الدرس : 07 - سورة الشعراء - تفسير الآيات 105 - 122 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 07 - سورة الشعراء - تفسير الآيات 105 - 122


1989-09-01

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس السابع من سورة الشعراء، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ(107)﴾

قصة نوح عليه السلام مع قومه:

 ربنا سبحانه وتعالى يبين في هذه السورة ؛ سورة الشعراء قصة أخرى من قصص الأنبياء، إنها قصة سيدنا نوح مع قومه، فهؤلاء القوم كذبوا نوحاً، فلماذا قال الله عز وجل:

 

﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ ﴾

 لماذا جاءت الرسالة مجموعة جمعاً ؟ استنبط علماء التفسير من جمع المرسلين، أن الذي يكذب رسولاً واحداً يكذب كل المرسلين، لأن رسالات الأنبياء كلها واحدة، من مشكاة واحدة، من ينبوع واحد، من مصدر واحد، لها مبادئ واحدة، وثابتة، يؤكد هذا قول الله عز وجل في أكثر من موضع في كتاب الله.

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

 ( سورة الأنبياء: 25 )

 رسالات الأنبياء كلها واحدة، فحواها أن توحّد الله وأن تعبده، التوحيد نهاية العلم، والتقوى نهاية العمل.

﴿ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾

 ( سورة البقرة: 136 )

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِيَن مِنْ قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

 ( سورة البقرة: 183 )

 هكذا ينبغي أن يكون، الدين كله واحد، مصدره واحد، مؤداه واحد، مبادئه واحدة، أما الذي طرأ على بعض الكتب التي أنزلت قبل القرآن من تحريف، ومن تغير، هذا الذي أبعدها الله عن كتابنا الكريم.

 

من تمام العقيدة الإيمان بجميع الرسل:

 شيءٌ آخر، هو أن الله سبحانه وتعالى جعل من تمام عقيدتك وإيمانك أن تؤمن بجميع الرسل الذين من قبل النبي عليه الصلاة والسلام من تمام العقيدة أن تؤمن برسالة سيدنا عيسى، وبرسالة سيدنا موسى وبصحف إبراهيم، وبكل الأنبياء والمرسلين، فالذي يكذب رسولاً واحداً إنما يكذب كل المرسلين، هذا الذي استنبطه العلماء من قول الله عز وجل:

 

﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ(107)﴾

معنى الأخوّة في الآية:

 هنا بعضهم قال: إنّ الإخوة أخوّة نسب، وبعضهم قال: أخوّة في المشابهة، ربنا عز وجل قال:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

 ( سورة إبراهيم: 4 )

 هذا الرسول إنسان، من لحم ودم، له مشاعر، له عواطف له تفكير، لكن الله عز وجل أنعم، عليه ووهبه النبوة، واصطفاه على العالمين، لكنه هو في الأصل هو إنسان، يشعر بما تشعر، يؤلمه ما يؤلمك، يفرحه ما يفرحك، من هنا كانت بطولته، لو أن الله سبحانه وتعالى أرسل ملكاً إلى الناس لاحتج الناس فقالوا: هذا ملك يا أخي، هذا لا يحس بإحساسنا، هذا ليس عنده شهوة كالتي عندنا، هذا لا يحتاج إلى الطعام والشراب، لكن الله سبحانه وتعالى لحكمة بالغة جعل الأنبياء من البشر، وجعل المرسلين من البشر، وجعلهم ينطقون بلسان قومهم، وجعلهم من جلدة قومهم، لو أنه إنسان غريب جاء قوماً فدعاهم إلى الله عز وجل لشكّوا فيه، وتوجسوا منه خيفة، لكنه منهم، من بلدتهم، من بيئتهم، من قومهم، عاش عاداتهم، وتقاليدهم عاش محيطهم، عاش معطيات حياتهم، هذا معنى قول الله عز وجل

﴿ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ﴾

 إما أنها أخّوة نسب، وإما إنها أخّوة في المشابهة يعني هو واحد منهم.

﴿ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ﴾

تذكير نوح قومه بعذاب الله:

 يعني ألا تتقون عذاب الله بطاعته ؟ وإن شاء الله تعالى في درس قادم سأفصل في التقوى بعض التفصيل، ولكن بشكل موجز، الله سبحانه وتعالى ذو عقاب أليم، ذو عذاب شديد، كيف تتقي عذابه ؟ كيف تتقي عقابه ؟ كيف تتقي بلاءه ؟ كيف تتقي المصائب ؟ تتقيها بطاعة الله عز وجل لا ملجأ منه إلا إليه، بطاعته تتقي ما عنده من عذاب، والتقوى تكون بأن تستنير بنوره.

