الدرس : 02 - سورة الشعراء - تفسير الآيات 10 - 21 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 02 - سورة الشعراء - تفسير الآيات 10 - 21


1989-06-30

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

إعادة وتذكير:

 أيها الإخوة المؤمنون... مع الدرس الثاني من سورة الشعراء، في الدرس الماضي بينت لكم بفضل الله عز وجل في قوله تعالى:

﴿ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ(6)﴾

 أن القصص التي يقصها ربنا علينا في هذه السورة كلها تؤكد هذه الآية:

﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾

 العاقل هو الذي يستجيب لربه قبل أن يأتيه نبأ ما كان به مكذباً، فإما أن تستجيب في الوقت المناسب، وإما أن يأتيك نبأ ما كنت مكذباً به بعد فوات الأوان، عندئذ لا تلوي على شيء، ولات حين مناص.
 القصة الأولى، والثانية، والثالثة، والرابعة، والخامسة كلها تؤكد:

﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾

 العاقل من يرى نتائج الشيء قبل أن تقع، فإذا رآها بعد وقوعها ما قيمة هذه الرؤية ؟

 

التذكير نوعان: تذكير بالفكرة وتذكير بالقصة:

 شيء آخر، التذكير إما أن يكون بالفكرة، وإما أن يكون بالقصة، والتذكير بالقصة أبلغ، لأن الإنسان من طبيعته أنه ينجذب إلى أحداث إنسانية، فربنا سبحانه وتعالى عبر بالفكرة فقال:

 

﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾

 والآن يعبر عن هذه الفكرة مرة ثانية بالقصة، القصة كما قال الله عز وجل:

﴿ وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾

 (سورة هود 120)

 أحياناً يتثبت الإنسان من قصة وقعت، لأن القصة في حقيقتها حقيقة مع البرهان عليها، فالبرهان على هذه الآية هو هذه القصة، البرهان على قوله تعالى:

﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾

 البرهان على هذه الآية هي هذه القصة، والتي تليها، فالعاقل هو الذي يعرف النتائج قبل وقوعها، لأنك إذا عرفت النتيجة قبل وقوعها تلافيت وقوعها، لكن الذي يعرف النتيجة بعد وقوعها لم يبق شيء في حياته يستفيد من هذا الدرس، كما حلّ الأمر بفرعون، حيث آمن بعد فوات الأوان، ربنا سبحانه وتعالى قال له:

﴿ أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ﴾

 (سورة يونس)

المبادرة إلى الإيمان والعمل الصالح:

 يا أيها الإخوة المؤمنون... الآن الآنَ، وليس بعد غدٍ، وليس بعد مضي سنوات طويلة، وليس في خريف العمر،

 

﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ ﴾

 

 (سورة الحديد 16)

 آمن بالله وأنت شاب، أمن بالله وأنت صحيح، أمن بالله وأنت قوي، آمن بالله وأنت غني، آمن بالله وفي العمر فسحة، آمن بالله في مقتبل الحياة من أجل أن يكرمك الله في خريف العمر، الآيات والقصص كلها من أجل أن تعرف النتيجة قبل وقوعها.

﴿ فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾

 إن قيل لك: هذه المعاملة حرام فاستجب، واطلب الدليل من كتاب الله أو من سنة رسوله، واستجب، فإن لم تفعل جاءتك النتيجة المزعجة، جاءتك النتيجة المؤلمة، دفعت الثمن باهظاً، هذا القرآن حينما نتلوه ليس لإملاء الوقت، ولا للمتعة، ولا لأخذ المعلومات، ولا للاطلاع، إنه كتاب مصيري، يتحدد مصيرنا في ضوء فهمه، وفي ضوء معرفة مراميه البعيدة ومغازيه الجليلة، فربنا عز وجل يقول:

﴿ وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾

 (سورة هود 120)

 حينما يقرأ الإنسان القصة يقرأ الحقيقة مع البرهان عليها، يعني قد نقول نحن: لا تفعل كذا وكذا فيأتي كذا وكذا، هذه فكرة، أما حينما نروي لك قصة إنسان خالف هذه التعليمات فدفع الثمن باهظاً هذه أبلغ، لأن الحقيقة التي تروى مجردة من القصة قد تصدقها أو لا تصدقها، لكن إذا سمعت القصة فكأن القصة وأحداثها برهان على هذه الفكرة النظرية.

 

الحكمة من تكرار القصص في القرآن:

