الدرس : 11 - سورة الشعراء - تفسير الآيات 175 - 160 ، قصة سيدنا لوط مع قومه - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 11 - سورة الشعراء - تفسير الآيات 175 - 160 ، قصة سيدنا لوط مع قومه


1989-09-29

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الحادي عشر من سورة الشعراء في الدرس الماضي وصلنا إلى قوله تعالى:

﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ(164)﴾

هذه الآيات تتكرر في مقدمة كل قصة، وفي دروس سابقة شرحت كلمة ( التقوى)، وشرحت كلمة(رسول أمين ) بالتفصيل، واليوم ننتقل إلى مضمون القصة.

﴿ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166) ﴾

قصة لوط عليه السلام مع قومه:

كل شيء مخلوق خير مطلق ولكن الخطأ في سوء الاستخدام:

إنّ كل شيءٍ خلَقه ربنا سبحانه وتعالى خيرٌ مطلق، ولكن حينما يسيء الإنسان استخدام الشيء يقع في مشكلة كبيرة.
ونضرب على هذا مثلاً: المعمل الذي صنع السيارة، صنعها كي تحقق الراحة للإنسان، صُنعت كي تنتقل بالإنسان من مكان إلى مكان، فإذا أساء السائق استخدام السيارة، إذا أهمل صيانتها، إذا غفل في أثناء قيادتها تدهورت به، فهذا التدهور شر، ولكن هذا الشر ليس مخلوقاً إنما نتج عن سوء استخدام المركبة، أو عن تقصير في تنفيذ تعليمات الشركة الصانعة.
لذلك هؤلاء القوم، قوم لوط، لماذا أهلكهم الله عز وجل ؟ لأنهم عبّروا عن شهوتهم بطريقة غير صحيحة، بطريقة شاذة، بطريقة لم يرض الله سبحانه وتعالى عنها، الله سبحانه وتعالى خلق الزوجين الذكر والأنثى، وخلق المرأة بطريقة تكمل الرجل، وخلق الرجل بطريقة يكمل المرأة، فإذا ما حصل انحراف، أو شذوذ، فهذا شر مستطير، ليس ناتجاً عن خطأ في خَلق الإنسان، لا ! بل ناتج عن جهله، وعن تفريغ شهوته بطريقة غير مشروعة، فالدينُ جاء ليبين للإنسان طريقة استعمال كل شيء، طريقة التعامل مع كل شيء، طريقة الاستفادة من كل شيء.
وإليكم مثلاً تقريبياً: لو وضعنا السكر في الطعام، في الطبخ، فهذا الطعام لا يأكل، مع أن الطبخ ثمين جداً، والسكر ثمين، وإذا وضعنا الملح في الشاي، فالشاي لا يُشرب، إذا وضعنا مسحوق التنظيف مع الطعام فالطعام لا يُأكل، فحينما نسيء استخدام هذه المواد، نقع في شر مستطير، والشر لا وجود له في الأصل، الكون خيرٌ مطلق، ولكن الشر ناتج عن جهلٍ في استعمال الأشياء، عن جهلٍ في التعامل مع الأشياء، عن جهلٍ في طريقة استخدام الأشياء، هذا هو الشر.
هؤلاء قوم لوط خالفوا سنة الله في خلقه، ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) ﴾

( سورة المؤمنون: 1 ـ 7 )

اقترفوا عدواناً صارخاً، هذه الشهوة التي أودعها الله في الإنسان جعل لها قناةً نظيفةً تجري فيها، وبشكل أعم، ما من شهوة أَوْدَعها الله في الإنسان إلا وخلق لها طريقةً نظيفةً مثاليةً يقرها المجتمع، ويقرها الله عز وجل لتفريغ هذه الشهوة، والحديث اليوم عن شهوة الجنس، فهؤلاء الذين خرجوا عن الطريق الصحيح، الذين خرجوا عن الأسلوب الصحيح وقعوا في العدوان، لأن هذه المرأة حينما خُلقت، خُلقت لتشكل مع الرجل أسرة نافعة، يعني السعادة. كل السعادة حينما يحقق الإنسان سنة رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الزواج، فهذه زوجةٌ طاهرةٌ، وفيةٌ صادقة، ثمرة هذه العلاقة أولادٌ، يعرفون أمهم وأباهم، ينشؤون في بيت إسلامي، فيه التوجيه، فيه العلم، فيه الأخلاق، هذا هو التخطيط الإلهي.
قلت لكم سابقاً: إن امرأة تعمل في المسارح سئلت، ما شعورك وأنت على خشبة المسرح، قالت وهي صادقة: شعور الخزي والعار، وهذا شعور كل أنثى تعرض مفاتنها على الجمهور، إن الحب يجب أن يبقى بين الزوجين، وفي غرفٍ مُغلقة، هذه هي الفطرة.
حينما أودع الله في الإنسان شهوة المرأة جعل لها نظاماً دَقيقاً دقيقاً، والقرآن الكريم طافح بالآيات التي تنظم علاقة الرجل بالمرأة نظام الأسرة، نظام الخِطبة، نظام العَقد، نظام الشهود، نظام الإرضاع نظام الطلاق، هذه كلها ضافية في القرآن الكريم، أحكام كثيرة ضافية وافية تنظم علاقة الرجل بالمرأة، أما حينما يسلك الإنسان لتفريغ شهوته طريقًا لم يخلق له، طريقا شاذاً، فقد وقع في شرٍ خطير، لأن الإنسان حينما ينحرف، أو حينما يعتدي فإنما يجرفه تيار الأهواء، والانحرافُ والاعتداءُ هما شيءٌ واحد لأنه:

