الدرس : 05 - سورة الشعراء - تفسير الآيات 82 - 89 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 05 - سورة الشعراء - تفسير الآيات 82 - 89


1989-08-18

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الخامس من سورة الشعراء، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) ﴾

 إلى هنا وصلنا في تفسير الآيات.

﴿ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴾

معنى الخطيئة المنسوبة إلى الأنبياء وعلاقتها بالعصمة:

 كلمة ( خطيئة ) حينما تنسب إلى سيدنا إبراهيم، أو حينما ينسبها إبراهيم إلى نفسه عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، هذا يقودنا إلى موضوع دقيق هو عصمة الأنبياء، الله سبحانه وتعالى اصطفى من خلقه رسلاً ليبلغوا دعوته للناس، وهؤلاء الرسل أمرنا ربنا باتباعهم في كل حركاتهم وسكناتهم، فهل يعقل أن يقع خطأ من رسول ؟ هل يعقل أن يرتكب النبي أو الرسول معصية أو ذنباً، أو أن يقع في كبيرة، أهذا معقول ! ما الذي يحدث ؟
 كيف يأمرنا ربنا سبحانه وتعالى أن نطيع أنبيائه ورسله وهم غير معصومين ؟ كأن الله يأمرنا أن نتبع المعصية أو الخطأ وهذا مستحيل، أو أن نلغي أمر الله لنا باتباعهم، أيضاً هذا مستحيل، لذلك علماء العقيدة، وما عليه جمهور العلماء أن الأنبياء من صفاتهم الأساسية العصمة، أي أنهم معصومون من أن يقعوا في كل أنواع المعصية، والخطأ، والمخالفة، والإثم في معتقداتهم، وفي أقوالهم، وفي أفعالهم، وأخلاقهم.
 قضية عصمة الأنبياء شيء مقطوع بها، لو لم يكن الأنبياء معصومين لاختل ميزان الشريعة، لأن الله سبحانه وتعالى يأمرنا فيقول:

 

﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

 

 (سورة الحشر 7)

 لمَّا أمرنا الله عز وجل أن نأخذ كل ما أمرنا به النبي فإذا كان يصح أن يقع النبي في خطأ، أو في معصية، أو في إثم، أو في مخالفة، سواء في معتقده، أو في أقواله، أو في أفعاله، أو في أخلاقه لو أن هذا ممكن لاختل ميزان الشريعة، نقول: يا رب كيف تأمرنا أن نتبعه، وها هو يخطئ ؟ أنلغي أمرك، أم نتبع خطأه ؟ كل هذا لم يكن، الأنبياء معصومون، ومعنى معصوم هذه اسم مفعول من عصم، ومعنى عصم أي منع، قال:

﴿ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنْ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلا مَنْ رَحِمَ ﴾

 (سورة هود 43)

﴿ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ﴾

 (سورة يوسف32)

 أي امتنع، فالله سبحانه وتعالى حدثنا عن أنبيائه الكرام جملة لا تفصيلاً، فقال:

﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ ﴾

 (سورة الأنعام90)

 أي أنت أيها المؤمن مطالب أن تقتدي بهدي الأنبياء جميعاً، ونحن المسلمين مطالبين بأن نقتدي بهدي نبينا عليه الصلاة والسلام، آية أخرى يقول الله عز وجل:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾

 (سورة الأحزاب21)

 إذاً هو أسوة حسنة، هو قدوة صالحة، وهو مثل أعلى، إذاً يستحيل الخطأ على الأنبياء لأنهم قدوة، بل لأن الله جعلهم قدوة فإذا جعلهم الله قدوة، ووقع منهم الخطأ ماذا نفعل ؟ أنقتدي بخطئهم هذا مستحيل ؟ أنلغي أمر الله بالاقتداء بهم هذا مستحيل ؟ يقودنا إلى أن نعتقد اعتقاداً جازماً بعصمة الأنبياء جميعاً والمرسلين.
 معنى النبي، ومعنى الرسول ذلك الإنسان الذي لا ينقطع عن الله لحظة، فإذا كنت تحمل ضوءًا كشافاً ترى به كل شيء هل يعقل أن تقع في خطأ ‍‍! هل يعقل أن تهبط في حفرة ! مستحيل، الاعتقاد بعصمة الأنبياء جزء من العقيدة الإسلامية الصحيحة.
 ولكن اليهود يعتقدون خلاف ذلك، يعتقدون أن سيدنا لوط شرب الخمر، وزنى بابنتيه، ويعتقدون أن نبياً آخر زنى بزوجة ابنه، ويعتقدون أن سيدنا إبراهيم ارتدَّ بعد الإيمان، وعبد الأصنام، يعتقدون اعتقادات ما أنزل الله بها من سلطان، ولو أن عندكم وقتاً كافياً، واطلعتم على ما في كتبهم المقدسة التي كتبوا فيها من عند أنفسهم لرأيتم العجب العجاب، نحن نعتقد أن الأنبياء جميعهم معصومون، وكذلك الرسل، وعصمتهم من لوازمهم، صفة أساسية من صفاتهم، ألا وهي العصمة.
 شيء آخر، أحد الأئمة وهو الإمام القرطبي صاحب التفسير الجامع لأحكام القرآن يقول: العصمة إذا نسبت إلى النبي تعني امتناعه من أن يقع في كل المعاصي صغيرها وكبيرها، ولا تنسوا أن هذه المعاصي سماها النبي عليه الصلاة والسلام القاذورات، يعني كيف أن الإنسان أحياناً يشمئز من رائحة الجيفة، الجيفة حيوان مات في البرية، ومضى على موته بضعة أيام بعد أن ينتفع، وتفوح منه رائحة لا يستطيع الإنسان أن يواجهها هذه الرائحة التي لا تحتمل لو أن للمعاصي روائح، لو أن للخيانة رائحة، لو أن للكذب رائحة، لو أن للغدر رائحة لوجدنا أن رائحة هذه المعاصي تزيد عن رائحة الجيف، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ ))

