الدرس : 1 - سورة ابراهيم - تفسير الآيات 1 – 5 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 1 - سورة ابراهيم - تفسير الآيات 1 – 5


1986-09-12

 الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون، سورة اليوم سورة إبراهيم أبي الأنبياء عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام .

﴿ الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾

الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ

الإنسان بين الظلمات والنور :

 في هذه الآية مركز ثِقَل، الظلمات والنور، ربنا سبحانه وتعالى كَنَّى عن الهدى بالنور، وكنَّى عن الضلال بالظُلمات، فالكافر في ظلماتٍ بعضها فوق بعض ..

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

( سورة البقرة : من الآية 257 )

 لو أن الرجل دخل الأسواق وباع واشترى وليس له معرفةٌ في الله فهو في ظُلُمات، أغلب الظن أنه يكسب مالاً حراماً، أغلب الظن أنه يُسيء للآخرين، فإذا كان مؤمناً، مهتدياً، متَّبعاً لكتاب الله فهو في نور، يكسب ماله كلَّه حلالاً ..

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[ الطبراني في المعجم الأوسط عن ابن عباس ]


 فحضور مجالس العلم ليس من باب أن نضيف إلى مُتعنا متعةً جديدة، لا، حضور مجالس العلم فرضٌ لسلامتنا، وفرضٌ لسعادتنا، وفرضٌ لدخولنا الجنَّة، لأن الجاهل لا يستوي مع العالم ..

﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

(سورة الزمر : من الآية 9 )

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ ﴾

(سورة السجدة )

 الرجل الذي يتزوَّج ولا يعرف الله سبحانه وتعالى قد يُخْرِبُ حياته بنفسه، بيديه، لأنه جاهل لا يعرف كيف يعامل الزوجة، في ظلمات، لساعة غضب يحلف عليها يميناً بالطلاق، قد يتساهل في أشياء، ينشأ اختلاط، تنشأ محبَّةٌ، تنشأ خيانةٌ، كل ذلك بسبب أنه في ظلمات بعضها فوق بعض، فالزوج المُنْقَطِعُ عن الله عزَّ وجل في ظلماتٍ بعضها فوق بعض، والتاجر المنقطع عن الله عزَّ وجل في ظلماتٍ بعضها فوق بعض .

مهمة الأنبياء إخراج الناس من الظلمات إلى النور :

 ما مهمَّة الأنبياء؟ كأنَّ الله سبحانه وتعالى في هذه الآية حدَّد مهمَّة النبي عليه الصلاة والسلام :

﴿ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

 الضلال ظلمات، والهدى نور، الجهل ظلمات، والعلم نور، المعصية ظلمات، والطاعة نور، الانقطاع عن الله ظلمات، والاتصال به نور، هذه مهمَّة الأنبياء، وهذه مهمَّة النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه مهمّة الدعاة الصادقين من بعده ..

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي ﴾

( سورة يوسف : من الآية 108 )

﴿ لِتُخْرِجَ النَّاسَ ﴾

 والله الذي لا إله إلا هو ما من تشبيهٍ وتمثيلٍ أوضح من أن يُشبَّه العلم بالنور والضلال بالظلمات، المهتدي يُحِسُّ بأنَّ الجاهلَ في ظلمات، يتخبَّط خَبْطَ عشواء، ينفعل من دون سبب، يرضى من دون سبب، يسيء علاقاته مع الناس لأنه جاهل، فإذا كنت مهتدياً فأنت على بصيرة ..

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي ﴾

( سورة يوسف : من الآية 108 )

 لذلك ربنا عزَّ وجل قال :

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾

( سورة البقرة : من الآية 219 )

(( ما استرذل الله عبداً إلا حظر عليه العلم والأدب ))

[ ورد في الأثر ]


 أثمن شيءٍ يمنحك الله في الدنيا أن تعرفه وأن تكون أديباً معه ومع خلقه ..

(( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ ))

[ سنن الترمذي عن أبي هريرة ]


 أثمن شخصيَّةٍ في الحياة شخصية المؤمن لأنه عرف الله، سَمَتْ نفسه، تفتَّح عقله، تيقَّظ حسُّه، نمت مشاعره، يرى ما لا يراه الناس، يسمع ما لا يسمعون، يحتكم إلى القِيَم، تحكمه القيم، هذه صفات المؤمن، المؤمن شخصيَّةٌ فذَّة، كلمة مؤمن لقبٌ علمي ..

