الدرس : 13 - سورة الشعراء - تفسير الآيات 192 - 194 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 13 - سورة الشعراء - تفسير الآيات 192 - 194


1989-10-13

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلما، وأَرِنا الحق حقاً، وارْزقنا اتِّباعه، وأرِنا الباطل باطِلاً، وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه، وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

إعادة وتذكير:

 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث عشر من سورة الشُّعراء، في الدرس الماضي أَنْهَيْنا سابع قِصَّة من قصص سورة الشُعراء، وقبل أن ترِدَ هذه القِصص تِباعًا بدأ ربّنا سبحانه وتعالى السورة بِقَوله الكريم:

﴿ تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ ﴾

[ سورة الشعراء ]

 وبعد أن انتَهَتْ هذه القصص، قال الله عز وجل:

﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة الشعراء ]

وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ

 الشيء يكتَسِبُ قيمتهُ من نِسْبتِهِ فإذا رأيْتَ كِتابًا مؤلِّفُهُ فلان، فقيمة الكتاب مِن قيمة فلان، كلَّما ارْتَفَعَ المقام العِلمي، وكلّما تألَّق اسم المؤلِّف، كلّما كان الكتاب أعظم قيمةً، فما قولك بِكِتابٍ أُضيف إلى خالق الكون ؟ فضل كلام الله على كلام عباده كَفضْل الله على عباده، فأنت أحيانًا تشتري الكتاب لِسَبب واحد، هو أنّ فلانًا مؤلِّفهُ، فكيف إذ كنتَ أمام كتاب من عند خالق السماوات والأرض ؟ قال تعالى:

﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة الشعراء ]

فائدة القصص السبع الوارد في سورة الشعراء:

1 - المكذب مصيره الهلاك:

 هذه القصص السَّبع ؛ ماذا أفادَتْنا ؟ أفادتْنا أنّ كلَّ مَن يكفر، وكلّ من يكذِّب، وإن كل من يتحدَّى الخالق مصيرهُ الهلاك والدَّمار، بِشَكل أو بآخر ما الذي أهْلَكَ المُكَذِّبين ؟ جَهلُهم بالله عز وجل، وهذا الذي أقوله كلّ يوم.

 

2 – الجهل أعدى أعداء الإنسان:

 إنَّ أعدى أعداء الإنسان هو الجهل، لأنَّ فِطرة الإنسان فطرة مركوز فيها حب الخير، مركوز فيها الإيمان بالله، مركوز فيها الانضِباط على أمره، مركوز فيها التوكّل عليه، فحينما يؤمن الإنسان بالله عز وجل تَهدأُ نفسُه، وتطْمئنّ وتستقر وتسْعَد، وترْضى، فالفِطرة تُعينك على الإيمان بالله، وعقلك يُعينك على الإيمان بالله عز وجل، والكون يُعينك على الإيمان بالله، والكتاب يُعينك على الإيمان بالله عز وجل، والأبواب التي فتحها الله عز وجل تُعينُكَ على التَّقرّب إليه، ما الذي يحول بينك وبين أن تكون سعيدًا في الدنيا والآخرة ؟ إنَّه الجهْل، لذلك سأرْوِي لكم بعض أقوال العلماء فيما يتعلّق بالعِلم.

 

 

3 العلم أساس الإيمان:

 يقول أحد العلماء: العِلم إنْ لم يصْحب السالك من أوَّل قدَمٍ يضَعُهُ في الطريق إلى آخر قدَمٍ ينتهي إليه، فَسُلوكُهُ على غير الطريق ! وهو مَقطوع عليه طريق الوُصول إلى الله عز وجل، ومَسْدود عليه سبيل الهُدَى، فالشيء الوحيد الذي اعْتَمَدَهُ القرآن الكريم كَقِيمة يتفاضل بها العِباد ؛ وهو العِلم، قال تعالى:

 

 

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُو الأَلْبَابِ﴾

 

[ سورة الزمر ]

 الشيء الوحيد الذي أمرنا الله أنْ نزْداد منه هو العِلم، قال تعالى:

﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾

[ سورة طه ]

 إذا أردْت الدنيا فَعَلَيك بالعِلْم، وإذا أردْت الآخرة فَعَلَيك بالعلم، وإذا أردْتهما معًا فعليك بالعِلْم، والعِلم لا يُعْطيك بعضهُ إلا إذا أعْطَيْتَهُ كلَّك، فإذا أعْطَيْتَهُ بعضك لم يُعطِكَ شيئًا، ويظلّ المرء عالمًا ما طلب العِلْم، فإذا ظنَّ أنَّه قد عَلِمَ فقد جَهِلَ ! لا ينْهَ عن العِلْم كما قال بعض العلماء إلا قُطَّاعُ الطُرق، ونُوَّابُ إبليس !! هذا الذي ينْهاك عن أنْ تفْهَمَ القرآن، وعن أن تفْهَمَ سنّة النبي العدنان، هذا الذي يصْرفُكَ عن طلب عِلْم لا خير فيه ؛ لا ينْهَ عن العِلْم إلا قُطَّاعُ الطُرق ونُوَّابُ إبليس.

