الدرس : 28 - سورة البقرة - تفسير الآيات 63 - 66، الشدائد هي النعم الباطنة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 28 - سورة البقرة - تفسير الآيات 63 - 66، الشدائد هي النعم الباطنة


1999-02-19

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة المؤمنون مع الدرس الثامن والعشرين من دروس سورة البقرة.

من الحكمة أن تُعْرَض علينا أمراض الذين من قبلنا كي نتعظ بغيرنا فلا نقع فيما وقعوا فيه:

مع الآية الثالثة والستين وهي قوله تعالى :

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ﴾

يتابع الله جلَّ جلاله الحديث عن بني إسرائيل، وقد بيَّنت لكم من قبل أن كل الأمراض التي وقع فيها بنو إسرائيل قد تزل قدم المسلمين فيقعوا في مثلها، فلذلك من الأسلوب الحكيم أن تُعْرَض علينا أمراض الذين من قبلنا كي نتعظ بغيرنا فلا نقع فيما وقعوا فيه، كل امتنانٍ من الله على بني إسرائيل في عهد موسى هو امتنانٌ على ذريَّتهم في عهد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلَّم، لأن الكاف للخطاب:

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ (63) ﴾

هذا الميثاق هو التكليف الذي كُلِّفتم به، هذا العهد بطاعة الله، هذا العهد بإقامة العدل في الأرض .
أيها الأخوة، أرسل النبي عليه الصلاة والسلام سيدنا عبد الله بن رواحة ليقدِّر تمر خَيْبَر، حيث كان هناك اتفاقٌ بين النبي عليه الصلاة والسلام ويهود خيبر أن يأخذ نصف غلَّتهم من التمر، فكلَّف النبي الكريم عبد الله بن رواحة ليُقَدِّر التمر، أرادوا أن يرشوه، أرادوا أن يعطوه حلياً من حليِّ نسائهم ليكون التقدير أقلَّ مما ينبغي فيربحون، فقال هذا الصحابي الجليل قولته الرائعة: " والله لقد جئتكم من عند أحبِّ الخلق إلي ـ أي من عند رسول الله ـ ولأنتم أبغضُ إليَّ من القردة والخنازير، ومع ذلك لن أحيف عليكم " ، فقال اليهود: " بمثل هذا قامت السماوات والأرض، وبمثل هذا غلبتمونا ".

الإنسان مخيَّر ولكن الله عزَّ وجل يسوق له الشدائد ليحمله على التوبة:

إذا أقمنا الحق نغلب أعداءنا
دقِّقوا إذا أقمنا الحق نغلب أعداءنا ـ بمثل هذا قامت السماوات والأرض، وبمثل هذا غلبتمونا ـ قال تعالى:

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (8) ﴾

( سورة المائدة: الآية " 8 " )

وقال:

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ (63) ﴾

لا يزال ربنا عزَّ وجل يمتنُّ على بني إسرائيل، يمتنُّ على آبائهم في عهد موسى وهو امتنانٌ حكميٌّ على ذرِّيتهم في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، لولا هذا الميثاق، ولولا هذا التكليف ما عرفتم سرَّ وجودكم، فهذا من فضل الله عزَّ وجل.
توجد نقطة دقيقة جداً: الإنسان مخيَّر قولاً واحداً، لكن لماذا يسوق الله عزَّ وجل له الشدائد ؟ ليحمله على التوبة، هل هذه الشدائد التي يسوقها الله للمُقَصِّرين تُلغي اختيارهم ؟ الجواب: لا، الإنسان مخيَّر، ولكن الله أحياناً يرسل مصيبةً، هذه المصيبة تقع فيما لو رفضنا منهج الله، فإذا قبلناه أُزيحَتْ عنا، هذا لا يتناقض مع التخيير في الدين، ولكن هذا من تربية الحكيم العليم، فهذا الأب الذي يشتدُّ على ابنه في سنين الدراسة ليكون علماً من أعلام الأمَّة، هذه القسوة وهذا الخيار الصعب الذي وضع الأب ابنه فيه إما أن تدرس وإما أن أحرمك من كذا وكذا، هذا لم يلغِ اختيار الابن ولكن دفعه إلى أن يختار الأفضل.