(( ما اتخذ الله وليَّاً جاهلاً لو اتخذه لعلَّمه ))

[ ورد في الأثر ]

(( كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ ))

[ سنن الدرامي عن مسْروقٍ ]


 لقبُ مؤمنٍ لقبٌ جمالي، المؤمن سعيدٌ بالله عزَّ وجل، مطمئنٌّ إلى عدالته، راضٍ بقضائه، مستسلمٌ لقدره، مصدِّقٌ لوعده، يخاف من وعيده ..

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

( سورة الجاثية : من الآية 21)

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة القصص : من الآية 61 )

 فلذلك :

﴿ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

 هل أنت في نور؟ هل تُحسُّ أنَّكَ مهتدٍ؟ هل ترى الأشياء واضحةً؟ هل ترى كيف تتخذ القرار في شأن زوجتك؟ في شأن عملك؟ في شأن أصدقائك، في شأن جيرانك؟ في شأن صحَّتك؟ ..
كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

 

القرآن يخرج الناس من الظلمات إلى النور :

 يا أيها الإخوة الأكارم ... كتاب الله بين أيدينا نقرأه، ونحفظه، ونستمع إليه، ونستطيع أن نستمع إلى تفسيره، إذاً هذه مائدة الله سبحانه وتعالى، يدعوكم الله إليها، هذا كتابه، هذه آياته، هذه كلماته، كتابٌ :

﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾

( سورة فصلت : من الآية 42 )

﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ﴾

الهدى ثمنه طاعة الله :

 لأن الإنسان إن لم يأذن الله له بالهدى لا يهتدي، وإذن الله سبحانه وتعالى له قاعدة، القاعدة هي أنك إذا دفعت الثمن قبضت الجائزة، الهدى ثمنه طاعة الله عزَّ وجل، ثمنه أن تكون وَرِعاً ..

(( ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعة من مُخَلِط ))

[ الجامع الصغير عن أنس ]


 ثمنه أن تجاهد نفسك وهواك، جاهد تُشاهد، ثمن الهدى مبذولٌ للناس كلِّهم، فمن دفع الثمن قبض الجائزة، فضل الله سبحانه وتعالى واسع ..

﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾

الهدى أمنٌ وسلامة:

 من يشاء من العباد، يشاء يعود فاعلها على العباد ..

﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾

( سورة البقرة : من الآية 105 )

 فالله سبحانه وتعالى لا يأذن إلا للصادق، لا يأذن للكاذب، لا يأذن للمنافق، لا يأذن للمُرائي، لا يأذن للفاسق، لا يأذن للمُخَلِّط .. الفاسق، والمخلِّط، والمُرائي، والفاجر، والمنافق هؤلاء جميعاً لا يأذن الله لهم بالهدى .. ولو قرؤوا كتب الثقلين، ولو حفظوها عن ظهر قلب، الثقافة شيء والهدى شيءٌ آخر، الثقافة تبقى في الدماغ، تُكْسِبُ صاحبها حَذْلقةَ لا قيمة لها بعد الموت، لكن الهدى يتغلغل في كل خليةٍ من خلايا جسدك، قلبُك مهتدٍ، جوارحك في طاعة الله، اهتماماتك في مرضاته، قلقك على رضاه، رغبتك في القُرْبِ منه، فالهدى سعادة، الهدى رؤية، الهدى انضباط، الهدى سموّ، الهدى خُلُق، الهدى تفاؤل، الهدى أمن، شعورٌ بالأمن ..

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(81)الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

( سورة الأنعام )

 الفرق بين السلامة والأمن هو أن السلامة ألاّ تُصاب بمصيبة، ولكنَّ الأمن أثمن من السلامة وهو ألاّ تتوقَّع المصيبة ..
 أنت من خوف الفقر في فقر، ومن خوف المرض في مرضٍ، وتوقُّع المصيبة مصيبةٌ أكبر منها .

 

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81)الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

 

( سورة الأنعام )

 فهذا الكتاب الذي بين أيدينا كتاب الله سبحانه وتعالى، منهجنا، دستورنا، فيه نبأ مَن قبلنا، ونبأ من بعدنا، حبل الله المتين، فيه نظامٌ لحياتنا، تقنينٌ لعلاقاتنا، توضيحٌ لمنهجنا في الحياة ..