 شيء آخر، قد يسأل سائل: لماذا تكرار بعض القصص في القرآن الكريم ؟ سؤال: لماذا ربنا سبحانه وتعالى يعيد علينا القول ؟ قصة سيدنا موسى وردت في القرآن الكريم سبع عشرة مرة، الجواب الأول أن الرحمة تقتضي تكرار التذكير، يعني أنت ( ولله المثل الأعلى) تنبه ابنك، وتحذره، وتأمره بالخير مرات كثيرة، لكن خصمك حينما يبلغك الدعوة يتمنى لو ألا يبلغك إلا مرة واحدة، ويتمنى من أعماق قلبه أن تبلغها دون أن تعرف مضمونها، فلعلك تتخلف عن حضور الجلسة فيأخذ خصمك حكماً غيابياً، فالتبليغ مرة واحدة لا ينطوي على رحمة، ولكن تكرار التبليغ والذكر هذا أساسه رحمة الله سبحانه وتعالى بالإنسان.
 شيء آخر، وهذه فكرة مهمة جداً: القصة مجموعة حلقات، فربنا سبحانه وتعالى في كل مرة يعيد علينا القصة يبرز جانباً من جوانبها المتعلق بالسياق العام وبالسورة، لأوضح لكم ذلك بمثال، إذا تحدثنا عن قصة إنسان تزوج، قصة مطولة، واستشهدنا بهذه القصة مرات عديدة، في مرة استشهدنا بهذه القصة على أن طول فترة الخطبة هذا يعكر العلاقة بين الزوجين، وفي مرة ثانية ذكرنا هذه القصة، ولكننا سلطنا الضوء على حلقة أخرى، على أن نجاح الزواج ببيت مستقل، هي قصة طويلة، وفي المرة الثالثة ذكرنا هذه القصة، وأخذنا منها حلقة جديدة لنؤكد بها حقيقة جديدة.
 فالذي يقرأ القرآن من غير وعي، من دون تدبر يتوهم أن هذه القصص تتكرر هكذا بلا سبب، مع أن تدبر كتاب الله عز وجل ينبئنا أن كل قصة لهذا النبي الكريم وردت في القرآن الكريم إنما وردت من زاوية جديدة، وإنما سلط الضوء على أحداث فريدة في هذه القصة.
 إذاً التكرار أولاً بدافع الرحمة، وثانياً التكرار في ظاهره تكرار، وفي حقيقته تناول هذه القصة من زوايا متعددة، قد تنظر إلى جبل قاسيون من طريق درعا فله صورة، وقد تنظر إليه من طريق بيروت له شكل آخر، وقد تنظر إليه من طريق حمص، وله شكل ثالث، وقد تنظر إليه من طريق التل، وله شكل رابع، إن تكاتف هذه الزوايا يعطيك صورة مجسدة لهذا الجبل، فهذه الزوايا المختلفة ليست متناقضة، إنما هي متفانية، هذا كلام رب العالمين لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
 في هذه السورة سورة الشعراء وردت هذه القصة بشكل خاص، فالله سبحانه وتعالى يقول، وكأنه يطمئن النبي عليه الصلاة والسلام من أن العاقبة للمتقين، وأن لباطل جولة ثم يضمحل، يقول الله سبحانه وتعالى مخاطباً النبي عليه الصلاة والسلام:

 

﴿ وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

قصة موسى مع فرعون:

 مَن هم القومُ الظالمون ؟ قوم فرعون، الظالمون من معانيها أنهم ظلموا أنفسهم، أي إنسان ما عرف الله عز وجل، أو ما عرف نفسه بالله، ما حملها على طاعته، ما حملها على التقرب إليه، ما عرفها بحقيقة الدنيا فهو ظالم لنفسه مبين، وليس من ظلمٍ أشد، ولا أعظم، ولا أكبر من أن تبقي نفسك جاهلة تائهة شاردة ضالة لا تعرف حقيقة الحياة، أشد أنواع الظلم أن تظلم نفسك، أن تضيع عليها السعادة الأبدية، أن تجعلها تأتي يوم القيامة صفر اليدين، هذا أشد أنواع الظلم، أشد أنواع الظلم أن تعدّ العدة للحياة الدنيا فقط، فإذا جاء الموت كان كالصاعقة، هذا أشد أنواع الظلم، أشد أنواع الظلم أن تظن أن الله سبحانه وتعالى خلقنا عبثاً، أشد أنواع الظلم أن تظن أن الإنسان يترك سدى بلا حساب، أشد أنواع الظلم أن تعيش لحظتك، أن تقتنص اللذة من أي طريق وبأي ثمن، أشد أنواع الظلم أن تكون في عمى عن هذه الحقائق، قال:

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾

 (سورة هود)

 أشد أنواع الظلم أن تكون بعيداً عن حقائق القرآن الكريم، ألا تعرف لماذا أنت على هذه الأرض ؟ لماذا أنت في الدنيا، تعمل، وتعمل، وتعمل، لذلك ورد في الأثر القدسي:

(( خلقت السماوات والأرض ولم أعي بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوقه إليك كل حين ؟ وعزتي وجلالي إن لم ترض بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً ))

 ( ورد في الأثر )

 أشد أنواع الظلم أن تمشي في طريق مسدود، أشد أنواع الظلم أن تمشي في طريق ينتهي إلى الهاوية، هذا ظلم.

﴿ وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى ﴾

 ما ظلمت أنت أحداً، بل ظلمت نفسك، ولأن تظلم نفسك أشد عليك من أن تظلم الناس جميعاً، ضيعت على نفسك الجنة، ضيعت عليها أن ترى رب العالمين يوم القيامة،

 

﴿ كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾

 

 (سورة المطففين)

 هذا ظلم، وهل مِن ظلم أعظم مِن هذا الظلم ؟

﴿ وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ ﴾

أمرُ الله لموسى بالذهاب إلى فرعون:

 قوم فرعون ظلموا أنفسهم، وظلموا أتباعهم، ذبحوا أبناء بني إسرائيل، واستحيوا نسائهم، ولكن هناك علاقة بين أن تظلم نفسك، وأن تظلم الآخرين، فمن ظلم نفسه يكون من نتائج هذا الظلم أن تظلم الآخرين، لأنه في عمى، يريد الدنيا بأي ثمن، يحب أن يأخذ ما، له وما ليس له، أن يأخذ ماله، ومال غيره، أن يستمتع بما هو مباح له وما هو غير مباح له، هذا هو الظلم، فمن لوازم ظلمك لنفسك ظلم الآخرين، عناك علاقة جدلية بين ظلم النفس وظلم الآخرين، فمن ظلم الآخرين فقد ظلم نفسه، ومن ظلم نفسه فقد ظلم الآخرين، هذه علاقة مستمرة.