4 – كل الطرق مسدودة على الخَلق إلا طريق النبي عليه الصلاة والسلام:

 يقول الإمام الجُنَيْد ـ رحمه الله تعالى ـ وكان من كِبار العلماء: " الطُّرق كلُّها مَسْدودة على الخلق إلا من اقْتَفى أثر النبي عليه الصلاة والسلام ".
 فالطريق التي رسمها النبي عليه الصلاة والسلام هي الوحيدة السالكة إلى الله تعالى، فمن اقتفى أثر النبي فَطَريقُه سالكة إلى الله عز وجل، ومن اقْتفى أثر أيِّ إنسانٍ آخر لا علاقة له بالنبي عليه الصلاة والسلام فطَرِيقُهُ مَسْدودة ونحن نُعَبِّرُ أحيانًا عن إخْفاق إنسانٍ، وعن إحباط عمله، وعن ضَعْف تَفكيره، وعن خَيْبة أمله فنقول: إنّه يَمشي في طريق مَسدود، إذا أردْتَ أن تمشي في طريق سالكة، وإلى سعادة الدنيا والآخرة فاسْلُكَ سبيل النبي عليه الصلاة والسلام ؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى جعَلَهُ قدْوةً حسنة، وجعله أسوةً صالحة، ومثَلاً أعلى.
 وقال عالمٌ آخر: " عِلْمُنا مُقيَّد بالكتاب والسنَّة "، ومنضبط، وفيه مقاييس صحيحة، ففي العالم الإسلامي ملايين مَلايين المَقُولات من قصص وأفكار وعقائد ؛ كُلُّ هذه المقولات يجب أن تُقاسَ بِمِقْياس الكتاب والسنَّة وإلا فهي غير صحيحة، وهذا مِقْياس دقيق، يقول لك قائل: كذا وكذا فقُلْ له أين الدليل ؟ هل هناك دليل على قولك من الكتاب والسُنة ؟ إن كان كذلك فعلى العَيْن والرَّأس، وإن كان هذا الكلام من عندك ويفْتقر إلى الدليل فلا شأن لي به، ولا أُقيمهُ من أرضه، عِلمُنا مُقيَّد بالكتاب والسنّة.

 

5 - لابد للمواقف والأعمال من ميزان:

 عالمٌ آخر يقول: من لم يَزِن أفعاله انزلق، ولحقه الهوان، لماذا وَقَفْت هذا الموقف ؟ ولماذا أعْطَيتَ ؟ ولماذا تبسَّمْتَ ؟ ولماذا منعْت ؟ ولماذا غضبْت ؟ ولماذا رضيت ؟ ولماذا وصَلْت ؟ ولماذا قطَعتَ ؟ الإنسان يقف مواقف كثيرة ؛ منها مواقف الرّضا، ومواقف الغضب، مواقف العَفْو، ومواقف الثَّأْر، ومواقف الاسْتِسْلام، مواقف العَطاء، ومواقف المَنْع، مواقف المديح، ومواقف الهِجاء، هذه المواقف الكلاميّة والفِعْليّة والقلبيّة ؛ هذه المواقف يجب أن تزِنَها بِميزان، من لم يَزِن أفْعالهُ وأحواله يتردَّى ؛ لماذا أنا خائف ؟ مع أنَّ الأمر بيَدِ الله، إذًا في أحوالي خلل، ولماذا أنا يائس ؟ مع أنّ الله سبحانه وتعالى بيَدِهُ كلّ شيء، إذاً هذه الحال التي أُعاني منها فيها خلل، مَنْ لمْ يَزِن أفعاله وأحواله في كلّ وقتٍ بالكتاب والسنَّة فلا يُعَدُ في ديوان الرِّجال، فالرَّجُل هو الذي يزِنُ أفعاله، ويزن أقواله، ويَزِنُ أحواله في ضَوء الكتاب والسنَّة، فإن جاءَتْ موافقةً لأوامر الله، فهو على حق، وإلا فليسَ اسمه في ديوان الرِّجال.
 ويقول عالمٌ آخر: " من عمِلَ عملاً من بلا اتِّباع سنَة فباطِلٌ عمله "، أن تقول: فلان قال كذا، من فلان ؟ هل فلانٌ معصوم ؟ هو غير معْصوم إن كنتَ ناقِلاً فالصِّحَّة، وإن كنتَ مدَّعِيًّا فالدليل ! ! هذا الذي لا يقتفي أثر النبي عليه الصلاة والسلام فهو في باطلٍ، وفي ضلال مبين.