الله عزيز لا يُذلُ من يطيعه :

﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾

 اختار الله عزَّ وجل من أسمائه الحُسنى في هذه الآية اسم العزيز، العزيز الذي لا يُنال جانبه، أي أنك إذا كنت مع العزيز فأنت عزيز .

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ﴾

( سورة فاطر : من الآية 10 )

﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة المنافقون : من الآية 8 )

(( إنه لا يذلُّ مَن واليتَ ولا يعزُّ مَن عاديتَ ))

[ أبو داود عن الحسن بن علي ]

 إذا كنت تبتغي العزَّة فإن العزَّة لله جميعاً ..

﴿ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ ﴾

 هو عزيز أيْ : منيع الجانب، لا تستطيع جهةٌ في الكون أن تصل إليه، ولا أن تنال منه، فإذا كنت معه فأنت أقوى الناس، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله، إذا أردت أن تكون عزيزاً فكن مع العزيز، كن في حماية العزيز، لُذْ بالعزيز ..

الله يُحمدعلى كل شيء :

﴿ الْحَمِيدِ ﴾

 ومع أنه عزيز، ومع أن أحداً لا يستطيع أن ينال منه، ومع أن أحداً لا يستطيع أن يصل إليه، ومع أن أحداً لا يستطيع أن يعقِّب على حكمه، ومع أن أحداً لا يستطيع أن يشركه في الحكم ..

﴿ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾

 هو حميد، أغلب الظن أن بعض الأشخاص الذين إذا قوي شأنهم لَمْ يبالوا أن يمدحهم الناس أو أن يذمُّوهم، لكن الله سبحانه وتعالى له الأسماء الحُسنى، فمع أنه عزيزٌ هو حميد، يُحْمَدُ على أفعاله كلِّها، يُحْمَد على تصرُّفاتِه كلِّها، ليس في الإمكان أبدع مما كان ..

﴿ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة يونس )

 يوم القيامة الله سبحانه وتعالى يكشف للرجل عن كل شيءٍ ساقه إليه في الدنيا، فلا يسعه إلا أن يقول : الحمد لله رب العالمين، يحمده على الضرَّاء، يحمده على الفقر، يحمده على فقد البصر، يحمده أن جعله عقيماً، يحمده أن جعل له أولاداً إناثاً جميعاً، يحمده أن جعله فقيراً، يحمده أن جعله مريضاً، يحمده أن جعله مُعَذَّباً، لأن الله سبحانه وتعالى يكشف للمرء يوم القيامة عن كل شيء ساقه إليه فلا يسعه إلا أن يحمد الله عزَّ وجل، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله، هذه من كلمات الإسلام الكبرى، فأنت تقول في الصلاة :

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة الفاتحة )

 إما أن تقولها بلسانك، وإما أن يقولها قلبك، فهل ترى أن كل شيءٍ ساقه الله لك يُحْمَد عليه؟ هل أنت راضٍ عنه؟ .. أعرابيٌّ يطوف بالكعبة ويقول: " يا رب ارضَ عني "، فقال له الإمام الشافعي وكان وراءه: " يا هذا هل رضيتَ عن الله حتى يرضى عنك؟ " . فقال : " سبحان الله مَن أنت؟ " . قال : " أنا الشافعي "، قال: " وكيف أرضى عنه وأنا أتمنَّى رضاه؟ " . قال : " إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله " ..
 أن ترضى عن الله في الرخاء شيءٌ لا يكلِّف شيئاً، شيءٌ بديهي ولكن البطولة، ولكن الإيمان الصحيح أن ترضى عنه في الشدَّة، وعند الصدمة الأولى أن تقول : يا ربي لك الحمد، يا ربي لك الحمد على كل حال، النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أصابته ضرَّاءٌ صَبَرْ ، وكان إذا أصابته سَرَّاءٌ شَكَرْ، وليس هذا لغير المؤمن ..

(( إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَلِكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ كَانَ ذَلِكَ لَهُ خَيْرًا وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ كَانَ ذَلِكَ لَهُ خَيْرًا ))

[ مسند أحمد عن صهيب ]

﴿ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾

 أي أنك إذا اهتديت بهذا الكتاب نقلك من الظلمات إلى النور، وبهذا النور رأيت الطريق إلى الله عزَّ وجل، والطريق إلى الله طريق الخلود، قبل أيَّام ذكرت في مجلسٍ خاص أن نعمةَ الصحَّةِ نعمةٌ ثمينة جداً إلا أنها تنتهي عند الموت، فلو عاش الإنسان مائة وعشرين عاماً لا يشكو شيئاً يأتي الموت فيضع حداً لهذه النعمة، ولو كان غنيَّاً وأنفق طول حياته إنفاقاً هائلاً، وكان دخله أكبر بكثيرٍ من مصروفه، ومْا ذاق طعم الحاجة طِيلة حياته، ولا ذاق طعم الفقر، فلو عاش مائتي عام يأتي بعدها الموت فيضع حداً لهذه النعمة .
 ولكن نعمة الهدى تستمرُّ إلى الأبد، إذا جاء ملك الموت وكنت مهتدياً فهنيئاً لك إنك في جنَّاتٍ ونعيم، إنك في مقعدٍ صدقٍ عند مليكٍ مقتدر، إنك في القُرب من الله سبحانه وتعالى، فلذلك نعمة الهدى أثمن نعمة ..

﴿ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ(1)اللَّهِ ﴾

اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ

 صاحب الأسماء الحُسنى، اسم الذات الأعظم ..

﴿ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾

الكون كله لله ملكًا وتصرفا ومصيرا :

 له، هذه اللام لام المُلْكِيَّة، أي أنَّ ما في السماوات والأرض مِلْكٌ له، مُلْكَاً وتصرُّفاً ومصيراً، فكيف تعبد غيره؟ كيف تسعى إلى غيره؟ كيف يهمُّك رضاء غيره؟ كيف تخاف غيره؟ كيف تسعد بغيره؟ كيف تبذل عمرك الثمين من أجل غيره؟!

 

﴿ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾

هذا ما ينتظر الكافر :

 الويل هو الهلاك، كنت مرَّةً قد ضربت مثلاً : أن سائقاً يقود سيَّارته في طريقٍ هابطة وفيها انعطافاتٌ حادَّة، وعلى جوانب الطريق وديانٌ سحيقة، فجأةٌ اكتشف أن المِكْبَحَ قد تعطَّل وأن سرعته كبيرة، قبل أن يقع في الوادي يقول : قد هلكت، قد ينادي بويله، ما الويل؟ الهلاك المحقَّق، قد يقول هذا السائق : متنا، هو لم يمت بعدُ ولكن يقولها لأن الموت محقَّق..

﴿ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾

 موتهم محقَّق، هلاكهم محقَّق، شقاؤهم محقَّق، دخولهم النار محقَّق، فالمسألة مسأله وقت إلى أن يتوقَّف القلب عن الخفقان، إلى أن يأتي الأجل، إلى أن تُكْتَب النعوة، إلى أن تنتهي السنوات، والأشهر، والأيام، والسَّاعات، والدقائق، والثواني التي منحها الله للعبد، إن الحياة دقائقٌ وثوانٍ، أنت بضعة أيَّام كلَّما انقضى منك يومٌ انقضى بضعٌ منك ..

كل ابنِ أنثى وإنْ طالتْ سلامت ه يوماً على آلةٍ حدباءَ محمولُ
فإذا حملتَ إلى القبورِ جنازةً   فاعلمْ بأنَّك بعدها محمولُ

العاقل يضع ساعة الموت أمامه :

 أيها الإخوة الأكارم، العاقل مَن يضع هذه الساعة نُصْبَ عينيه، ساعة الموت، ساعة نزول القبر، ساعة دخول المسجد في نَعْشٍ، ساعة الصلاة عليك، لا أن تصلي في الناس، كل إنسانٍ لابدَّ من أن يدخل المسجد مرَّةً في حياته، كل إنسان مسلم يدخله ليُصَلَّى عليه ..