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

( سورة القصص: 50 )

الانحراف يسبب شعور بالكآبة، لأن الله سبحانه وتعالى فطر الإنسان فطرةً عالية، قال تعالى:

﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

( سورة الروم: 30)

فإذا فعل الإنسان شيئاً يُرضي الله عز وجل، ويدعم الخير في المجتمع، ويسبب سعادة الآخرين، إذا فعل الإنسان هذا الشيء شعر بسعادة وطمأنينة، واستقرت نفسه، فإذا أفسد أخته في الإنسانية، أو إذا اعتدى على أعراض الناس، فقد حطمهم، وحطم نفسه، لذلك فربنا سبحانه وتعالى، جعل قوم لوط جرّاء هذه المعصية الكبيرة والشنيعة عبرةً للناس:

إنكار لوط عليه السلام على قومه مخالفتهم للفطرة:

﴿ أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ(166)﴾

أنتم معتدون، لأن الله سبحانه وتعالى جعل لهذه العلاقة مكاناً نظيفاً، ويثمر طفلاً يعين أبويه حينما يكبران، لكن الطريق الشاذ، طريق قذر، وطريق يسبب تحطيماً لنفسية الصغير، ويبعث شعوراً بالذنب لدى الكبير، إن هذا كله يفتت المجتمع.

﴿ قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ ﴾

تهديد قوم لوط نبيَّهم بالإخراج من الديار:

يعني نحن مصرون على إتيان هذه الفِعلة:

﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ ﴾

عن تنبيهنا وتوجيهنا، ولومنا سوف نخرجك من أرضنا

﴿ قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ ﴾

فما كان من سيدنا لوط إلا أن قال:

﴿ قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ ﴾

الأصل البراءة من المعصية وبغضها وإنكارها:

أنا أبغض عملكم، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:

(( مَن شهد معصية فأنكرها، كان كمن غاب عنها، ومن غاب عن معصية فرضي بها، كان كمن شهدها ))

( ورد في الأثر )

إنّ من واجب المؤمن إذا رأى معصية أن ينكرها، حتى ينجو من عذاب الله، ما معنى قول الله عز وجل:

﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾

( سورة الأنفال: 25 )

فإذا وقعت المعاصي من أناسٍ، وسكت الباقون، لم ينكروا لا بقلوبهم، ولا بألسنتهم، ولم يغيروا هذا المنكر بأيديهم، فقد عم هؤلاء جميعا بلاء الله عز وجل، لأن سكوتك عن إنكار المنكر، دليل أنك رضيت به، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

(( الذنب شؤم على غير صاحبه، إن ذكره فقد اغتابه، وإن رضي به شاركه في الإثم، وإن عَيَّره ابتلي به ))

( الجامع الصغير عن أنس )

﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾

فإذا فُعِلَت المعصية، إذا فُعلتْ المنكرات، وسكتَ المسلمون، ولم يُنكروا هذا لا بقلوبهم، ولا بألسنتهم، ولا بأيديهم، فقد عمهم بلاء الله عز وجل، ومن هنا، السكوت عن الحق ذنب كبير.