 

 

6 – حسنُ الأدب والهيبة مع الله تعالى وبالاتباع لرسول الله:

 ويقول بعض العلماء: " الصُّحْبة مع الله عز وجل بِحُسْن الأدَب، ودوام الهَيْبة والمراقبة "، فأنت مع الله بِحُسْن الأدب، ودوام الهَيبة والمراقبة، وأنت مع رسول الله باتِّباع سنَّتِهِ، وأنت مع الأولياء بالاحْتِرام والخِدْمة، وأنت مع الأهل بِحُسْن الخُلق، وأنت مع إخوتِكَ في الله بِدَوامِ البِشْر ما لم يكن إثْماً، وأنت مع الجُهّال بالدُّعاء لهم، وأنت مع النَّفْس بالمُخالفة، وأنت مع الشَّيْطان بالعَدواة، وخالف النَّفس والشيطان واعْصِهِما !
 ويقول عالمٌ آخر: " مَنْ رأيْتُموهُ يدَّعِي مع الله عز وجل حالةً تُخْرِجُه عن حدّ العِلْم الشَّرْعي فلا تقربوا منه "، الله عز وجل جَعَلَ بين أيدينا ميزانًا دقيقًا، لو تجاهلنا هذا الميزان وأهْمَلْناه، وعطَّلناه، لضاعَ الإسلام، يجب أن يبْقى الإسلام كما بدأ، وضمان بقائِهِ أن يمْشِيَ المسلمُ على خطٍّ صحيح، وعلى منهَجٍ قويم وعلى مِقْياسٍ دقيق، والمِقياس الدقيق هو الكتاب والسنَّة، وكلّ باطنٍ يُخالف ظاهر الكتاب والسنَّة فهو باطل.
 وابن عطاء الله السَّكَنْدري يقول: " من ألْزَمَ نفْسهُ آداب السنَّة نوَّر الله قلبهُ بِنُور المعرفة"، ولا مقام أشْرف من مقام متابعة الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام ؛ في حِلِه وترْحاله، وفي زواجه، وفي غضَبِهِ ورِضاه، وفي رحمته وتواضعه وكرَمِهِ، في إقْباله على الناس وفي محبَّتِهِم له، وفي حَضَره، وفي شَجاعَتِهِ، ولا مقامَ لِبَني البشر أشْرف من مقام مُتابعة الحبيب عليه الصلاة والسلام ؛ في أوامِرِهِ ونواهِيه وأفعاله وأخلاقه وأقواله وإقراره.

 

 

7 – معرفة طريق الحق وسلوك جادتها:

 

 من علِمَ طريق الحق سَهُل عليه سُلوكهُ، فالطريق إلى الله طريق مُسْعِدَة، ولكن أوَّل شيءٍ فيها أن تعرف معالِمَها، كيف تمشي فيها وأنت لا تعرفها ؟ لابد أن تعرف أنَّ هذا العمل يوصِلُ إلى الله، وأنَّ معرفة كلام الله تعالى توصِلُ إليه، وأنّ قِراءة سيرة النبي عليه الصلاة والسلام تَجعلُكَ أمام المَثَل الأعلى الذي ينْبغي أن تقْتَدِيَ به، وأنَّ إنْفاق المال يُقَرِّب إلى الله تعالى، وأنَّ غضّ البصر عن محارِمِ الله يُؤدِّي إلى رِضاء الله عز وجل، فلا يمكن أن تسْلُكَ الطريق قبل أن تعرفهُ، لذلك معرفة الطريق إلى الله فرْضُ عَين على كلّ إنسان، كيف تمشي في الطريق وأنت لا تعرفُه، يجب أن تعرف الطريق إلى الله، من علِمَ طريق الحق سَهُل عليه سُلوكهُ:

(( وصدَقة السّرّ تُطْفِئُ غضَب الربّ ))

 (الجامع الصغير عن أبي سعيد بسند صحيح)

(( وباكِروا في الصَّدَقة فإنّ البلاء لا يتخطَّاها ))

 (الجامع الصغير عن أنس بسند ضعيف)

 وفي الحديث:

 

(( اتَقِ الله حيثما كنت، وأتْبِع السيِّئة الحسنة تمْحُها، وخالق الناس بِخُلقٍ حسن ))

 

 ( الترمذي عن أبي ذر )

 فإذا عرفْتَ كيف تُعالجُ نفْسَك ؟ وكيف تُقبِلُ على ربّك ؟ وكيف تتلافى أخطاءَكَ ؟ وكيف تتُوبُ من ذنْبِك ؟ كيف يرْضى الله عنك ؟ وكيف لا يرْضى ؟ هذا شيءٌ مهمّ جدًّا ؛ هو فرْضٌ عَيْن، وشيءٌ خطير ومصيريّ في حياة الإنسان: مَنْ علِمَ طريق الحق سَهُل عليه السُلوك فيه، ولا دليل على الطريق إلى الله إلا متابعة رسول الله صلى الله عليه وسلّم في أحواله وأقواله وأفعاله.