﴿ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾

 ألا تصدِّق الله سبحانه وتعالى؟ ألا تخشى هذا اليوم؟ ألا تخشى هذا العذاب الشديد؟ ما بالك تخشى تهديد إنسان؟ ما بالك تصدِّق وعيد إنسان؟ لو أنَّك خشيت الله عزَّ وجل كما تخشى إنساناً تخاف منه وأنت تعلم أنه إذا قال فعل، لو خشيتَ الله عزَّ وجل كما تخشى إنساناً لدخلت الجنَّة، من هؤلاء الكافرون الذين توعَّدهم الله بالعذاب الشديد؟

﴿ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ ﴾

الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ

هذه هي الدنيا التي يلهث الناس وراءها :

 أرادوا الدنيا مع أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( خذ من الدنيا ما شئت وخذ بقدرها همًّا ))

[ ورد في الأثر ]

(( من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر ))

[ ورد في الأثر ]

(( الدنيا جيفة طلابها كلابها ))

[ كنز العمال عن علي موقوفا ]

(( الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ ))

[ أحمد عن عائشة ]


 قال عليه الصلاة والسلام :
 وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسَ رضي الله عنهما قَالَ :

(( مَرَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم بِشَاةٍ مَيْتَةٍ قَدْ أَلْقَاهَا أَهْلُهَا ، فَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ عَلَى أَهْلِهَا ))

[ أحمد ]

 عديّ بن حاتم أنه

(( جاء النبي عليه الصلاة والسلام، فرحَّب به النبي وكان ملكاً في شمال الجزيرة، فلمَّا انفضَّ المجلس أخذ بيده إلى البيت، وهذا من إكرام النبي له، قال عدي: في الطريق استوقفت النبي الكريم امرأةٌ مسنَّةٌ ضعيفة فقيرة، فوقف معها طويلاً تكلِّمه في حاجتها، فقلت في نفسي: " والله ما هذا بأمر مَلِك، فلمَّا دخلتُ البيت ـ انتبِهوا، النبي عليه الصلاة والسلام قمَّة المجتمع الإسلامي، هو في القمَّة ـ تناول وسادةً من أدمٍ محشوَّةً ليفاً وقال : " اجلس عليها "، قلت : " اجلس عليها أنت " قال: "بل أنت "، فجلست عليها وجلس هو على الأرض ))

[ ورد في الأثر ]

لو كانت للدنيا قيمة لملَكها الأنبياء :

 إذاً: ليس في بيته كلِّه إلا وسادةٌ واحدة، فلمَّا جلس عليها ضيفه جلس هو على الأرض، فهل للدنيا شأنٌ عند الله؟ لو أن لها شأناً لأعطاها لحبيبه، فلينظر ناظرٌ بعقله أن الله أكرم محمداً أم أهانه حين زوى عنه الدنيا؟ فإن قال : أهانه فقد كذب، وإن قال : أكرمه فلقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا .
 دخل عليه عمر رضي الله عنه فرآه نائماً على الحصير، وقد أثَّر الحصير في خدِّه الشريف، فبكى عمر، قال :

(( ... وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَصْبُوبًا، وَعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبٌ مُعَلَّقَةٌ، فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ مَا يُبْكِيكَ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ : أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمْ الدُّنْيَا وَلَنَا الْآخِرَةُ ))

[ البخاري عن ابن عباس ]

 أما ترضون أيها الإخوة أن تكونوا في الآخرة من السعداء؟ أن تكونوا في الحياة الأبديَّة في الجنَّة؟ أن تكونوا في مَرْضاةِ الله عزَّ وجل، أن تكونوا في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر؟ أن تكونوا في ظلِّ الله يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه؟ أن تتمتَّعوا برؤية الله سبحانه وتعالى .. " ينظر المؤمن إلى الله عزَّ وجل نظرةً يغيب بها خمسين ألف عامٍ من نشوة النظرة

(( أَفَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالْأَمْوَالِ، وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ إِلَى رِحَالِكُمْ ))

[ أحمد عن أنس ]

 أما ترضى أن يكون الله راضياً عنك؟ أما ترضى أن يكون نصيبك في الدنيا معرفة الله عزَّ وجل؟ أن تكون مستقيماً؟ ما لك تتمنَّى ما عند الناس ؟

﴿ وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

( سورة النساء : من الآية 32 )

 ارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس .

(( عبدي، خلقت لك ما في السماوات والأرض ولم أعْيَ بخلقهن، أفيعييني رغيفٌ أسوقه لك كل حين؟ وعزَّتي وجلالي إن لم ترض بما قسمته لك فلأسلِّطنَّ عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، لي عليك فريضة، ولك عليَّ رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك ))

[ ورد في الأثر ]

 أيها الإخوة الأكارم، كن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، انقل همومك كلها إلى الدار الآخرة ..

(( مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ ))

[ ابن ماجه عن ابن مسعود ]

(( اعمل لوجهٍ واحدٍ يكفك الوجوه كلَّها ))

[ ورد في الأثر ]

﴿ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ ﴾

لا تأخذ الفانية وتترك الباقية :

 يريدُ الدنيا، يريد مالها، نساءها، مركباتها الفخمة، بيوتها الفخمة، يريد بيتاً فيه تدفئةٌ مركزيَّة، يريد بيتاً مكيَّفاً في الصيف، يريد أثاثاً فخماً، يريد فُرُشَاً نفيسةً، يريد طعاماً فاخراً، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( نِعْمَ الإدام الجوع ))

[ ورد في الأثر ]

 كن جائعاً وكفى، أيُّ طعامٍ تأكله تَرَهُ طيّباً ..

﴿ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ ﴾

 فإذا حصَّلت بيتاً، وزوجةً، ودخلاً، ومركبةً من طريقٍ مشروع فذلك مقبول، أما أن تحصِّل الدنيا عن طريق المعصية، وعن طريق الكذب والنفاق والتزوير والتدليس، وعن طريق غش المسلمين، تُحَصِّل الدنيا بمعصية والدنيا فانية، تفنى الدنيا وتبقى المعصية، تحصَّل الدنيا بغضب الله، تذهب الدنيا ويبقى غضب الله .
 فيا أيها الإخوة الأكارم ...

﴿ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ ﴾

 صفات الكفَّار أنهم يستحبُّون الحياة الدنيا على الآخرة، أما المؤمن فإن الدنيا تنتقلُ من قلبه إلى يديه، نعم تنتقل مِن قلبه إلى يديه، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( إن أكيسَكم أكثرُكم للموت ذكراً، وأحزمَكم أشدُّكم استعداداً له، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والتزوُّد لسكنى القبور، والتأهُّب ليوم النشور ))

[ ورد في الأثر ]

﴿ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

 هذا الذي أحبَّ الحياة الدنيا إذا رأى ابنه يصلي، ويغضُّ بصره عن محارم الله، وامتنع عن رؤية زوجة أخيه لأن القرآن يمنع ذلك، يقيم عليه النكير، ويريد أن يصدُّ ابنه عن سبيل الله، إذا رأى شريكه يترفَّع عن أكل مالٍ حرام، أو عن حسم السندات، أو عن البيع بسعرين، يقيم عليه النكير ليصدَّه عن سبيل الله، همُّه الأوحد أن يبعد الناس عن طريق الحق، أن يكرِّهُهُم بطريق الحق، أن يرغِّبهم في الدنيا، هؤلاء الكفَّار هم :

﴿ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾

العوج عند أصحاب الدنيا :

 في بيعهٍ عِوَج، يُدَلِّس، يكذب، يبالغ، في علاقته بزوجته عِوَج، يسلك الطريق غير المشروع، في علاقته بالناس يسلك طريق العِوَج، يكذب، ويدلِّس، ويحتال، ويختال، ويوهم ..

﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾

 فوصف ربّنا دقيق ..

﴿ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾

 الطُرُقُ المشروعة مغلقةٌ، الطرق غير المشروعة مفتَّحة، أي أن صاحب العمل لا يسمح لك أن تأخذ حَقَّك، لكنَّك إذا غافلته وأخذت حقَّك وهو لا يدري بقي صامتاً راضياً، فلِمَ منعته الحق؟ ..

﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ﴾

الضلال البعيد :

 قد تسير في طريقٍ خطأ، تسير فيه مائتي كيلو متر، نقول لهذا الذي ضلَّ الطريق: لقد ضلَّ ضلالاً بعيدا، وقد تكون لوحةٌ كبيرةٌ توضِّح وجهة الطريق، مع أنّك قرأتها، ومع أنك رأيتها سرت في طريقٍ آخر، نقول: هذا ضلالٌ مبين، هناك ضلالٌ مبين، وهناك ضلالٌ بعيد، فالكفَّار لحبِّهم للدنيا، وإيثارهم لها، وصدِّهم عن سبيل الله، وابتغاء العِوَجَ في علاقاتهم كلَّها، الكفَّار بهذا قد ضلوا ضلالاً بعيداً عن طريق الحق، عن طريق السلامة، عن طريق السعادة، عن طريق الخُلود ..

