسير الآيات 194 - 202


1989-10-20

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً، وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً، وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الرابع عشر من سورة الشُّعراء، في الدرس الماضي وصلنا إلى قوله تعالى:

﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ(194)﴾

 ( سورة الشعراء )

من صفات النبي عليه الصلاة والسلام الإنذارُ:

 كلمة ( مُنذِرين ) جَمْعٌ مفردها منذر، والمنذر اسم فاعل مِن أنْذَرَ، وأنْذَرَ من الإنذار، والإنذار يعني أنَّ هناك خطرًا كامنًا، أين الخطر ؟ عند الموت، وحينما يقوم الناس لربّ العالمين، الخطر يوم الدِّين، والخطر يوم الدَّيْنونة، ويوم الجزاء، ويوم الفصْل، والناسُ نِيامٌ كما قال عليه الصلاة والسلام إذا ماتوا انتبَهُوا، والإنسان أحيانًا يهيمُ على وجههِ، ويسير وتقودهُ شهوته ويقوده هواه، وتقودُهُ نزواتُه، فجأةً يدفَعُ الثَّمَن باهِظاً، والنبي عليه الصلاة والسلام كما وصفَ نفسهُ بأنَّه رحمةٌ مُهْداة، أنت حينما ترى شاخِصَةً على الطريق تُحَذِّرُك مِن مُنْحَدَرٍ خَطِر، أليْسَت هذه الشاخصة رحمةً بك، أنت حينما ترى تحْذيرًا كُتِبَ بالعربيّة على عمود الكهرباء ذي التَّوَتّر العالي، ألا ترى في هذا التَّحْذير رحمةً لك ؟ أنت حينما ترى لوحةً كُتِب عليها حقل ألغام، أليْسَ في هذه اللّوْحة تَحذيرٌ لك من هذا الخطر المُمِيت، فكَلِمة إنذار تعني أنَّ هناك خطرًا كامنًا في المستقبل وما جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلا لِيُحَذِر، ويُنْذِر الأمَّة مِن مغبَّة هذا اليوم، قال تعالى:

 

﴿ فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10) ﴾

 

 ( سورة المدثر )

 والعاقل هو الذي يأخذ الحيطَة قبل أن يقَعَ في موقفٍ لا يستطيعُ أن يفْعل فيه شيئًا، أُعَبِّر عن هذا المعنى بكَلمة: بعد فوات الأوان، فالعاقل هو الذي يحتاط للأمور قبل وُقوعها، والأقلّ من هذا عقلاً هو الذي يحتاط للأمور مع وُقوعها والعاجز هو الذي لا يحتاط للأمور لا قبل وُقوعها، ولا بعد وُقوعها، فعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ))

 

 ( رواه أحمد )

 لذلك أفْرَدَ ربّنا سبحانه وتعالى في هذه الآية صِفَة النبي عليه الصلاة والسلام بأنَّه من المنذرين، وما رسالات الله عز وجل إلى عباده إلا نوعٌ من الإنذار، قال تعالى:

 

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

 

 ( سورة البقرة )

 وقال تعالى:

 

﴿ فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾

 

 ( سورة طه )

 لأنَّك مِن بني البشر، ولأنّك إنسانٌ حُمِّلْتَ الأمانة، وأمانتك نفسُكَ التي بين جَنْبيْك ؛ هذه الأمانة إما أن ترقى بها إلى أعلى عِلِيِّين، وإما أن يهْوي بها بعض الناس إلى أسفل السافلين، ما دام هناك أمانة فهذا يعني أنَّ هناك مسؤوليّة، وما دام هناك حريَّة فهناك مسؤوليّة، وما دام هناك تَكليف فهناك مسؤوليّة، وما دام هناك ابتِلاء فهناك مسؤوليّة، وما دام هناك أمر ونهي فهناك مسؤوليّة، فالمسؤوليّة مِن لوازم الأمر والنّهي، ومن لوازم التَّكليف، ومن لوازم الابتِلاء، ومن لوازم الأمانة، والمسؤوليّة شيءٌ خطير جدًّا ؛ لماذا ؟ لأنَّ الإنسان بعد أن يموت لا يستطيعُ أن يعود‍! قال تعالى:

﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 في بعض الآيات وُصِفَ النبي عليه الصلاة والسلام بأنَّه بشير ونذير، ولكن لأنّ الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أفرَدَ صِفة النبي بأنَّه نذير فالإنذار مِن ضِمْنِهِ التَّبشير، الإنذار إن فعلْتَ كذا وكذا نَجَوْتَ، وإن لم تفْعَل هلكْتَ، والإنذار أوْسَعُ مِن التَّبشير، قال تعالى:

﴿ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) ﴾

 ( سورة الشعراء )

بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ

 كلمة عربيّ نِسْبةً إلى كلمة عرب، وكلمة عرب اسم مأخوذ مِن كلمة عَبَرَ، ومعنى عَبَرَ انْتَقَلَ، وفي اللَّغة العربيّة أفعال يُمْكن أن تُبدَّل بعض حروفها، ويبقى المعنى هُو هو، كأن تقول: جَبَذَ وجذَبَ، أمْعَنَ وأنعمَ، وعربَ وعبَرَ، فاللّغة العربيّة تنقل لك المعنى مِن نفس قائلها إلى أُذن السامع، وربّنا سبحانه وتعالى لأنَّه اخْتار هذه الّلغة العربيّة لغةً لِكلامه فهو شرفٌ عظيم، قال تعالى:

﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾

 ( سورة الشعراء)

 وقال تعالى:

 

﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾

 

 ( سورة الزخرف )

 الله عز وجل في آيتين وصَفَ كلامه بأنَّه عربيّ، لذلك لا بدّ أن تنْطَوِيَ هذه اللّغة على خصائص تَجعلها من أرقى اللُّغات الإنسانيّة، فهذه اللّغة العربية التي حبانا الله بها لغة لها خصائص كثيرة، طبعًا هذا الذي يتكلَّم العربيّة، هذه نِعْمةٌ لا يعرفها إلا مَنْ فقَدَها، لِسانُكَ عربيّ، وكلام ربّ العالمين باللّغة العربيّة، تعلُّمُ العربيّة يحتاج إلى جهد كبير، ولكنّ هذا الجهْد على أهل العربيّة يسير، ومن هنا قال سيدنا عمر رضي الله عنه: << تَعَلَّموا العربيّة فإنَّها من الدِّين >>، أيْ جزءٌ من دينك أن تُتْقن العربيّة، لأنَّ في إتقان اللّغة العربيّة قُدرةً على فهْم كلام الله عز وجل، وإذا فهِمْتَ كلامه ففيه الحلال والحرام، وفيه الوعْد والوعيد، وفيه التَّبشير والتَّحذير، وفيه الحُكْم والقصَّة والآية.

 

سَعَة اللغة العربية في التعبير والإيضاح:

 شيءٌ مُهِمّ في هذه اللّغة التي حبانا الله بها أنَّ هذه اللّغة فيها طاقة على التَّعبير واسِعَة، عبَّرَ عنها علماء فقه اللَّغة: " اتِّساع العربيّة في التَّعبير "، وقد ذكرتُ هذا المثل في درس سابق، حينما كنتُ أُفسِّر سورة يوسف. فالإنسان قد ينظر إلى الشيء، ومع هذا النَّظَر خَوْف، أنت في هذا لا تقول: نَظَرَ، ولكن تقول شَخَصَ، فشَخَصَ نظَرٌ مع الخوف، وقد تنظر إلى الشيء وأنت تحب هذا الشيء، فالنَّظَر مع المحبّة لا يُقال له نظَر، يُقال حدَّجَ، وقد قيل: " حدِّث القوم ما حدَّجوك بأبصارهم "، والنَّظر إلى الشيء مع الاستْمِتاع به، لا يُقال له نَظَر، ولكن يُقال له رنا، رنَوْتُ إلى الشيء، أي أدَمْتُ النَّظَر إليه مع الاستِمتاع به، فصار عندنا نظَرَ، وشخَّص، وحدَّج، ورنا، والنَظر إلى الشيء مع الدَهْشة يُقال له حَمْلقَ، أي نَظَرَ بحِمْلاق العَين، والنَّظَر إلى الشيء في ضَوءٍ خافت يُقال له: بَحْلقَ، اتَّسَعَتْ حدقة العَين، وإذا نَظَرْتَ إلى الشيء، ثمَّ اختفى هذا الشيء: لا تقول نظرْتُ إليه بل تقول: لاح هذا الشيء، لاحَ نَجْمٌ في الأفق، ولاحَتْ طائرة بين الغيوم، وإذا نظرْتَ إلى الشيء، وتذكَّرْت أنَّ الله سبحانه وتعالى أمركَ أن تغضَّ عنه البصر، لا تقول: لاحَ لي، ولكن تقول: لَمَحْتُ، لَمَحَ إذا نظرْتَ، ثمّ أعْرضْتَ، ولاحَ إذا ظَهَرَ الشيء ثمّ اختفى، وإذا نظرْتَ إلى الشيء ويداك عليه تتفحَصُهُ يُقال: اسْتشَفَّ، وإذا نظرْتَ إلى الشيء، وأنت تتطاول لِتَرى أبعادهُ يُقال: اسْتشْرفَ، وإذا نظرْتَ إلى الشيء مع احْتِقارهِ يُقال: نظر إليه شَزَرًا، وإذا نظَرْتَ إلى الشيء مع المسؤوليّة يُقال: شاهَدَ، ومنه الشاهد، وإذا كانت رؤيتُكَ ليْسَتْ بصَرِيَّةً، بل هي قلبِيَّة يُقال: رأى، فَشَتَّان بين رأى، وبين شاهَدَ، وبين نظرَ شزَرًا وبين لمَحَ، وبين لاحَ، وبين شَخصَ، وبين حدَّج، وبين اسْتشفّ، وبين استشرف، فَمِن أولى صفات لغتنا العربيّة بِفَضل الله عز وجل أنَّها تمتَلِكُ قدرةً واسعة على التَّعبير، هذا عبَّرَ عنه بعض العلماء: " اتِّساع العربيّة في التعبير ". فَبَدَلَ أن تستخْدم كلمتين للتَّعبير عن معنى دقيق تستخدم كلمةً واحدة، لأنّ لكلّ حالة من هذه الحالات كلمة تُوافقها تمام الموافقة، وربنا عز وجل قال:

 

﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾

 ( سورة الشعراء )

اللغة العربية حروف لها معانٍ:

 صفة أخرى ؛ أنَّ في هذه اللّغة العربيّة حُروفٌ لها معانٍ، لو أخذت حرفاً من حروف هذه اللّغة تشعر أنّ هذا الحرف يوحِي لك ببعض المعاني، فَحَرفُ السِّين في أيّ كلمة يوحي إلى السامع أنَّ الشيء فيه شيءٌ فيه أثرٌ نفسي داخِلِي، الحسّ والنَّفس والأنس واللَّمس والهمْس، فأية كلمة فيها حرف السِّين تشعر أنّ لهذه الكلمة معنى أساسه نفسي، همسَ في أذنه وأسرَّ له، وأحسّ وأنِسَ، فالحرف وحده في هذه اللَّغة التي حبانا الله بها له دلالته.
 وحرف الغين مثلاً، هذا الحرف يعني الغَيْبوبة، غابَ وغرِقَ، وغيبة، وحرف الراء ففيه معانٍ التَّكرار مرَّ، وجرَّ، وكرَّ بعضهم قال: إنَّ كلمة غَرِقَ ؛ حينما غاب هذا الشَّخْص عن الأنظار وُضِعَتْ الغَين، وحينما تتالى سُقوطهُ وُضِعَتْ الراء، وحينما ارْتَطَمَ بالقاع وُضِعَتْ القاف، وفي حرف القاف تعبير عن الاصْطِدام، والصَّوت طَرَقَ لصَقَ، إذًا الصِفة الأساسية الثانية في هذه اللّغة العربيّة التي اختارها الله لكَلامه أنَّ هناك معاني متعلقةً بِحُروفها وحدها.

 

من خصائص اللغة العربية: الاشتقاق:

 شيء آخر، وهو أنَّ الاشتقاق في اللّغة العربيّة شيءٌ لا يُصدَّق، معنى الاشتقاق أنّ هناك أوزان، وزْن فاعِل على من قام بالفِعل، وهذا الوزن له صِيَغ مبالغة، وزن فاعول أي فاروق، وفعيل ككريم، ومِفعال كمِفضال، وفِعِلَ كَحَذِر، وهناك صِيَغ لِمُباغلة اسم الفاعل، وهذه كلّها قوالب يمكن أن يوضع فيها أيّ فِعل، وهناك أوزان وهناك بُنَى ـ جمع بنية ـ هذه الأوزان، وتلك البُنَى في اللغة العربية تستطيعُ بها أن تتَّسِعَ في إحداث المفردات اللازمة فهناك اسم الفاعل وهناك صِيَغُ مبالغة اسم الفاعل، وهناك الصِّفة المشبّهة باسم الفاعل، وهناك اسم المفعول، وهناك اسم المكان، وهناك اسم الزَّمان، وهناك اسم الآلة، وهناك اسم التَّفضيل، وهذه كلّها قوالب يمكن أن يوضَع فيها كلّ فِعَل ؛ كَتَبَ في الماضي يكتبُ في المضارع، واكْتُب في الأمر، وكاتب اسم فاعل، ومكتوب اسم مفعول، ومكتب اسم مكان، وآلة كاتبة اسم آلة، وعرف يعرف اعرِف وعارف ومعروف وتعريف وعرَّاف هناك المصادر والأفعال الماضية والمضارعة والأمر، والمشتقات، وأسماء الفاعلين وأسماء المفعولين، واسم المكان والزمان من اسم التفضيل واسم الآلة، وهناك الأفعال والأسماء وأسماء الأفعال، إذاً ففي اللّغة العربيّة اشتقاقات.

 

 

مثال عن أهمية الاشتقاق وفائدته: كسب واكتسب:

 لذلك قال ربّنا سبحانه وتعالى:

 

 

﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾

 

 ( سورة البقرة )

 فرْق كبير بين كسِبَ واكْتَسَبَ، والعلماء قالوا أيَّة زِيادةٍ في المَبْنى دليل زِيادةٍ في المعنى، فلماذا ربّنا قال: لها ما كسبَت ؟ ولماذا قال:

 

﴿ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾

 الكسب شيء، والاكتِساب شيءٌ آخر، الكَسْب أن تأخذ شيئًا عن بحث أو عن غير بحثٍ، وبعد تخطيط أو من دون تخطيط، وبِصُعوبة أو من غير صُعوبة، كَسَبْتُ دِرْهَمًا، أما اكْتسَبَ أيْ جَعَلْتَ الكسْب مِهْنةً لك، أي هناك جُهود جبَّارة بُذِلَت حتى اكْتسَبْتَ هذا المال لأنَّ الزِّيادة في المَبنى دليل الزِّيادة في المعنى، لذلك أيُّ عمَلٍ صالحٍ يُسَجَّل لك:

 

﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ ﴾

 ولكنَّ العمل السيّئ لا يُكْتبُ عليك إلا إذا أصْررْت عليه، ولم تتُبْ منه، وبالغْت فيه، وأعدْتَهُ مرَّاتٍ كثيرة، ومن هنا هذه رحمة الله في خَلْقِهِ، قال تعالى:

﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾

 ( سورة البقرة )

من خصائص اللغة العربية: أسلوب الحصر والقصر:

 هناك في اللُّغَة أشياء دقيقة جدًّا، لمَّا قال ربّنا سبحانه وتعالى:

 

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾

 

 ( سورة هود )

 مِن أجل أن تعْلَمَ أنَّ هذه اللُغة دقيقة، وأنّ هذا الكلام كلام ربّ العالمين، هل هناك احْتِمالات أخرى لِصِياغَة هذا المعنى ؟

 

الاحْتِمال الأوَّل:

 أن قال: " وما الدَّواب إلا على الله رزقها ! " هذا احتِمال، طيِّب لو قلْتُ هذا فماذا يفترق هذا القَول عن قول الله عز وجل:

 

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾

 الدَّواب معرفة، وكلمة ( الدَّواب ) ما دُمْتَ قد عرَّفْتَها فالمَقصود دوابّك، أو دوابّ أهْلِكَ، أو دوابّ منطقتك، أما إذا نكَّرْتَها، فهذا تنكير الشُّمول أيْ أيَّةُ دابَّة في الأرض، فحينما جاءَت كلمة ( دابّة )نَكِرة معنى ذلك أنَّ هذا التَّنكير يُفيد الشُّمول ؛ الدَّواب الأهليّة والوحْشِيَة، والصَّغيرة والكبيرة، الطائرة وغير الطائرة، والنافعة والضارّة، هذه كلّها على الله رزقها.

 

الاحتمال الثاني:

 الآن سوف نُغَيِّر العِبارة: وما دابَّة إلا على الله رزقها، حَذَفنا كلمة مِن ! فماذا تعني كلمة مِن ؟ لو دَخَلَ الأستاذ على الطُّلاب وقال: ما طالبٌ إلا وسأُعْطيهِ مُكافأةً في هذا الأسبوع، وأمامه خمسة وثلاثون طالبًا، إلا أنَّ خمسة منهم كانوا غائِبين، فهو هنا يقصِد هؤلاء الطلاب، أما إذا أضاف كلمة مِنْ، فهذه لاسْتِغراق أفراد النَّوع واحِدًا وَاحِدًا، وشمَلَ الطلاب الحاضرين والغائبين، فلمَّا ربّنا قال: " وما مِن دابَّة " صار معنى الكلام أنّه أيّة دابّة واحدةً وَاحدةً على الله رِزقها، هنا اسْتفدنا من كلمة "دابة " لأنَّها نكرة، واسْتفدنا من كلمة " مِنْ " لاستغراق أفراد النوع، ولكن لو ألْغَينا الاستثناء والنّفي وقلنا: الدواب على الله رزقها، فماذا يعني النَّفي والاستثناء ؟
إذا قلنا مثلاً: شَوقي شاعِر ؛ معنى ذلك أنَه شاعر، وقد يكون كاتِبًا، وقد يكون تاجِرًا، وقد يكون موظَّفًا، أما إذا قلت: ما شَوقي إلا شاعرٌ، فأنت قصَرْتَ شَوقي على الشِّعر، وإذا قلتَ ما شاعرٌ إلا شَوقي: قصَرْت الشِّعر على شوقي، وهذا توضيح، قال تعالى:

 

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾

 ( سورة هود )

 لو قال الله: الدواب يرزقها الله ! لا يعني هذا أنَ الله فقط الذي يرزق، فقد يرزقها الله وقد يرزقها غير الله عز وجل ! ففي سورة الفاتحة لو تقول: نعبد إيَّاك يا ربّ ! هذه غير قوله تعالى:

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾

 ( الفاتحة: 5 )

 الفرْق كبير بينهما إذا قلتَ: نعبدُ إيَاك، أيْ نعبُدك يا ربّ، وقد نعبُد غيرك، أما:

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾

 فحينما قدَّمنا المفعول به على الفِعل أصْبحَ المعنى معنى قَصر ؛ لا نعبُد إلا إيَّاك، فلذلك لو ربّنا عز وجل قال: الدواب على الله رزقها ! معنى ذلك أن الدَّواب على الله رزقها وعلى غيرِهِ، أما لما قال:

 

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾

 

 ( سورة هود )

 هذا هو القَصر، وهذا فيه معنى الشُّمول، ومعنى الاستغراق، ومعنى القصر، ولازِلنا في الآية نفسها، لو ربنا عز وجل قال: وما من دابّة إلا الله يرزقها، ألْغَينا على: يرزقها أو لا يرزقها لا يوجد إلْزام، أما كلمة على تُفيد الإلْزام ؛ أيْ أنَّ الله سبحانه وتعالى ألْزَمَ نفسَهُ برِزْق العِباد، لي عليك فريضة ولك عليّ رِزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أُخالفْك في رزقك، اُنظر إلى القرآن الكريم:

 

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾

 

 ( سورة هود )

 فتعلّم اللّغة العربيّة مهمٌ جدًا في فهم القرآن، وأيُّ تَغيير أو تَبْديل، كما أنك لو ألغَيتَ التَّنكير وجَعَلت بدله التَّعريف، لو ألغيت النَفي أو الاستثناء لاختلف المعنى اختلافًا بيِّنًا، لذلك هذا القرآن لا يَعْرِفُ نَظْمهُ وإعجازهُ البياني إلا مَن عَرَفَ هذه اللُّغَة، وهذه اللُّغة اخْتِصاص، لذلك نكرر مرَّة ثانيَة: تَعَلَموا العربيّة فإنَّها مِن الدِّين، وهي لُغَة كتاب الله عز وجل.