 

8 - ضوابط حال الإنسان:

 

 الآن هذه الأحوال التي يُحِسُّها الإنسان، التي يشْعر بها، يجب أن يكون لها ضابط، وإلا قد تودي بِصَاحِبها إلى الهلاك، فيقُول أحد العلماء: أفضَلُ الأحوال ما قارنَهُ العِلم، فالحال من دون العِلم كالمُحَرّك من دون مِقْوَد ‌‍! فهذه المرْكَبة مصيرها إلى الهلاك، فلا بدّ أن يكون التَوْجيهُ صحيحًا حتَى نسْتفيد من دَفْع الحال، الحال يدفَع، والعِلم يُوَجِّه، فإذا كان الدافِعُ قَويًّا، والتَوجيه مُخِلاًّ، أوْدى بِصاحِبِه إلى الهَلاك، إذا كان التوجيه صائباً، وليس هناك دافِع، بَقيَ الإنسان في أرضِه، فلا بدّ من دافِعٍ، ولا بدّ مُوَجِّه، العِلْم هو المُوَجِّه، والحال هو الدافع.
 ويقول بعض العلماء: كلّ حالٍ لا يكون عن نتيجة عِلْمٍ فإنَّ ضَرَرَهُ على صاحِبِه أكثرُ مِن نَفْعِهِ، فالحال الذي لا يكون نتيجة معرفةٍ بالله، ونتيجة اسْتِقامة على أمره، فالحال نتيجة طبيعيَّة لما بُذِلَ في سبيل الله تعالى، فإذا لم يكن الحال نتيجةً طبيعيَّة وتاجًا تُتَوَّج به الأعمال الصالحة، والانضِباط التامّ فإنَّ هذا الحال خَطِرٌ على صاحِبِه.
 والعِلم الحقيقيّ ما قام به الدليل، والعِلْم النافِع ما جاء به النبي الكريم صلى الله عليه وسلّم، وعِلْمٌ من دون دليل لا قيمة له، وهذا هَذَيان وتخْريف، فإلقاء الكلام على عواهِنِه، وهو كلام غير مسؤول، وكلامٌ لا ينفعُ، ولا يُجْدي، عِلمٌ من دون دليل، وما كلّ عِلْمٍ بِنافِعٍ، والعِلْم النافِع ما جاءنا عن النبي عليه الصلاة والسلام، والعلم ما قام عليه الدليل، والعِلْم النافِع ما جاءنا عن النبي عليه الصلاة والسلام.
 ويقول بعضهم: العِلم خير من الحال، فالحال فُقاعَة صابون تأتي وتذهب ولا ضابِطَ لها، ولكنَّ العِلْم حِصْنٌ حصين.
يا بنيّ: قال الإمام علي كرَّم الله وجْهه: << العِلْم خير من المال، لأنَّ العلم يحْرُسك، وأنت تحرْسُ المال، والمال تنْقصُه النَّفَقَة، والعِلم يزْكو على الإنفاق، يا كُمَيل: ماتَ خُزَّان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقِيَ الدَّهر، أعْيانهم مفقودة، وأمْثالهم في القلوب موجودة >>.
 فالعِلْم خير من الحال، والعلم حاكم، والحال محْكومٌ عليه، والعِلم قائِد، والحال مَقود، العلم هادٍ، والحال تابِع، والعلم آمر وناهٍ، والحال منفِّذٌ قابل، الحال سيْف إن لم يصْحَبْهُ العِلم فهُوَ مِخراقٌ في يد لاعِب، فالحال من دون عِلم خطير جدًّا، ومِخْراقٌ في يد لاعِب، فهؤلاء الذين لا يعْتدُون بالعِلم، ولا يتأثَرون به، ولا يُقيمون له وزْنًا ؛ هؤلاء خطيرون في أقوالهم وأفعالهم، والحال مرْكب لا يُجارى، ومركب سريع، فإن لم يصْحَبْهُ عِلمٌ ألقى صاحبَهُ في المهالك.
 والحال كالمال يُؤتاهُ البرّ والفاجر، فإن لم يصْحَبْهُ نور العِلم كان وبالاً على صاحبِه، ما أريد مِن كلّ هذه الأقوال إلا أن أُرسِّخَ فِكرةً أساسيّة: أنَّ أعْدى أعداء الإنسان هو الجَهل، الذي يُردي الإنسان، ويهْلِكُهُ، ويُشْقيه هو جهلهُ، لذا طلب العِلْم فريضة على كلّ مسلِم أيْ على كلّ شَخصٍ مسْلمٍ ذكرًا كان أو أنثى، وعلى كلّ من اتَّصَف بالإسلام ذُكورًا وإناثًا.
 نَفْعُ الحال لا يتَعَدَى صاحِبَهُ، النبي عليه الصلاة والسلام رأى إنسانًا يُصَلِّي في النَّهار، فسأله عليه الصلاة والسلام: من يُطْعِمُكَ ؟ قال: أخي، قال:

((أخوك أعبد منك !))

