أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 069 ب - اسم الله الولي 2 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 069 ب - اسم الله الولي 2


2008-03-10

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أسماء الله الحسنى: (الولي):

 أيها الأخوة الكرام، لازلنا مع اسم "الولي" فالله جل جلاله هو "الولي" أي هو المتولي لأمور خلقه قاطبة، القائم على تدبير ملكه، يمسك السماء أن تقع على الأرض، قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾

( سورة الرعد الآية: 33 )

  يتابع كل إنسان، إن كان حاله جيداً أكرمه، وإن كان بعيداً عالجه، هو المتولي أمور خلقه، يمدهم بما يحتاجونه، ويربي نفوسهم.

 

ولاية الله جلّ جلاله لخلقه ولايتان ولاية عامة وولاية خاصة:

  أيها الأخوة، أحد كبار العلماء ابن القيم رحمه الله تعالى، يرى أن ولاية الله جلّ جلاله لخلقه ولايتان، ولاية عامة، وولاية خاصة، فالولاية العامة هي ولاية الله لشؤون عباده، شؤون، شأن رزقهم، شأن علاقاتهم، شأن معالجتهم، شأن تربيتهم.
  الولاية العامة ولاية الله لشؤون عباده، وتكفله بأرزاقهم، للتقريب:
  بستان فيه شجر التفاح، الشجرة السابعة، الغصن الرابع، التفاحة الخامسة، هذه لفلان، قُسمت له، فلان مخير، إما أن يشتريها بماله الحلال، وإما أن يأكلها ضيافة، وإما أن تقدم له هدية، وإما أن يتسولها، وإما أن يسرقها، وهي له، طريقة وصول رزق الإنسان باختياره.
  أما هذا الشيء الذي أكله أو انتفع به هو في الأصل له، إما أن يأكله حلالاً فيرقى أو أن يأكله حراماً فيسقط.
 إذاً يتولى شؤون عباده، ويتكفل أرزاقهم، وتدبيره أحوالهم، يعني إنسان تكبر ساق الله له علاجاً حجّمه، هذا السلوك تأديب له، إنسان تصدق ضاعف الله له رزقه، شجعه، أيقن أن الله يعطي، وهو جزيل العطاء.
 إذاً إذا في خطأ يُعالج، إذا في صواب يُشجع، هذا معنى تربيته لأحوالهم وتمكينه من الفعل والاستطاعة، الفعل فعل الله، الإنسان حينما يختار شيئاً، وينطلق إليه يعطيه الله قوة لتنفيذه، أيضاً هذا ينضوي تحت اسم "الولي" يرزقهم، يدبر أحوالهم، اختار أن يؤذي، الله اختار إلى من يكون الإيذاء في حقه حكمة.

﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً ﴾

( سورة الأنعام الآية: 129 )

الولاية العامة:

 أيها الأخوة، الله "الولي" حينما تسأله شيئاً يعطيك أسبابه، الله "الولي" يدبر شؤون عباده، الله "الولي" يتكفل بأرزاقهم، الله "الولي" يدبر أحوالهم، الله "الولي" يربيهم، يكرمهم أو يؤدبهم، الله "الولي" يمكنهم من تحقيق اختيارهم، يعطهم القوة على أن يحققوا ما اختاروا ، الله "الولي" يعطيهم أسباب ما يسألونه، إنسان سأل الله الرزق، يلهمه أن يفعل شيئاً ما، أن يلتقي بإنسان، أن يشارك إنسان، أي يُمكّن الإنسان من الفعل، ويعطيه أسباب طلبه، وقد يعطيه علة ما يبتغيه، هذه الولاية العامة، الله ولي كل عباده، كل خلقه.
 الولاية العامة تقتضي العناية، والتدبير، وتصريف الأمور، وتدبير المقادير، فالله من فوق عرشه قريب من عباده، هو معهم بعلمه، يرى ما يفعلون، يسمع شكواهم، يعلم أحوالهم، والآية الكريمة:

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾

( سورة ق )

  أي نحن أقرب إليه من روحه، أقرب إليه من قلبه، هذه ولاية عامة، ولاية إمداد، ولاية تربية، ولاية معالجة، ولاية مكافأة، ولاية تأديب، ولاية تمكين، ولاية إعطاء أسباب ما سأله الإنسان، ولاية أن يعطي للمعلول علته.