 

من خصائص اللغة العربية مادة الكلمة:

 والشيء الآخر أن لدينا في اللغة العربية بحث آخر غير بحث الاشتقاق، وهو انتماء الكلمات إلى مجموعات أُسَريَّة، ويقال لها بدل كلمة الأُسرة: المادة ؛ الأسرة لها جدّ، وهو المصدر، الكتابة، والجد له أبناء، الفِعل الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل، وصِيَغُ مبالغة اسم الفاعل، واسم الآلة واسم المفعول، واسم المكان واسم الزمان، والصفة المشبّهة، هؤلاء كلّهم أولاده، نِظام اللّغة العربية نِظام أُسَر، ونُسمِّيها الأسرة باللُّغة العربيّة: المادَّة، افْتَح المعجم في مادَّّة عَلِمَ: تجد فيها مصادر وأفعال وأسماء.

 

من خصائص اللغة العربية: النحتُ:

 وعندنا باللغة العربية شيء اسمُهُ النَّحْت، إنسان قال: سبحان الله، بدَلَ أن تقول: قال فلان سبحان الله، تقول: سَبْحَلَ فلان، وإن قال: لا حول ولا قوَّة إلا بالله تقول: حَوْقَلَ، وإن قال الله أكبر، تقول: كبَّرَ، وإن قال: لا إله إلا الله، تقول: هلَّلَ، وإن قال: أدام الله عِزَّكَ: دَمْعَزَ ممكن أي أن تأخذ كلمة مِن مجموع كلمات، وهذا اسمهُ أيضًا النَّحْت.

 

من خصائص اللغة العربية: ظاهرة تغير المعنى بتغيّر الحركات:

 وفي اللُّغة العربيّة ظاهرة الحركات، فكلمة قَدِمَ أيْ حضَرَ، أما قَدُمَ فمعناها أصبَحَ قديمًا، وكلمة برّ تعني اليابسة، وأما كلمة بُرّ فهي القمح، وكلمة بِرّ تعني الإحسان، كلمة خَلْق تعني البُنْيَة، وكلمة خُلُق تعني الأخلاق، والخَلِق الشيء المهترئ، وشتان بين المَنْصِبَ، والمَنْصَب، فبحركة ينتقل المعنى مئةً وثمانين درجة، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام لمَّا جاءه الأعرابي وقال له: يا رسول الله عِظني وأوْجِز، قال:

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8) ﴾

 فقال: كُفيت، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( فَقُهَ الرجل ))

 ( ورد في الأثر )

 شتَّان بين فَقِهَ وبين فَقُهَ، إذا قال: فَقِهَ أيْ عرَفَ الحُكْم، أما فَقُهَ أيْ أصْبَحَ فقيهًا الفِعْل الثلاثي مضموم العَيْن له معنى الاتِّخاذ، حَسُن وكَرُمَ أيْ أصبح كريمًا، أما فقِهَ فتعني عرف ها الحُكم.

 

من خصائص اللغة العربية: الإعراب:

 وعندنا في اللغة العربية بحث الإعراب أيضاً، فإذا قلت مثلاً في الوصية: فلان له عليّ ألف درهم ونصفُهُ، يا ترى ألف وخمسمئة درهم، أم ألف ونصف درهم ؟ بِحَسب إعراب هذا الضَّمير فإن أعدْتهُ على الألف فالوصيّة ألف وخمسمئة درهم، وإن أعدْتهُ على الدِّرهم فالوَصِيَّة ألف ونصف درهم ‍‍! إذًا دِقَّة العربيّة متناهِيَة في هذا المجال، مُتَعَهِّد قدَّم مشروعاً، وخُصِمَ له من هذا المشروع خمسمئة ألف ليرة لأنَّ مواصفاته أقلّ مِمَّا يجب فأقام دعْوى، واحْتَكَم الطَّرفان لِمَجمع اللَّغة العربيّة، وهو يقول في المواصفات سأُقدِّم المواد مِن أجْود الأنواع، فَمِنْ هذه تعني التَّبعيض، ولا تعني أنَّه يُقدِّم أجْودَ الأنواع ! فَمِن معاني كلمة " مِن " كَسِبَ الدَّعْوَى !!! اللّغة شيء دقيق جدًّا حينما تفهم كلام الله بِهذه الدِّقة، قال تعالى:

 

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾

 ( سورة النور )

