الدرس : 12 - سورة الشعراء - تفسير الآيات 176 - 191 ، قصة سيدنا شعيب - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 12 - سورة الشعراء - تفسير الآيات 176 - 191 ، قصة سيدنا شعيب


1989-10-06

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثاني عشر من سورة الشعراء، لا زلنا في هذه السورة وفي القصص التي أوردها الله فيها، ونحن اليوم مع قصة سيدنا شعيب، وهي آخر قصة في سورة الشعراء ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ ﴾

قصة سيدنا شعيب مع أصحاب الأيكة:

 الأيكة ؛ الشجرة الملتفة، يبدو أن هؤلاء القوم كانوا في أرضٍ خصبةٍ، وفيها أشجارٌ كثيفة، لكن المفسرين يقولون، إن سيدنا شعيب عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، أُرسل إلى قومين اثنين، أرسل إلى قومه، أهل مدين، وأرسل إلى أصحاب الأيكة، والدليل أن الله سبحانه وتعالى حينما حدثنا عن أهل مدين فقال:

﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ﴾

 (سورة الأعراف: 85 )

 بينما هنا يقول الله عز وجل:

﴿ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) ﴾

 حينما حدثنا عن أهل مدين قال:

﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ﴾

 إذاً أهل مدين قوم سيدنا شعيب، بينما أصحاب الأيكة قوم آخرون أرسله الله إليهم، والأيكة هي الشجرة الملتفة، أما الأيك فجمع أيكة، يعني الغابة، ويبدو أن هؤلاء يعيشون في بحبوحة، وفي ظلٍ ظليل، وماء فرات، وحياة رخيّة، لكنهم كفروا بالله عز وجل، فأهلكهم الله عز وجل كما أهلك الأقوام السابقة.

﴿ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) ﴾

تكرار الأمر بالتقوى لأهميتها:

 هذه الآيات تتكرر مع كل قصة بالتمام والكمال، الآن الخطاب الخاص لأصحاب الأيكة:

﴿ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) ﴾

الأمر باستيفاء الوزن وعدم بخض الناس أشياءهم:

 عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

((إِذَا وَزَنْتُمْ فَأَرْجِحُوا ))

 

[ أخرجه ابن ماجة ]

 فأن تزن بالقسطاس المستقيم هذا من لوازم الإيمان، وَالله سبحانه وتعالى يقول في سورة أخرى:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾

 (سورة المطففين: 1 )

 الويل هو الهلاك، والشقاء لمن يبخس الناس أشياءهم، وإذا ذكر الله الوزن، فالمقصود أيضاً أشياء أخرى، يعني إذا أنت أقنعت البائع أن بضاعته سيئة، ولم يستطع أن يبيعها لرداءتها، وأنه تورط في شرائها، فانهارت معنوياته، و باعك إياها بثمن بخس، هذا من قبيل أنك بخست الناس أشياءهم، وأنت إذا كلفت أن تقيم داراً، أو تقيّم مركبة، أو تقيم أرضاً، فإذا كان لك مصلحة في أن يهبط السعر، ولا تعطي الرقم الصحيح، فأنت ممن ينطبق عليه قوله تعالى:

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

 فهذا التطفيف يكون في الكيل، والمساحة، والعدد، والتخمين، حتى يدخل فيها تقييم الرجال، يجب ألا يخرجك رضاك عن الحق، وكذلك ألا يخرجك غضبك عن الحق، فيبدو أن هؤلاء أصحاب الأيكة كانوا يبخسون الناس أشياءهم.
 الآن جرب أن تبيع حاجةً فتعرضها على الناس، فإنهم يعطونك أقل الأسعار، فإذا أردت أن تشتري هذه الحاجات، يطلب منك أعلى الأسعار، ما معنى ذلك ؟ أن الذي عرض عليك سعر الشراء بخسك قيمتها، ومما تعلمون أن الذي يطفف بتمرة واحدة تجرح عدالته، وليس المقصود الوزن فقط، الوزن، و الكيل، والمساحة والعدد، الذي يقيس القماش، إذا قاسه مشترياً يرخى القماش ليشكل خطاً منحنياً فإذا قاسه بائعاً شد القماش، هذا يفرق بالثوب الواحد نصف متر، أو متراً، فهذا ممن يبخس الناس أشياءهم أو من المطففين.

﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾

 إذا بعت سلعة غالية، تضع لها العبوة من ورق، أو من كرتون بنفس الثمن، بينما السلف الصالح يضعون في الكفة الثانية ورقة تماثل ورقة العبوة، لئلا يكون ثمن الورق بثمن الشاي، أو البن، فهذا كله من قبيل

﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُم ْ﴾

﴿ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾

 بيع المضطر: الذي يشتري بثمن بخس من إنسان مضطرٍ ليبيع هذه السلعة، فقد بخس الناس أشياءهم، وأكل مالاً حراماً، مثلاً شخص ابنه في المستشفى، وهو مضطر أن يبيع هذه الخزانة فيأخذها المشتري منه بربع ثمنها، هذا من قبيل أنه بخس الناس أشياءهم.

﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾

النهي عن الفساد والإفساد:

 الإفساد كلمة واسعة جداً، من صفات المنافقين أنهم مفسدون، يفسدون العقائد، ويفسدون الأخلاق، والعلاقات، الأخلاق تفسد، والعلاقات تفسد، والعقائد تفسد، وهذا كله من عمل المنافقين، والكافرين.

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12) ﴾

(سورة البقرة: 11 ـ 12 )

 

﴿ وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) ﴾

متى يعصي الإنسان ربه ؟

 الحقيقة، سألت نفسي سؤالاً، وأنا أقرأ هذه الآيات، متى يعصي ؟ لمّا لم يستقم هؤلاء على أمر الله ؟ لمّا بخسوا الناس أشياءهم لما طفّفوا في الميزان، لما باعوا بيعاً حراماً، لما لم ينضبطوا، في عندنا سؤال كبير، هذا سؤال دائم، الآن ترى أنَّ القرآن بين أيدي الناس، والخطب الرنانة ملْءَ أسماعهم، والأشرطة يسمعونها في البيت، وفي السيارة، والحق محيط بهم من كل جانب، والسؤال الخطير، لماذا يعصي الإنسان ربه ؟ بينما يستمع إلى الحق بشكل مستمر، الجواب: أن الإنسان يعصي ربه إذا لم يتيقن من أن الله عالم ومن أن الله قادر، وربنا سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾

 

 (سورة الطلاق: 12 )

 ربنا عز وجل اختار من أسمائه الحسنى الكثيرة، ومن صفاته الفضلى الكثيرة، اختار اسمين، العليم، والقدير، يعني أنك لن تطيع جهة، إذا لم توقن أن علمها بالمخالفة يطولك، وإنك لن تطيع جهة إذا لم توقن أن قدرتها تطولك، دعوا هذا البحث المهم، وتعالوا إلى الواقع، إنسان يصدر أمراً متى ينفذ بحذافيره، ومتى لا ينفذ، إذا كان الذي أصدر هذا الأمر قوياً، ويعني ما يقول، ويفعل ما يقول، وأنت موقن بذلك فلن توصيه، ولكنك تعصيه في حالة واحدة، إذا كان علمه بالمخالفة ناقصاً أنت في مكان ناءٍ، وقانون وتنظيم السير شديد جداً، لكن ما في المكان شرطة، مادام علم الذي أصدر هذا القانون لا يطولك فإنك تعصيه، وإذا كان يطولك علمه فإنك لا ولن تعصيه.
 الإنسان يعصي في حالتين، إذا كان علم الآمر لا يطوله، أو إذا كانت قدرته لا تطوله، أما إذا تيقنت أن علمه يطولك، وأن قدرته تطولك، بشكل طبيعي أكيد حتمي قطعي، تطبق الأمر، لذلك إذا علمت من قدرة الله ما علمت، أنك في قبضته، وأن كل شيء في حياتك بأمره، مبدئياً صحتك، أجهزتك، عقلك، أعصابك، أوردتك، قلبك، رئتاك الجهاز الهضمي، الكليتان، العضلات، العظام، كل خلية في جسمك إنما هي بأمره، وأهلك، وأولادك، ومن فوقك، ومن تحتك، وما حولك، والجراثيم، والعصيات، والفيروسات، كلها بأمره، وكلها جنوده، إذا علمت أن قدرته تطولك، وأن علمه يطولك فلا ولن تعصيه، يقول سبحانه:

 

﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾

 

 (سورة طه: 7 )

 يعلم الذي أسررت، والذي أعلنت، يعلم خواطرك، يعلم مشاعرك، يعلم طموحاتك، يعلم نواياك، إذا تحققت من علمه، وتحققت من قدرته، فالنتيجة الحتمية، الطبيعية، القطعية، أنك تستقيم على أمره، وأي إنسان لا يستقيم على أمر الله ففي يقينه بعلم الله خلل أو يقينه بقدرة الله خلل، أما لو تحقق من علم الله، ومن قدرته، التحقق الكافي، واليقين الكافي لرأى نفسه بشكل لا شعوري قد استقام على أمر الله.
 مثل آخر: ما الذي يحكم حركة الإنسان اليومية ؟ لماذا فلان يسرق ؟ لماذا فلان يطلق بصره بالحرام ؟ لماذا فلان يغض بصره عن محارم الله ؟ لماذا قال سيدنا يوسف:

﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾

 (سورة يوسف: 23 )

الاعتقاد الفاسد والتصور الخاطئ سبب المعصية:

 ولماذا آلاف الآلاف من الناس إذا سمحت لهم فرصة كفرصة سيدنا يوسف يرونها مغنماً، لماذا هذا أقدم، وهذا أحجم ؟ لماذا هذا أكل مالاً حراماً، وهذا قال: معاذ الله، أموت جوعاً، ولا أقبض هذا المبلغ لماذا ؟ يعني سؤال آخر، ما الذي يحكم تصرفات الإنسان ؟ ما الذي يسيره؟ ما الذي يوجهه ؟ إنها تصوراته، فالسارق يتصور أن السرقة مغنم، وأنها جهد يسير، ودخل كبير، ولم يقبض عليه، فالذي يدفعك نحو هذا العمل، أو يحملك على أن تحجم عنه تصورات، هذه التصورات تعد تقليداً إذا افتقرت إلى الدليل، فالسارق مثلاً يقول: أخي هكذا الناس يفعلون، نحن مع الناس، هذا كلام عامة، مادام عملك ينطلق من فكرك وأنت تفتقر إلى الدليل، فهذا الموقف فيه تقليد أعمى.
 ولا تنسوا أيها الإخوة، أنه لا يقبل التقليد في العقيدة، لو قبل التقليد في العقيدة، لكان كل الضالين وجدوا آباءهم على هذا الضلال فاتبعوهم، ولهم العذر عند الله عز وجل لكن ربنا عز وجل ما قبل من هؤلاء الناس أن يقولوا إنهم وجدوا آباءهم هكذا ففعلوا مثلهم، فالتقليد في العقيدة مرفوض، كل الرفض، وأشد الرفض، إذاً الذي يحكم هذه التصرفات، وهذه الحركة، وهذا الإقدام، هذا الإحجام، هذا الوصل، هذا الفصل، هذا العطاء، هذا المنع، هذا الغضب، هذا الرضا، هذه المسايرة، هذا الانسجام، هذا الاشمئزاز هذا التقزز، الذي يحكم كلماتك، مواقفك، مشاعرك، تصرفاتك سلوكك هو التصورات، فإذا خلت تصوراتك من الدليل فهو التقليد الأعمى، و التقليد لا يليق بالمؤمن، والتقليد مرفوض في عالم العقيدة.
 الآن إذا افتقرت هذه التصورات إلى القطعية، يعني أنت لست متأكداً، أنت في شك، فهذا يسمى شك، أو وهم، أو ظن، سبعين بالمائة ظن، ثلاثين بالمائة وهم، خمسين بالمائة شك، فأنت بين الشك والوهم، والظن، ولا يقبل في العقيدة لا شك، ولا وهم، ولا ظن، لأنه ما دام لديك ظن، فيجوز حسب رأيك أنك لا تحاسب، فقول: أعصي إذاً، مادام هناك وهم أو شك، أو ظن، أنك لن تحاسب، أو أن الذي أمرك لا يراك، أو أنه إذا رآك فلن يعاقبك، مادام دخل الشك، والوهم، والظن، فهذا التصور لن يحملك على طاعة الله عز وجل، إذاً يجب أن تنتفي من أفكارك، وعقيدتك، التقاليد العمياء، والتقليد يعني الفكرة التي لا دليل عليها، و يجب أن تكون عقيدتك التي تسيرك قطعية، فإذا لم تكن مقطوعاً بصحتها كانت شكاً، أو وهماً، أو ظناً، فإن الشك والوهم والظن، لن يحملك على طاعة الله عز وجل وهذا تحليل علمي، لماذا الناس يستمعون إلى الخطب، والجوامع مليئة، يقول أحده لك: هذا الجامع فيه خمسة آلاف، هذا ثمانية آلاف، هذا عشرون ألفاً، غضَّ المسجد، والمعاصي على قدم وساق، والكلام واضح وكلام الخطيب واضح، والآيات واضحة، والأحاديث واضح والأحكام واضحة، ومع ذلك هناك من يعصي، إذاً إنَّ في عقيدته أو في تصوراته، أو في أفكاره، تقليداً بلا دليل، أو في عدم قطع يعني في شك، أو وهم، أو ظن.

 

مرتبة العلم واليقين حاجز عن المعصية:

 أما إذا كانت أفكارك، وتصوراتك، لا علاقة لها بالواقع، أو لم تطابق الواقع فهي عين الجهل، وقد كان سبب الخلاف الزوجي ذات مرة أن امرأة ألقت ماء مع ملح في طريق الزوج، هذا جهل وحمق، وهو زوج سيئ، أحمق في تصوراته فيعزى هذا الشقاء الزوجي إلى شيء لا علاقة له بالشقاء الزوجي، فكل شيء لا يطابق الواقع يعد جهلاً، فيجب أن تنفي من عقيدتك كل جهلٍ، أي كل فكرة لا تطابق الواقع ويجب أن تنفي كل تقليد، أو فكرة ليس عليها دليل، ويجب أن تنفي كل ظن، أو شك، أو وهم، إذا نفيت الشك والظن والوهم، ونفيت التقليد، ونفيت الجهل، فأنت إذاً مع العلم.