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 ( سورة النور: 35 )

 الله سبحانه وتعالى خلق الكون، ونوّره بالكتب، نوره بالأنبياء، نوره بالمرسلين، نحن نشق الطريق ونضع اللافتات، هنا منعطف خطر، وهنا منزلق خطر، وهنا تقاطع خطر، وهنا جسر، وهنا فرع وهذا الطريق إلى هنا، وهذا إلى هناك، هذه اللوحات إنما هي إرشاد لسالكي هذا الطريق، هذا تشبيه، والله سبحانه وتعالى خلق الكون ونوره بالعلم، والعلم نور، الكتاب نور، إذاً التقوى كيف تتقي الحفر كيف تتقي الوحوش ؟ كيف تتقي الحشرات المؤذية ؟ كيف تتقي المياه الوسخة ؟ لا بد من مصباح شديد، بهذا المصباح الشديد، ترى الخير خيراً، والشر شراً، ترى الخير فتأخذه، وترى الشر فتبتعد عنه.

﴿ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴾

الأمانة من صفات الأنبياء والمرسلين:

 هذه الكلمة لها وقع لطيف، كلمة لها معانٍ كثيرة، النبي عليه الصلاة والسلام قبل البعثة كان يلقب بالأمين، في القرآن الكريم كلمات لها معانٍ كثيرة، فمن السذاجة أن تظن كلمة في القرآن معنى واحد، مثلاً ربنا سبحانه وتعالى قال:

 

﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾

 

 ( سورة النساء: 163 )

 وقال الله عز وجل:

﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ ﴾

 ( سورة القصص: 7 )

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ﴾

 ( سورة النحل: 68 )

 فهل الوحي إلى النحلة كالوحي إلى أم موسى ؟! كالوحي إلى النبي عليه الصلاة والسلام، طبعاً كلمة الإيماء لها معانٍ متعددة في القرآن الكريم، فمن ضيق الأفق ومن السذاجة أن تظن أن لكلمة واحدة في كتاب الله معنى واحداً، وكلمة أمين هنا ذات مدلولات واسعة جداً، وما من مفاهيم ومدلولات نحن كمسلمين أحوج إليها منا.
قال الله سبحانه وتعالى:

﴿ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ﴾

 والأمانة من صفات الأنبياء الثابتة، الأنبياء لهم صفات ثابتة، بل هي سمات عميقة الصدق، والأمانة، والفطانة، والعصمة، فالأمانة أحد صفات الأنبياء الثابتة، كلمة أمين، لو عرضتها على إنسان لفهم منها شيئاً معيّناً، إذا أودعت عند هذا الإنسان شيئاً، ثم طالبته به يؤديه إليك بالوقت المناسب، وبالحالة الجيدة، هذا مفهوم الأمانة عند بعض الناس، ولكنك كإنسانٍ على وجه الأرض أنت قد حمّلت الأمانة فما الذي يميز الإنسان عن الحيوان ؟ ما الذي يميز الإنسان عن الملك ؟ لماذا سخر الله للإنسان السماوات والأرض بنص القرآن الكريم ؟

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

 ( سورة الجاثية: 13 )

 لماذا ؟ هذا الكون الذي لا يعلم نهايته إلا الله، لا يعلم ما فيه من مجرات إلا الله، إذا كان التقدير الأولي مليون مَليون مجرة، إذا كان التقدير الأولي لما في المجرة من كواكب مليون مَليون، إذا كان بعض النجوم يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، إذا كان بين أرضنا وبين بعض المجرات ما يزيد على ستة عشر ألف مليون سنة ضوئية، هذا الكون كله مسخر للإنسان، لماذا ؟ لمَ لم يسخر للقرود هذا الكون لمَ لم يسخر للملائكة ؟ لمَ هذا الكون كله بسمائه ومجراته، وأفلاكه وأرضه، وما فيه جميعاً، مسخر لهذا الإنسان ؟ لأنه حمل الأمانة.

 

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾

 

 ( سورة الأحزاب: 72 )

من مفهوم الأمانة: نفسك التي بين جنبيك:

 أيها الإنسان نفسك أودعها الله أمانة عندك، فإما أن تزكيها، وإما أن تدسيها.

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) ﴾

 

 ( سورة الشمس: 9 ـ 10 )

 نفسك أمانة بين يديك، إما أن تعرفها بالله عز وجل، وإما أن تبقيها جاهلة، إما أن تحملها على طاعة الله، وإما أن تدلها على معصيته، إما أن تجعلها تتعلق بالجنة وما فيها، وإما أن تجعلها تتعلق بالدنيا وما فيها، إما أن تجعلها صادقة، أمينة، مخلصة، عفيفة، صابرة منصفة، تقية، نقية، طاهرة، وإما أن تجعلها لئيمة، خسيسة، دنيئة حقيرة، دميمة، بخيلة، شحيحة، أنانية.