﴿ قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) ﴾

إنكار المنكر: قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ القَالِين

اللهم إن هذا منكرٌ لا أرضى به.
مَن استطاع أن يزيل المُنكر بيده لم يَقبل الله منه أن ينكره بلسانه، ومن استطاع أن ينكرَ المنكر بلسانه، لا يقبل الله منه أن ينكره بقلبه، لا ! كل حالة لها حكم، إذا كان بإمكانك أن تزيل هذا المنكر فيجب عليك إزالته بالطريقة المناسبة، فابنتُك في البيت مثلاً، لك عليها سلطة، فإذا خرجت بطريقة غير إسلامية، وقلتَ: اللهم إن هذا منكر، ولا أرضى به، لا ‍! فهذا ليس منك مقبولا، لأنه بإمكانك أن تنكره، وأن تزيله بيديك، لكن متى يقبل إنكار اللسان ؟ إذا تعذر تغيير المنكر باليد، متى يقبل إنكار القلب ؟ إذا تعذر إنكار اللسان.

﴿ قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ(170)﴾

قال ربنا عز وجل:

﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾

( سورة الأنعام: 164 )

إذا كنتَ في مجتمع فاسق، أوْ كنتَ في مجتمع فاسد، واستقمتَ على أمر الله استقامة تامة، فالله سبحانه وتعالى جعل لك معاملة خاصة، لك طريقة خاصة عند الله عز وجل تنجو بها من عقاب الآثمين، فاذكر هذه الآية في نفسك:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾

( سورة الرعد: 11 )

أطع أمرنا نرفع لأجلك حبـنا فإنا منحنا الـرضى مَن أحبنا
و لُـذْ بحمـانا واحتمِ بجنابنا لنحميـك مما فيه أشرار خلقنا
* * *

إذاً ربنا عز وجل حدثنا عن سيدنا يونس حينما وقع في اليم والتقمه الحوت قال:

﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ(88)﴾

( سورة الأنبياء: 87 ـ 88 )

القانون المطّرد: وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ

انتهت قصة سيدنا يونس، وجاء التعقيب الذي جعل هذه القصة قانوناً شاملاً:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾

في كل زمان وفي كل مكان، في كل ظرف، في كل عصر في كل مصر، من أي جنس.

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟

﴿ قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ(170)﴾

سنة الله في أنبيائه: النصر والتمكين:

الحقيقة هذا استهتار بأوامر الله عز وجل، قوم لوط استخفوا بأوامر الله، لم يقيموا لها وزناً، لم يعبؤوا بها، لم يعطوها ما تستحق من التعظيم، إذاً فماذا على المؤمن أن يفعل ؟ هذا سؤال دقيق، فحينما نقرأ هذه القصة فنحن المقصودون منها، يعني هؤلاء دمرهم الله عز وجل وانتهى ذكرهم، وأصبحوا قصة، وأصبحت هذه القصة قرآناً، معنى ذلك أنها درس بليغ لكلِ إنسان حتى نهاية الدوران، فما الحكمة ؟ ما الموعظة ؟ ما الدرس البليغ الذي يمكن أن نستنبطه من هذه القصة ؟ هؤلاء قوم لوط استخفوا بأوامر الله، خالفوا سنة رسولهم خالفوا أمر ربهم، خالفوا القانون الذي وضعه الله للإنسان، خالفوا التخطيط الإلهي للأسرة، خالفوا القناة التي سمح الله بها لإفراغ الشهوة، خالفوا نظام الكون، خالفوا تعليمات الصانع، خالفوا تعليمات المربي، خالفوا أمر ربهم، فأهلكهم الله عز وجل، فماذا ينبغي على المؤمن أن يفعلَهُ ؟ المؤمن عليه أن يعظم حرمات الله، الدرس الذي يمكن أن يستنبط من هذه القصة، أن على المؤمن أن يعظم حرمات الله، قوم لوط استخفوا بحرمات الله، تجاوزوا الحدود، خرقوا القوانين، خالفوا التخطيط الإلهي، خالفوا التصميم، خالفوا تعليمات الصانع فذاقوا وبال أمرهم، أما المؤمن فعليه أن يعظم حرمات الله.

وجوب اجتناب حرمات الله ومواطن غضبه:

استمعوا أيها الإخوة الكرام إلى هذه الآية الكريمة:

﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾

( سورة الحج: 30 )

العلماء قالوا: ما معنى تعظيم حرمات الله ؟ أو بالأصل ما هي حرمات الله ؟ قال العلماء: حرمات الله ما أغضبه، أيْ الشيء الذي إذا فعلناه أغضب الله عز وجل، الطلاق مثلا، إذا طلق الرجل امرأته من غير شبهة، من غير سبب، يهتز له عرش الرحمان، لأنه يُغضبُ الله عز وجل، فاحذر من فعل شيءٍ يُغْضِبُ رب السماوات والأرض، وإذا غضب الله على إنسان، فقد انتهى هذا الإنسان إلى البوار والخُسران ز