 

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

 (سورة فاطر 28 )

 إذا كانت أفكارك تنطلق من علاقة ثابتةٍ، مقطوع بصحتها يؤكدها الواقع، توافق المنطق، عليها دليل، إذا كانت أفكارك كلها هكذا فأنت إذاً في طريق الإيمان، وأنت في اتجاه الحق، وأنت مع الحق وأنت محفوف برعاية الله عز وجل، فالقضية قضية علم، أخطر عدو للإنسان هو الجهل، هذا الجواب مثل قوم شعيب، قوم ثمود، قوم عاد، لماذا فعلوا ما فعلوا ؟ لماذا عصوا ؟ ليس لديهم يقين أن الله سبحانه وتعالى يعلم سرهم ونجواهم، ولا يقين عندهم أن الله سيحاسبهم على أفعالهم حساباً عسيراً، فأنت لو ارتقت معرفتك إلى درجة اليقين، أن علم الله يطولك أينما كنت، وأن قدرته تطولك أينما كنت، تجد نفسك بشكل عفويٍ طبيعيٍ مستقيماً على أمر الله من دون تردد، فهذا هو السر، لذلك العلماء أفردوا أبواباً طويلة في كتب التصوف لليقين، مرتبة اليقين عبر عنها النبي عليه الصلاة والسلام بالإحسان.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

 

((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: مَا الإِحْسَانُ، قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ))

 

[ أخرجه البخاري ]

 لذلك قال العلماء: اليقين من الإيمان كالروح من الجسد، اليقين من الإيمان، يعني هذا الذي يأكل مالاً حراماً، لابد من أن يتلف ماله وإذا كان لابد من أن يتلف المال الحرام، إذاً لا تأكل هذا المال إطلاقاً، وما الذي يجعل المؤمن يستقيم على أمر الله ؟ يقينه أن هذه معصية، وأن لكل معصية عقاباً ولماذا يفعل الخيرات ؟ لأن الله عز وجل سيثيبه على أفعاله كل خير.

 

علاقة الحقائق بالقلب:

 موضوع اليقين موضوع دقيق جداً، اليقين أن تستقر الحقائق في قلبك، و أن تنتقل من فكرك إلى قلبك، لقول الله عز وجل:

 

 

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ﴾

 

 (سورة الحج: 46 )

 قال العلماء: علاقة الحقائق بالنسبة إلى القلب كالعلاقة اليقينية بين القلب والحقائق، كعلاقة المرئي بالعين، كيف أني أرى أن هذا مصحف وأني متيقن من أن هذا مصحف مئة في المئة، كذلك المؤمن إذا بلغ درجة متقدمة في الإيمان تنتقل هذه الحقائق من أفكار إلى أشياء يراها من هنا العلماء قسموا بين علم اليقين، وبين عين اليقين، وبين حق اليقين.

﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6)َ﴾

 (سورة التكاثر: 5 -6)

 نحن عندنا يقين حسي، هذا ماء، أمسكت هذه الكأس بيدي، وأحسست بأعصابي، تذوقته بأعصاب الذوق، هذا يقين حسي، هذا الإنسان وغير الإنسان مشتركان فيه، اليقين الحسي، الإنسان أرقى من ذلك، الإنسان أودع الله فيه هذا الفكر، أو ذلك العقل، بالفكر أو بالعقل ينتقل إلى يقين استدلالي، أنا موقن بشكل قطعي، ومئة بالمئة أن في أسلاك الكهرباء كهرباء، والدليل، الآثار، هذه المصابيح المتألقة فيقيني أن التيار الكهربائي يصل إلى هذا المسجد يقينٌ قطعي لأنني أرى الأثر، الأثر يدل على المؤثر، والخلق يدل على الخالق، والنظام يدل على المنظم، والتسيير يدل على المسير، أفسماء ذات أبراج، وأرضٌ ذات فجاج، ألا تدلان على الحكيم الخبير، فاليقين الحسي يقين سهل هو أن ترى بعينك، تسمع بأذنك، تحس بأعصابك، ولكن اليقين الاستدلالي هو يقين أيضاً، فالإنسان أحياناً بحسب المهنة والحرفة عنده أدلة مقطوع بها.
 فمثلاً: لو أنَّ أنبوب الوقود السائل مقطوع هذه المركبة لن تسير طبعاً لن تسير يقيناً، لأن المحرك يحتاج إلى وقود، والوقود مقطوع عن المحرك، فلن تسير، اليقين الحسي سهل، اليقين الاستدلالي أن ترى الله من خلال خلقه، أن ترى المؤثر من الأثر، أن ترى الخالق من الخلق، أن ترى المنظم من النظام، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد، هذا اسمه علم اليقين، علم قطعي الثبوت، علم يقيني استدلال يقيني، من خلال هذا العلم نتعرف إلى الله عز وجل، لذلك ربنا عز وجل قال:

 

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 

 (سورة آل عمران: 190-191)

 سؤال ثانٍ: النبي عليه الصلاة والسلام جاءه سيدنا الصديق مع سيدنا حنظلة، قال له الصديق: عندما نكون معك في المجلس نشعر أننا نحن وأنت في الجنة كهاتين ـ وجمع بين السبابة والوسطى ـ وقال سيدنا حنظلة: فإذا عافسنا الأهل ننسى، يعني أن الإنسان في ساعة الدرس مسرور جداً، فإن يذهبْ إلى البيت فهذه الحقائق تغيب عنه ويعود ليعيش دنياه، فقد ضعف اليقين، أما إذا بلغ مرتبة اليقين، هذه الحقائق تبقى أمامه ماثلة انتقلت من عقله إلى قلبه، وأصبح يعيشها، وشتان بين من يفهم فكرة و بين من يعيشها، نأتي بمثل، ربنا عز وجل لما قال:

﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾

 (سورة الأحزاب: 71 )

اليقين والصبر والسماحة:

 الآية واضحة لا تحتاج إلى تفسير، لكن أنت كمؤمن إذا كنت مؤمناً مستقيماً على أمر الله عز وجل، ولك صديق منحرف، ضال فاجر، فاسق، لا يبالي من أين يكسب المال، وله ثروة طائلة، ويعيش حياة فيها رخاء وبحبوحة، فإذا شعرت بالحرمان أمام هذا الصديق المترف، إذا شعرت أن الله قد حرمك، وقد أعطاه فأنت لم تدرك معنى هذه الآية الكريمة:

﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾

 فهمُها سهل، ولكن أن تعيشها شيء آخر، أن تفهمها شيء سهل، أما أن تعيشها شيء آخر، لذلك إذا استقرت هذه الحقيقة في القلب، تصبح يقيناً وإذا بقيت في الذهن كفكرة فهذه الفكرة تغيب وتحضر، ففي ساعات الغضب، أو ساعات الشدة تغيب عنك هذه الفكرة، ترى أنك محروم، وأن هذا الفاسق الفاجر هو سعيد في حياته، وأن الله قد حرمك وأعطاه لكن في ساعات التذكر، تشعر أنك مؤمن، فإذا انتقلت هذه الفكرة من عقلك إلى قلبك أصبحت تعيشها، وإذا عشت هذه الفكرة هذا شيء ثمين جداً في حياتنا، العلماء قالوا: إذا تزوج الصبر باليقين ولد الإمامة في الدين، والدليل:

﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾

 (سورة السجدة: 24 )

 الصبر واليقين عنصران أساسيان في الإمامة في الدين، يعني إذا أردت أن تكون للمتقين إماماً، فعليك بالصبر، وعليك باليقين، وإن النبي عليه الصلاة والسلام جمع الإيمان كله في الصبر، قال:

 

((الإيمان هو الصبر والسماحة ))

 

 (سلسلة الأحاديث الصحيحة)

 وفي حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام:

 

((أفضلُ الإيمانِ الصبر والسماحة ))

 

 (سلسلة الأحاديث الصحيحة)

 فإما أن الله أمرك بالبذل، أو نهاك عن أشياء، فإذا انتهيت عما نهاك عنه فهذا هو الصبر، وإذا بذلت ما أمرت به فهذه هي السماحة، فالدين كله صبر وسماحة.
 من صفات الكافرين يوم القيامة، أنهم ليسوا بمستيقنين، قالوا:

 

﴿ وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴾

 

 (سورة الجاثية: 32 )

 عدم اليقين هو الذي جعلهم يعصون خالقهم، نحن الآن مشكلتنا مشكلة اليقين، أما الأفكار سهلة، فكل واحد منا حضر واستمع خطباً دينيةً ومحاضراتٍ، وقرأ كتباً، وعنده أفكار جيدة جداً، لكنها لم ترقَ إلى مرتبة اليقين، فإذا ارتقت إلى مرتبة اليقين انقلبت إلى فعل حقيقي، ترجمت الأفكار إلى أعمال، وهذه مشكلة المشكلات في العالم الإسلامي، أفكار كثيرة، تعاطف مع الدين شديد، لكن من غير التزام، لأن اليقين ضعيف، اليقين بأن علم الله لا يطوله، أو أن قدرته لا تطوله، أو أن الحساب غير يقيني.