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) ﴾

 ( سورة الشمس: 9 ـ 10 )

 أخطر مفهوم الأمانة أنك حمّلت الأمانة فكنت إنساناً لولا أنك حملت الأمانة فحملتها وقبلت حملها ـ في حين أن السماوات والأرض أشفقن منها ـ لما كنت إنساناً،

 

أتحسب أنك جرم صغير  وفيك انطوى العالم الأكبر
***

 إنك قد حملت الأمانة، ونفسك أمانة، ولكن من أجل أن تهذب هذه النفس، ومن أجل أن تعرفها بربها، ومن أجل أن تحملها على طاعته، ومن أجل أن تجعلها تقبل عليه، من أجل أن تجعلها طاهرة من أجل أن تصبغها بصبغة الله عز وجل، أعطاك الله عز وجل مقومات الأمانة.
 أنا قد أكلف إنساناً بمهمة كبيرة، أعطيه من الصلاحيات والمبالغ، والآليات ما يعينه على أداء هذه المهمة، صحيح أن الإنسان قبل حمل الأمانة بنص قول الله تعالى:

 

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾

 ( سورة الأحزاب: 72 )

 لكن الله سبحانه وتعالى في الوقت نفسه أعطى هذا الإنسان مقومات هذه الأمانة.

 

مقومات الأمانة:

 

1 – الكون:

 أولى هذه المقومات: خلق الكون وسخره له، ليكون هذا الكون مظهراً لأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، أتحب أن تعرف الله عز وجل ؟ هذا الكون بين يديك.

﴿ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾

 ( سورة الذاريات: 20 )

 أتحب أن تعرف الله عز وجل ؟ انظر إلى طعامك، انظر إلى شرابك، انظر إلى الجبال، انظر إلى السماوات والأرض، انظر إلى البحار، انظر إلى ابنك الذي كان نقطة من ماء مهين، انظر إلى النباتات بأنواعها، انظر إلى كل شيء تر الله وراءه، تر الله من خلاله، تر الله قبله، تر الله بعده، فمن مقومات الأمانة ما دام الهدف الكبير أن تزكي هذه النفس، والتزكية تكون بتعريفها بربها أولاً، وحملها على طاعته ثانياً، وإقبالها عليه ثالثاً، عندها تزكو، من أجل هذا الهدف العظيم، خلق الله الكون، وسخره للإنسان، وما قيمة هذا الكون لولا أن الله سبحانه وتعالى أودع فينا هذا العقل، وميزنا فيه عن بقية خلقه، لذلك جميع الكائنات أودع الله فيها غريزة، الغرائز فيها آليات معقدة جداً، ولكنها لا تنمو، هذا الطائر يطير بآلية معقدة، ولكنه لا يعرف غيرها، أودع الله الغرائز، وهي أعمال معقدة يقوم بها الحيوان من دون تعليم سابق، ولا كسب ولا فهم، إنما هذه الغرائز تؤدي وظيفته في الحياة، ولكن الله سبحانه وتعالى أكرم الإنسان بالعقل، أو بالفكر، فالفكر ينمو، انظر إلى المسكن كيف بدأ الإنسان، وكيف انتهى مسكنه، انظر إلى كل هذا المنجزات التي أنجزها الإنسان بفكره وعقله.

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾

 ( سورة الرحمن: 7 )

 ما قيمة الكون من دون عقل ! وما قيمة العقل من دون كون ! إنك بالعقل تعرف الله عز وجل، من خلال الكون، ولكن لئلا يضل هذا العقل، لئلا يختل، لئلا يطغى، لئلا يتجاوز، الله سبحانه وتعالى أنزل الكتاب، فجعل الكتاب ميزاناً على الميزان، عقلك ميزان، وإذا اختل هذا الميزان فهناك ميزان يضبطه، ألا وهو الشرع.
الكون أحد مقومات حمل الأمانة، والعقل أحد هذه المقومات.

 

2 – الشرع:

 والشرع أحد هذه المقومات.
 كيف ترقى إلى الله ؟ لا بد من شهوة يودعها الله فيك، من أجل أن تدفعك إلى الله إيجاباً أو سلباً، أودع في الإنسان حب المرأة، فإذا غض بصره عن محارم الله ارتقى عند الله، وإذا فعل ما أباح الله له ارتقى عند الله، في المرة الأولى ارتقى صابراً، وفي المرة الثانية ارتقى شاكراً، حب المال، وحب النساء، وحب العلو في الأرض، وأية شهوة أودعها الله في الإنسان يرقى بها مرتين، مرة إذا تركتها لله.

 

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى ﴾

 (سورة النازعات: 40 )

 ومرة ترقى بها إذا فعلت ما أمرك الله بها.