 

 (موطأ مالك)

 القاذورات المعاصي، الزنى قاذورة، عمل قذر فيه خيانة لهذه المرأة التي هي أختك في الإنسانية، إن أردتها فتزوجها، أما أن تقضي وطرك منها، وتتركها بعد أن سقطت فهذا عمل قذر، الزنى عمل قذر، والسرقة، والخيانة، والكذب، والبهتان، والغيبة، والنميمة، والإفك، والاستعلاء، والأثرة، كل هذه الصفات سماها النبي عليه الصلاة والسلام القاذورات.
 لكن شيء آخر، يرجح العلماء أن تكون عصمة الأنبياء بعد النبوة بإجماعهم، وقبلها لماذا ؟ لأن الله عز وجل يقول لسيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:

﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾

 (سورة طه)

 معنى ذلك أن الإنسان إذا جاءته رسالة من عند الله، ويعلم من هذا المرسل أن له ماضياً سيئاً، أنه له جاهلية، فإن هذا الماضي يستمر أثره إلى ما بعد الرسالة، لذلك لا يمكن أن تكون عصمة الأنبياء بعد الرسالة فقط، إنها عصمة قبل النبوة وبعد النبوة ضماناً لمكانة النبي في أمته وفي هؤلاء الذين يدعوهم إلى الله، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان صغيراً كان إذا دعي إلى اللهو يقول عليه الصلاة والسلام: لم أخلق لهذا.
 شيء آخر، وهو عن الأنبياء، الأنبياء معصومون، لكن الأولياء محفوظون، الله سبحانه وتعالى يحفظهم، كيف يحفظهم ؟ لو أن ولياً من أولياء الله عز وجل وقع في خطأ طفيف عالجه ربنا عز وجل، وألهمه الصواب، يشدد عليه في العتاب، مباشرة يترك هذا الخطأ، فهذا اسمه في علم العقيدة حفظ، الأنبياء معصومون عن الخطأ، والأولياء محفوظون، فهذا الذي عرف الله عز وجل لا يمكن أن يقع في كبيرة، ولا يمنع من أن يقع في شيء طفيف عن غير قصد، ومع ذلك الله سبحانه وتعالى يلفت نظره، يضيق عليه، يعاتبه، يمنع عنه التجليات، يرسل له شيئاً يذكره، على كلٍ فالولي محفوظ والنبي معصوم وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة.

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

 

 (سورة الحديد)

 هذا هو الحفظ، معناه أن المؤمن معه مصباح كشاف يرى به طريق الحق من طريق الشر من طريق الباطل، يرى به الخير من الشر، الحق من الباطل، ما يصح، وما لا يصح، ما يجوز، وما لا يجوز، هذا النور الذي يقذفه الله في قلبه يكشف له متاهات الطريق، هذا هو الحفظ الذي وعد الله به أوليائه، ولكن الأنبياء لأنهم قدوة، ولأن النبي مقامه مقام التشريع، فأفعاله، وأقواله، وسكوته إقرار، حركاته، سكناته، أخلاقه، معاملاته كلها تشريع، لذلك لا يعقل أن يقع منه صلى الله عليه وسلم أي خطأ أو خلل، هذه العقيدة الصحيحة، وقد أخذت من آيات كريمة كثيرة أما إذا مرّ بنا آيات أخرى فيها شيء يشبه أنهم أخطؤوا، أو وقعوا في ذنب فهذا له موضوع أخر.
 الموضوع الآخر أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا رأى فضل ربه عليه، وعظيم امتنانه عليه، ورأى أن عمله قد يستقل، إذا استقل النبي عمله أمام فضل ربه يشعر بالذنب، هذا شعور بالذنب من طرف واحد من طرف النبي عليه الصلاة والسلام، يعني في ميزان الشريعة النبي عليه الصلاة والسلام لا ذنب له، سيدنا إبراهيم في ميزان الشريعة لا خطيئة له، ولكن في ميزان الفضل فهو كمثل إنسان أعطاك بيتاً، وزوجك ابنته، وجعلك شريكاً له في العمل، فكنت في مرتبة دنيا في المجتمع، فإذا أنت إنسان ذو دخل كبير، ولك كرامة، ولك مكانة اجتماعية، كل هذا حصَّلته من هذا الذي منحك العطاء، مهما قدمت له من تكريم تشعر في أعماقك أنك مقصر في حقه، هذا الشعور من طرف واحد هو الشعور بالذنب الذي قال الله عنه:

﴿ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾

 (سورة الفتح: 2)

 شعور العبد أمام الرب شعور التقصير، هل عرف النبي عليه الصلاة والسلام ربه المعرفة الكاملة ؟ الجواب لا، لأن الله لا يعرفه إلا الله، لذلك:

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا ﴾

 (سورة الإسراء)

 هل عرف النبي عليه الصلاة والسلام فضل ربه عليه بالتمام والكمال ؟ لا.