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُم

المعنى الأول :

 المعنى الأول المستفاد من هذه الآية : أن كل نبيٍّ ينطق بلغة قومه وإلا فمستحيل أن يكون مع النبي مترجمون ليترجموا لأقوامه، مِن رحمة الله بعباده أن يجعل أنبياءَهُ ينطقون بلغتهم، هذا المعنى الأول .

 

المعنى الثاني :

 ولكن المعنى الآخر: أن " لغة القوم " تعني " قوَّة العصر " .
 في عهد سيدنا عيسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام كان الطبُّ متقدِّماً جداً، فكانت معجزة هذا النبي الكريم أنه يُحْيي الموتى، وإحياء الميّت مستحيلٌ في الطب ..

 

إن الطبيبَ له علمٌ يدلُّ بــه  إن كان للناسِ في الآجالٍ تأخيرُ
حتى إذا ما انتهتْ أيَّام رحلَتِه  حار الطبيبُ وخانته العقاقيــرُ
***

 فمستحيلٌ في الطب أن يحيي الطبيب الميت، فجاء سيدنا عيسى وأحيا الميِّت ولكن بإذن الله، ليكشف الله لهم أن هذا رسول، هذا رسولٌ من عندي .
 وفي عهد سيدنا موسى كان السحر متقدِّماً جداً، فالذي جاء به موسى أنه ألقى العصا فإذا هي ثعبانٌ مبين ..

 

﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ(46)قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ(47)رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ(48)قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾

 

( سورة الشعراء )

 الآيات طويلة، ولكن في نهايتها ..

﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(72)إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

( سورة طه )

 إذاً: جاء موسى بلسان قومه أي بقوَّة العصا، وجاء النبي عليه الصلاة والسلام في عصر البلاغة، في عصر البيان، في عصر الشِعْر، كان الشاعر مرتبته بعد شيخ القبيلة، أي أن الشاعر له المنصب الثاني بعد المنصب الأول في القبيلة، وقد يكون شيخ القبيلة شاعرها لشدَّة رِفْعَةِ الشعر، المُعَلَّقات قصائد كُتِبَت بماء الذهب وعُلِّقَت على جدران الكعبة، جاء النبي عليه الصلاة والسلام ومعه كتابٌ فيه إعجازٌ في إيجاز، ما هو بشعر ولا هو بنثر إنه كالسحر، وهذا الكتاب على قدر ورعك، وعلى قدر استقامتك، وعلى قدر اتصالك بالله تنكشف لك حقائقه، إنه لا يَبلى، لا يَخْلَق على كثرة الترداد .

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾

على الداعية أن يستوعب ثقافة عصره :

 وفي هذا العصر يحتاج الداعية إلى الله عزَّ وجل أن يستوعب ثقافة العصر، أن يسلك المنهج العلمي لأن العلم مما يتميَّز به هذا العصر ..

﴿ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20)وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

( سورة الذاريات )

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ(17)وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴾

( سورة الغاشية )

 هذه الآيات الكونيَّة تستطيع أن تشرحها وهي بابٌ واسعٌ تدخل منه إلى الله سبحانه وتعالى ..

﴿ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

الهدى الجزائي والضلال الجزائي :

 من يشاء الهُدى يهديه الله سبحانه وتعالى، ومن يشاء الضلالة بمعنى أنه ينطلق في طريق الضلالة فلابدَّ من أن يصل إلى نهاية الطريق فيضلِّه الله لأن هذا طلبه، وهذه رغبته، وهذه إرادته، وهذا كَسْبُهُ، الجامعة تأتي قيمتها لا من نجاح جميع الطلاب، لا، ولكن أن تأتي النتائج متوافقةً مع المقدِّمات ..

﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

الله عزيز حكيم ، أفعاله فيها حكمة وعزة :

 عزيزٌ حميد، وعزيزٌ حكيم، لأنه حكيمٌ هو عزيز، لو لم يكن حكيماً لما كان عزيزاً، لأنه يضع الأشياء في مواضعها، ما من شيءٍ وقع إلا وفي وقوعه حكمةٌ بالغة، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( لا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ))

[ سنن ابن ماجة عن أبي هريرة ]

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

 هذه هي مهمة النبي عليه الصلاة والسلام، إنها مهمة كل نبي، بل ومن بعدهم مهمة العلماء أيضاَ :

﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

 إذاً: مهمَّة الأنبياء أن يخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، وسيدنا موسى عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام أيضاً أُمِرَ أن يُخْرِجَ الناس من الظلمات إلى النور، والعلماء من بعد النبي عليه الصلاة والسلام مهمَّتهم أن يُخرِجوا الناس من الظلمات إلى النور .