 

العقل والشهوة والشرع وحرية الإرادة:

 إذاً هذا الكون، وهذا العقل، وهذه الشهوة، وهذا الشرع ومنحك حرية الإرادة، لتكون أعمالك ثمينة، ذات قيمة، إنك تفعل هذا مختاراً، هذا حرية الاختيار، مع الشهوة، مع العقل، مع الشرع، مع الكون، هذه بعض مقومات حمل الأمانة، فإذا زكيت نفسك، يعني إذا فكرت في الكون فعرفت الله، ودرست الشرع فعبدته من خلاله بالكون تعرفه، وبالشرع تعبده، فكرت بالكون فعرفت الله.

 

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) ﴾

 ( سورة آل عمران: 190 ـ 191 )

 بالكون تعرفه، فإذا أردت أن تعبده فبالشرع الذي أنزله الله على النبي عليه الصلاة والسلام تعبده، فكرت فيه فعرفته، درست الشرع فعبدته، أصبحت الآن في طاعته، إذاً أصبح الطريق إليه سالكاً، أقبلت عليه، فتجلى عليك، فسعدت بقربه، المقومات جاهزة، الكون، والعقل والشرع، والشهوة، والحرية، والإرادة، هذا كله من مقومات حمل الأمانة، فإذا قرأت بالقرآن الكريم قوله:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾

 ( سورة الأحزاب: 72 )

 فهذه اسمها أمانة التكليف.

 

أمانة التبليغ:

 وإذا وقفت أمام النبي عليه الصلاة والسلام في زيارتك له تقول أشهد أنك أديت الأمانة، هذا معنى آخر ؛ أمانة التبليغ، قبل أن ينتقل النبي عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى قال كلمتين قال: جلال ربي الرفيع قد بلغت، يعني يا رب لقد بلغت الأمانة، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان أميناً على رسالة الله عز وجل، ما زاد عليها، ما أنقص منها، ما كتم منها، فلما أصحابه قالوا: إن الشمس قد كسفت لموت إبراهيم، ماذا فعل النبي ؟ هذه لمصلحته، هذه القصة، وهذا الفهم يرفع من شأن النبي أمام الناس، ماذا فعل النبي الكريم ؟ جمع أصحابه وقام فيهم خطيباً، وقال:

 

 

(( أيها الناس، إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان لموت أَحَدٍ ولا لحياته))

 

 ( البخاري )

 لا علاقة لهذا بموت إبراهيم، فقوله هذا أمانة، لأنه لو سكت لكان هذا دجلاً، هي أمانة، فهذه أمانة التبليغ، قال تعالى:

 

﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ ﴾

 

 ( سورة الحاقة: 44 )

 لو تكلم كلمة من عنده، لو تكلم كلمة لصالحه، لو تكلم كلمة ليس قانعاً بها، لو تكلم كلمة ليكسب بها منفعة.

﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ(47)﴾

 ( سورة الحاقة 44 ـ 47 )

﴿ إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ﴾

 ( سورة الإسراء: 75 )

 أمانة التبليغ، هي أمانة أخرى، فالأنبياء أمناء الله في خلقه لا ينطقون بكلمة إلا وفق الحق، أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام قال له: يا رسول الله إنك تغضب، فهل أكتب عليك في ساعة الغضب والرضى، فما كان من النبي عليه الصلاة والسلام إلا أن أمسك بفمه وقال: والذي بعثني بالحق هذا اللسان لا ينطق إلا بالحق، في الغضب والرضى، أكتب. يؤكد هذا قول الله عز وجل:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) ﴾

 ( سورة النجم: 3 ـ 4 )

 لذلك قال علماء الأصول الوحي نوعان، وحي متلو، وهو هذا القرآن، ووحي غير متلو، وهو كلام النبي عليه الصلاة والسلام، هذه أمانة التبليغ.

 

الأمانة الأولى: أمانة التكليف:

 أما العلماء فقد ألقى الله على عاتقهم أمانة كبرى، وهي أمانة التبيان الشرع مقنن، وانتهى الأمر، ما على العالم إلا أن يبين للناس ما نقله عن النبي عليه الصلاة والسلام، لذلك ربنا عز وجل وصف الدعاة إلى الله فقال:

 

 

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾

 

 (سورة الأحزاب: 39 )

﴿ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللهِ ﴾

 ليس من عندهم شيء، ولا كلمة، ولا حرف،

(( ابن عمر، دينك دينَك، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا ))

 ( علل بن أبي حاتم )

 قال سيدنا أبو بكر إنما: << أنا متبع قول، ولست بمبتدع >>.

 

(( من كان يعبد محمداً فإن محمد قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ))

 

 ( البخاري )

 لا يستطيع العالِم أن يتكلم من عنده ولا كلمة ولا حرف، إلا أن يأخذ عن كتاب الله، ووفق ما ينبغي أن يفهمه من كتاب الله، وإلا أن يأخذ عن رسول الله، هذه أمانة أخرى، أمانة التبيان.

﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ﴾

 ( سورة آل عمران: 187 )

 الله سبحانه وتعالى قال عنهم:

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾

 ( سورة الأحزاب: 39 )

 هؤلاء العلماء الذين يدعون إلى الله عز وجل من صفاتهم الأساسية، وهذه الصفة مترابطة معهم ترابطاً وجودياً، فإذا ألغيت ألغي وجودهم، أنهم يخشون الله وحده، ولا يخشون أحد إلا الله، فلو أنهم خافوا من غير الله، لسكتوا عن الحق، وتكلموا بالباطل، فإذا سكتوا عن الحق، وتكلموا بالباطل فماذا بقي من تبليغ رسالات الله ؟ فهناك أمانة التكليف، أي إنسان حملها:

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) ﴾

 

 (الشمس: 9-10)

 نفسك أمانة بين يديك، وأكبر خسارة أن تخسر نفسك،

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾

 ( سورة الزمر: 15 )

 خسر نفسه، وضعها الله بين يديه أمانة فخسرها.
 الشيء الثاني أمانة التبليغ: وهي الأمانة التي ألقاها الله على عاتق الأنبياء والمرسلين.
 والأمانة الثالثة: أمانة التبيان، وهي التي ألقاها الله على عاتق كل داعية إلى يوم القيامة، فإذا سكت عن شيء إرضاء لزيد، أو عبيد فقد خان الأمانة، إذا تكلم شيئاً ليس قانعاً به، لجلب مصلحةً له، فقد خان الأمانة، إذا تكلم بما لا يعلم فقد خان الأمانة، إذا أفتى بما لا يعلم فقد خان الأمانة، إذا لم يتعمق بالعلم، وأبقى أتباعه في جهل فقد خان الأمانة، هي أمانة التبيان، لذلك إما أن يرقى الإنسان إذا دعا إلى الله إلى أعلى عليين، وإما أن يهبط إلى أسفل سافلين ـ إذا لم يدعُ ـ هذه أمانة ثالثة.

 

أمانة الولاية:

 هناك أمانة الولاية: سيدنا عمر بن عبد العزيز، دخلت عليه فاطمة بنت عبد الملك رأته يبكي، وهو يصلي، فقالت له: ما لك تبكي ؟ قال: دعيني وشأني، فلما ألحت عليه، قال يا فلانة: إني وليت أمر هذه الأمة، فنظرت في اليتيم، والفقير، والأرملة، والمسكين، وذي العيال الكثير، والرزق القليل، وابن السبيل، والمقطوع، والأسير، ( فكّر في آلاف الأشخاص ) فعلمت أن الله سيحاسبني عنهم جميعاً، فلذلك أبكي والله لو تعثرت بغلة في العراق لخشيت أن يحاسبني الله عنها، لمَ لم تصلح لها الطريق يا عمر ؟ هذه أمانة الولاية.
 سيدنا عمر لما قال لعبد الله بن عوف: انطلق بنا يا عبد الرحمن نحرس هذه القافلة، قافلة من التجار جاءت المدينة، وأقامت في المصلى، سيدنا عمر سمع طفلاً يبكي فانطلق إلى أمه، وقال: يا أمة الله اتقي الله، وأحسني إلى صبيك، ثم رجع إلى مكانه، فإذا به يبكي ثانية، ثم قام إليها وقال: يا أمة الله اتقي الله، وأحسني إلى صبيك، فلما بكى المرة الثالثة قال: يا أمة السوء، مالي أرى صبيك لا يقر له قرار هذه الليلة، قالت: يا عبد الله ـ لا تعرفه ـ لقد أضجرتني هذه الليلة دعني وشأني، إنني أحمله على الفطام فيأبى، قال: ولمَ تحملينه على الفطام ؟ قالت: لأن عمر لا يفرض لنا العطاء إلا بعد الفطام، ( يعني التعويض العائلي ) فما كان من عمر إلا أن صاح، والألم يعتصر قلبه، ويحك يا بن الخطاب، كم قتلت من أطفال المسلمين، ثم نادى في الناس، أرسل منادياً ينادي، ألاّ تعجلوا على صبيانكم، إن العطاء سيفرض لكم حين الولادة، ووقف ليصلي الفجر، فإذا أصحابه لا يسمعون قراءته من شدة بكائه، هذه أمانة الولاية، كان يقول: ليت أم عمر لم تلد عمر، ليتها كانت عقيمًا، لو أنزل الله أنه معذبٌ واحداً من خلقه لظننت أنه أنا، هكذا كان يقول عمر رَضِي اللَّه عَنْه، كان عمر يقول: أود أن أذهب من الدنيا لا لي ولا عليّ، هذه أمانة الولاية، وأنت أيها الأخ المؤمن.
 ستحاسب عنهم واحداً وَاحداً، هل أديت لهم حقهم ؟

 

 

أمانة التولية:

 هناك أمانة أخرى هي أمانة التولية، سيدنا عمر عيّن والياً، وقال له اذهب إلى عملك، واعلم أنك مصروف رأس سنتك، وأنك تصير إلى أربع خلال، فاختر لنفسك، إن وجدناك أميناً، ضعيفاً، استبدلناك بضعفك، وسلمتك من معرتنا أمانتك، وإن وجدناك خائناً قوياً استهنا بقوة، وأوجعنا ظهرك وأحسنا أدبك، وإن جمعت الجرمين الضعف والخيانة، جمعنا عليك المضرتين، وإن وجدناك قوياً أميناً زدناك في عملك، ورفعنا لك ذكرك، وأوطأنا لك عقبك.
 ومرة عين والياً، قال له: ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ قال: أقطع يده، قال إذاً: إن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عار، أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه ـ انظر إلى هذه الأمانة ـ لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإذا وفينا لهم ذلك، تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً، التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية، هذه أمانة التولية.
 لذلك هناك حديث شريف يقول عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( من استعمل رجلاً على عصابة - أي على جماعة - وفيهم من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ))

 

 ( ورد في الأثر )

 حينما تولي، ولو على مستوى معلم بالمدرسة إذا عين عريفاً على هؤلاء الطلاب يجب أن ينتقيه من ذوي الأخلاق الحسنة، لو انتقاه لقرابته، أو لسبب آخر، أو لأن هذا الطالب يقدم له بعض الهدايا، لو عينه عريفاً على هؤلاء الطلاب فقد خان الله ورسوله والمؤمنين، وعلى هذا فقس، لذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

 

(( بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا، قَالَ: إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ ))

 

 ( أخرجه البخاري )

 هذه أمانة التولية.

 

أمانة الواجب:

 أما الأمانة الخطيرة فهي أمانة الواجب المعلم مؤتمن على هؤلاء الطلاب، هل أعطاهم علماً صحيحاً ؟ هل ضيع الوقت عليهم ؟ هل أمضى الوقت من غير فائدة ؟ هل أعد دروسه إعداداً جيداً ؟ الطلاب أمانة في عنق المعلم، والمرضى أمانة في عنق الطبيب، والموكل أمانة في عنق المحامي، هل نصحه بأن هذه الدعوى خاسرة وقال: ويا أخ الطريق مسدود، واذهب، وأعطه حقه، ودع هذا الطريق ! أم قال له المحامي لا، سوف تنتصر عليه، أنا عندي خبرة في هذا الموضوع هات دفعة أولى، يجعله يقف، ويسأل، وينتظر عدة سنوات، وأخيراً يخسر الدعوى، إن هذا الموكل أمانة في عنق المحامي، وأي شيء أي مصلحة أية حرفة، التاجر تأخذ ثمن هذه البضاعة، هل أعطيته بضاعة مقابل هذا الثمن ؟ أم هي دون هذا الثمن، لماذا أوهمته أن هذه البضاعة أجنبية ؟ لماذا أوهمته أن هذه البضاعة لا مثيل لها ؟ إن هذا الشاري أمانة في عنق البائع، لذلك الواجب التاجر، والصانع، والموظف والعامل، صاحب المصلحة، صنعة، هل نصحت له في هذه الصنعة ؟ إن إتقان العمل جزء من الدين، إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه، لماذا لم تتقن هذا العمل ؟ لذلك أي تقصير في العمل، أي مضاعفات له تسجل على صاحب التقصير، خيانة، هذه أمانة أداء الواجب، شيء كثير يتعلق بالأمانة، يقول عليه الصلاة والسلام مخاطباً رجلاً، سأله أن يستعمله على ولاية.
 عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ:

 

 

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا تَسْتَعْمِلُنِي ؟ قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا ))

 

 ( أخرجه مسلم )

 هذه بعض النصوص المتعلقة بالأمانة، هذا الحديث رواه الإمام البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

 

(( بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا، قَالَ: إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ ))

 

 (أخرجه البخاري)

 إذا سلّمت إنساناً عملاً، ليس أهلاً له، ليس لديه خبرة غير مستقيم، سلّمت له هذا العمل، عندئذٍ فقد خنت الله ورسوله والمؤمنين، حديث آخر عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( لا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ))

 

 ( أخرجه البخاري )

أمانة العلاقات الأسرية:

 شيء آخر العلاقات الأسرية، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

 

(( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ))

 

 (أخرجه البخاري)

 النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( إذا قعدت المرأة على بيت أولادها فهي معي في الجنة ))

 

 ( ورد في الأثر )

 إذا استقرت المرأة في البيت، أما إذا أمضت وقتها كله خارج البيت، والأطفال ضاعوا، وشردوا، هذه امرأة لا يحبها الله ورسوله، فإذا قبعت في بيتها ترعى أولادها، فقد أدت ما عليها من أمانة تجاه الله عز وجل.