 لأنّ الحال ينفعُ صاحبَهُ فقط، لكنَّه جاءهُ رجل يشْكو شريكَهُ فقال عليه الصلاة والسلام:

((لعلَّكَ تُرْزَقُ به ! ))

 لأنَّ شريكهُ كان في طلب العِلْم، فالذي يطلب العِلْم يطلبُه لِمَجْموع البشر، بين أن تنتفِعَ وحدَك وبين أن تُصبِحَ أمَّة، وبين أن تكون فرْدًا وحيدًا بِعِبادتك، وبين أن تُصبِحَ أمَّةً بِعِلْمِكَ، لذلك طلب العِلْم فريضة على كلّ مسلم، فَنَفْعُ الحال لا يتعدَّى صاحبهُ، ونفْعُ العِلم كالغَيْث يقَعُ على التِّلال والوِهاد، يقَعُ على الآكام وبطون الأوْدِيَة، وعلى منابت الشَّجر، يُغيث كلّ شيء، العِلم هادٍ، والحال الصحيح مهْتدًى به، وهو تَرِكَة الأنبياء، وإنّ الأنبياء لم يُوَرِثوا دِرْهمًا ولا دينارًا، ولكن ورَّثُوا هذا العِلْم، فمن أخذ منه بِنَصيب فقد أخذَ بِحَظِّ وافر، واللهُ عز وجل أعطى الملك لِمَن لا يحِبَّه وأعطى المال لِمَن لا يحِبّه، قال تعالى:

﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾

[ سورة القصص ]

 ولكنَّ الذي يُحِبُّهُ ماذا أعطاهُ ؟ أعطاه الحكمة والعلم، قال تعالى:

 

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾

 

[ سورة القصص ]

9 - العلم أعظم الضوابط لحال الإنسان:

 العلم حياة القلوب، نور البصائر، وشفاء الصُّدور، ورياض العقول، ولذّة الأرواح، وأُنْس المسْتَوْحِشِين، ودليل المُتَحَيِّرين، وهو الميزان الذي توزَنُ به الأقوال والأعمال والأفعال، وهو الحاكم المفرِّق بين الشكّ واليقين، والغيّ والرَّّشاد، والهدى والضَّلال، به يُعْرف الله عز وجل، وبِهِ يُعْبَد، وبِهُ يُذكر، ويُحمَدُ، ويُمجَّد، كلّ هذا بالعِلم، لذلك حُضور مَجلسُ عِلْم حَتْمٌ واجب على كلّ مُسلِم، لا أحد يتعلَّم من دون مجلسٍ عِلم ؟ لا بدَّ مِن مَوْرِدٍ لك، لا بدّ من وقتٍ تُخَصِّصُه لِطَلب العِلم، بِرَبِّكم هل في الأرض كلِّها إنسان أصبحَ يحْمِلُ دكتوراه من دون أن يذْهب إلى الجامعة ؟ ومن دون أن يفْتَحَ كِتابًا ؟ ومن دون أن يقرأ ؟ ومن دون أن يقتَطِعَ من وقْتِهِ الثَّمين ما يطلب به العلم ؟ هذا الذي يتمنَّى أن ينال كلّ شيءٍ من دون شيء لا ينال شيئًا ! هذا إنسان حالم، وإنسانٌ تائِه وإنسان ليس ذكِيًّا، وكلّ شيء له ثَمَن، وكلّ درجة لها جُهْد، بِالعلْم اهتَدى إلى الله السالكون، وبالعلم وصَلَ إليه الواصِلون، بالعِلم دخَل عليه القاصِدون، بالعلم تُعْرف الشرائِع والأحكام، بالعِلم يتميَز الحلال من الحرام، وبالعِلم توصَل الأرحام، العلم إمام، والعمل مأموم، وهو قائِد والعمل تابِع، وهو الصاحب في الغربة، كما قال عليه الصلاة والسلام والمحدِّث في الخَلوة والأنيس في الوحشة، والكاشف عن الشُّبهة، وهو الغِنَى الذي لا فقْر بعده، ولا غنى دونه.
 فهؤلاء الأقوام قوم عادٍ وثمود، وأصحاب الأيْكة، هؤلاء دمَّرهم الله عز وجل بِجَهلهم، مُذاكرة العِلم تسبيح، والبحث عنه جِهاد، وطلبُهُ قُرْبة إلى الله عز وجل، وبذْلُهُ صَدَقة، ومُدارستُه تعْدِل الصِّيام والقِيام، والحاجة إليه أعظم من الحاجة إلى الطَّعام والشَّراب.
 الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قال: " الناس إلى العِلم أحْوَجُ منهم إلى الطَّعام والشَّراب، لأنَّ الرّجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرَّةً أو مرَّتين، وحاجتُه إلى العِلم بِعَدد أنْفاسِهِ ".
 والإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول: " طلب العِلم أفضلُ من صلاة النافلة ".
 والإمام مالك كان عنده رجل اسمه ابن وهب فقال ابن وهب: كنتُ بين يدي مالك فوضَعْتُ ألواحي، وقُمْتُ أُصَلِّي، فقال الإمام مالك: " ما الذي قُمْتَ إليه ؟ إنَّ الذي قمت إليه ليس بِأفضل من الذي قمتَ عنه ! " هذا كلام الإمام مالك.
والله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم استدلَّ بأهل العِلم على أجلّ مَشْهود ؛ ألا وهو وحدانِيَّتُهُ، قال تعالى:

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

[ سورة آل عمران ]

 الله سبحانه وتعالى لا يسْتشْهِدُ إلا بِشُهودٍ عُدول، وهذه شهادة من الله عز وجل لأولي العلم على أنَّهم عُدول، ولأنّ شهادتهم قَرَنَها مع شهادته، ومع شهادة ملائكته، ويقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( يحمل هذا العلم من كل خَلَفٍ عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وتأويل المفسدين))

 أنت بين مُغالٍ وبين مُبْطِل، قال تعالى:

 

﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ ﴾

[ سورة النِّساء ]

 وحَسْبُ من يطلب العِلم شرفًا أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا، وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ))

 

[ رواه أبو داود ]

 كلّ هذه الأقوال، وهذه الآيات وهذه الأحاديث من أجْل أن يكون طلب العلم شُغْلكم الشاغل، والشيء الأوّل في حياتكم، لأنَّ أساس المصائب والنَّكبات، والشَّقاء هو الجهل، والعالِم كما قال عليه الصلاة والسلام يسْتغفر له من في السماوات والأرض حتى الحِيتان في البحر، وحتَّى النّمل في الجحر، وإنَّ الله وملائكته يُصَلُّون على مُعَلِّمي الناس الخير، وحسْبُ النبي عليه الصلاة والسلام أنَّه قد أُمِرَ مِن قِبَل ربّ العِزَّة أنْ يزداد عِلْمًا، قال تعالى:

﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾

[ سورة طه ]

 فهذه الأقوال والأحاديث والآيات أردْتُ من خلالها أنَّ هؤلاء الأقوام الذين دُمِّروا وصُعِقُوا، وأهْلكهم الله عز وجل، إنَّما أُهْلكوا بِسَبب تكذيبهم، وما تكذيبهم إلا بِسَبب جَهلهم، وما جهلهم إلا أكبر أعدائهم.
 أمَّا الآياتُ الكريمة التي ختمَ الله بها هذه السورة الكريمة، فهي تبدأ من قول ربّنا سبحانه وتعالى في آخر سورة الشّعراء:

﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة الشعراء ]

وَإِنَّه لَتَنْزِيلُ رَبِّ العَالَمِينَ

 فالتنزيل إذاً هو هذا القرآن، وهذا الدستور، وهذا المنهج، وهذه القواعد التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، قال تعالى:

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

[ سورة البقرة ]

 وقال تعالى:

﴿ فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾

[ سورة طه ]

 قال تعالى:

﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة الشعراء ]

 عندنا في اللُّغة الإنزال، وعندنا التَّنزيل، الإنزال يعني أنَّ الشيء الذي نزَلَ، نزَلَ دُفْعةً واحدة، وأما التّنزيل فيعني أنَّ الشيء الذي نَزَلَ نزَلَ بالتَدْريج، قال تعالى:

﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة الشعراء ]

 نزل هذا القرآن بِحَسب الوقائِع، وبِحَسب المناسبات والظُّروف والحِكَم البالغة، فجاء تحريم الخمر بالتَّدريج، وجاءتْ الأحكام الشّرعِيَّة عَقِبَ الآيات الكَوْنِيَة، حِكْمةٌ ما بعدها حِكمة، ورحمة ما بعدها رحمة، قال تعالى:

﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 ثمَّ يقول تعالى:

﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوح الْأَمِينُ ﴾

 ( سورة الشعراء )

جبريل الروح الأمين:

 الرُّوح الأمين هو ملك الوحي سيّدنا جِبريل، لماذا اخْتار الله من بين صِفاته كلّها أنَّه أمين، لأنَّ هذا تشْريع الله عز وجل، ولو أنَّ جِبريل زاد أو أنْقَصَ، أو بدَّل، أو غيَّر، أو حرَّف بِدافِع النِسْيان، أو بِدافِع العَمْد، أو بِدافِعِ الخطأ، صار التَّشْويه في الشَّرْع، لذلك أخصّ صِفات سيّدنا جِبريل أنْ يكون أمينًا، حتَّى سُمِيَ أمينَ وحيِ السَّماءِ، فهذا الذي نزل على النبي عليه الصلاة والسلام هوَ هو مِن دون زيادة، ومن دون نقصان، ولا زَيْف، ولا تعديل، أو تبْديل، لا بِدافِعٍ بريء، ولا عن نِسْيانٍ، ولا عن خطأٍ، قال تعالى:

﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴾

 ( سورة الشعراء )