 

الولاية الخاصة:

 أما الولاية الخاصة: هذه تعني المؤمنين، ولاية الله للمؤمنين ولاية حفظ، الآية الكريمة قد يغيب معناها عن معظم المؤمنين:

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

( سورة التوبة الآية: 51 )

  لم يقل علينا، يعني المؤمن الصادق، المستقيم، لا ينبغي أن يتشاءم، لأن الله يطمئنه،

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا ﴾

﴿ لَنْ ﴾

  لتأبيد النفي

﴿ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

 من خير ، من حفظ، من عطاء، من توفيق، من نصر.

﴿ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾

( سورة فصلت )

معاملة الله المؤمن معاملة خاصة و عدم تخليه عنه :

 أيها الأخ المؤمن، أيها المستقيم على أمر الله، يا من تخطب ود الله، يجب أن تؤمن يقيناً أن الله لن يتخلى عنك، ولك معاملة خاصة، يؤكد هذا آيات كثيرة:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ *﴾

( سورة القصص )

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ ﴾

( سورة الجاثية الآية: 21 )

 في الدنيا.

 

﴿ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

 

( سورة الجاثية )

 أتمنى أن يكون واضحاً لديكم أن وعد الله فوق كل ظرف، بأي بلد متقدم، متخلف، غني، فقير، في شدة عامة، في غلاء، في وضع صعب، إذا وعد الله المؤمن بحياة طيبة فلابد من أن يصل إليها، في أي ظرف.

 

الولاية الخاصة للمؤمن ولاية نصر وتأييد وحفظ وتمكين:

  إذاً الله عز وجل يدبر حياة المؤمنين من ولايته الخاصة، المؤمن ينصره الله.

﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة غافر الآية: 51 )

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

( سورة الصافات )

﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الروم )

﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾

( سورة النساء )

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

( سورة النور الآية: 55 )

 قطعاً يقيناً:

﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾

( سورة النور الآية: 55 )

 ولاية خاصة، وعدك بالنصر، وعدك بالحفظ.

﴿ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾

( سورة يوسف )

  وعدك بالتأييد، وعدك بالتوفيق.

﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ﴾

( سورة هود الآية: 88 )

 لا يتحقق شيء في الكون إلا بمشيئة الله، الولاية الخاصة ولاية نصر، وتأييد ، وحفظ، وتمكين.

 

من طبق منهج الله عز وجل سعد في الدنيا و الآخرة :

 الله عز وجل يقول في آيات كثيرة منها:

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

( سورة البقرة الآية: 257 )

  المؤمن يطبق منهج الله، يقيم شرع الله، وقاف عند حدود الله، ينفذ ما أمر الله، ينتهي عما نهى عنه الله، هذا فعله، الله عز وجل يمكنه لأنه استقام على أمره، الآن المؤمن الصادق يخضع لنظم الله، لقوانين الله، للتقريب:
 إنسان ضغطه مرتفع، قال له الطبيب: دع الملح وإلا مشكلة كبيرة، هذا الضغط المرتفع هو القاتل الصامت، ما في مؤمن يقول: أخي توكل على الله، كُلْ ما تشتهي ، لا، المؤمن الصادق، كما أنه يصلي، ويصوم، ويحج، ويؤدي زكاة ماله، يخضع لأوامر الطبيب، لأن الطبيب يقدم له تعريفاً بقوانين هذا الجسم، فبطولة المؤمن أنه يطبق قوانين الله عز وجل حينما يطبق شرعه، هو يطيعه كونياً، وشرعياً، مثل:
 إنسان راكب طائرة، أراد أن يقفز منها، يوجد بالسقوط قانون، إذا آمن بقانون السقوط يخرج من الطائرة ومعه مظلة، المظلة مبنية على قانون السقوط، له وزن والمظلة في مساحة من القماش الكتيم واسعة جداً، حينما يستخدمها، هذه المساحة تقاوم الهواء فيسقط بشكل بطيء، وينزل سالماً، ما معنى أن تستخدم المظلة ؟ إنك تتأدب مع قانون السقوط، أما الذي رفض هذا القانون، واحتقره، وازدراه، وقال: لا قيمة له، وقفز من دون مظلة، إذا احتقره، أو رفضه، أو لم يعبأ به، هل يعطل فعله ؟ لا، قانون نافذ فيك آمنت به أو لم تؤمن، قدرته أم لم تقدره، احترمته، أو احتقرته، القانون نافذ فيك.
 يعني سواء احترمت قوانين الله عز وجل ، أم لم تحترمها هي نافذة فيك والمشكلة المؤلمة أن الطرف الآخر الغرب، احترم هذه القوانين، فطبقها فملك الدنيا، وكان من الممكن أن يقف المسلمون هذا الموقف، كما أنهم طبقوا منهج ربهم، أخذوا بأسباب الرزق، أخذوا بأسباب القوة، أخذوا بأسباب المنعة.