 

ربنا عزَّ وجل يدفعنا إلى أن نختار الأفضل:

إذاً ربنا عزَّ وجل يدفعنا إلى أن نختار الأفضل، يؤكّد هذا المعنى قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ(38)إِلا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾

( سورة التوبة)

فإن أصررتم:

﴿ وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ (39)﴾

( سورة التوبة)

الله يدفع المقصرين إلى الطاعة بسوق الشدائد
وما ذلك على الله بعزيز:

﴿ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً (39)﴾

( سورة التوبة)

وما ذلك على الله بعزيز، معنى ذلك أن الحكيم المربي لو أن هذا الذي أمامه اختار الأسوأ، واختار الهلاك، واختار الضلال، لا بد للمربي الحكيم أن يدفعه إلى أن يختار الصواب، حينما يسوق ربنا جلَّ جلاله الشدائد للمقصِّرين كي يدفعهم إلى الطاعة، وكي يدفعهم إلى الاستقامة، وكي يدفعهم إلى الصُلح مع الله، هذا أسلوب الحكيم، هذا أسلوب المربي الرحيم، هذا لا يُلغي الاختيار، الابن مخيَّر أن يدرس أو لا يدرس، ولكن الأب يقول له حرصاً عليه: إن لم تدرس فأمامك كذا وكذا، ليجعله في خيار صعب، لولا أن الله يسوق لعباده من الشدائد ما يسوقه لهم لما كان معظم الناس في طريق الإيمان سائرين.

الشدائد إذا حملت الإنسان على الطاعات انقلبت إلى نِعَمٍ باطنة:

ربنا عزَّ وجل نتق الجبل بمعنى زعزعه من مكانه وجعله فوقهم، فإما أن يطبِّقوا منهج الله وإما أن يقع عليهم، أي أنه ألجأهم إلى طاعة الله، من هنا قال رسول الله عليه الصلاة والسلام:

(( عجِبَ ربُّنا من قومٍ يُقادون إلى الجنَّة بالسلاسل.))

[أحمد والبخاري من ابن مسعود]

الزعزعة والزلازل من العذاب الأدنى
أقْبِلْ على الله بسلاسل الإحسان لا بسلاسل الامتحان:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(21) ﴾

(سورة السجدة)

قال المفسِّرون: نتق الله جبل الطور الذي كلَّم به موسى عليه السلام، نتقه أي زعزعه من مكانه وجعله فوقهم كالظُلَّة، فإن لم يستقيموا على أمر الله أهلكهم بطريقةٍ أو بأخرى، والله أعلم، فمعنى هذه الآية، هذا الجبل ـ كما قال بعض المفسِّرين ـ جبل الطور نُتِقَ أي زُعْزِعَ من مكانه وهدَّدهم بالهلاك إن لم يستقيموا على أمر الله، كم من إنسان أصيب بمرض عضال فتاب توبةً نصوحَاً، حمله هذا المرض أو حمله شبح هذا المرض على طاعة الله والصُلحِ معه، اسم هذا المرض يوم القيامة يبعث في نفس هذا المؤمن الذي اهتدى إلى الله عزَّ وجل كل سعادةٍ وسرور، إذا حملت الشدائد الإنسان على الطاعات انقلبت إلى نِعَمٍ باطنة وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً (20) ﴾

( سورة لقمان)

يجب أن تفهم الشدائد التي يسوقها الله للمسلمين اليوم كهذا الفهم تماماً، الشدائد التي يسوقها الله للمسلمين اليوم في كل بِقاع الأرض يجب أن تدفعنا إلى طاعته.

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾

( سورة القصص: الآية "4 " )

سُنَّة الله في خلقه:

هؤلاء الغربيون الذين يعيشون على أنقاض الشعوب، الذين يدمِّرون الشعوب، ينهبون ثرواتهم، يدمِّرون أسلحتهم، يجيعونهم كما ترون، هؤلاء ينطبق عليهم هذا المبدأ:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ(4)وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ(5)وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ(6) ﴾

( سورة القصص)

هذه سُنَّة الله في خلقه:

(( إذا عصاني من يعرفني سلَّطت عليه من لا يعرفني.))