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ

ما هي أيام الله؟

 أيَّام الله ؛ الأيَّام التي نصر الله بها قوم سيدنا موسى، فحين نجَّاهم من فرعون، حين صار البحر لهم طريقاَ يبسا، هذه أيَّام الله لقوم موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام .
 أيَّام الله للمؤمن قد تكون في امتحانٍ عصيب، وتدعو الله سبحانه وتعالى فيستجيب لك، هذا يومٌ من أيَّام الله .
 قد يكون ابنك في مرضٍ عُضال، وتدعو الله سبحانك وتعالى فيستجيب لك ويشفيه، هذا يومٌ ثانٍ من أيَّام الله، قد تكون في ضائقةٍ ماديَّةٍ خانقة فيأتيك رزقٌ من حيث لا تحتسب، هذا يومٌ من أيَّام الله، قد تسأل الله الهدى فيجمعك برجلٍ على حق، هذا يومٌ من أيَّام الله .
 قد تسأل الله زوجةً صالحة فيرزقك الله زوجة صالحة، هذا يومٌ من أيَّام الله .
 قد تسأل الله بيتاً يؤويك فيهبك الله هذا البيت، هذا يومٌ من أيَّام الله، قد تقع في ورطة وترى الهلاك فيها فتدعو الله مخلصاً فينجّيك منها ومن كل كرب، هذا يومٌ من أيَّام الله ، فالمؤمن لا ينسى أيَّام الله، يذكرها دائماً، يطأطئ رأسه تواضعاً لله، وكلَّما ذكر أيَّام الله تزدد لله شكراً ..

(( ألم تكونوا ضُلاَّلاً ـ هكذا قال عليه الصلاة والسلام للأنصار ـ أما أنتم فلو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصُدِّقتم به : أتيتنا مكذباً فصدَّقناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فأغنيناك ـ هذا حق ـ لو قلتم هذا لصدقتم ولصُدِّقتم به، يا معشر الأنصار ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ـ هذا يومٌ من أيَّام الله ـ ألم تكونوا أعداءً فألَّف الله بينكم؟ ألم تكونوا عالةً فأغناكم الله ؟ ))

[ أحمد ]

 

 

إذا فتح شخص دفتراً وكتب فيه أيَّام الله عنده، يوم نجَّاهُ الله عزَّ وجل من المرض الفلاني، يوم زوَّجه فلانة، يوم أعطاه هذا المحل التجاري، يوم هَيَّأ له هذا المنزل، يوم وقع في مشكلة كبيرة جداً فنجَّاه الله منها، فإن ذلك يحفزه على دوام الشكر، ذكِّر نفسك بأيَّام الله .

كن عن همومك معرضاً و  كِلْ الأمور إلى القضا
و أبشر بخيرٍ عاجــلٍ  تنس به ما قــد مضى
فيا رُبَّ أمرٍ مُسخــطٍ  لك في عواقبه رضــا
ولربَّما ضاق المضـيق  و لربَّما اتسع الفضــا
الله يفعل ما يشـــاء  فلا تكونَنَّ مُعتـــرضا
الله عوَّدك الجميــل  فقس على ما قـد مضى

 الله عوَّدك الجميل .. في تذكّرك أيام الله يتراءى لك هذا الجميل
 فكل واحدٍ منَّا مدعوٌّ إذا أمكن أن يكتب لنا على دفتر أيَّام الله، يذكِّر نفسه بها، فالله أمرنا أمراً، فقال :

﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾

 من أجل أن تحبَّه، من أجل أن تطمئنَّ له، من أجل أن تعرف أنَّ الذي أنقذك فيما مضى سيحفظك فيما هو آتٍ، فلا تقلق ..

﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾

الصبر من الإيمان :

 الإيمان نصفٌ صبرٌ ونصفٌ شكرٌ، أما هنا فصبَّار، أي كثير الصبر عن المعصية، وعلى الطاعة، وعلى قضاء الله وقدره .

﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018