﴿ وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11) ﴾

أَلاَ يَتَّقُونَ

المعنى الأول: عجَبُ الله من قوم فرعون:

 شيء عجيب، عَجَب عُجاب، الإنسان ألا يتقي، ألا يفكر، يفعل هذا الفعل وهو يعلم أنه معصية ألا يخاف الله رب العالمين الذي بيده كل شيء، بيده قلبه، بيده عيناه، بيده أذناه، بيده لسانه، بيده أعضاؤه، بيده شرايينه، بيده كليتاه، بيده عقله، بيده أهله وأولاده، بيده دخله، بيده صنعته، بيده من حوله، بيده من هم أقوى منه، بيده من هم أضعف منه.

﴿ أَلَا يَتَّقُونَ ﴾

إلى متى أنت باللذات مشغول  وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
* * *

 الإنسان كيف لا يفكر، سيدنا النبي اللهم صلِّ عليه حينما أسلم سيدنا خالد رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( عجبت لك يا خالد أرى لك فكراً ))

 

 ( ورد في الأثر )

 يعني من لوازم العقل أن تؤمن بالله عز وجل، أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً، من لوازم العقل أن تؤمن بالله، من لوازم التفكير أن تعرفه، من لوازم التفكير أن تستقيم على أمره.

﴿ أَلَا يَتَّقُونَ ﴾

 الإنسان الذي يعمل عمل السوء باختياره، ويعرف النتيجة، ويراها أمامه في الآخرين، وهو لا يعي، أهذا إنسان ! أهذا مفكر ! أهذا إنسان عاقل ! كأن الله يعجب:

﴿ أَلَا يَتَّقُونَ ﴾

المعنى الثاني: عجب النبي عليه الصلاة والسلام:

 أو أن النبي عليه الصلاة والسلام يعجب: ألا يتقون يا رب، كل هذا الوضوح.. وكل هذا الهدى، وهم يركبون رؤوسهم، يعبدون صنماً لا يضرهم ولا ينفعهم، يصدقون أن فرعون إله!!

 

﴿ وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) ﴾

 

حقيقة خوف موسى عليه السلام من تكذيب قومه:

 الحقيقة هناك من يفهم هذه الآية فهماً على خلاف ما أراده الله عز وجل، إن سيدنا موسى من أولي العزم، ولا يعقل نبي عظيم من أولي العزم أن يتنصل من هذه المهمة، أو أن يتهرَّب منها، لا، لكنه يعلن ضعفه كي يستدر عطف الله عز وجل فيمده بالقوة، هو لا يتنصل، ولا يعتذر، ولا ينهزم، بل يقول:

﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ﴾

 يعني أن مُدّني يا رب بقوة من عندك، مُدّني بحجة من عندك، مُدّني بقلب ثابت، هو يعلن ضعفه، لذلك الإنسان إذا دعا ربه من لوازم الدعاء أن يعلن ضعفه، اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي وعلمي، والتجأت إلى حولك وقوتك وعلمك، اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا أقل من ذلك، إذا أردت أن تدعو الله عز وجل فتبرأ من حولك وقوتك، تبرأ من تدبيرك، تبرأ من ذكائك، تبرأ من حكمتك، تبرأ من خبرتك، تبرأ من معطياتك.

﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي ﴾

وَلاَ يَنْطَلِقُ لِسَانِي

 سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام كان في لسانه حبسة، مرض يصيب النطق، هذا المرض أسبابه نفسية، يعني الإنسان أحياناً يتضايق فينحبس لسانه، هناك علاقة بين الضيق النفسي وهذه الحبسة، ربنا عز وجل قال في سور أخرى:

 

﴿ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) ﴾

 

 (سورة طه)

 فسيدنا موسى لم يكن فصيحاً في الدرجة العليا، ربما كان سيدنا هارون أفصح منه، مَن الأرقى عند الله عز وجل ؟ سيدنا موسى، إذاً هذا التفاصح، وهذا النطق، وهذا البيان وحده لا يكفي، سيدنا موسى هو النبي المرسل، وهو من أولي العزم، وفي لسانه عقدة، وفي نطقه حبسة، لا يقدم لا الطول ولا الطلاقة في الكلام، ولا وسامة الوجه، هذه أشياء لا تقدم ولا تؤخر، قد تسمع بأكبر جراح قلب في العالم لا تفكر أبداً بشكله، بل تفكر بخبرته، بيديه السحريتين، وبعلمه الكبير، قد يقال لك: هذا أكبر طبيب في العالم في جراحة القلب المفتوح، هل تفاجأ أنه قصير القامة، هل تزدريه إذا كان أسمر اللون، هل تزدريه إذا كان في رأسه قلة من الشعر ؟ هذه أشياء لا تقدم ولا تؤخر.
 فهذا النبي الكريم عرف ربه وأحبه، واندفع إلى الدعوة إليه، أكان في لسانه حبسة أم لم يكن هذا شيء ثانوي لا يقدم ولا يؤخر، ومع ذلك قال: ويضيق صدري، وأخاف أن يكذبوني، فإذا كذبوني يا رب ضاقت نفسي، فأثَّر هذا الضيق على لساني، فزاده تلعثماً، وازداد انحباساً.