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾

( سورة محمد: 28 )

وإذا كان قوم لوط خاطئين، وإذا كانوا منحرفين، فاسدين معتدين، قد تجاوزوا الحدود، فما موقف المؤمن إذاً ؟ موقف المؤمن تعظيم حرمات الله، حرمات الله مغاضِبُه، أي الأشياء التي إذا فعلناها غضب الله علينا، و حرمات الله ما نهى الله عنه، ما معنى تعظيمها ؟ ترك ملابستها، لكن المؤمن لا يدع المعصية فقط، بل يجعل بينه وبين المعصية هامشَ أمان، يعني نهراً عميقاً، له شاطئ زَلِق، فالحكمة تقتضي أن أدع بيني وبين النهر مسافة كبيرة، نسميها هامش الأمان، لذلك فربنا عز وجل قال:

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾

( سورة البقرة: 187 )

هناك حدود لله عز وجل، إذا اقتربت منها جذبتك إليها، كيف أن بعض التيارات الكهربائية، بعض الأسلاك الكهربائية التي يجري فيها تيار يزيد على آلاف الفولطات، إن هذا التيار يشكل حوله ساحة مغناطيسية، حيث إن الإنسان إذا اقترب منه جذبه التيار وأحرقه، لذلك يجعلون مسافةً واسعةً حول أسلاك الكهرباء ذات التوتر العالي، هذه المسافة هي هامش أمان، وأنت أيها المسلم لابد أن تضع بينك وبين حرمات الله ؛ أي مغاضِبَه، هامش أمان، والزنا يُغضب الله عز وجل، الله عز وجل قال:

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى ﴾

( سورة الإسراء: 32 )

أن تصاحب زانياً، أن تسهر سهرة مختلطة، أن تذهب إلى أماكن مشبوهة، أن تتجول في طرقات فيها نساء كاسيات عاريات، أن تقرأ أدباً رخيصاً، هذا كله اقتحام لهامش الأمان، هذه منطقة خطرة ربما جذبتك إلى الزنا، لذلك ما حَرُمَ فعله حَرُمَ الاستماع إليه، وحرُم النظر إليه، وحرُم الحديثُ عنه، ما حَرُم فعله هذه قاعدة أصولية، ما حرم فعله حرم استماعه، ما حرم فعله حرم النظر إليه، ما حرم فعله حرم الحديث فيه، هذا هامش الأمان،

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾

لذلك الإنسان الشريف ليس هو الذي إذا واجه الزنا لا يزني، لكنه الذي يبتعد عن أسباب الزنا، فكل صديق سوء، كل رفيق سوء، كل أدب رخيص، كل عمل فني رخيص، كل سهرة مشبوهة، كل نزهة مختلطة، هذا كله من أبواب الزنا.
بعضهم قال: حرمات الله، ما وَجَب القيام به وحَرُم التفريط فيه. وبعضهم قال: حرمات الله ما وجب حفظه واحترامه، ربنا عز وجل قال:

تعظيم حدود الله وأوامره: وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ

﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾

أدقُّ تفسير لهذه الآية هو الدرس البليغ الذي يمكن أن يستنبط من هذه القصة، " الحرمة: التحرُّج عن المخالفات "، أَجَل التحرج، هذا التحرج كلمة على وزن تفعُّل، وزن تفعل له معنيان لطيفان، فلان تأثم، يعني تأثم على وزن تفعل، بمعنى خرج من الإثم، تأثَّم، تحوَّب خرج من الحوب، فلان تولَّج دخل في الشيء، فلان تمنَّى دخل في الأمنية، لذلك وزن تفعل في معنى الدخول أو الخروج، فإذا قلنا: فلان تأثَّم أي ابتعد عن هذا الشيء مخافة أن يقع في الإِثم به، فما هو تعظيم حرمات الله ؟ التحرج عن المخالفات والمجاسرات، التحرج، والتحرج: الخروج من الحرج يعني منطقة ضيقة، مشبوهة، مخيفة، زلقة ذات أبعاد خطيرة.

﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ ﴾

يبتعد عن كل شبهة، لذلك فعَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( الْحَلالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ ؛ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))

( أخرجه البخاري )

أول شيء: ومَن يعظم حرمات الله، هناك شخص يرى أن أمر الله عز وجل شيء عظيم، بينما إنسان آخر يستخف بهذا الأمر، وكما أقول دائماً: هان أمر الله عليهم فهانوا على الله، فالإنسان أحياناً يهون الله عليه، يهون أمره عليه، لا يبالي، أكان كسبه من حلال أم من حرام، لا يبالي أصلّى أما لم يُصَلِ، لا يبالي أصدق أم كذب، لا يبالي أخان أم اخلص، لا يبالي أَفعلَ ما يرضي الله أم فعلَ ما يسخطه، يعني هان الله عليه، كيف يهون الله على إنسان ؟ يعني أن تهون أوامره عليه ؛ فإذا هان الله عليك هُنْتَ على الله، وحينما ترى المسلمين بأعداد كثيرة يزيدون على ألف مليون، وليست كلمتهم هي العليا، فالتفسير سهل جداً: هان الله عليهم فهانوا على الله.
قال الله تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾

( سورة النور: 55 )

القضية إمّا أن تكون على مستوى جماعي، أو على مستوى فردي، فإذا أردت أن تعرف مقامك عند الله فانظر ما لله عندك، إذا أردت أن تعرف ما لك عند الله فانظر ما لله عندك، هل أمْره عظيم عندك ؟
لذلك قالوا: مِن تعظيم الأمر والنهي، أن تطيع الله عز وجل لا خوفاً من عقوبته، ولا طمعاً في ثوابه، ولا مراءاة لخلقه. هذا الذي يعظم أمر الله ونهيه، ويطيع الله عز وجل، لا طمعاً في ثوابه، ولا خوفاً من عقوبته، ولا مراءاةً لخلقه، بل لأنَّ الله عز وجل يستحق العبادة، جاء في الأثر:

(( لو لم أخلق جنةً ولا ناراً أمَا كنت أهلاً لأَنْ أعبد ؟ ))

فأن تعبد الله من دون طمع بما عنده في الجنة، ومن دون فزع لما ينتظر العاصي من عذاب، ومن دون أن ترائيِ أحداً من خلق الله، إذا فعلت هذا فأنت ممن تعظم أمر الله ونهيه، أما إذا أردت بأمر الله منفعتك الدنيوية، أو خفت من عقاب أليم، أو أردت أن يمدح الناس استقامتك، فهذا التعظيم لأوامر الله تشوبه شائبة كبيرة.

الزلفى والمآب والزيادة:

شيء آخر، يقول ربنا سبحانه وتعالى عن أحد الأنبياء:

﴿ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾

( سورة صَ: 25 )

ما الفرق بين الزُلفى وبين حسن المآب ؟

﴿ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾

قال العلماء: حسن المآب الجنة، لكنّ الزلفى القرب.
كأنْ يدعوك ملِك إلى طعام نفيس، تدخل قصره، وتأكل من طعامه، وليس بينك وبينه مودة، لكنّ الملك أحياناً قد يدعوك إلى طعام نفيس، ويبتسم في وجهك، يصافحك، يرحب بك، يجلسك إلى جنبه فهذه زلفى بمعنى التقريب، يعني ؛ أرقى شيء في الدين أن تتقرب من الله عز وجل.

﴿ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى ﴾

يعني القرب.

﴿ وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾

فإذا نزَّهتَ طاعتك عن أن تكون مشوبة بطمع، أو خوف، أو مراءاة كافأك الله بالزلفى، والزلفى التقريب، لذلك:

فلو شاهدَتْ عيناك مِن حســـننا الذي رأوه لمـا وليت عنا لغيرنا
* * *

هذه الزُّلفى، وأمّا حسن المآب فيعني الجنة.
وإليك آية ثانية:

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾

( سورة يونس: 26 )

الزيادة: القرب من الله عز وجل، وفي بعض التفاسير النظر إلى وجه الله الكريم.

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾

الزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم، فكلما ارتفع إخلاصك، ارتفعت مكافأتك، إذا عظمت أمر الله عز وجل نلتَ كل هذا، نحن نتحدث عن تعظيم أمر الله، لأنّ قوم لوط استهانوا بأمر الله، استخفوا به، خرقوا الحدود، مَن خرق الحدود، كما قال ابن عطاء الله السكندري فهو من الحضرة مطرود، فماذا يقابل هذا ؟ يقابل هذا أن تعظم حرمات الله، وتعظيمُ حرمات الله أن يكون أمره ونهيه في منأى عن الطمع، أو عن الخوف، أو عن المراءاة، إذا فعلت ذلك.