[ابن أبي الدنيا عن الفضيل بن عياض]

هذا أسلوب الحكيم، هذا أسلوب المُربي الرحيم، تُساق الشدَّة من أجل أن تعرف الله:

﴿ إِنَّا بَلَونَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصحَابَ الْجَنةِ إِذْ أَقسَمُوا لَيصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ(17)وَلا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ(19)فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ(20) ﴾

( سورة القلم)

من قصَّر بالعمل ابتلاه الله بالهم:

القصَّة معروفة، حينما انطلقوا إلى بساتينهم ليجنوا الثمر ويحرموا حقَّ الفقير:

﴿ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّون َ(26) بـَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ(27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ(29) ﴾

( سورة القلم)

قال تعالى :

﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ ﴾

(سورة القلم)

الشدائد نعم باطنة تسوق للتوبة
أي عذابٍ في الأرض يساق للإنسان هو لهذه العلَّة، لعلَّة أن يهتدي الإنسان، لعلَّة أن يعرف الله، لعلَّة أن يتوب إلى الله، لعلَّة أن يستقيم على أمر الله، لعلَّة أن يعرف سرَّ وجوده، أن يعرف غاية وجوده، لعلَّة أن يسعى إلى الآخرة، لعلَّة أن يسعى إلى جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض، والله الذي لا إله إلا هو أكاد أقول إن معظم المسلمين، الصالحين، التائبين، الذين يعرفون الله، الذين اهتدوا إلى الله كانت هدايتهم بسبب شدَّةٍ ساقها الله إليهم، وهذه الشدَّائد هي النِعَمُ الباطنة، إما أن تأتي ربك طائعاً، وإما أن يحملك على أن تأتيه مكروهاً، اختر أحد الحالين ؛ إما أن تأتيه طائعاً، وإما أن يحملك على أن تأتيه مكرهاً، وهذا لا يتناقض مع الاختيار، ولكن يجسِّد رحمة الله عزّ وجل، ويجسِّد حرصه على سعادة الإنسان.
الأب الذي يُسَيِّب أولاده، لا يتعلَّمون، لا يعملون، فإذا كبروا وكانوا في المؤخِّرة، وكانوا مع الحُثالة هؤلاء يلومون آباؤهم، والأب الذي يتشدَّد على أولاده ليحملهم على طاعة الله، ويحملهم على أن يكونوا شخصياتٍ فذَّةً في المستقل هؤلاء يشكرونه طوال حياتهم على شدَّته معهم، هذا معنى الآية:

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ (63) ﴾

من أجل ماذا ؟ قال :

﴿ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ (63) ﴾

هذه الآية دقيقة جداً، أي أن هذا الطور الذي رُفِعَ عليكم، هل هناك طورٌ آخر في حياة المسلمين ؟ طبعاً، كل واحد له طور، شبح مرضٍ هو طور، شبح مشكلةٍ في الأسرة، شبح فقد مالٍ طور، شبح مرضٍ طور، شيء قوي، شيءٌ يُهَدِّدك، يهدِّد سلامتك، يهدِّد رزقك، يهدِّد سعادتك، يهدِّد أمنك طور، من قصَّر بالعمل ابتلاه الله بالهم.

مداخل الشيطان على الصالحين:

قلة مياه الامطار من الطور وكل مصيبة هي طور
طبعاً هذه الآية بالمعنى الضيِّق، كان جبل الطور سبب حمل بني إسرائيل على أن يسيروا في منهج الله، هذا أسلوب الحكيم، أسلوب الرحمن الرحيم:

﴿ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ (63) ﴾

طبِّق أمر الله بقوَّة، طبِّقه بحذافيره، ماذا يفعل الشيطان مع الإنسان ؟ الشيطان يُغِري الإنسان بالكفر، فإن لم يكفر يغريه بالشرك، فإن لم يشرك يغريه بالابتداع، فإن لم يبتَّدع يغريه بالكبائر، فإن لم يقترفها يغريه بالصغائر، فإن لم يفعلها يغريه بالمُباحات، فإن ابتعد عنها يغريه بالتحريش بين المؤمنين، وهذه مداخل الشيطان على الصالحين، وكل مصيبة مخيفة هي طور، وكل بلاء متوقَّع طور، ونقص الأمطار طور، آن أوان الزهر، والأمطار تسعة وخمسون ميليمتراً من مئتين واثني عشر، قد تجفُّ الآبار، قد لا نجد ماءً نشربه، قد يهلك الحرث والنسل هذا طور، شدَّة يسوقها الله للعباد ليحملهم على التوبة، كلَّما اتسعت رقعة الفسق والفجور قلَّ ماء السماء، كلَّما قلَّ ماء الحياء قلَّ ماء السماء، وكلَّما اتسعت الصحون على السطوح ضاقت صحون المائدة، وكلَّما رخُص لحم النساء غلا لحم الضأن، هكذا، هذا طور أيضاً بالمعنى الواسع، شدَّةٌ يسوقها الله للذين آمنوا وقصَّروا في طاعته.