﴿ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾

 هو لا يتهرب من هذه المهمة، لا ينسحب منها، لا يتنصل منها، ولكن يحتاط لها.

﴿ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ ﴾

استعانة موسى بهارون:

 هذا احتياط، لا إلى الداعي بل إلى الدعوة، لأن الدعوة عنده أعظم من الداعي، لو أنني أصابني العي، لو أنني انحبس لساني، لو أن عقدة ألجمت لساني يا رب، أرسل إلى هارون هو أفصح مني، فإذا تلعثمت، أي ارتبكت يأتي هارون فيبين لفرعون الحق الذي ندبتنا إليه يا رب العالمين.

﴿ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ ﴾

 شيء آخر، قال يا رب:

﴿ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ ﴾

اعتذار موسى بالذنب الذي أصابه بقتل القبطي:

 أنا لي عندهم سابقة، في قصة أخرى حينما لقي سيدنا موسى في الطريق قبطياً من حاشية فرعون وإسرائيلياً من بني قومه يتخاصمان، فوكزه موسى فقضى عليه، فولى هارباً، فهو عندهم قاتل، فقال:

﴿ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ﴾

 ومرة ثانية سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام لا يتنصل، ولا ينسحب، ولا ينهزم، ولكن يحتاط، لا يحتاط لنفسه، ولكن يحتاط للدعوة، يقول: يا رب إذا قتلوني يكون أخي مكاني يتابع الدعوة، هل بعد هذا الحرص من حرص ! هل بعد هذا الحرص على نشر الدعوة حرص، إن تلعثمت يجيء هارون فيجيب عني، وإن قتلت يا رب يأتي هارون يتابع الدعوة من بعدي.

﴿ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ﴾

 ربنا عز وجل برحمته الواسعة وحكمته طمأنه فقال:

﴿ قَالَ كَلَّا﴾

طمأنة الله موسى:

 لم يقل: لا، لأن ( لا ) غير ( كلا )، ( لا ) تفيد النفي لا يفعله، لن يفعلوا ذلك هذه (لا)، قال: كلا، يعني هو ينفي له أن يقع ذلك ويردعه من أن يفكر في ذلك، قال تعالى:

﴿ قَالَ لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾

 (سورة طه)

 يعني باللغة الدارجة: أين أنا ؟ رب العالمين، وفرعون قلبه بيده سبحانه، نفسه بيده، كن فيكون وزل فيزول، أين أنا ؟

﴿ قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ﴾

معية الله سبحانه:

 إذا كان الله معك فمن عليك وإذا كان عليك فمن معك، أبيات لصحاب هذا المقام:

 

كن مع الله تر الله معك  واترك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطاك من يمنعـه  ثم من يعطي إذا ما منعك
* * *

 هذا هو الإيمان.

 

 

﴿ وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ﴾

 

 (سورة الحج 18)

﴿ مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

 (سورة فاطر)

 إذا أعطى الله أعطى، وإذا مَنعَ منعَ، لو أن الأمة اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو أن الأمة اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، هذا هو الإيمان، لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، هذا هو الإيمان، لا رافع إلا الله ولا خافض إلا الله، لا معطي إلا الله، ولا مانع إلا الله، لا معز إلا الله، ولا مذل إلا الله، لا قابض إلا الله، ولا باسط إلا الله، لا أحد غير الله.

﴿ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14) قَالَ كَلَّا ﴾

 لا تقل هذا يا موسى، أين أنا ؟، أنت رسولي، يعني كل آية موجهة للنبي عليه الصلاة والسلام فللمؤمن منها نصيب، أحياناً يقول المؤمن: أخاف من أن يحدث لي حادث، أنت مؤمن وأنت على الله غالٍ، والدليل:

 

﴿ وَقَالَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

 

 (سورة المائدة)

 استنبط الإمام الشافعي أن الله لا يعذب أحبابه، أهكذا ظنك بالله عز وجل، النبي عليه الصلاة والسلام أُعطي دواء ذات الجنب فغضب صلى الله عليه وسلم وقال: ذاك مرض ما كان الله ليصيبني به، حياتك غالية على الله عز وجل، وسعادتك الزوجية غالية على الله عز وجل، وسلامتك غالية، وراحتك النفسية غالية، لك معاملة خاصة، أنت ولي لله، أنت في ظل الله ورعايته، لا يتخلى الله عنك، إذا كانت هذه لسيدنا موسى فلكل مؤمن منها نصيب، أين أنا يا موسى ؟ أنا معك، إذا كان الله معك فمن عليك، يجب أن تكون للمؤمن معنويات عالية، أحياناً مؤمن يخاف خطراً جاثماً بسبب تافه، أهكذا يفعل الله معك، لا، ادعُ الله أن يهبك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
 هذه اللقطة من السيرة: هذا مرض ما كان الله ليصيبني به، أنت بشكل مصغر جداً أنت مؤمن، يعني الله سيهديهم، ويصلح بالهم، لا بدّ أن يصلح لك بالك، لا بدّ أن يطمئنك، لا بدّ أن يتجلى عليك، لا بدّ أن يريحك، لا بدّ أن يسعدك، لأنك عبده، يا داود: لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي، يا داود: هذه إرادتي في المعرضين فكيف إرادتي في المقبلين.
 هذا الذي استقام على أمر الله، وقرأ كتاب الله، تحرى الحق في كسب المال وفي إنفاقه، عاكس نفسه، غض بصره عن محارم الله، خدم عباد الله، استمع إلى الحق، سعى برجليه ليحضر مجلس علم، أهكذا تظن بالله عز وجل، أنت لست على الله هيناً، هذا الذي هان الله عليه يهون على الله، لكن الله ليس عليه بهين، الله عندك عظيم، وإذا كان الله عندك عظيماً فأنت عنده مكرّم، الناس رجلان بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله، فإذا كان الله عندك عظيماً فأنت عنده لست بهينٍ، اللهم احفظنا مما تحفظ به عبادك الصالحين، أحياناً الإنسان تصيبه مصيبة كبيرة بسبب تافه، فالله عز وجل يحفظك، يحفظك من كل مكروه.
 هذه الآية دقيقة:

﴿ قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ﴾

 أنا معكم إله خالق السماوات والأرض، كن فيكون زل فيزول، يقول لك أنا معك، المؤمن الحق عندما ربنا عز وجل يقول:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

 (سورة النحل)

 المؤمن يصدق هذا،

 

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُو لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ﴾

 

 (سورة القصص)

 ليس في كتاب الله من بشريات المؤمنين تصدقها، وتطمئن بها، وتشعر أنك أسعد الناس.

﴿ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

منهجيةٌ في الدعوة إلى الله:

 قال شخص لخليفة من خلفاء بني أمية: سأعظك، وسأغلظ عليك، فقال له هذا الخليفة ولمَ: الغلظة يا أخي ؟ إن الله أرسل من هو خير منك إلى من هو شر مني، أرسل موسى إلى فرعون، ومع ذلك:

 

﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً ﴾

 من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف.
 فرعون الذي قال: أنا ربكم الأعلى، والذي قال:

 

 

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

 فرعون الذي قتّل أبناء بني إسرائيل، وذبحهم، واستحيى نساءهم، الله سبحانه وتعالى أرسل له موسى كي يؤمن، يعني لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم جئتني تائباً غفرتها ولا أبالي.

 

﴿ قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

 (سورة الزمر)

﴿ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

هدف الدعاة في الدعوة واحد:

 فقولا: يا موسى ويا هارون، إنّا: (بالمثنى )رسول: بالمفرد، هذه لقطة ثانية، يعني الهدف واحد، ينبغي أن يكون الدعاة لهم هدف واحد، يجب ألا يختلفوا، يجب ألا يجرح بعضهم بعضاً، ما دام هذا الداعية يدعو إلى الله ورسوله وفق هذا الكتاب، وهذا الداعية يدعو إلى الله ورسوله وفق هذا الكتاب فلِمَ الخلاف ‍‍! ولِمَ المنافسة ! فقولا إنّا رسول: الهدف واحد، لذلك قول الصوفيين في أورادهم: إلهي أنت مقصودي، ورضاك هو مطلوبي، إذا قال كل داعية إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي لا بدّ أن يأتلفوا جميعاً، لا بدّ أن يلتقوا جميعاً، لا بدّ أن ينصر بعضهم بعضاً، لا بدّ أن يوقّر بعضهم بعضاً، أما هذا التنافس، وهذه الخصومات وهذا التجريح لا يليق بالدعاة إطلاقاً.

﴿ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

 إذا عزّ أخوك فكن أنت معه، كن تحت جناحه، كن في خدمته، لم المنافسة، يعني يجب أن يكون الهدف واحداً.

﴿ فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17) ﴾

 يبدو أن دعوة سيدنا موسى كانت إلى قومه بني إسرائيل، لذلك ليس فرعون مقصوداً بهذه الدعوة بقدر ما هم مقصودون، أي بنو إسرائيل.

﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾

محاولة موسى إخراج قومه من مأزق فرعون:

 لا تذبح أبناءهم، لا تستحي نسائهم، أرسلهم معنا كي يعبدوا الله، بنو إسرائيل لهم أنبياء قبل سيدنا موسى، جاءهم سيدنا يوسف بالبينات، جاءهم إسرائيل، يعقوب، هؤلاء أنبياء بني إسرائيل، لكن امتداد الزمن جعلهم ينحرفون، جعل هذه الشعلة تخمد في نفوسهم، جعلهم يعصون ينحرفون يبتعدون يقصرون، أصبحت دينهم طقوساً، أصبح أعمالاً لا معنى لها، لذلك استحقوا أن يؤدبهم الله على يد فرعون، الظالم سوط الله ينتقم به، ثم ينتقم منه، فلما جاء سيدنا موسى لفرعون قال:

﴿ أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾

 نظر فرعون إلى سيدنا موسى، من هذا الذي يكلمني هذا الكلام ؟ فرعون الذي قال:

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

 فرعون الذي قال:

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى ﴾

حجج فرعون في ردّ دعوة موسى عليه السلام:

1 – تربية ونشأة موسى في بيت فرعون:

 أتي شخص اسمه موسى كان من قبل ربيباً في قصر فرعون أي خادماً، وقد فعل فعلةً نكراء، قتل قبطياً من حاشية فرعون، وولى هارباً، قال: أنت تقول لي أرسل معي بني إسرائيل، ألم نربك فينا وليداً ! ألم تكن طفلاً صغيراً عندنا ! ألم تأكل من هذا القصر ‍! ألم نرعك صغيراً !