 

على المؤمن أن يطبق منهج الله عز وجل و يتعرف إلى قوانينه ليمتلك أسباب القوة:

 أقول لكم من أعماق قلبي: كما أنك تطيع الله في منهجه ينبغي أن تتعرف إلى قوانينه، وأن تأخذ بها، وتمتلك أسباب القوة، والدليل:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 60 )

 كلام يجب أن يلفت النظر، أنت تصلي لأن الله أمرك بالصلاة، وأنت تصوم لأن الله أمرك بالصيام، وأنت تحج بيت الله الحرام لأن الله أمرك بالحج، وينبغي أن تتعلم قوانين ربنا الطبيعية، الرزق يحتاج إلى سعي، يحتاج إلى استصلاح أراضي، يحتاج إلى إنشاء سدود، يحتاج إلى استخراج ثروات، يحتاج إلى تصنيع، ويل لأمة تأكل ما لا تزرع، ويل لأمة تلبس ما لا تنسج، ويل لأمة تستخدم آلة لا تصنعها، ويل لأمة تشتري السلاح شراء لأن القرار عندئذٍ ليس بملكك، ما دمت تشتري سلاحاً شراء.
  فالمسلمون ولو أطاعوا ربهم في منهجه ينبغي أن يتعرفوا إلى قوانينه ويأخذوا بها أي إنسان أخذ بهذه القوانين ملكها، الغرب لمئتي عام سبقت يعمل ليلاً نهاراً، حتى ملك أسباب القوة، فلما ملك أسباب القوة فرض ثقافته على كل الشعوب، هذه الصحون التي على السطوح نوع من الغزو الثقافي، أليس كذلك ؟ فرض ثقافته علينا .

 

على المؤمن أن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء:

 لذلك أيها الأخوة، المؤمن ترتقي عنده الإرادة الشرعية، والإرادة الكونية، كما أنه يأخذ بأسباب المنهج الإلهي، يأخذ بقوانين الله عز وجل ، وأي مؤمن مكلف أن يكون قوياً من خلال هذه الآيات،

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

  جاءت نكرة، تنكير شمولي، الإعلام قوة، الأقمار الصناعية قوة، التماسك قوة، الانتماء إلى المجموع قوة ، نظام فريق العمل قوة، ترشيد الاستهلاك قوة، العمل في المؤسسات قوة، لو بحثنا عن أسباب قوة الطرف الآخر مع أن التعاون أمر إلهي لنا.

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾

( سورة المائدة الآية: 2 )

 الدول القوية الآن تتعاون تعاوناًً مذهلاً، على باطل، أي حركة تتحالف مع هذه الدولة القوية، التعاون، الانتماء للمجموع، العمل المؤسساتي، نظام فريق العمل ترشيد الاستهلاك، هذا كله يرقى بالأمة.

 

عدم انتصار المؤمن إلا إذا اجتمعت عنده الإرادة الكونية والشرعية:

  لذلك المؤمن اجتمعت عنده الإرادة الكونية، والشرعية، فاستحق نصر الله، المؤمن المقصر اجتمعت عنده الإرادة الشرعية، ولم تجتمع عنده الإرادة الكونية، لم يأخذ بالأسباب، توكل على الله توكلاً ساذجاً، الموقف الكامل أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، كما أنك متوكل تأخذ بكل الأسباب، يعني عندك سفر تراجع مركبتك مراجعة تامة، وبعد أن تراجعها تقول: يا رب أنت الحافظ، أنت الموفق أنت المسلّم.
 شيء دقيق، التطرف سهل، سهل جداً كما فعل الغرب، أن يأخذ الإنسان بالأسباب، وأن ينسى مسببها، وأن يعتمد عليها، وأن يؤلهها، أخذوا بالأسباب فأشركوا، سهل أيضاً أن تكون ساذجاً، ألا تأخذ بها، الله يحبنا، الله ينصرنا، لا ينصرك الله عز وجل إلا إذا أديت أسباب النصر،