 

آيات دالة على مكانة الكفار الذين ينعمون بثروةٍ فلكيَّةٍ:

قد يقول أحدكم: فما بال هؤلاء الغربيين الذين ينعمون بثروةٍ فلكيَّةٍ، قال: هؤلاء ينطبق عليهم قول الله عزَّ وجل:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً (44)﴾

( سورة الأنعام)

هؤلاء ينطبق عليهم :

﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَواْ رَبَّهُمْ ﴾

(سورة آل عمران)

هؤلاء ينطبق عليهم قول الله عزَّ وجل :

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

( سورة إبراهيم )

الناس في القبر سواسية مهما علا شأن الإنسان في الدنيا وكبر اسمه:

لا يستوي الشاب الشارد والشاب الملتزم
هل توازن بين شابين ؛ أحد الشابين ليس له من يرعاه، يعيش في الطرقات، يسرق، ويرتكب الفواحش، ويُودَع في السجون، وليس له أبٌ يربيه، ولا رادعٌ أخلاقي، ولا علمٌ يمنعه ؛ وابن يتلقَّى شدَّة بالغة من أبيه ليكون متفوِّقاً، ليكون مستقيماً، هل تتوهَّم أن حالة هذا الشاب المتفلِّت أسعد من حالة هذا الشاب المُنضبط ؟ لا، هذا ينتظره مستقبلٌ باهر.. دقِّقوا في هذه الآية:

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

( سورة القصص )

أيستوي هذا مع هذا ؟

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

( سورة الجاثية )

وقال:

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنْ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا(77)أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ ﴾

( سورة النساء)

مهما كبُر اسم الإنسان، ومهما علا شأنه، ومهما مَلَك يُقال له في القبر: يا عبد الله، أيضاف على هذا الاسم لفظ آخر ؟ يا عبد الله اعلم أن الجنَّة حق والنار حق، ويوم القيامة حق وما إلى ذلك، أيطلق عليه لقب كما كان يُطْلَق عليه في الدنيا ؟ هل يخاطب لميتٍ في القبر حين التلقين وإن كان التلقين لم يرد عن رسول الله، بألفاظ كبيرة، بألفاظ السيادة ؟ أبداً، يا عبد الله، وهذا هو الموت الذي هو مصير كل حي.

 

فضل العالِم على العابد:

فضل الرسول الكريم العالم على العابد
قال تعالى:

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ (63) ﴾

لعلَّ بعض المفسِّرين يقول: إنك إن ذكرت ما فيه أخذته بقوَّة، لا تكن عابداً فحسب، كن عابداً عالماً:

(( فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ ))

[ رواه الترمذي عن أبي أمامة ]

((فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ))


[ابن ماجة عن الوليد بن مسلم ]

قد يفور الإنسان أحياناً ثم يهمد، قد يُقبل ثم يدبر، قد يأتي طائعاً ثمَّ يتراجع، أما إذا بنى سلوكه على العلم، وعلى الدليل، وعلى العقيدة الصحيحة لن ينتكس، ولن يتراجع، هناك مئات من طلاب العلم، مئات من روَّاد المساجد أقبلوا، وانخرطوا، وبذلوا، فتنتهم امرأةٌ عن دينهم، فتنتهم وظيفةٌ مغريةٌ عن دينهم، لأنه لا يوجد لديهم أساس متين، لا تصمد العواطف أمام المغريات، ولا أمام الضغوط، ولا أمام الإغراءات، المؤمن القوي لا يزحزحه عن إيمانه لا سبائك الذهب اللامعة، ولا سياط الجلاَّدين اللاذعة، سيدنا بلال وضِعَت صخرةٌ عليه، اكفر، وهو يقول: أحدٌ أحد.