﴿ قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ ﴾

2 – مكث موسى مع قومه في مصر سنين:

 حتى صرت يافعاً وشاباً، ونسيت ما فعلت يا موسى، وفعلت فعلتك التي فعلت، هذا التنكير للتعظيم، يقول لك ذاك المرض، قل اسمه، هذا للتعظيم، لأنه شيء عظيم جداً، نسيت فلان ماذا فعل ؟ ماذا فعل ؟ الذي فعله، هذا إبهام هدفه التعظيم.

﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾

3– قتل موسى للقبطي:

 كيف قتلت هذا القبطي ؟ الإله الذي بعثك إليّ هل يسمح لك أن تقتل هذا القبطي ؟ هكذا ظن فرعون أنه أجاب سيدنا موسى إجابة حاسمة، أنت كنت فينا ربيباً وليداً، ربيناك في هذا القصر، أطعمناك في هذا القصر، اعتنينا بك حتى صرت شاباً، فعلت فعلتك، ووليت هارباً، أنت تقول: أن أرسل معي بني إسرائيل ؟! موقف عصيب، بشكل نظري سهل، لكن تصوروا أن سيدنا موسى شخص مضطهد ـ طبعاً بنو إسرائيل مضطهدون في عهد فرعون ـ وقد تربى عندهم، وقتل منهم قبطياً، ويأتي ليدعو فرعون ليؤمن بالله رب العالمين، وليرسل معه بني إسرائيل، موقف عصيب جداً، فلا يعرف الشوق إلا من يكابده، ولا الصبابة إلا من يعانيها، سيدنا موسى قال:

﴿ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ﴾

ردّ موسى على مزاعم فرعون:

 بعض علماء التفسير قالوا: هذا استفهام من غير أداة استفهام، لكن السياق يفرض أن يكون استفهاماً، لأن النبي معصوم في رأي جمهور العلماء قبل الرسالة وبعدها، والدليل لما قص قصته على سيدنا شعيب قال:

﴿ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾

 (سورة القصص)

 لو كان سيدنا موسى ارتكب خطأ في هذا العمل ما قال له سيدنا شعيب: لا تخف نجوت من القوم الظالمين، هو ماذا فعل ؟ رأى عدواناً من شخص قوي على شخص مستضعف، فوقف مع الحق، فوكزه فقضى عليه.
 قال: نعم فعلتها، ولكن أنا لست ضالاً بهذا العمل، أنا وقفت مع الحق، كان بإمكان ألا أتدخل، وأطلب السلامة لنفسي، طبعاً لو أنت شاهدت إنساناً قوياً يضرب إنساناً ضعيفاً، طبعاً الموقف المريح أن تتابع المسير في الطريق، أن تقول: لا علاقة لي بهذا، يقول الإنسان: فخار يكسر بعضه، لكنك أن تقف مع الحق وتعرض نفسك للخطر.. لخطر الموت، قال:

﴿ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ﴾

 ما فعلت إلا ما يمليه عليّ الحق، يعني أراد أن يناقش فرعون بهذا الموقف.

﴿ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾

الخوف من جِبلّة البشر جميعا:

 الإنسان يخاف، والنبي يخاف، يقول الله عز وجل:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ﴾

 (سورة الكهف 110)

 أنا بشر، وسيدنا موسى بشر.

﴿ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾

امتنان موسى برسالة الله له:

 أنا لست رسولاً فريداً في الأرض، أنا رسول من هؤلاء الرسل جميعاً، حينما خفتكم توجهت إلى مدين عشت مع نبي عظيم، هو سيدنا شعيب، ووهب لي ربي في هذه المرحلة حكماً، وجعلني نبياً، وأرسلني إليكم، بعدئذٍ تقول لي: ألم نربك فينا وليداً.
 طبعاً فرعون استعلى عليه فقابله استعلاءً باستعلاء، وتهكماً بتهكم، قال:

﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾

استعباد فرعون لبني إسرائيل:

 أنا لماذا رُبيت في قصرك، لأنك تذبح بني إسرائيل، لو أنك لا تذبحهم ما تربيت في قصرك، خافت عليّ أمي فقذفتني بالتابوت، والتابوت جاء إلى شاطئ قصرك، ما كان لك أن تربيني لو كنت عادلاً، لو لم تقتل أبناء بني إسرائيل لم أكن في قصرك.

﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾

 جعلتهم عبيداً عندك، أخذت جهدهم بلا ثمن، وقتلت أبنائهم، واستحييت نسائهم، وتلك نعمة تمنها عليّ أيضاً أن عبدت بني إسرائيل، طبعاً موقف عصيب، موقف متين وجواب محكم.

﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22) قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) ﴾

إنكار فرعون لوجود رب سواه:

 هو لا ينفي وجوده، ولكن ينفي قدرته، هذه نفي الشأن، تقول: مَن فلان ؟ يعني لا قيمة له.

﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾

 أنا الإله، هذا قول فرعون، كلمة وما رب العالمين ؟ سيدنا موسى فاجأه فقال:

﴿ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

الله رب السماوات والأرض:

 رب الكون، من أنت أمامه، إذا كانت المجرة تبعد عنّا ستة عشر ألف مليون سنة ضوئية، وإذا كان أقرب نجم ملتهب بُعده عنّا أربع سنوات ضوئية، يعني نحتاج إلى أن نصل إليه بالسيارة إلى خمسين مليون سنة، أربع سنوات ضوئية تقابل خمسين مليون سنة بالسيارة، والأربعة آلاف سنة ضوئية، والمليون سنة ضوئية، والستة عشر ألف مليون سنة ضوئية، وما رب العالمين ؟
 أحياناً الإنسان يسب الدين أو يسب الإله، هذا صفر أو تحت الصفر لا يعرف عن الله شيئاً، أتعرف من تسب ؟ خالق السماوات والأرض.

﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾

 وكأن هذا سباب.

﴿ قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾

معنى الربّ:

 ما معنى رب ؟ يعني المربي والممد، إذا كنت تربي طفلك، واحتاج إلى دواء، ولا تملك ثمن الدواء أنت لست مربياً، معلومات جيدة، ولكن الإمكانيات لا توجد، كلمة رب تعني الحكمة في الرعاية مع القدرة في الإمداد.

 

﴿ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 

 من أمد الشمس بهذا النور وهذا اللهب، من حرك الأجرام السماوية، من حرك الرياح، من أنزل الأمطار، من أنبت النبات، من أطعم الطيور في السماء، من أطعم الأسماك في البحار، من أعطى هذه الشجرة ما تحتاج من مواد معدنية وأشباه معدنية، من يمد كل مخلوق بما يحتاج، من هو الحي القيوم قيام الأشياء به.

﴿ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

 وتقول: وما رب العالمين، أحياناً تجد نملة من يطعمها ؟

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾

 (سورة هود)

 الدابة: أحياناً يوجد غزلان يعيشون في قمم الجبال، وفي قمم الجبال بعض الينابيع، وليس هناك من تفسير لينبوع ماء في قمم الجبال إلا أن يكون خزانه في جبل أعلى منه، يعني في جبل أعلى منه بعيد جداً هناك اتصال أنابيب موصولة من هذا الجبل العالي إلى الجبل الأدنى، هذا الوعل يحتاج أن يشرب، إذاً يخلق له ينبوع ماء في قمة الجبل.
 وهذه السمكة التي تعيش في خليج ميريانة في المحيط الهادي حيث العمق يزيد على اثني عشر ألف متر، أعمق مكان في البحار، سمك هلامي من يأتيها بالطعام والشراب.

﴿ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 الطيور، الأسماك، الوحوش، الحيوانات الأهلية، الدود، البكتريا، الفيروس، الكائنات الدقيقة، من يطعمها ؟ الله سبحانه وتعالى، لها أجهزة، تجد النملة لها قلب ولها بصر الدليل ضع يدك أمامها تقف معناها أنها لها بصر، تجد الحيوان له قلب، وله رئتان، وله أجهزة هضم، وغدد صماء، الحيوان ليس له قيمة عندك، بعوضة تعمل لها بيدك هكذا ماذا حصل، هذه البعوضة لها ثلاث قلوب، وعندها جهاز تخدير، وعندها جهاز تحليل، وعندها جهاز تمييع للدم، لها محاجم إذا كان السطح أملس، ولها مخالب، يرف جناجها أربعة آلاف رفة في الثانية إلى مستوى الطنين.

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾

 

 (سورة البقرة 26)

﴿ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾

 من رب العالمين ؟ هذه البعوضة لو أن علماء الأرض اجتمعوا على أن يخلقوا ذبابة لا يستطيعون، تحداهم ربهم في أحقر مخلوق، ذبابة لا يستطيعون.

﴿ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 يعني يمدّ كل هذه المخلوقات، من يمد الشمس بالحرارة، من يمد الأرض بالحركة، الجبال بالشموخ، البحار بالماء، كل إنسان فيه خمسون نوع خمسون نسيج خمسون عضو خمسون غدة، هذا البنكرياس يحتاج إلى أنسولين ضعف إفراز الأنسولين حدث مرض السكر، خمسون ظاهرة لأن البنكرياس ضعف إفراز الأنسولين فيه، والأنسولين من أجل إحراق السكر في حرارة عادية.

﴿ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24) ﴾

 فرعون استغرب، يعني دهش.

﴿ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ ﴾

استغراب فرعون من كلام موسى عليه السلام:

 يريد أن يعزز مكانته، يريد أن يستنجد بمن حوله، يحتاج إلى إعادة اعتبار.