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

(( إِن الله يَلُومُ على العَجْز، ولكن عليكَ بالكَيْس، فإِذا غَلَبَك أَمر، فقل حَسبيَ الله ونعم الوكيل ))

[أخرجه أبو داود عن عوف بن مالك ]

بطولة الإنسان أن يستوعب الحق وعندئذٍ يكون الحق مقياساً له بكل شيء:

 أيها الأخوة الكرام،

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

  الظلمات جمع، إلى النور مفرد لأن الحق لا يتعدد أما الباطل متعدد، ماذا يستنبط ؟ العمر القصير الذي منحه الله لنا، الستون سنة، الخامسة والستون، والسبعون، هذا عمر قصير، هذا العمر القصير كافٍ أن تستوعب فيه الحق، أما أن تستوعب الباطل فلا لأنه في مليون باطل.
 لو فرضنا الفرقة الضالة الفلانية، تحتاج إلى ثلاثين سنة دراسة، أسباب نشوئها ؟ من قادها ؟ ما مصيرها ؟ ما تاريخها ؟ ما رجالاتها ؟ الباطل متعدد، لا يكفيك ولا مليون سنة كي تستوعب الباطل.
 لذلك البطولة أن تستوعب الحق، وعندئذٍ يكون الحق مقياساً لك بكل شيء، أما أن تقرأ كل شيء فوق طاقة البشر، ما يطبع في اليوم الواحد يمكن بالإحصاء قرأته من عشرين سنة ما يطبع في اليوم الواحد من كتب باللغة الإنكليزية لا يستطع المرء قراءتها في مئتي عام، الباطل واسع جداً، استوعب الحق وهذا الحق يغدو مقياساً لك.
 إذاً

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

 النور واحد يؤكد هذا المعنى:

 

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾

 

( سورة الأنعام الآية: 153 )

  بين نقطتين لا يرسم معك إلا خط مستقيم واحد، لكن بين نقطتين لك أن ترسم مليون خط منحي، ومليون خط منكسر، أما بين نقطتين خط مستقيم واحد.
 لذلك الحق لا يتعدد، لذلك الحرب بين حقين لا تكون، لأن الحق واحد ولا يتعدد، وبين حق وباطل لا تطول، لأن الله مع الحق، وبين باطلين لا تنتهي.

 

من أجل أن يكون الله ولينا ينبغي أن نكون أولياءه بطاعتنا له وتوكلنا عليه:

 أيها الأخوة:

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ ﴾

( سورة يونس الآية: 62 )

  أنت يجب أن تكون ولياً لله.

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

( سورة يونس )

 من هم ؟ في تعريف قرآني:

﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾

( سورة يونس )

  فقط، تعريف بسيط، جامع، مانع، كل مؤمن يجب أن يكون ولياً لله

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾

  بالمستقبل

﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

 بالماضي، ما هذه الآية ؟ غطت الماضي، والحاضر، والمستقبل، أنت مؤمن

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾

 بالمستقبل

﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

 على ما فاتهم في الماضي، من هم ؟

﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾

من كان الله معه فمن عليه:

 لذلك سيدنا موسى ماذا قال أصحابه ؟

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾

( سورة يونس )

 سيدنا إبراهيم، ألقي في النار فقال الله للنار:

﴿ نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

( سورة الأنبياء )

 سيدنا محمد وهو في الغار، يقول له الصديق:

 

(( نظرتُ إِلى أقدام المشركين ونحن في الغار على رؤوسنا. فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إِلى قَدَمْيه أبْصَرَنَا تحت قدميه. فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ))

 

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ]

  إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك، وماذا وجد من فقدك ؟ من أجل أن يكون الله وليك ينبغي أن تكون وليه، يعني بطاعته، وعبادته، والتقرب إليه.

 

(( عبدي كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد ))

 

[ورد في الأثر]

 فمن أجل أن يكون الله ولينا ينبغي أن نكون أولياءه بطاعتنا له، ومعرفتنا به وتوكلنا عليه.
 أيها الأخوة، الخير كله، والنجاح كله، والفلاح كله، والتوفيق كله، والتفوق كله أن تكون ولياً لله، ولن تكون ولياً له إلا إذا أطعته.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018