 

﴿ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾

 

 (سورة النساء)

 شعوره أن معرفته ليست المعرفة المطلقة، وأن شكره ليس الشكر المطلق، وأن استجابته ليست هي الاستجابة المطلقة، هذا الشعور من طرف واحد من طرف النبي عليه الصلاة والسلام هو الشعور بالذنب الذي ذكر في الآية الكريمة، هذا معنى من معاني الذنب أو الخطيئة إذا عزيت للنبي عليه الصلاة والسلام أو لسيدنا إبراهيم.
 سيدنا إبراهيم أكرمه الله عز وجل أعظم تكريم فجعله أب الأنبياء، جعله أمَّة، كرمه تكريماً لا حصر له، شعور هذا النبي الكريم وهذا الرسول العظيم بأنه لم يوف ربه حقه، هذا الشعور يمكن أن يفسر معنى الخطيئة، في ميزان الشرع لم يرتكب النبي ذنباً، ولم يرتكب سيدنا إبراهيم خطيئة، ولكن في ميزان الفضل ربما كان شعور النبي عليه الصلاة والسلام أو شعور سيدنا إبراهيم بأنه شعور صحي، شعور يعبر عن وفائهم لربهم، وعن شكرهم له، وعن عبوديتهم التامة، إذا قست مقام العبودية إلى مقام الألوهية لا بدّ أن ترى أن هناك بوناً شاسعاً بين المقامين، لذلك هذا الذي عبر الله عز جل عنه:

﴿ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ﴾

تفسير الخطيئة بقوله: بَلْ َفَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا

 أما ما يدَّعيه بعضهم أنّ هذا حينما قال: بل فعله كبيركم، هذا ليس كذباً هذا أسلوب تربوي في لفت نظرهم إلى عقيدتهم الفاسدة، حينما كسر سيدنا إبراهيم الأصنام ثم قال لقومه:

 

﴿ بَلْ َفَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ ﴾

 ليس هذا كذباً، إنما هو أسلوب تربوي صارخ في لفت النظر إلى الله عز وجل.

 

 

تفسير الخطيئة بقوله: إِنِّي سَقِيمٌ

 وكما تذكر بعض الروايات حينما قال:

 

﴿ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾

 ليس معنى هذا أنه مريض في جسمه، ولكن سئم منهم، وشعر أنهم معرضون عن الله عز وجل، فإعراضهم عن الله أورثه ألماً نفسياً، هذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام:

﴿ إِنِّي سَقِيمٌ ﴾

 فليس هذا كذباً، بل هو احتجاج، وحينما قال لما رأى القمر بازغاً:

﴿ هَذَا رَبِّي ﴾

 هذا ليس اعتقادًا، بل هو احتجاج، يعني هو يدل قومه بطريق منطقي رائع كيف أن هذا النجم لا يعقل أن يكون إله، لأنه يغيب.

﴿ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الأَفِلِينَ ﴾

 لأن قومه يعبدون الشمس والقمر من دون الله، قال تعالى:

 

﴿ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾

 

 (سورة الأنعام)

 حينما قال:

 

﴿ هَذَا رَبِّي ﴾

 ليس هذا اعتقادًا، إنما هو احتجاج، إذاً قوله: هذا ربي للشمس والقمر وللنجم، أو قوله:

 

 

﴿ بَلْ َفَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ﴾

 هذا ليس من باب الكذب ولا الاعتقاد.

 

﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾

 (سورة البقرة260)

 لم يقل إبراهيم عليه السلام لربه: هل أنت قادر على إحياء الموتى ؟ لو قال هذا السؤال لكان معنا الحق، ولكن قال: كيف تحيي الموتى، هو يسأل عن الكيفية، يريد أن يعرف سرّ الخلق، ليس هذا نقص في عقيدته، يعني كل من يقول: كيف تحي الموتى، إني سقيم، بل فعله كبيرهم هذا، هذه الأقوال لا ترقى إلى مستوى الخطيئة، بعض أقواله احتجاج، وبعضها أسلوب تربوي، وكل قول من أقواله يعبر عن حكمة بالغة في مخاطبته للمشركين.
 على كل الخطيئة إذا نسبت إلى النبي أو إلى رسول معناها هي في ميزان الفضل لا في ميزان الشرع، أما في ميزان الشرع فلم يرتكب النبي عليه الصلاة والسلام، ولا أي نبي خطيئة ولا ذنباً، ولكن في ميزان الفضل ربما شعر النبي وهو الذي يفيض وفاءً لربه، يفيض حباً له ربما شعر أنه لم يقدم لربه ما ينبغي أن يقدم له، هذا الشعور بالتقصير دائماً هو الذي يستغفر من وهذا يقع بين الناس، شعور الإنسان المحسن إليه أمام المحسن دائماً شعور بالتقصير، يا أخي لم نوف إليك فضلك، نحن مقصرون معك، هذا كلامٌ قد لا يكون له تأثير، ولكن الفضل غمرهم عندئذ لا يستطيع أن يفي بهذا الفضل، هذا معنى قول الله عز وجل:

﴿ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82) رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ(83)﴾

معنى الحُكْم ومقتضياته:

 الحُكم كما قال بعض العلماء: القدرة على الفهم، وهذا شيء رائع أن يهبك الله حكماً أي فهماً وهو قدرة على فهم النص، قدرة على فهم سرّ التشريع، قدرة على فهم الحكمة، قدرة على فهم ما وراء النص، قدرة على فهم المغزى، هذا من فضل الله على الإنسان، سيدنا يوسف من فضل الله عليه أن علمه تأويل الأحاديث، فبعض العلماء يقول أن الحكم هو الفهم.