 

لا إرضاء للناس بسخط الله:

 يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

 

((لا ترض أحداً بسخط الله ))

 

 (ورد في الأثر )

 عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ الْوَرْدِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ:

 

((كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِي اللَّه عَنْهَا أَنِ اكْتُبِي إِلَيَّ كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ وَلا تُكْثِرِي عَلَيَّ، فَكَتَبَتْ عَائِشَةُ رَضِي اللَّه عَنْهَا إِلَى مُعَاوِيَةَ، سَلامٌ عَلَيْكَ أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ وَالسَّلامُ عَلَيْكَ ))

 

[ أخرجه الترمذي ]

 إذا أرضيت إنساناً بسخط الله، معنى ذلك أن هذا الإنسان أكثر وجوداً بحياتك من الله عز وجل، لأنك أرضيته، وعصيت الله عز وجل، وهذا من علامات ضعف اليقين، كما قال النبي الكريم، إنه من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، هذا الإنسان وجوده صارخ أمامك، وعده مخيف، وعده محبب، وعيده مخيف، أمرك بشيء فيه مخالفة للشرع، فأنت انصعت إلى أمره، فأين الله عز وجل ؟.
 قال له بعني هذه الشاة، وخذ ثمنها، قال: ليست لي، قال له: قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب، قال: ليست لي، قال: خذ ثمنها قال: والله إني بأشد الحاجة إلى ثمنها، فقال هذا الأعرابي أو هذا البدوي: ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله ؟
 لا حل لها، أنت تقدر أن تلعب على الناس كلهم، لكن على الله لا يمكنك ذلك، فأين الله ؟ هذه الكلمة، لو قالها الإنسان مستيقناً لحلت كل مشكلاته.

 

ملخص أسباب المعصية:

 أنا أريد بهذا الدرس أن أوضح أنَّ سبب المعاصي والمخالفات والتقصيرات هو عدمُ اليقين بعلم الله، أو بقدرته أو بمحاسبته، إنه من ضعف اليقين، كما قال سيد الأنبياء والمرسلين:

 

 

((لا ترضِ الناس بسخط الله ))

 

 (ورد في الأثر )

 هل هم أغلى عندك من الله عز وجل ؟ استحييت أن تظهر بمظهر التخلف، صافحتك امرأة، فخجلت وصافحتها، وكأن الله عز وجل أمْره أخفُّ عندك من نظرة هذه المرأة لك، إنه من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على فضل الله، فالفضل فضله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله، إن رزق الله لا يجره إليك حرص حريص ولا يرده عنك كراهية كاره، لا حرص حريص ولا كراهية كاره، وإن الله تعالى جعل الروح والفرح في الرضا واليقين، و جعل الهم والحزن في الشك والسخط.
 درسنا اليوم اليقين، ولابدَّ أن تعمل جرداً لكل معلوماتك يجب أن تنقلها من مرتبة التصديق، إلى مرتبة اليقين، إذا نقلتها إلى مرتبة اليقين انقلبت إلى عمل قطعي، لو أخذت هذا المال حراماً، لابد من أن يتلف المال ويتلف صاحبه، كفكرة مخيفة موقتاً.
 لي قريب كان يدخن بشكل كبير، إلا أن الأمر انتهى به إلى مرض خبيث في رئتيه، على فراش الموت قال: والله إذا شفاني الله عز وجل لها عندي حساب عسير ـ يعني هذه السيجارة ـ لكن الموت جاء في وقت كان يظنه بعيداً، كان يسمع قبل أن يموت أنها تعمل سرطان بالرئة، فيقول: كله كلام بكلام، ويقول لك: مبالغات، أما حينما أصيب بهذا المرض انتقل إلى مرتبة اليقين، فعقد العزم الأكيد على ترك التدخين، لكن متى ؟ بعد أن تيقن، لكن هذا اليقين لم ينفعه، جاءه بعد فوات الأوان.

 

معرفة الحقيقة بعد فوات الأوان:

 أخطر شيء بالحياة أن تعرف الحقيقة بعد فوات الأوان، ما من إنسان على وجه الأرض إلا و سيعرف الحقيقة، ولكن بعد فوات الأوان

 

﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾

(سورة ق: 22)

 وقال سبحانه:

 

﴿ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ(91)﴾

 (سورة يونس: 90 )

 مادام القلب ينبض، وفي الأجل فسحة فهذا هو الوقت المناسب للاستقامة على أمر الله، ولعقد الصلح مع الله، وللتوبة النصوح، أما إذا تمهل الإنسان، وسوف، وقال غداً أو بعد غدٍ، فقد يأتيه الموت في وقت يفاجئه، في وقت ليس مستعداً فيه للقاء الله عز وجل.

 

من علامات اليقين:

 

1 - قلة مخالطة الناس:

 قال العلماء: من علامات اليقين قلّة مخالطة الناس، يعني علاقته كلها مع الله عز وجل، بعض الناس علاقاته الاجتماعية بلغت إلى درجة النفاق، وفيها أكل مال حرام وفيها اختلاط، فهذا يقينه بالله ضعيف، فمن علامة اليقين قلة الاختلاط بالناس، يعني أيّ لقاءٍ فيه شبهة وفيه معصية، يعني هناك خلل، وممالأة للباطل، يتكلم بغير حقٍ مثلاً، فيه غيبةٌ، نميمةٌ، ومجالس اختلاط، في كذا وكذا، فيقينه أن الله عز وجل، ليس إلا الله.