لماذا نزل القرآن ؟

 ولكنّ الشيء الذي يَلفتُ النَظر لماذا نزل ؟ مع أنَّ الله تعالى في كلّ مكان ؟
 ربّنا سبحانه وتعالى وصَفَ نفْسهُ بأنَّه العليّ العظيم علو مكانة، والكبير المُتعال، ووصف نفسه بأنَّه رفيع الدَّرجات، وبأنه القاهر فوق عِباده، فَكُلّ شيءٍ يخرجُ من عنده إلى موطن الخلق والتَّقدير لا بدّ أن ينزل، الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾

 ( سورة الأعراف )

 وقال تعالى:

 

﴿ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾

 

 ( سورة الزمر )

 وقال تعالى:

﴿ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾

[ سورة الحديد ]

 قال تعالى:

 

﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾

 

[ سورة البقرة ]

 قال تعالى:

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾

[ سورة الحجر ]

 لأنّه عليّ عظيم، ولأنه رفيع الدَّرجات، ولأنَّه قاهِرٌ فوق عِباده، ولأنَه الكبير المُتعال، فكُلّ شيء انتقل من عند الله إلى الخلْق والتَّقدير لا بد أن ينزل اسْتِنادًا إلى هذه الآية، وهذا هو معنى قول الله عز وجل:

﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴾

[ سورة الشعراء ]

 ثمَ يقول تعالى:

﴿ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴾

[ سورة الشعراء ]

معاني قلب النبي العدنان الذي نزل عليه القرآن:

 وأما نُزول هذا القرآن العظيم على قلب النبي عليه الصلاة والسلام، ففي هذا معانٍ كثيرة:

 

1 - قلب الإدراك:

 من هذه المعاني: أنّ القلب المقصود في هذه الآية هو قَلْب الإدراك والشُّعور، فليس المقصود المِضخَّة العضليّة التي تضخّ الدَّم إلى أطراف الجِسم، فإن المضخة قلب الجسد، ولكن المقصود بهذا القلب قلبُ النَّفس، فالله سبحانه وتعالى يقول كما في الأثر:

 

(( عبدي طهَّرت منظر الخلق سِنين أفلا طهَّرْت منظري ساعة ؟ ))

 فالقلب هو الإدراك والشُّعور، موطن الإدراك والشُّعور في النَفس، والدليل قوله تعالى:

 

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ﴾

 

 ( سورة الأعراف )

 والدليل قوله تعالى:

﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾

 ( سورة الزمر )

2 - القلب له المكان الأول في الإنسان:

 هناك كلمة عن القلب لا بد أن أُسْمِعَكم إيَّاها ؛ القلب في الإنسان له المكان الأوَّل، وعليه المعوَّل في كل الأمور، ولا عجَب فهو القائد، والجوارح جُنود له وخَدَم، وهو الآمر الناهي، والأعضاء أتباع له وحشَم، وحسْبُكَ فيه قول الله تعالى:

 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾

 

 ( سورة ق )

3 - القلب حقيقة الإنسان:

 والقلب حقيقة الإنسان، ومن عجيب أمر الله تعالى فيه أنَّه جعَلَ بِبَقاء قلب الجسد وصِحَّته وانتِظام عمله حياةَ الجسد ونشاطه، وجَعَل بِطَهارة قلب النَّفس وسلامته، حياةَ الروح وازْدِهارها، والقلب هو الجانب المُدْركُ من الإنسان، وهو المخاطب، وهو المُطالب، وهو المُعاتَب، وهو محلّ العِلم والتَّقْوى، والإخلاص والذِّكْرى والحبّ والبغْض، والوساوِس والخَطَرات، وهو موضِعُ الإيمان والكُفْر والإنابة والإصرار والطمأنينة والاضْطراب، والقلب هو العالِم بالله، والمتقرّب إلى الله، وهو المقبول عند الله إذا سَلِم من غير الله، وهو المحجوب عن الله إذا استغرق بغير الله، وهو الذي يسعد بالقُرب من الله، ويشْقى بالبُعد عنه القلب منظر الرب، ولا يُفلحُ الإنسان ولا يفوز إلا إذا زكَّاه، ولا يخيب ولا يشْقى إلا إذا دنَّسهُ ودسَّاه، لذلك سيّدنا عمر رضي الله عنه كان يقول: " تعاهَد قلبَك "، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾

[ سورة الشعراء ]

 قال تعالى:

﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(195)﴾

[ سورة الشعراء ]

 الصحابة الكرام كانوا حول النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا نزل الوحي لا يرَونَ شيئًا، النبي عليه الصلاة والسلام لم يتلق الوحي عن طريق الحواس، فالإنزال تمّ مباشرة على قلبه صلى الله عليه وسلم، لو أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام تلقَّى الوحي عن طريق السمع والبصر لسَمِع سيّدنا جبريلَ أصحابُه الذين هم حوله، أو لرأوْهُ، ولكنّ هذا الإنزال تمَّ على القلب مباشرةً، قال تعالى:

﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(195)﴾

[ سورة الشعراء ]

4 - القلب هو الجانب الملائكي:

 قال بعض العلماء: القلب هو الجانب الملائكي في النبي عليه الصلاة والسلام، يتلقَّى به الحق، واللِّسان هو الجانب البشري من النبي وهو الذي يُلقي به الحق، يتلقَّى بِقَلبه، ويُلْقي بِلِسانه، وبعضهم قال: نزل به الروح الأمين على قلبك، أي لأنَه طاهر ومُقدَّس نزل على قلبه صلى الله عليه وسلّم، لذلك سيّدنا جبريل جاء وصْفُهُ بِكَلِمَتَين ؛ مرَّةً روح القدس، ومرَّةً الروح الأمين، وفي كِلا المعنيَيْن الأمانة والقُدْسِيَّة، وهما الأداء والانْضِباط والحفظ الثَّبات.