﴿ رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً ﴾

 أحياناً الإنسان يقرأ آية آلاف المرات، ولا ينتبه إلى ما تنطوي عليه من معانٍ عظيمة، أحياناً يستمع إلى تفسرها يؤخذ بها يقول: كيف لم أفهمها حينما قرأتها ؟ الله عز وجل يؤتي بعض المؤمنين ميزة في قدرتهم على فهم القرآن، كما قال سيدنا علي كرم الله وجهه: إلا أن يؤتى فهماً في كتاب الله، وكما دعا النبي عليه الصلاة والسلام لابن عمه العباس فقال:

(( اللهم علمه التأويل ))

 ( البخاري )

 فهذه قدرة يختص بها الإنسان أحياناً لتفضل الله عليه في فهم النص فهماً عميقاً، فلذلك الله عز وجل حينما دعا سيدنا إبراهيم فقال:

﴿ رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾

 بعضهم قال: الحكم هنا أي هب لي معرفة بك، وبحدودك، وبأحكامك.

 

من صفات الأنبياء: التواضع:

 

﴿ وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾

 هذا من تواضعه، هو أبو الأنبياء وقال:

﴿ وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾

 من علامة الإنسان الصالح أنه متواضع، وهذه صفة كريمة في سيدنا إبراهيم، ألحقني بهم يا رب، اجعلني مع الصالحين، أدخلنا في عبادك الصالحين، اجعلنا من المساكين، اجعلنا من عبادك الصالحين، من عبادك المؤمنين، لم يقل: رب هب لي حكماً، وأنا أول الصالحين.. لا، بل قال:

 

﴿ وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾

 

﴿ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ ﴾

معنى: لِسَانَ صِدْقٍ:

 اللسان هنا أي الثناء الحسن، فمِن نعم الله على الإنسان أن يثني الناس عليه بالخير، أن يثني الناس عليه لا في حضرته، بل في غيبته، لأنهم إذا أثنوا في حضرته فهذا الثناء ربما يشك فيه، إما طمعاً في نواله، أو خوفاً من عقابه، الناس أحياناً يثنون على بعضهم طمعاً فيما عندهم، أو خوفاً من بطشهم، ولكن الثناء الرفيع هو الثناء يكون في غيبتك.

﴿ رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84) ﴾

 لسان الصدق هو الثناء الحسن، وبعضهم قال: لسان الصدق في الآخرين اجتماع الأمم عليه، ألم يقل الله عز وجل:

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

 (سورة النحل)

 أنت واحد، لكن لو دعوت إلى الله عزوجل... لو أحسنت إلى الخلق للهجت الألسن بفضلك والثناء عليك، لأن الإنسان عبد الإحسان، يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها، هل أنت في قلوب الناس ؟ هل أنت في مشاعرهم ؟ هل العيون منعقدة عليك ؟ هل القلوب تميل إليك ؟ إذا كنت محسناً متواضعاً معطاءً طبعاً هذا يحدث، فلذلك سيدنا إبراهيم عليه وعلى سيدنا أفضل الصلاة والسلام تمنى أن يكون أمة، وكان كذلك، لا تكن واحداً، لا تأت ربك فرداً، إذا كنت خيراً معطاءً محسناً كل هؤلاء الذين أحسنت إليهم يحبونك، ويدعون لك، وتلهج ألسنتهم بالثناء عليك، لذلك هذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ ﴾

 بعض العلماء قال: لسان الصدق في الآخرين الثناء الحسن، وخلود المكانة، فهناك أشخاص يعملون أعمالاً عظيمة في حياتهم، والناس يثنون عليهم، ولكن تتبدل الأوضاع، فيأتي من يجعلهم مجرمين، وهناك من يخرجهم من قبورهم، الثناء الحسن والمكانة الثابتة الدائمة، هذا مما تعنيه هذه الآية، فإذا تولى اللهُ الإنسانَ بإكرامه فليس في الأرض جهة تستطيع أن تنال منه.
 اذهبوا إلى قبر النبي الشريف انظروا ماذا ترك من أثر، هذا الذي كتب كتاباً سماه المئة الأوائل، والذي قرأ تاريخ عظماء الشعوب على مرّ القرون واختار من هؤلاء العظماء مئة، ولمقاييس دقيقة جعل النبي عليه الصلاة والسلام على رأس المئة، لماذا ؟ لأن له تأثيراً يمتد إلى أزمان طويلة، ورأى له تأثيراً يمتد إلى مساحات شاسعة، ورأى له تأثيراً يمتد إلى أعمق الأعماق، فجعل مقياسه في اختيار العظماء قوة التأثير، واتساع رقعة التأثير، وامتداد أمد التأثير، فكان النبي عليه الصلاة والسلام في مقدمة هؤلاء العظماء.