﴿ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾

وهذه آية ثالثة:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾

( سورة التوبة: 72 )

وكذلك:

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55) ﴾

( سورة القمر: 54 ـ 55 )

القرب من الله عز وجل له ثمن واضح جداً، يقول سبحانه:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ﴾

( سورة الكهف: 110 )

إنّ باب الله مفتوح، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ، لا يُؤْبَهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ ))

( أخرجه الترمذي )

باب الله مفتوح، وثمن الدخول العمل الصالح، والعمل الصالح يرفعك:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

( سورة الأنعام: 132 )

لذلك هناك من يريد الله ويريد ما عنده، وهناك من لا يريد الله، ولا يريد ما عنده، وهناك من يريد ما عند الله، فحسب؛ كبعض التجار، فهذا الذي يتاجر بالاستقامة، نعم يتاجر بها، فالاستقامة عنده من أجل أن يرزقه الله رزقاً كثيراً، يعني أنك تجدُ كلّ استقامته معلولة بعلل فهي ليست خالصة لوجه الله عز وجل.

من تعظيم أمرِ الله تعظيمُ آياتِه:

شيءٌ آخر، من تعظيم أمر الله، تعظيم آياته
مثلاً: سئل الإمام مالك رَضِي اللَّه عَنْه هذا السؤال: " ما معنى الرحمن على العرش استوى " ؟ فلما سُئِل كيف استوى ؟ أطرق مالك مليّاً، وتصبب عرقا، ثم قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، هذا كلام دقيق جداً، إن ربنا عز وجل كيف يعلم ؟ كيف هو حي ؟ ما معنى أنه قادر ؟ ما معنى أنه مريد ؟ كيف ؟ وكما جاء في الحديث:

(( إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا ))

( أبو داود عن أبي هريرة )

فكيف ينزل، وكيف يغضب الله عز وجل ؟ كيف يرضى ؟ كيف يرحم ؟ كيف يضحك ؟

((عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل ))

( البخاري عن أبي هريرة)

فكلمة العجب، وكلمة الضحك، وكلمة الرضى، وكلمة الغضب وكلمة العلم، والإرادة، والسمع، والبصر كلها صفات نفوّض الأمر فيها إلى الله سبحانه، ونؤمن بها على ظاهرها.

﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾

( سورة طه: 46 )

كل هذه الكلمات التي وصف ربنا بها نفسه، يجب أن تقف منها موقف الإمام مالك، الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، فإذا أردت أن تسأل كيف يعلم الله عز وجل ؟ كيف يرى ؟ كيف يسمع ؟ هذا السؤال يؤدّي بك إلى ذات الله، والبحث في ذات الله خطر جداً، النبي عليه الصلاة والسلام نهانا عن أن نخوض في ذات الله، قال عليه الصلاة والسلام:

(( تفكروا في المخلوقات، ولا تفكروا في ذات الله فتهلكوا ))

( الجامع الصغير عن ابن عباس بسند ضعيف )

فمن لوازم العبودية، هناك موضوعات خارج الخط الأحمر، هذه محظورٌ على العبد أن يخوض فيها، لأن الخوض فيها مزلة قدم، وهلاك محقق، لذلك من تعظيم كلام الله أن تقف عند الأوصاف التي وصف بها نفسه مِن دون تعطيل، أو من دون تجسيم، أوضح لكم ذلك: العصمةُ النافعة في هذا الموضوع أن تصف الله عز وجل بما وصف نفسه قال:

﴿ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾

كيف ؟ لا أعرف، لكنه يسمع ويرى.

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

( سورة الفتح: 10 )

هكذا قال الله عز وجل، كيف ؟ لا أعلم، فيجب أن تثبت أسماء الله وصفاته من دون تشبيه، ويجب أن تنفي عن الله عز وجل كل ما يُشبه مخلوقاته، يجب أن تثبت من دون تشبيه، ويجب أن تنفي من دون تعطيل، ويجب أن تقول ليس كمثله شيء، هذه صفة الموحد لذلك أهل السنة والجماعة لا يشبهون، ولا يعطلون، لا يجسدون، ولا يعطلون الآية لا نعطلها، لما قال ربنا عز وجل:

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾

فهذه لا تعطّلها، لكن أيضاً لا نشبه الله عز وجل بمخلوقاته، أهل السنة والجماعة لا يشبهون ولا يعطلون، هذا الموقف المعتدل، كل ما وصف الله به نفسه تؤمن به كما جاء في القرآن، وكما جاء في سنة النبي العدنان، من دون زيادة ولا نقصان، أكرر هذا هو الموقف المعتدل، هذا من تعظيم أمر الله.
أول تعظيم: أن يكون خالصاً من الطمع، والخوف، والمراءاة.
ثاني تعظيم: ألاّ تجسد، وألاّ تعطل، وأن تؤمن بما وصف الله نفسه، وبما وصف النبي به ربه جل وعلا، من دون زيادة ولا نقصان، أنت إنسان لا يمكن أن تحيط بالواحد الديان مستحيل، إذاً قف في حدود الأدب، وكن في حد النص.