 

ألا كل شيئا ما خلا الله باطل  وكـل نعـيم لا محالة زائـل
* * *

 

2 – ترك المدح:

 من علامات اليقين ترك المدح لهم في العطية، بل تمدحهم بحسب أمر النبي، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

((مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ ))

 

[ أخرجه البخاري ]

 لكن أن ترى لهم فضلاً عليك، الفضل لله عز وجل، من علامات اليقين أن الله هو صاحب الفضل، وأن تذمهم عند المنع، هذا من ضعف اليقين، أما إذا تنزهت عن ذمهم عند المنع، فقد عرفت أن هذا الشيء ليس لك، قال تعالى:

 

﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

 

 (سورة فاطر: 2 )

 ما جاء في الآية من معنى فهذا هو اليقين، ومن علامات اليقين، النظر إلى الله في كل شيء، كل قصة، كل مشهد، وراءه يدٌ رحيمة، يد حكيمة، يد عادلة إذا رأيت الله في كل شيء فأنت من الموقنين، أما إذا انغمست في حديث طويل، تقول: زيد قال، وعبيد قال، فلان تدخَّل، وفلان توسط وفلان منع، وأين الله، من علامات اليقين أن ترى الله في كل شيء، أن ترى أنه ما من ناطق، ولا ساكت، ولا متصرف، إلا والله عز وجل هو الذي دفعه، أو، ألهمه أو منعه، أو كبّله.
 يقول بعضهم: الطيب والله شفى لي ابني، هذا من ضعف اليقين، قل الله عز وجل تفضل علي بشفاء ابني على يد هذا الطبيب، هذا كلام صحيح، أما أن تقول الطبيب شفى لي ابني، وفلان أنقذني، هذا كله من ضعف اليقين، فأنت لا ترى الله بل ترى زيداً أو عبيداً، أنت مع الناس ولست مع الله عز وجل، لكن كلما ارتقى مستوى الإيمان فلن ترى إلا الله فهو المانع، وهو المعطي، وهو القابض، وهو الباسط، هو المعز، هو المذل، هو المعطي، هو كل شيء.
 كذلك الرجوع إليه في كل أمر، والاستعانة به على كل حال، هذا كله من علامات اليقين.
 هؤلاء القوم، قوم سيدنا شعيب:

﴿ أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) ﴾

 لما يغش الإنسان، أو يبخس الناس أشياءهم، يظن نفسه ذكياً، يعني تمكن أن يجلب لنفسه النفع، لو تيقن أن الله عز وجل بالمرصاد، وأن هذا المال سيتلفه، وأن سيحاسبه عليه، وأنه سيكيل له الصاع صاعين، ما فعل ذلك، إذاً لن تجد إنساناً يعصي ربه إلا وهو جاهل، وأكبر عدو للإنسان الجهل.

 

الفرق بين علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين:

 العلماء فرقوا بين علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين.
 علم اليقين: أن يقول لك إنسان صادق أنا عندي عسل تقول له صدقت، وأنت عندي صادق فهذا علم اليقين، فإذا زرته في البيت، وأراك العسل فهذا عين اليقين، فإذا أكلته فهذا حق اليقين، إن صدقته وهو الصادق هذا علم اليقين، فإن رأيته فهو عين اليقين، فإن أكلته وذقته فهو حق اليقين والإنسان يبدأ بعلم اليقين، يوقن بالجنة والنار، فإذا شارفهما فقد انتقل إلى عين اليقين، فإذا دخل الجنة فقد صار في حق اليقين.

 

﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِين﴾

 (سورة الزمر: 74 )

 هناك قول منسوب إلى بعض العلماء، وهو منسوب خطأ إلى سيدنا علي، يقول: << لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً>>، فهو متيقن مما في القرآن الكريم، قبل كشف الغطاء، كيقينه بعد كشف الغطاء، إذاً هذه أعلى مرتبة في اليقين، بل إن أحد العلماء يقول: الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين، متيقن برحمته، متيقن بعلمه، متيقن بحكمته، متيقن بعدالته، أصابك ما أصابه، يا رب لك الحمد، هذا أمرك، وهذا فعلك، وهذه حكمتك، وهذا عدلك، وهذا لطفك، هكذا المؤمن.
 عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

((عَجِبْتُ لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، لَيْسَ ذَلِكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، وَكَانَ خَيْرًا، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ وَكَانَ خَيْرًا ))

 

[ أخرجه أحمد ]