﴿ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ ﴾

 بعض العلماء قال: هذه الآية تشير إلى أن سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام دعا ربه أن يخرج من أمته من يدعو إلى الله عز وجل، فكان النبي عليه الصلاة والسلام دعوة أبيه إبراهيم، وبشارة أخيه عيسى .
 سيدنا عيسى بشر قومه بنبي يأتي من بعده اسمه أحمد، وسيدنا إبراهيم من خلال هذه الآية واجعلي ـ أي من ذريتي ـ لسان صدق في الآخرين، إذاً هو النبي عليه الصلاة والسلام دعوة النبي.
 وبعضهم قال: لسان الصدق في الآخرين الذكر الحسن، ونحن في كل صلواتنا كمسلمين، ألف مليون مسلم في اليوم خمس مرات يقولون في صلاتهم: اللهم صلِّ على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم، وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، هذه دعوة سيدنا إبراهيم.
 العلماء استنبطوا من هذه الآية أنه يجوز للرجل أن يسأل ربه أن يهبه عملاً صالحاً يكون سبباً في ذكر الناس له الذكر الحسن، هذه طبيعة النفس، يعني إذا كنت محسناً، وأثنى الناس عليك هذا شيء يثلج صدرك، بين أن يقول الناس عنه إنه لئيم، إنه شحيح، إنه منحرف الأخلاق، إن بيته مضطرب، إن أخلاق زوجته مشكوك بها، وبين أن يقول الناس عنك: إنك رجل صالح، مستقيم، ورع، عندك متواضع، لطيف، عفو، كريم، هذا معنى قول النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام، لذلك لا بأس كما قال علماء الفقه استنباطاً من هذه الآية لا بأس من الرجل أن يطلب من ربه عملاً صالحاً يكون سبباً في ثناء الناس عليه إذا قصد بهذا العمل وجه الله، إذا قصد السمعة فهذا منزلق خطير، والدليل على هذا المعنى أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾

 (سورة طه: 39)

 كيف يلقي الله على عبده المحبة ؟ يجعل الناس يحبونه، فلان محبوب، الناس يحبونه، هذه هي قوله ألقيت عليك محبة مني، فإذا كان الإنسان أكرمه الله بهذه المحبة لا ينبغي أن ينظر أنه بفضل ذكائه واستقامته وحرصه على سمعته أحبه الناس، لا والله هذا ثوب ألبسه الله إياه، ولو شاء خلعه عنه فابتعد الناس عنه، وأبوا أن يسلموا عليه، لذلك إذا أحبك الناس فاسجد لله شاكراً، لأن هذا فضل من الله عز وجل أسبغه عليك.

 

﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾

 على كل الآية الثانية:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا ﴾

 (سورة مريم)

معنى: سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَانُ وُدًّا

 هذه الآية لها معنيان:

 

المعنى الأول:

 سيجعل بين ذاته العلية وبين المؤمنين وداً، وهل كرامة أعظم عند الله أن تكون المودة بينك وبين الله.

 

 

المعنى الثاني:

 وهو أقرب إلى الواقع، إن الذين أمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً مع الخلق، الناس يحبونهم لتواضعهم، وإحسانهم، وإنصافهم، وحبهم للخير، ورأفتهم، ورحمتهم، ولطفهم، وعفوهم عن الناس يحبونهم، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ))

 

 (مسلم)

 هذا الذكر الحسن من فضل الله عز وجل.

 

﴿ وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) ﴾

 

سؤال إبراهيم ربه الجنة:

 سيدنا إبراهيم يسأل الله الجنة، موضوع الخطبة اليوم كان عن الجنة، هذا الذي يقول لك: لا ينبغي أن تسأل الجنة، ولا أن تستعيذ من النار، يعني ينبغي أن تكون عبادتك منزهة عن سؤال الجنة، عن الخوف من الله، أو الطمع في الجنة، آيات كثيرة لا حصر لها، وهذا أبو الأنبياء إبراهيم يدعو ربه أن يدخله الجنة، والجنة لا كما يظن بعض الناس من أنها طعام، وشراب، وحور عين، ليس غير، فيها طعام، وفيها شراب، وفيها فاكهة، وفيها أنهار من لبن، ومن عسل، ومن كل شيء ذكره الله في القرآن، وفيها فوق ذلك نظرة إلى وجه الله الكريم.
 لذلك الجنة هي النعيم المطلق، فإذا سألت الله الجنة إنك إن فعلت هذا لا تسأله الطعام، والشراب، والحور العين فقط، تسأله القرب منه، تسأله أن تنظر إلى وجهه الكريم، وأعظم عذاب يعذَّب به أهل النار، وهم يحترقون فيها، هو أنهم عن ربهم يومئذ محجوبون، عذاب الحريق وعذاب الحجاب، عذاب فقدان نعيم الطعام والشراب، ونعيم القرب، لذلك:

﴿ وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) ﴾

 وآخر لا علاقة له بهدفه هذه حالة صعبة جداً، فإذا ضل الإنسان الطريق، ومشى مئات الكيلو مترات خطأ، وعليه أن يعود منها كلها، إنه يتألم، ويندم أشد الندم، لذلك عندنا ضلال مبين، وعندنا ضلال بعيد، وكل أنواع الضلال يعني نهاية الشقاء أن تكون ضالاً، لذلك قال الله تعالى:

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104) ﴾

 (سورة الكهف)

ما سعادة الإنسان في الدنيا ؟

 السعادة أحياناً من تعاريفها: أن تأتي حركتك اليومية مطابقة للهدف الذي خلقت من أجله، نضرب على ذلك مثلاً بالطالب إذا طالع الدرس، وفهمه، ما دام هو طالب، وفي عام دراسي، وعنده امتحان، وهو يعلق آمالاً عظيمة على هذا الامتحان، ساعات الدراسة ترتاح فيها نفسه، لأنه في الطريق الصحيح، لأن حركته هذه تطابق هدفه في هذا العام، وهو النجاح، فإذا ضيع يومين أو ثلاثة في نزهة ممتعة مع أن النزهة ممتعة، ومع أنه جلس مع رفاقه، وأكل ما لذّ، وطاب، ومتع نظره بالمناظر الجميلة، لكن حزناً عميقاً في، قلبه لأنه ضيع أياماً ثلاثة، لأن هذه النزهة مع أنها بريئة جاءت مخالفة للهدف الذي رسمه لنفسه، لذلك في ساعات الدرس والمذاكرة، في ساعات الجدّ والنشاط هناك راحة لا يعرفها إلا من ذاقها، هي راحة الإنجاز، وفي ساعة تضييع الأوقات هناك شعور عميق بالخيبة والإحباط والخسران.
الآن الإنسان ما سعادته في الدنيا ؟ إذا كان في الطريق الذي يوصل إلى الله، إذا كان في الطريق الذي يرضى الله عنه، إذا كان يعمل عملاً يبتغي به وجه الله، إذا كان يعبد الله في كل شيء، إذا كان يخضع لله عز وجل في كل حركاته وسكناته، إنه في هذه الحالة يشعر بالارتياح الشديد، أما إذا خرج عن الخط الذي رسمه الله له يشعر بالضيق، لذلك عبارات الناس متضايق، عندي كآبة، عندي انقباض، الانقباض، والضيق، والكآبة، والقلق، والضجر، واختلال التوازن هذه كلها أسبابها أن حركته اليومية ليست مطابقة لهدفه.
 لو أنه جلس في سهرة أو في نزهة يعصي الله فيها مع رفاق السوء، هذه المتعة الظاهرة لا تغني عن قلقه العميق، لذلك هذا الإنسان لا ترتاح نفسه إلا إذا عرف ربه، واستقام على أمره، من هنا قالوا: إن دين الإسلام هو دين الفطرة، يعني يتوافق مع الفطرة، كلما كنت على الطريق الصحيح انعكس هذا اطمئناناً وشعوراً سليماً يغلف أحاسيسك.

﴿ وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ ﴾

عدم الركون إلى البيئة الفاسدة:

 هل من الضروري إذا كان الأب ضالاً أن يكون أولاده كذلك ؟ الله سبحانه وتعالى يقول لهذا الإنسان لمَ لمْ تفكر ؟ هذا إبراهيم عليه السلام قدوة لنا جميعاً، إن الإنسان إذا لم يفكر ضيع مستقبله في الدنيا والآخرة، الله عز وجل أعطانا هذا الفكر، أعطانا هذا العقل، نصب لنا الأدلة في الكون، فيجب أن نعمل عقولنا وأذهاننا في معرفة الله، يجب ألاّ نبالي بمعطيات البيئة، إذا نشأ إنسان في بيئة فاسدة فليس من الضروري أن ينطبع منها، إخوة كرام كثر نشؤوا في بيئة فاسدة، فلا الأب يرعى الدين، ولا الأم كذلك، الأخ ليس منضبطاً، بيت ليس فيه أي شعور ديني، ومع ذلك أعمل هذا الشاب فكره فعرف ربه، وكان إبراهيم عليه السلام قدوة له.

﴿ وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾

 عندنا عذاب الخزي، الإنسان أحياناً يتألم، يلمّ به مرض عضال فيؤلمه أشد الألم، هذا شيء مؤلم، ولكن الخزي ألم آخر، أن تكون أمام الناس وينادى على هذا الشخص أنه سارق، مرة كنت في مكان وإنسان أمسك بتلابيب إنسان، واتهمه بالسرقة، يعني لا لون له، الإنسان أمام مجموعة من الناس إذا اتّهم بالسرقة، أو اتهم بعمل منافٍ للحشمة، إذا اتهم بعمل شنيع قذر فهناك عذابان ؛ العذاب المادي حينما يتلقى الصفعات، وعذاب الخزي والعار.
 مرة قرأت في مجلة أن امرأةً تعمل في الفن سئلت: ما شعورك وأنت على خشبة المسرح ؟ فقالت: شعور الخزي والعار، وهذا شعور كل أنثى وهي تعرض مفاتنها على الناس، تكلمت الصدق والحق شعور الخزي والعار، هذا شعور الخزي والعار لا يحتمل، ألآم السرطان تحتمل أحياناً، إذا وجد مؤمن واثق من رحمة الله، ومن عدالته، وجاءه هذا المرض يتألم، ويقول: يا رب لك الحمد، آلام لا تحتمل، لكن مع الإيمان تحتمل، لكن آلام الخزي والعار فعلاً لا تحتمل، لذلك إذا كان الإنسان يحب ذاته.. إذا كان يحب نفسه فعليه أن يستقيم على أمر الله، لئلا يقف هذا الموقف الذي فيه خزي وعار.
 لو نظرتم إلى إحدى الصحف حينما يلقى القبض على أحد المجرمين، وحينما يصورون ترى أن عيني المجرم في الأرض لا يستطيع أن ينظر إلى المصور لماذا ؟ لأنه في حالة الخزي والعار، هذا الذي يعتدي على أموال الناس وعلى أعراضهم، أو هذا الذي يسرق أموال الناس، ويلقى القبض عليه، ويساق إلى المحاكمة، إنه في وضع من أوضاع الخزي والعار، لكن هذا كله ينتهي عند الموت، لو حكم عليه بالإعدام، وأعدم انتهى الخزي والعار بعد شنقه، ولكن الخزي والعار يلازم الإنسان في جهنم إلى الأبد.