من تعظيم حرمات الله الأدبُ مع الله:

شيء آخر، يتعلق بالأدب مع الله عز وجل، من تعظيم حرمات الله، قوم لوط استخفوا بأوامر الله، وخرقوا الحدود، فأهلكهم الله عز وجل، قال العلماء: إذا استقام الإنسانُ على أمر الله، وعمل صالحاً ارتقت نفسه في سلم المعرفة، فإذا اتصل بالله عز وجل شعر بالسرور، وتجلى الله عليه باسم الباسط، يعني تلاقيه مسروراً، لكنْ هنا مزلقٌ خطير، ما هو هذا المزلق ؟ المزلق الخطير أن يكون مع الانبساط جرأة، جرأة تخرجك عن عبوديتك، فإذا الإنسان سُرَّ، كأنْ صلى قيام الليل، وتجلى الله على قلبه، فبكى بكاءً شديداً، وذابت نفسه محبة لله، فلا ينبغي أن يقوده هذا الانبساط إلى الجرأة على الله عز وجل، ومِن أخطار الانبساط الجرأة، أحياناً تقرِّبُ إنساناً وتكرمه فيتطاول عليك، فيتكلَّم كلمةً زائدة يتجاوز بها حده، أمّا ؛ كلما أنت قرّبته ازداد معك أدباً، فهي أعلى درجة في العبودية لله عز وجل، فالإنسان بحالات التقريب الإلهي لا ينبغي أن يتكلم كلمة نابية مع خلق الله، ولا ينبغي أن يحتقر خلق الله، ولا ينبغي له أن يَدِلّ على الله بعمله، لا ينبغي أن يتيه على الناس باستقامته، بإقباله، بصلاته، بحفظه لكتاب الله، بأعماله الصالحة الكبيرة التي مَنَّ الله بها عليه، فمِن تمام الأدب مع الله، أن الله عز وجل إذا تجلى عليك باسم الباسط، يعني إذا كنت في حالة الانبساط لا ينبغي أن يقودك الانبساط إلى سوء الأدب مع الله عز وجل، يعني هناك أشخاصٌ ينجذبون، يقول أحدهم: سبحاني، هي كلمة فيها سوء أدب مع الله، ما أعظم شأني، يعني بساعة الإقبال الشديد، وبساعة الغيبوبة غاب عن الوعي، فقال: سبحاني، ما أعظم شأني، هذا الانبساط قاده إلى الجرأة، ومن تعظيم حرمات الله أن السرور بالاتصال بالله عز وجل قد يحملك على الشعور بالأمن، أمنٌ معه راحةٌ ومعه كسل، يعني عَمِلَ أعمالاً صالحة، اتصل بالله اتصالاً شديداً، فاسترخى، وشعر بالأمن، هكذا بدا لَهُ.
لذلك قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى قبل أن يموت كلمات شَكَّ تلامذته في أحواله، قبل أن يموت، وفي ساعة الاحتضار كان يقول: " كلا بعدُ، كلا بعدُ، كلا بعدُ، قالوا: ما هذا ؟! كأنهم خافوا على إيمانه، ثم توفاه الله عز وجل، رآه أحد تلامذته في المنام، قال: يا سيدي ماذا فعل الله بك ؟ وما قولك: كلاّ بعدُ ؟ فقال: جاءني الشيطان، وقال لي: لقد دخلت الجنة، فقلت كلا بعدُ حتى يُخْتَم عملي "، فالمؤمن لا يأمن الشيطان أبداً ما دامت روحه تصحبه، هناك شخص ما مثلاً يعمل أعمالاً صالحة، يلازم مجالس العلم، فيكتفي، ويقول: أنا ضمنت الجنة، مَن قال لك ذلك ؟ يجب ألا تأمن، لا تأمن إلا إذا دخلت الجنة، ما دمت في الدنيا، فأنت في دار ابتلاء، ما دمت في الدنيا فهناك أخطار، مادمت في الدنيا هناك مزالق، لذلك عن النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْكِلابِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( مَا مِنْ قَلْبٍ إِلا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: يَا مُثَبِّتَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ قَالَ وَالْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ يَرْفَعُ أَقْوَامًا وَيَخْفِضُ آخَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ))

( أخرجه ابن ماجة )

من تعظيم حرمات الله عزوُ الفضل إليه سبحانه:

الشيء الأخير، من تمام الأدب مع الله عز وجل أنك إذا أكرمك الله بعمل طيب، إذا أكرمك بحال طيب، إذا أكرمك بقلب سليم إذا أكرمك بتجلٍّ كبير، إذا أكرمك بإقبال شديد، فلا ينبغي أن تعزو هذا إليك وتدَّعي: أنا أخي جهودي الكبيرة الجبارة في هذه السنوات الماضية قادتني إلى هذا الحال الطيب، لا، بل هذا من فضل الله عليك:

﴿ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾

( سورة النساء: 113 )

وقال سبحانه:

﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا ﴾

( سورة النور: 21 )

لذلك من سوء الأدب مع الله أنك في ساعات الإقبال تنسى أن هذا من فضل الله عليك، تعزوه إلى قدرتك، إلى استقامتك، إلى بطولتك، هذا من سوء الأدب مع الله.
الذي ساقنا إلى هذا المَوْضِع هو: لماذا قوم لوط عصوا ربهم ؟ لأنهم استخفّوا بالله عز وجل، استخفّوا بأمره، استهزؤوا بقوانينه، لم يعبؤوا بوعده ولا وعيده، ففعلوا خلاف ما أُمِروا ؛ وخرجوا عن مقتضى حال بني البشر، وأساؤوا، وتجاوزوا الحدود، واعتدوا فأهلكهم الله عز وجل، أمّا المؤمن فالحالة الصحيحة عنده أنه يعظم حرمات الله.

﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾

أول تعظيم: أن تكون طاعتك خالصة عن الطمع، والخوف والمراءاة.
وثاني تعظيمٍ: أن تقف مَعَ آيات الكتاب الكريم عند الحدود التي قالها الله عز وجل، من دون تجسيد ولا تعطيل.
وثالث تعظيم: ألاّ يقودك الانبساط إلى الجرأة، وألا يقودك السرور إلى الأمن، وألا يقودك الشهود إلى أن تعزو هذا إليك.

﴿ رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ(171)﴾

مَن والى قومًا فهو منهم:

أمَّا امرأتُه فقد والتْ قومها، أحبّتْ قومها، شيء خطير، قال عليه الصلاة والسلام:

(( من أحب الكفرة حشر معهم، ولا ينفعه عمله شيئاً ))

بعض الناس إذا رأى إنساناً منحرفاً أحبَّه وأخلص له، وأقام بينه وبينه علاقة حميمة، فهذا دليل المجانسة، لأنه مَنْ جانَس جالس، ومن جالس جانس، فمَن هَوِيَ قوماً حشر معهم، مَن هوِيَ الكفرة حشر معهم ولا ينفعه عمله شيئاً.
فهذه امرأة لوط خانتْ زوجها خيانةَ الدعوةِ، ومالت إلى قومها المنحرفين، فاستحقت الهلاك.

﴿ إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغَابِرِينَ (171) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) ﴾

عاقبة أمر قوم لوط: ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ

يقول المفسرون: إن الله سبحانه وتعالى خسف بهم الأرض، وأمطر عليهم حجارة من السماء، والنتائج الطبيعية لهذا العمل مرض الإيدز، ذلك الشبح المخيف الذي يهدد أمن البشرية الآن، يعني أنّ في المجتمعات الغربية، وفي أمريكيا، وفي أوروبا، وفي أفريقيا، إصاباتٍ في أعداد مخيفة، وحتى الآن ليس هناك دواء ناجع، وهذه عقوبة عاجلة.
وفي بعض الأحاديث عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ:

(( أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ، لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا ))

( أخرجه ابن ماجة )

وكلكم يقرأ، ويسمع، ويطالع عن هذا المرض الخطير، مرض نقص المناعة، وربنا سبحانه وتعالى جعل هذا المرض الخطير عقاباً عاجلاً لهؤلاء المنحرفين، والإحصائيات الدقيقة، أنه تسعين بالمائة من حالات هذا المرض بسبب فعل قوم لوط، تسعين بالمائة قسم قليل بسبب تعاطي المخدرات، ومعاقرة الخمر والزنا، لكن هذه المعاصي الكبيرة في مقدمتها فعل قوم لوط، ومصيرُ هذا مرض خطيرٌ خطير، يعني شبح مخيف، تئنَّ تحت وطأته نفوس الملايين من الذين ألقوا أوامر الله عُرْضَ الطريق.

﴿ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (172) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175) ﴾

هذا كلام الله عز وجل، فأيُّ انحرافٍ في علاقة الرجل بالمرأة، أو بغيرها فمصيرُه هذا المصير الحالك المُهلك.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018