 فلولا ( مِنْ )لَهَلَكْنا جميعًا، ولصار المعنى غض البصر عن الزَّوجات والأمهات والأخوات والبنات كلهنّ !! أما مِن تعني غضَّ البصر عن بعض النِّساء أيْ الأجنبِيَّات أما أمَّك وابنتك وأختك وعمّتك وزوجتك فلا حرجَ عليك. أما فلْيحفظوا فروجهم، فأيّ خلل هناك فهو معصيَة، لماذا جاء غضّ البصر قبل حِفظ الفرج ؟ لأنَّ غضّ البصر طريق إلى حفظ الفرْج، لو وقفْتَ عند كلمات القرآن كَلمةً كلمةً، وحركةً حركةً، تقديمًا أو تأخيرًا وإيجازًا أو تفصيلاً، تعريفًا أو تنكيرًا لأدركتَ الكثير، قال تعالى:

﴿ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾

 ( سورة الشورى )

 قدَّم الإناث تَكريمًا لهنّ، وأخَّر الذُّكور، ولكنه عرَّف الذّكور، فالإناث جاءتْ سابقة، ولكنَّها منكَّرة، والذكور جاءَت معرَّفة، ولكنّها متأخِّرة، مِن هذا القبيل هناك آلافُ آلاف القضايا اللُغَوِيَّة في القرآن حَيث يعْجز الإنسان أن يخْطُرَ في باله أنَّ هذا الكلام ليس كلام الله، كلَّما تعمَّقْتَ في اللُّغَة وجدْت هذا الكلام لا يمكن لِبَشر أن يأتي بِمِثلهِ، طبعًا هذا من الإعجاز اللُغوي.

 

من خصائص اللغة العربية: الإحكام العددي:

 أما الإحكام الذي في القرآن فهذا باب واسِع لا يعلمهُ إلا الله، مَن يُصَدِّق أنَّ كلمة البَرّ جاءَت في القرآن ثلاث عشْرة مرَّة حصرًا ؟ وكلمة البحر جاءت ثلاثًا وثلاثين مرَّة ؟ افْتَح المعجم المفهْرس، فإذا جمَعْت البرّ إلى البحر أصْبح الرَّقم سِتًّا وأربعين، فإذا وضَعت الثلاث عشرة صورة، والسِتَّة والأربعين مخرجًا، رأيْتَ نِسْبة البرّ إلى الأرض ! نِسبة عدد كلمات البرّ إلى البحر كَنِسبة البرّ إلى البحر بالضَّبْط والتمام !! مَن يُصدِّق ذلك ؟
 لو أحْصَيْت كلمة اليوم في القرآن الكريم لوَجَدْت كلمة اليوم وردت ثلاثمئة وخمساً وسِتّين مرَّة بالضَّبط ! ولو أحصيْت كلمة الشَّهر لوجَدتها وردَت اثنتي عشرة مرّة بالتمام والكمال.
 وكلمات الجنَة تُساوي كلمات النار، وكلمات الدنيا تُساوي كلمات الآخرة وكلمات الملائكة تُساوي كلمات الشياطين، وهناك بُحوث في إحكام القرآن الحِسابي لا يعلمها إلا الله وكذا في إعجازه العِلمي، وفي إعجازِهِ البياني، وفي إعجازه اللّغوي فكلّما ازْددْتَ، كلّما ازْددتَ عقلاً وفهْمًا لها.
 فبالحِساب عرفْت كيف أنَّ هذا القرآن كلام الله عز وجل، وكيف أنَّ الله تعالى يقول:

 

 

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) ﴾

 

 ( سورة الحاقة )

 وقوله تعالى:

﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾

 ( سورة الواقعة )

 كيف أنَّ الله تعالى يقول:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ﴾

 ( سورة الأنعام )

 وقوله تعالى:

 

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

 

 ( سورة الكهف )

 أيْ كأنَّ الكتاب يُعادل السماوات والأرض، هذا خلْقُهُ، وهذا منهجهُ وكلامه وهذه أفعاله، ولا بدّ أن تتوافقَ أفعاله مع أقواله، مع منهجه، مع خلْقِهِ.

 

من خصائص اللغة العربية: الأوزانُ:

 وعندنا الأوزان كذلك، فمثلاً وزن فَعَل شيء، ووزْنُ فاعَلَ شيء آخر ؛ فهذا فيه المشاركة كقاتَلَ وخادع وقاوَمَ وناضَل وراسَلَ؛ كلّها تفيد معنى المشاركة، وتقول كسَّرَ، قال تعالى:

 

﴿ وَغَلَّقَتْ الأَبْوَاب ﴾

 ( سورة يوسف )

 مبالغة ؛ قطَّعْتُ اللَّحم: شيء، وقطَعَ اللَّحم: شيءٌ آخر، وزْنُ فَعَّلَ غير وزْن فَعَلَ، وغير فاعَلَ، وغير اسْتَفْعَلَ، وزْنُ الثُّنائي المضعَّف، قال تعالى:

 

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾

 

 ( سورة التكوير )

 عَسْعَسَ، وقَلْقَلَ، وجَرْجَرَ، تشعر أنَّ هذا الوزن له معنى التتالي، أي أنَّ الحديث عن الأوزان لا ينتهي، وعن الإعراب لا ينتهي، وعن الأفعال، وعن الاشتقاق الصغير، والاشتقاق الكبير، وعن النَّحت، وعن مناسبة الحروف ومَعانيها، وعن اتِّساع العربيّة في التَّعبير، قال ربنا عز وجل:

﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(195)﴾

 ( سورة الشعراء )

بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ

 كُتِبَتْ هذه الآية على لوحة، وعُلِّقتْ في مَجمع اللّغة العربيّة بدمشق:

﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 واضِحِ البيَان، ويكفي هذه اللّغة فخْرًا أنَّ الله سبحانه وتعالى اختارها لِكَلامه، ويكفي الأمَّة العربيّة فخْرًا أنّ الله اختارها لِرِسالة نبيِّه الكريم، ويكفي هذه البلاد فخْرًا أنّ الله تعالى اختارها متنزَلاً لِوَحْيِهِ العظيم.
 قال تعالى:

﴿ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

معنى قوله تعالى: وَإنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ

المعنى الأول:

 وإنَّ هذا القرآن مذكور في كتب الأنبياء السابقة.

 

المعنى الثاني:

 وبعضهم قال: الهاء تعود على النبي عليه الصلاة والسلام.
 فإما أنَّ القرآن مَذْكور في الكتب السماويّة السابقة، وإما أنَ اسم النبي عليه الصلاة والسلام مذكور في الكتب السابقة.
 قال تعالى:

 

﴿ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

دعوة إلى تدبر القرآن الكريم:

 يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾

 ( سورة البقرة )

 لأنَّ اسم النبي عليه الصلاة والسلام وردَ في الكتب السابقة:

﴿ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾

 ( سورة الصف )

 ففي الكتب المقدَسة اسم النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا بَحثٌ يَطُول، قال تعالى:

﴿ أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 أليس هذا كله دليلاً لهم أنَّه من عند الله ؟!

كيف لو نزل القرآن على الأعجمي ؟ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ

 أما الآية التالية فإنها تُعالِج أخْطَر موضوع في اللّغة، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 لو أنَّ هذا القرآن الكريم نزل على إنسان أعْجمي ؛ غير عربي، ونزل بِلُغَة الأعاجم، وجاء هذا الأعجمي ومعه هذا القرآن باللّغة الأعْجَمِيَّة، وتلاهُ على مسامِعِ العرب الفصحاء، قال الله عز وجل:

 

﴿ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾

 

 ( سورة الشعراء )

 إذا وقفَ إنسانٌ فيهم العربي، وتكلَّم بالتُّرْكِيَّة أو الفارسية فلن يفْهموا شيئًا ! أو باللّغة اليابانيّة أو الصِّينِيَّة، فلن يفهموا شيئًا إطلاقًا، يقول ربّنا عز وجل:

﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 لو قرأ هذا الأعجمي القرآن باللّغة الأعجَمِيَّة عليهم، قال الله عز وجل:

﴿ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 هذا شيءٌ واضِحٌ وبديهي.
 أما الشيء الدقيق فقوله تعالى:

 

﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

 

 ( سورة الشعراء )

معنى قوله تعالى: كَذَلِكَ سلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ

 ما معنى هذا الكلام ؟ أيْ أن هذا القرآن إذا سَمِعهُ إنسانٌ بعيد عن الله عز وجل فلن يفْهمُ منه شيئًا، وهناك آياتٌ تؤكِّد ذلك، قال تعالى:

﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾

 (فصلت: 44)

 آية ثانية:

﴿ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا﴾

 ( سورة الإسراء )

 ما معنى ذلك ؟ معنى ذلك أنَ الإنسان إذا لم يُرِدْ معرفة الله عز وجل فهذا الكلام لا يؤثِّرُ فيه، إن لم يطلب الحقيقة فلن يتأثَّر بها مهما سَمِعها. فلو أنَّ شخصًا دخل غرفةً يريد شيئًا، يريد كتاباً أو مفاتيح، وأعْطيته أنت رسالة ! فلم يقرأها، وإن قرأتَها أمامه فلن يسْمعها، هو بعيدٌ عنها، وهو في عالم آخر، وفي اهْتِمام آخر، وفي جوّ آخر، وفي هموم أخرى، ولذلك مَن جَعَلَ همومه همًّا واحدًا كفاهُ الله الهموم كلّها ! والإنسان يفْهم إذا تطابق همّهُ مع هذا الشيء المسْموع.
 أحيانًا طالبٌ في صفّ من صفوف الجامعة له كِتاب مُقرَّر، فهو يشْغَلُ همَّهُ كلّه، ولو قرأْتَ عليه كتاباً آخر فلن يفْهمُ منه شيئًا، كأنَّ الله عز وجل يقول: مع أنَّ هذا الكتاب بلِسانٍ عربيٍّ مُبين، ومع أنَّ هذا الكتاب فيه الإعجاز العِلمي، وفيه الإعْجاز البلاغي، والإعجاز اللُّغَوي، والإعجاز التشريعي، والإعجاز التاريخي، والإعجاز الحِسابي، ومع أنّ هذا القرآن فيه الخبر الصادق، والموعظة والقصص.. إلخ، فلو قرأهُ هذا الإنسان وهو لا يريد أن يعرف الحقيقة لما استطاع أن يفْهَمَ منه شيئًا، ولا يؤثِّرُ فيه، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200) ﴾