﴿ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴾

الدعاء بعدم الخزي يوم القيامة:

 إذا كان سيدنا إبراهيم عليه نبينا أفضل الصلاة والسلام يسأل الله ألا يكون في هذا الخزي والعار فكيف بنا نحن لا نسأل !

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴾

يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ

 يقول ربنا عز وجل في آيات أخرى:

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

 (سورة الكهف: 46)

 المال الكثير بلا أولاد فيه غصة، أولاد كثر بلا مال فيه شقاء، لكن مال وبنون، أولاد حول الإنسان يرتدون أجمل الثياب تتورد خدودهم من الطعام الجيد، يسكنون في بيت فسيح، وغرف واسعة، هذه الغرفة للذكور وهذه للإناث، وهذا للطعام، وهذا للجلوس، وهذا للضيوف، المال والبنون، مال بلا بنون، أو بنون بلا مال شيء صعب.

 

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

 أحياناً يكون للإنسان دخل كبير جداً، هذا الدخل يجعله في غنى عن أن يسأل الناس، يجعله في طمأنينة أحياناً، وقد يكون له أولاد نجب يقول: هذا الابن طبيب، وهذا الثاني مهندس، وهذا أخذ بورد، وهذا أخذ FRS من بريطانيا، وهذا معه أكريجيه من فرنسا، وهذا أصبح معاون وزير، ترى الأب يكاد يخرج من جلده حينما يتحدث عن أولاده، هكذا جعل الله عز وجل الحياة،

 

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

 لكن الله يقول:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ﴾

 هذه الأموال الطائلة التي حصلها في حياته لا تنفعه.

 

﴿ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ (32)ُ ﴾

 

 (سورة الحاقة)

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾

ما هو القلب السليم ؟

 ما هو القلب السليم ؟ يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))

 

 (صحيح البخاري)

 الآن إذا صح القلب صحت الجوارح، وصح العمل، وصحت الوجهة، وإذا انحرف القلب انحرف العمل، وانحرفت الجوارح، وانحرفت الوجهة، لذلك المناط هو القلب، عبدي طهرت منظر الخلق سنين، زينت دارك، حسنت لباسك، حسنت مركبتك، هذا كله منظر الخلق، أفلا طهرت منظري ساعة، فالقلب السليم هو القلب الذي طهر من الشك والشرك، هناك آخرة ؟ الله أعلم، إذا لم يوجد اليوم الآخرة فإن تعبنا ذهب سُدى، ولكن بوجود اليوم الآخر ينال الإنسان جزاءه، هذا شاك ليس هذا هو الإيمان.

 

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ﴾

 

 (سورة الحجرات 15)

المعنى الأول:

 لذلك القلب الذي سلم من الشك والشرك هو القلب السليم.

 

المعنى الثاني:

 القلب السليم هو قلب المؤمن لماذا ؟ لأن الله عز وجل وصف قلوب المنافقين بأنها فيها مرض:

 

 

﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا ﴾

 

 (سورة البقرة 10)

 وصف الشحيح بأنه مريض قال:

﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ﴾

 (سورة التغابن)

 فالشحيح مريض نفسياً، والمتكبر مريض نفسياً، والمشرك مريض نفسياً، والشاكّ برحمة الله وعلمه وقدرته وأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى مريض نفسياً، المشرك مريض نفسياً، المغرور مريض نفسياً، الظالم مريض نفسياً، لذلك القلب السليم هو قلب المؤمن، وقلب المنافق والكافر مريض نفسياً.

 

المعنى الثالث:

 وقال بعض العلماء القلب السليم القلب الخالي من البدعة، المطمئن بالسنة، يعني من هوي الكَفَرَة، هوي مخترعاتهم حشر معهم، ولا ينفعه عمله شيئاً، فالقلب المتعلق بالبدع والأشياء التي لا ترضي الله عز وجل هذا قلب مريض، والقلب المطمئن إلى شرع الله، وإلى السنة هذا قلب سليم، هذا معنى ثالث من معاني القلب السليم.