﴿ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ ﴾

 كأنه يستهزئ، ما هذا الكلام هناك رب للعالمين، أيوجد غيري إله، كأنه يقول هكذا لأتباعه، هل تعرفون إلهاً غيري، هذا يدعي أن هناك إله خلق السماوات والأرض، فعندئذ فاجأه سيدنا موسى قال:

﴿ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ﴾

إثبات موسى لربوبية الله ونفيها عن فرعون:

 يعني أنت لست إله يا فرعون، أنت ربيب والله هو الرب، أنت لست رباً، الله هو ربك، ربكم ورب آبائكم الأولين، الأول بلا بداية، والآخر بلا نهاية، كان الله، ولم يكن معه شيء، هو الأول بلا بداية، والآخر بلا نهاية، هو القديم الأزلي الأبدي، يعني ربكم ورب آبائكم الأولين.
 حينما تضعف حجة الإنسان، وحينما يقع في حيص بيص كما يقولون، وحينما يسقط في يده يلجأ للسباب، أثناء المناقشة الذي يسب الثاني، أولاً هو الضعيف، القضية إقناع، وحجة، ودليل، قال لك: أنت لا تفهم، انتهى النقاش، معنى ذلك أن أحد الأطراف سلّم، عندما يلجأ الإنسان للسباب معناها انتهى، ومعناها ضعف، معناها فقد الحجة، معناها أُسقط في يده، فقال فرعون:

﴿ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾

اتهام فرعون لموسى بالجنون:

 رد على هذه الحقائق، رد على هذه البراهين، هذا كلام لا معنى له، فلذلك أصعب شيء في النقاش لست فاهماً رد عليه، إذا قلت له كذلك فأنت ضعيف لقد سقطت في الامتحان، لقد خسرت هذه الجولة، إما أن تقدم له الدليل، وإما أن تسكت، أما أن تقول له: إنك مجنون، هذا ليس نقاشاً، هنا فرعون وقع في الإحباط قال:

﴿ قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾

 هذا مجنون، والنبي عليه الصلاة والسلام رأى في الطريق مجنوناً فقال لأصحابه: من هذا ؟ ( اسمه تجاهل العارف ) فقالوا: هذا مجنون، فقال:

(( لا، هذا مبتلى، المجنون من عصى الله، أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً، المجنون من عصى الله عز وجل ))

 وتعلمون النمرود حينما ناقشه سيدنا إبراهيم فقال: فإن ربي الذي يحي ويميت، فقال: أنا أحيي وأميت، توهم النمرود أنه إذا عفا عن إنسان من حقه أن يقتل فقد أحياه، وإذا أمر بقتل إنسان فقد أماته فقال: أنا أحيي وأميت، فسيدنا إبراهيم علمنا النقاش الصحيح، ما تابعه في هذا الموضوع لأن فهمه كان سقيماً، جاءه بحجة أخرى فقال له:

﴿ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾

 (سورة البقرة)

 سيدنا موسى قال:

﴿ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾

 الإنسان يجتمع فيقرر مثلاً إغلاق شيء، يقرر فتح شيء، يسمح، ويمنع، يعزل يعين، يعطي يمنع، الآن لو اجتمعت الدول كلها لاتخاذ قرار أن تطلع الشمس من مغربها صبيحة يوم كذا كلام فارغ، الإله هو الذي يفعل هذا، جميع بني البشر ليس في قدرتهم أن يفعلوا ذلك، فسيدنا موسى قال له:

﴿ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾

دعوة إلى إعمال العقل:

 يعني يجب أن تعقلوا، إنما الدين هو العقل، من لا عقل له لا دين له، من لا دين له لا عقل له، تبارك الذي قسم العقل بين عباده أشتاتاً، إن الرجلين ليستوي عملهما، وبرهما، وصومهما، وصلاتهما، ويختلفان في العقل كالذرة جنبُ أحد، وما قسم الله لعباده نصيباً أوفر من العقل واليقين.

﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾

 لو أنكم تعقلون لكنتم عرفتم الله رب العالمين، عرفتم رب المشرق والمغرب، عرفتم ربكم ورب آبائكم الأولين، عرفتم رب السماوات والأرض إن كنتم تعقلون، أي اعقلوا.

﴿ قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾

 عندئذ فقد فرعون صبره فقال:

﴿ قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّك مِنَ الْمَسْجُونِينَ ﴾

مرحلة التهديد والضغط والوعيد:

 فرعون قوي، لكن كل قوة تحتاج إلى فلسفة تساندها، فسيدنا موسى يخاطبه أمام ملأ منه، عندئذ لما بلغ بفرعون هذا المبلغ وانتقل من المناقشة إلى التهديد، وانتقل من الحوار إلى الوعيد، عندئذ قال سيدنا موسى:

﴿ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ﴾

 قال موسى: لو أن معي على ما أقول حجة قاطعة ما تقول ؟ هنا لو قال فرعون لا أستمع إليها يفقد قيمته أمام من حوله، يعني وضعه في زاوية ضيقة.

﴿ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ﴾

اقتراح موسى على فرعون حجة مادية:

 لو جئتك بشيء قطعي، دليل، حجة قاطعة، بمعجزة تثبت أني رسول من عند الله رب العالمين، عندئذ قال:

﴿ قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾

 طبعاً اضطر مرغماً أن يعطيه مهلة كي يدلي بحجته التي تثبت أنه نبي مرسل من عند الله رب العالمين، طبعاً الوقت ضيق لا يتسع لمتابعة هذه القصة، إن شاء الله في درس قادم نتابع هذه القصة إن كان في العمر بقية بعد ثلاث أسابيع، لأنني مزمع على أداء فريضة الحج هذا العام، فسأتغيب الأسبوع القادم والذي بعده فقط إن شاء الله تعالى كما هي الخطة، نحن في العادة نعطل في العيدين، فأسبوع العيد فيه عطلة بالأساس، يضاف لهذه العطلة أسبوعاً آخر، هو الأسبوع القادم، ونتابع هذه الدروس إن شاء الله إن كان في العمر بقية بعد العودة من الحج.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018