 

5 – القلبُ أعجَب خَلْق الله:

 كلمة عن القلب أُنهي بها الدَرس، لعلَّك إن فتَّشْتَ عن أعْجَب ما خلق الله تعالى في السماء والأرض، لم تَجِد أعْجَب، ولا أرْوَعَ، ولا أدَقَّ، ولا أجْمَلَ من قلب الإنسان، تصلحُ أوتارهُ فيَفيضُ رحمةً، وشفقةً، وحُبًّا، وحنانًا ومعانٍ لِطافًا، وشُعورًا رقيقًا، حتَّى يتجاوزَ في سُمُوِّه الملائكة المُقَرَّبين وتفْسُدُ أوتارهُ، فيَنْضَحَ قسْوَةً، ولؤْمًا، وسوءً حتَّى يهْوي إلى أسفل السافلين، حوى على دِقَّتِهِ كُنْه العالم، فما أدقَّهُ، وما أجلَّه، وما أصغرهُ وأعظمه، يكبرُ القلب ولا نرى كِبره، فيتضاءلُ أمامه كلّ كبير، ويصْغر ولا نرى صغَره فيتعاظم عليه كلّ حقير ! اتَّحَدَ شَكل القلب واخْتلفَتْ معانيه، فقلْبٌ كالجَوهر الكريم صفا لونُه، وراق ماؤُه، وقلبٌ كالصَّخر قويّ متين، ينفَعُ ولا يلْمعُ، وقلبُ هواء خفّ وزْنهُ وحال لونه، يموت القلب، لِمَ قال ربّنا عز وجل:

 

﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾

[ سورة فاطر ]

 فالكفار قلوبهم ميِّتة، يموت القلب ثمَّ يحيا، ويحيا ثمَّ يموت، ويرْتَفِعُ إلى الأوْج، ويهبط إلى الحضيض، وبينما هو يُسامي النُّجوم رِفْعةً، إذا هو يلامس القاع ضِعَةً.

 

وجوب سَعَة صدر الداعي إلى الله:

 يا أيّها الإخوة الأكارم، إنّ أعظم بُنات العالم قد امْتازوا بِكِبَرِ القلب، فالذي يدْعو إلى الله يجب أن يكون قلبهُ كبيرًا، يتَّسِعُ لكل شيء، يتَّسِعُ لأخطاء الناس وتجاوُزِهم، وتطاوُلهم، لأنَّ الله سبحانه وتعالى شرَّفَهُ بِهذه الدَّعْوَة، ومن كان قلبهُ صغيرًا لا يتَّسِعُ إلى الخلْق فهذا ليس أهلاً أن يدْعو إلى الحق، فالأنبياء العِظام تميَّزوا بِكَبر قلوبهم، لذلك لِتَبقَ هذه الآية تَرِنُّ في أسماعِكم، قال تعالى:

 

﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴾

 ( سورة الشعراء )

 هذا القرآن الكريم كما أراده الله هو بين أيدينا، لأنَ الذي نقلهُ نقله بِأمانة لا حدود لها، سمَّاهُ الله الأمين، ونزل به الروح الأمين على القلب مباشرةً، فلا سمْعَ ولا بصَرَ، قال تعالى:

﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ(195)﴾

[ سورة الشعراء ]

 وإن شاء الله تعالى في الدرس القادم نتحدَّث عن الإنذار الذي هو صفة النبي عليه الصلاة والسلام، ونتحدَّث عن هذا اللِّسان العربيّ المبين الذي شرَّفنا الله به، فهناك أُمَمٌ كثيرة تغبِطُنا على هذه اللغة التي نتكلَّم بها إنَها لغة القرآن، لذلك قال سيدنا عمر رضي الله عنه:

 

(( تعلَّموا العربيّة فإنَّها من الدِّين ))

 

 ( ورد في الأثر )

 إنّ جزْءًا من دينِكَ أن تتعلَم اللغة العربيّة، لأنَّك بها تفْهم كلامه، وإذا فَهِمْت كلامه صَلُح عملُك، وإذا صلحَ عملك سَعِدْت في الدنيا والآخرة، ولذلك يكون تعلّم اللغة العربيّة شرطًا أساسيًا لتعلّم كتاب الله بل هو شرطٌ أساسي.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018