 

 

المعنى الرابع المتعلق بالسياق:

 القلب السليم هو القلب الذي سلم من آفات المال والولد، المال له آفات، وهي السرف، والتيه، والكبر، والبخل، والمبالغة في الإنفاق، والتبذير، هذه آفات المال، آفات الولد أن يبتغي به الدنيا فقط، ولا يلتفت إلى دينه، بل إلى دنياه، فالقلب السليم هو الذي سلم من آفات المال والولد.
 والسليم في اللغة هو اللديغ، في اللغة العربية الصحراء تسمى مفازة تفاؤلاً بالفوز منها، الصحراء الملتهمة تسمى مفازة، والملدوغ يسمى سليماً تفاؤلاً له بالسلامة، والقلب السليم بهذا المعنى هو القلب الملدوغ الخائف من الله، المتحرق شوقاً إلى الله، من لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة، فالقلب السليم بهذا المعنى هو القلب اللديغ، لديغ شوقاً إلى الله أو خوفاً من الله.
 وأجمل هذه المعاني للقلب السليم: القلب المُخلِص والمخلَص، المخلِص لله، والخالص من كل شائبة، والقلب السليم بمعنى آخر هو القلب الذي سلم من الأوصاف الذميمة، وتحلى بالصفات الجميلة، كل قلب سلم من الأوصاف الذميمة وتحلى بالصفات الكريمة فهو قلب سليم.
 والقلب السليم أن تعلم أن الله حق، وأن الساعة حق، وأن الله يبعث من في القبور، يعني كل التركيب النفسي مبني على أن الله حق، وأن الساعة حق هذا قلب سليم.
 والقلب السليم الخالي من كل ذنب، السليم من كل عيب لا خبرة له بأمور الدنيا، يعني بعيد عن الدنيا مستغرق في الآخرة، هذا قلب سليم، هناك أشخاص بالعكس، في الدنيا له خبرات لا حدود لها، يعرف كيف تقتنص الفرص، يعرف كيف تؤكل الكتف، يعرف كيف يستفيد من الفرص.

 

 

إذا هبت رياحك فاغتـنمها  فـإن الريح عادتها السكون
و إن درت شياهك فاحتلبها  فما تدري الفطيم لمن يكون
* * *

 هذا الخبير بأمور الدنيا، الجاهل بأمور الآخرة، هذا قلبه ليس سليماً، السليم بالعكس، لذلك ورد في الجامع الصغير:

 

 

(( دخلت الجنة فإذا أكثر أهلها البله ))

 

 ( الجامع الصغير عن جابر بسند فيه ضعف)

 البله لا كما تفهمونها بادئ ذي بدء، الأبله هو البعيد عن معاصي الله، نظراته بريئة، وهناك إنسان ينظر يقول: هذه يمكن أن تقبل، يعني خبيث النفس، الأبله البعيد عن المعاصي، من معاني الأبله المطبوع على الخير الغافل عن الشر، والأبله في اللغة من غلب عليه حسن الظن بالناس، وطيب القلب، قلبه طيب، وحسن الظن بالله، والآن يسمونه أجدب، من كان طيب القلب، وحسن الظن بالناس، من طبع على الخير، وغفل عن الشر، من ابتعد عن معاصي الله.
 أو المعنى الدقيق أنّ الإنسان ترك مبلغاً كبيراً خوفاً من الله يسميه الناس أبله، وهو في الحقيقة في منتهى الذكاء، بل إنه أبله في نظر البله.
 سيدنا يوسف حينما قال:

 

﴿ مَعَاذَ اللَّهِ ﴾

 هو في نظر الزناة أبله أليس كذلك، دعته امرأة ذات حسن ومكان فلِمَ قال لها:

 

 

﴿ مَعَاذَ اللَّهِ ﴾

 فهذا النبي الكريم في نظر الزناة أبله، وكذلك الإنسان العفيف عن مال الناس في نظر المنحرفين أبله، فالأبله هو المطبوع على الخير البعيد عن الشر، أو الأبله هو البعيد عن معاصي الله، أو من غلبت عليهم سلامة الصدور، وحسن الظن بالناس، لذلك ورد في الجامع الصغير كما قلت قبل قليل:

 

 

(( دخلت الجنة فإذا أكثر أهلها البله ))

 

 ( الجامع الصغير عن جابر بسند فيه ضعف)

 هؤلاء الذين حافظوا على فطرتهم السليمة، على نقائهم، على طهارتهم، على ذاتيتهم، لم يرتكبوا المعاصي، لم يخادعوا الناس، ولكن أكمل موقف يتمثل بقول سيدنا عمر رضي الله عنه قال: << لست بالخب، ولا الخب يخدعني >>، أيْ لست من الخبث حيث أَخْدَع، ولست من الغباء حيث أُخْدَع، لا أَخْدَع ولا أُخْدَع، لست بالخب ولا الخب يخدعني، هذا أكمل موقف يقفه الإنسان المؤمن.
 قد تجد إنساناً ضيق الأفق، محدوداً، لكنه طيب القلب، هذا لا يعجبك، وقد تجد إنساناً آخر ذكياً، يتوقد ذكاءً وخبثاً، وهذا لا يعجبك، ما الذي يعجبك ؟ هذا الذي يجمع بين الذكاء والكياسة، وبين الطيب والسلامة، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( المؤمن كيس فطن حذر ))

 

[القضاعي بسند موضوع]

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾

 وفي الدرس القادم إن شاء الله نتابع قصة سيدنا إبراهيم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018