 

أمانة المجالس:

 هناك أمانة المجالس: إنسان تكلم لك بحديث والتفت التفاته يعني هذا الحديث يجب أن يبقى بينك وبينه، لأن المجالس بالأمانة، إلا أن هناك حالات ثلاث لا تجب أن تراعى فيها الأمانة، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

((الْمَجَالِسُ بِالأَمَانَةِ، إِلا ثَلاثَةَ مَجَالِسَ، سَفْكُ دَمٍ حَرَامٍ، أَوْ فَرْجٌ حَرَامٌ، أَوِ اقْتِطَاعُ مَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ))

 (أخرجه أبي داود )

 فلو كنت في مجلس، اتفق الحاضرون على أن يفعلوا فعلاً مشينًا فهذا المجلس ليس بالأمانة، اتفق الحاضرون على أن يسفكوا دماً، هذا المجلس ليس بالأمانة، اتفق الحاضرون على أن يقتطعوا مالاً حراماً، هذا المجلس ليس بالأمانة، إذا إنسان حدثك حديثًا فهو أمانة، لا ينبغي أن يقول لك: هذا الحديث اجعله بيني وبينك، لا ! يكفي أن يتلفت يمنة أو يسرة، وهو يلقي عليك الحديث، تلفته يمنة ويسرة يعني أن هذا الحديث أمانة، وانتهى الأمر.
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ))

 

 (أخرجه الترمذي)

 فالأمين سمي أميناً من مصدر الأمن، يعني الناس يطمئنون إليك، يرتاحون لك، لا يقلقون، أنت مؤتمن على أموالهم، وعلى أعراضهم، وعلى دمائهم، وعلى كل شيء يخافونه، فالمؤمن والأمين من اشتقاق واحد، هو أمين على أموال الناس، معنى أمين على أموال الناس، أحياناً يأخذ إنسان مبلغاً، ويكتب على نفسه هذا المبلغ، فإذا أنكر هذا المبلغ فهناك إيصال، وهناك دعوى، وهناك حجز على أمواله، التعريف الدقيق للأمانة، أن تؤدي ما عليك من دون أن تكون مداناً أمام الناس.
إنسان أودع عندك مبلغاً من المال ومات، وليس معه وصل، وأولاده لا يعلمون إطلاقاً، فلو سكت على هذا المال لا أحد في الأرض يطالبك، ومع ذلك ذهبت إلى الورثة وقلت لهم، إن أباكم قد أودع عندي هذا المبلغ، فكلوه هنيئا مريئا، أن تؤدي ما عليك من دون إلزام، ومن دون مسئولية، ومن دون إدانة، ومن دون مطالبة، فأنت أمين، أما إذا أديت ما عليك، وهناك سند يحجز على أموالك، هذه علاقة تجارية الأمين أن تعفَ عن أموال الناس، وعن أعراضهم، وعن كل شيء بحوزتك لهم من دون أن تكون مداناً عند الناس، هذا معنى دقيق، لذلك الأمين يخشى الله وحده، ولا يخشى سواه، يؤدي ما عليه.
 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا قَالَ:

 

(( لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ، وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ ))

 

 (أخرجه أحمد )

 لا إيمان، ينفي النبي عليه الصلاة والسلام عن الرجل الإيمان كله إذا كان ليس مؤتمناً،

 

(( لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ، وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ ))

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( مِنْ عَلامَاتِ الْمُنَافِقِ ثَلاثَةٌ، إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا أؤتُمِنَ خَانَ، وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ))

 (أخرجه مسلم)

 يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته ))

 

 ( ورد في الأثر )

 الحقيقة أن الأمانة تشمل الأموال، تشمل الأعراض، تشمل الممتلكات، تشمل الحقوق الأدبية، مقالةٌ ليست لك، مجلة قديمة بيضتها، وقدمتها لمجلة لتنشر باسمك، هذه خيانة، أخذت فكرت من كتاب، وعزوتها إلى نفسك، أشر في الحاشية أن هذه الفكرة من الكتاب الفلاني، المؤلف فلان، هناك الأمانة العلمية، هي أيضاً أمانة، فالغش خيانة، لأن التصريح عن البضاعة مخالف للواقع، الغش يدخل في الخيانة، عكس الأمانة، التطفيف خيانة، عكس الأمانة، إذا أعطيته وزناً أقل من الوزن المتفق عليه، هذه خيانة، الغلو، أيام تلاقي بالسحارة ثلثها ورق، ثلثها حشيش، وأخذ على الوزن الكامل، فوق نوع وتحت نوع، والثلث حشيش، والسحارة بالماء وضعت، وزنها ستة كيلو حسبت 2 كيلو فقط، هذه دخلت بالخيانة، الغلول، أخذ الأموال العامة، إبلاغ الرسالات، النصيحة، الأمر بالمعروف النهي عن المنكر، إعطاء الحقوق لأصحابها، العدل، أداء الودائع، هذا كله من الأمانة، لذلك الذي جعلنا نخرج عن كلمة أمانة، نخرج عن سياق الآيات إلى موضوع الأمانة قول الله عز وجل:

﴿ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ(109)﴾

وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ:

 لم يقل الله عز وجل: وما أسألكم عليه أجراً، بل قال: من أجر، يعني مهما قلَّ هذا الأجر، مهما كان طفيفاً فلا أسألكم عليه، أشد أنواع النفي، من لاستغراق أدق الجزئيات:

﴿ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾

 حتى بعض الأجر، حتى الأجر المعنوي:

﴿ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110) قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) ﴾

 يبدو أن وجهاء قومه لا يستسيغون أن يجلسوا مع عامة الناس ومع الفقراء والمساكين.

 

﴿ الأَرْذَلُونَ ﴾

 هنا هم الفقراء.

 

﴿ قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) ﴾

صبر الأنبياء على من اتبعوهم من الفقراء:

 يعني أنا ما شأني وشأنهم، أنا علاقتي معهم علاقة الهدى، أما إن كانوا فقراء، أو كانوا أغنياء، إن كانوا وجهاء، أو كانوا مغمورين، هذا ليس من شأني أن أحاسبهم عليه.

﴿ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ ))

 

 (أخرجه الترمذي)

 هذا الذي تظنه فقيرا، ليس له شأن قد يكون له شأن عند الله لا ترقى إليه النفوس الكبيرة.

﴿ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115) قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) ﴾

جواب قوم نوح بالتهديد ودعاء نوح ربه بالنصر:

 يعني نقتلك.

﴿ قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116) قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) ﴾

 يعني احكم بيننا يا رب، وانصرني عليهم.

﴿ فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122) ﴾

 كل قوم كذبوا نبيهم، واستخفوا بدعوته أهلكهم الله سبحانه وتعالى عن آخرهم.
 وفي درس قادم إن شاء الله تعالى ننتقل إلى قصة أخرى، ولكن قصة قصيرة متعلقة بالأمانة غابت عن ذهني.
 أبو لبابة صحابي جليل طلب أن يوفده النبي إلى بني قريظة ليستشيروه فيما هم صانعوا، بعد أن خان بنو قريظة رسول الله، يبدو أنه تكلم معهم، ولكن أشار إليهم إشارة تنبئ بما سيفعل النبي معهم، هذه الإشارة هكذا قال، يبدو أنه شعر أنه خان الله ورسوله، وعاد إلى المسجد، وربط نفسه بسارية المسجد، فكانت تأتيه زوجه فتفكه ليصلي، ويأكل، ثم يعود إلى وثاقه، إلى أن تاب الله عليه بعد تسعة أيام، وأنزل الله فيه قرآنا فقال الله عز وجل:

﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

 ( سورة التوبة: 102 )

 فلما نزلت هذه الآية أبى إلا أن يفك النبي عليه الصلاة والسلام وثاقه، لما فك وثاقه، عاهد الله عز وجل على أن ينزل عن ماله كله في سبيل الله، لكن النبي عليه الصلاة والسلام، أمره أن يوزع الثلث فقط فهو أشار إشارة فقط، هذه الإشارة فيها خيانة عظمى.
 سيدنا ابن رواحه حينما كان قائداً في مؤتة، وجاء دوره في المعركة تردد ثلاثين ثانية، قال:

 

يا نفس إلا تـقتلي تموتي  هذا حمام الموت قد صلـيت
إن تفعـل فعلهما رضيتِ  وإن تولـيت فـقد شــقيتِ
* * *

 فقاتل حتى قتل، فلما كلم النبي أصحابه قال أخذ الراية أخوكم زيد فقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى مقامه في الجنة، ثم أخذ الراية أخوكم جعفر فقاتل بها حتى قتل، وإن لأرى مقامه في الجنة، ثم سكت عليه الصلاة والسلام، فلما سكت قلق أصحابه على أخيهم عبد الله بن رواحه فقالوا يا رسول ما فعل عبد الله ؟ قال: ثم أخذها عبد الله فقاتل بها حتى قتل، وإن لأرى في مقامه ازوراراً عن صاحبيه، تردد في بذل روحه، (ثلاثين ثانية)إنها لأمانة، فأنت أمانة عند الله، ونفسك أمانة بين يديك، وأبناؤك أمانة، وزوجتك أمانة، وعملك أمانة، وهذه الأمانة ربما شملت الدين كله، وربما شملت الحياة كلها، وربما شملت نشاطك كله، كل شيء تفعله، سوف تحاسب عليه، هل أديت ما عليك هل عففت عن ما ليس لك ؟ هل أديت واجبك تماماً ؟ هل عرفت نفسك بالله ؟ وأخطر أنواع الأمانة أمانة التكليف.

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018