 ينتقل المؤمن حالةٍ في اليقين عجيبة، لا أحد إلا الله عز وجل، كل هؤلاء الناس بيد الله، الأمور كلها بيده، هذا الذي وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، كل شيء وقع أراده الله، وإرادة الله عز وجل إرادة متعلقة بالحكمة البالغة، وحكمته البالغة متعلقة بالخير المطلق، والأمور عندما تأتيك برداً وسلاماً، أنت عبد لله مستسلم، وهو الحكيم، لكن لما يقصِّر الإنسان في عمله، أو يقصر في الاحتياطات، والأخذ بالأسباب، وإذا وقع تقصير وصار الأمر مؤلماً، هذا الشيء المؤلم ما عاد كما يظن، بل هو عقاب، وهذا جزاء التقصير، أنت متى تقول هذا أمر الله، وهذه حكمته، وهذه عدالته، حينما تأخذ بالأسباب، وبعدها تدع الأمر لله عز وجل.

 

درجات اليقين:

 قال بعضهم: اليقين ثلاث درجات، تصديق الخبر من الصادق، والمشاهدة، والاستدلال، جاءك الخبر صدقته، جاءك الدليل العقلي زادك هذا يقيناً، رأيته، يعني أنت قلت: رأيت دخاناً، فقلت: لا دخان بلا نار، هذا استدلال، ذهبت إلى خلف الجدار فإذا النار تراها بعينك، هذا صار عين اليقين.

 

﴿ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ(184)﴾

الجبِلَّة:

 الجبلَّة ؛ الخلق، يعني المخلوقات التي جاءت من قديم، فالله هو الخالق لكم ولأسلافكم.

﴿ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ﴾

عادة الكفار رميُ الأنبياء بالسحر والجنون:

 أنت إنسان مثلنا، تأكل وتشرب، المسَحّر هنا يأكل ويشرب، طبعاً النبي رسول إنسان بشر، فعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ ))

 

[ قطعة من حديث أخرجه مسلم ]

 صلى الظهر مرة ركعتين صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ناسيًا، فعَنْ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ:

 

((صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلاةَ الْعَصْرِ فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ نَسِيتَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، فَأَتَمَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلاةِ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ التَّسْلِيمِ ))

 

[ أخرجه النسائي ]

﴿ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) ﴾

استعجال الكفار العذاب أكبرُ أنواع التحدي:

 هذا أشد أنواع التكذيب والتحدي، أين العذاب، أنت يا شعيب تقول: إن ربك يعذبنا، هات العذاب، هذا أعلى درجة من التحدي والتكذيب.

﴿ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) ﴾

﴿ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾

 إنّ أشد أنواع التكذيب أن تطالب باستهزاء وعيد خصمك:

﴿ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) ﴾

ما هو عذاب يوم الظُّلة ؟

 تذهب كتب التفسير مذاهب شتى في تفسير

﴿ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّة ِ﴾

 بعضهم قال: أصابهم حر شديد، فانتقلوا إلى البساتين، وفي البساتين أمطر عليهم الله صواعق من السماء، وأحرقتهم.
وبعضهم قالوا: جاءتهم سحابة استظلوا بظلها في أيام حر شديد، السحابة نفسها، بعد أن تجمعوا تحتها أيضاً أحرقتهم، على كلٍ يكفينا قول الله عز وجل:

﴿ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾

 يعني:

﴿ فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) ﴾

 (سورة الدخان: 10 ـ 11 )

 وقال سبحانه:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ(2)﴾

 (سورة الحج: 1 ـ 2 )

المؤمن آمِن من عذاب الله:

 لكن حال المؤمن يلخصه قول ربنا عز وجل قال:

 

﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمْ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

 

 (سورة الزمر: 61 )

 وربنا عز وجل لما قال عن سيدنا يونس:

﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)﴾

 (سورة الأنبياء: 87 ـ 88 )

 المؤمن وعده الله عز وجل بالنجاة، إذا أصاب الناس مكروه شديد يوم عظيم، عذاب عظيم، ضائقة عظيمة، وعد الله المؤمن بالنجاة، وهذا وعد محقق.

﴿ إ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191) وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ(192)﴾

 هذه الآيات إن شاء الله تعالى أتركها للدرس القادم، ولكن هناك آيات كونية تقع في العالم،هذه الزلازل، الفيضانات، هذا الخسف أحياناً،هذه البراكين حينما تفور، هذه الأمراض الوبيلة، مرض الإيدز، هذه كلها آيات مستمرة، يعني أنَّ الله عز وجل جعل في هذا القرآن آيات، وجعل آيات كونية نراها كل يوم بأعيننا:

 

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا ﴾

 

 (سورة الطلاق: 8 )

 وقال عزوجل:

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ﴾

 (سورة النحل: 112 )

 جيرانا.

﴿ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾

 (سورة النحل: 112 )

 هي أيضاً آيات.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018