 ( سورة الشعراء)

 إذاً فالقرآن يحتاج إلى لغة عربيّة لِفَهمه، وإلى اسْتِقامة عند قارئه، فلا بدّ من أن تكون مستقيمًا وطالبًا للحقيقة، وأن تكون مُتْقِنًا لهذه اللّغة حتى تفْهمَ كلام الله تعالى، فلو كان هناك انْحِراف بالسُّلوك، والآيات التي تُغطِّي انْحِرافه لا يقبلها، وهو إن لم يكن مستقيمًا يُصْبِحْ قلبهُ مغلَّفًا ربّنا عز وجل قال:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾

 ( سورة البقرة )

 وقال تعالى:

﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ﴾

 ( سورة البقرة )

 فالكُفْر يُغَلِّف القلب، فلذلك فإنّ هذا القرآن يحتاج إلى صفاءٍ وإلى اسْتِقامةٍ.
 أريد أن تكون هذه الآية واضحة في أذهانكم، ومعنى هذه الآية أنَّ الإنسان ما لم يبْتَغِ الهدى، وما لم يبْحث عن الحقيقة، وما لم يطلب معرفة الله فإنَّه لن يسمعَ شيئًا، نفسُهُ في واد، والحق في واد آخر. فنفسُهُ مشْغولةٌ بِهُمومها، وشَهواتها، ونزواتِها، والحقّ في جِهَةٍ أخرى، ما لم يطلب الإنسان الحقيقة، وما لم يبحث عنها، وما لم يرْغب في الوُصول إليها فإنَّ الطريق أمامه مَسْدودة، فالرَّغبة الداخلية هي الشَّرْط الأوَّل، لذلك فالعالِم مهمَّتُهُ أن يوجِدَ هذه الرَّغْبة قبل أن يُعْطِيَ هذه الحقيقة، لو أعْطَيْتَ الحقيقة والمسْتَمِعُ لا يرْغب فيها، ما أفادتْهُ شيئًا يجب أن تجعلَه يبحث عنها، فإذا ملَّكْتهُ إيَّاها تملَّكها، وهذا هو معنى الآية، ولكن معنى الآية الثانية، وهي قوله تعالى:

﴿ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

من العقل والذكاء التعاملُ مع الخطر قبل وقوعه:

 المشكلة أنَّ الحيوان يتعامل مع المحسوسات، أما الإنسان فإنّ الله تعالى أعطاه عقلاً وفِكْراً، وبهذا الفِكر يستطيع أن يرى الخَطَر قبل وُقوعِهِ، ويسوقون مثلاً، لذلك قِصَّةً مشْهورةً ذكرتها مرات عديدة، مفادها أنّ سمكاتٍ ثلاث في غدير، مرَّ به صيادان، وتواعدَا أن يرْجِعا، وشِباكُهما معهما ليَصيدا هذا السَّمَك، فَسَمِعَت السمكات قولهما، أما أكْيسُهنّ فإنَّها ارْتابَتْ وتخوَّفَتْ وقالتْ: العاقل يحْتاطُ للأمور قبل وُقوعها، ولم تعْرُج على شيءٍ حتى خرجت إلى مكانٍ يتَّصل بالغدير، ونَجَتْ.
وأما الكيِّسة فَبَقِيَتْ في مكانها حتى عاد الصَّيادان، فذَهَبَتْ لِتَخرجَ من حيث خرجَت رفيقتها، فإذا بالمكان قد سُدّ، فقالتْ فرَّطْتُ، وهذه عاقبة التَّفريط، فالأقلّ ذكاء عند الخطر يتحرّك، والأكثر ذكاءً قبل الخطر، ثمَّ إنَّها - أيْ الكيّسة - تماوَتَتْ فطَفَتْ على وجْه الماء فأخذها الصَّيادُ، ووضَعَها على الأرض بين النهر والغدير، فوَثبَتْ في النَّهر ونجتْ، وأما العاجزة فلم تزلَ في إدبارٍ وإقبال حتَّى صيدَتْ.
 عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

((الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ))

 

 ( رواه أحمد )

 البهائم والعاجزون والأغبياء متى يفهمون ؟ عند الغرق، قال تعالى:

﴿ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾

 ( سورة يونس )

 عند الغرق، وعند المصيبة، وعند تلف المال لمن يتعامل بالرِّبا، وعندما يتلفُ ماله يقول: والله، هذا صحيح !! الربا حرام، حينما يكتشف خِيانة زوجتِهِ له يقول: والله عدم الاختلاط صحيح وحق !! لا يؤمن إلا بعد أن يدْفَعَ الثَّمَن باهِظًا، وقد يكون الثَّمَن أحيانًا حياته، لذلك قال الله بِحَقّ هؤلاء:

﴿ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾

 (سورة الشعراء )

 هذا هو الإنسان الشهواني، وضعيف التفكير، وهذا هو الإنسان الغبيّ لا يتعامل مع الواقع إلا بعد أن دفْع الثَّمَن، فيأتيهم بغْتةً وهم لا يشعرون، وأما العاقل فالله تعالى أعطاه عقلاً، قال تعالى:

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ َاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

 ( سورة الأنعام )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018