 

إنعام الله على بني إسرائيل بنعم كثيرة :

إذاً:

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) ﴾

لعلَّكم تتقون العذاب في الآخرة، لعلَّكم تتقون عذاب الدنيا، لعلَّكم تتقون الهلاك، لعلَّكم تتقون سَخَطَ الله عزَّ وجل، لعلَّكم تتقون جهنَّم التي هي أكبر عقابٍ يناله الإنسان في الكون:

﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ (64) ﴾

أصبح البحر طريقاً يبساً أمامكم، عصا سيدنا موسى أصبحت ثعباناً مبيناً، نزع سيدنا موسى يده فإذا هي بيضاء للناظرين، كل هذه الآيات وقالوا :

﴿ اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ﴾

(سورة الأعراف: الآية " 138 " )

ثمَّ عبدوا العجل من بعد ذلك ومع ذلك فالله أرحم الراحمين، وهو الغفور الرحيم، وهو التوَّاب الرحيم، وهو قابل التوبة عن عباده:

﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) ﴾

كل عمل الإنسان في الدنيا هو سببٌ لدخول الجنَّة وليس ثمناً لها:

أيها الأخوة، الجنَّة هي العطاء الحقيقي:

﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ(185) ﴾

( سورة آل عمران)

الفوز الحقيقي بلوغ الجنَّة، الفوز الحقيقي النجاة من النار هذا هو الفوز الحقيقي، والجنَّة التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، هذه الجنة هي بفضل الله، فكيف نجمع بين قوله تعالى:

﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(32) ﴾

( سورة النحل)

وبين قول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في الحديث الصحيح:

((لا يَدْخُلُ أَحَدُكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ، قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ وَفَضْلٍ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ ))

[أحمد عن أبي هريرة]

التوفيق بين الآية والحديث هو أن للجنَّة ثمناً وأن لها سبباً، إيمانك بالله، واستقامتك على أمره، وعملك الصالح سببٌ لدخولك الجنَّة، وليس ثمناً لها، بيت قيمته مئة مليون، إذا دفعت ثمن مفتاحه عشرة ليرات، ودخلت البيت وسكنته بفضلٍ من الله عزَّ وجل فهل تقول: أنا اشتريت المفتاح يا أخي، أنا دخلته بهذا المفتاح ؟ هذا ثمن المفتاح ولكنك لم تدفع ثمن البيت ؛ بل دفعت ثمن المفتاح فقط، فكل عمل الإنسان في الدنيا هو سببٌ لدخول الجنَّة، وليس ثمناً لها، الجنَّة برحمة الله، الجنة محض فضلٍ، وكل عملك سبب لدخولك الجنَّة، والسبب شيء والثمن شيءٌ آخر.

 

الأقوياء في الأرض عصيٌ بيد الله يؤدِّب بهم من يشاء من عباده:

وعد والدٌ ابنه أن يشتري له درَّاجة غالية الثمن إذا نجح، فهذا الطفل لمَّا أخذ جلاءه ناجحاً توجَّه إلى بائع الدرَّاجات مباشرةً وقال له: أعطني دراجة وخذ هذا الجلاء، البائع لا يعطيه، لا بد من أن يدفع الأب ثمن هذه الدراجة، أنت قدَّمت السبب الذي اشترطه الأب عليك ولكنك لم تقدِّم الثمن، الثمن يدفعه الأب، أنت قدَّمت السبب، فلذلك لو أنك عرفت الله، لو استقمت على أمره، لو أطعته، لو أنفقت مالك هذه كلُّها أسباب، أما الثمن هو فضل الله عزَّ وجل:

﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) ﴾

كل واحد منَّا لم يتوله الله بالعناية لو نشأ على معصية لاستمرَّ عليها حتَّى الموت، لكن ربنا عزَّ وجل رب العالمين رحيم بعباده، عندما يغلط الإنسان يأتي العقاب، يأتي الردع، يأتي الحزن، يأتي الخوف، يأتي القلق، يأتي المرض، هذه كلُّها أدواتٌ تأديبيَّة، حتى إن الأقوياء في الأرض عصيٌ بيد الله يؤدِّب بهم من يشاء من عباده:

﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(129) ﴾

( سورة الأنعام )

وقال:

﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ (64) ﴾

هناك آيات كثيرة:

﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً (21) ﴾

( سورة النور )

وقال:

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً(113) ﴾

( سورة النساء)

إذا حملت المعرفة الإنسان على طاعة الله فهذا أكبر فضلٍ يناله الإنسان في الدنيا:

إذا نوَّر الله عزَّ وجل قلب الواحد ومنحه شيئاً من المعرفة، وهذه المعرفة حملته على طاعة الله فهذا أكبر فضلٍ يناله الإنسان في الدنيا، قال الله عزَّ وجل :

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

( سورة البقرة: الآية " 269 " )

الذي معه ألف مليون دولار، قال الله عزَّ وجل :

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾

( سورة النساء: الآية " 77 " )

ألف مليون قليل:

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلا تَعْقِلُونَ(60)﴾

( سورة القصص)

وقال:

﴿ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ﴾

( سورة طه: الآية " 71 " )

سحرة فرعون:

﴿ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى(71)قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(72)إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى(73)﴾

( سورة طه )

الدنيا لا تستقيم لأحد أبداً:

كلامٌ دقيق:

﴿ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى(73) ﴾

إذا خيِّرت أن تركب سيَّارةً فخمةً لربع ساعةٍ فقط، أو أن تُمْنح دراجة غالية الثمن ماذا تختار ؟ أن تركب هذه السيارة ربع ساعة أو أن تمنح هذه الدراجة تملُّكاً ؟ إنَّك تختار الدراجة، إذا خيِّرت بين أن تركب هذه السيارة ربع ساعة، وبين أن تمتلك مثلها ملكيَّةً ثابتة، هل تتردَّد ثانية ؟ أما إذا خيِّرت أن تركب هذه الدراجة ربع ساعة، وبين أن تتملَّك أكبر وأغلى سيَّارة، إذا تردَّد الإنسان ربع ثانية يكون مجنوناً

﴿ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾

المثال للتوضيح، الآخرة فيها نعيم مقيم وإلى الأبد، الدنيا مشحونة بالمتاعب، إنَّ هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، لا تستقيم لإنسان، يؤتى الصحَّة يخسر المال، يؤتى المال من دون صحَّة، صحَّة ومال الزوجة سيئة، زوجة جيدة لا يوجد مال، زوجة جيدة لا يوجد أولاد، يوجد أولاد ولكن الدخل قليل، دخل وأولاد وزوجة يوجد مرض، هذه الدنيا لا تستقيم لأحد أبداً.

لكل شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانُ فلا يغرَّ بطول العيش إنسانُ
***

قال تعالى:

﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) ﴾

ما ورد في القرآن من أيام الأسبوع إلا الجمعة والسبت:

سمي يوم الجمعة كي نجتمع ونصلي في المسجد
أيها الأخوة:

﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) ﴾

الأيام ؛ الأحد تعني واحد، الاثنين اثنين، ثلاثاء ثلاثة، أربعاء أربعة، خميس خمسة، جمعة ستَّة :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾

( سورة الجمعة: الآية " 9 " )

سُمِيَّ هذا اليوم يوم جمعة كي نجتمع، كي يأتي الإنسان إلى المسجد، كي يصغي إلى الحق، كي يعرف سرَّ وجوده:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِِ﴾

( سورة الجمعة: الآية " 9 " )

ما ورد في القرآن من أيام الأسبوع إلا الجمعة والسبت، يوم السبت عند اليهود يوم انقطاعٍ عن العمل، يوم عبادة، وعندنا نحن المسلمين يوم الجمعة يوم عبادةٍ واجتماعٍ، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلاثَ مِرَاتٍ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ ))

[سنن أحمد عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه]

إذاً: من ترك الجمعة ثلاث مرات من دون عذر نكتت نكتة سوداء في قلبه.

 

الإنسان بين رحمة الله في المسجد وبين فضل الله خارج المسجد:

أرادك الله أن تعبده وأن تعمل لدنياك
الله عزَّ وجل يقول:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا(9) ﴾

يخاطب المؤمنين:

﴿ إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ(9) ﴾

حصراً:

﴿ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ(9) ﴾

( سورة الجمعة )

ما أرادك الله عزَّ وجل أن تبيع وتشتري في أوقات العبادة، ولا أمرك في أوقات الراحة أن لا تعمل، أرادك أن تعبدَه، وأن تعمل لدنياك، لذلك:

﴿ فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾

( سورة الجمعة: الآية " 10 " )

كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل المسجد يدعو ويقول:

(( إذا دخَل أحدُكم المسجد، فَلْيَقُلْ: اللَّهمَّ افْتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللَّهمَّ إني أسألك من فضلك ))

[مسلم عن أبي حميد]

أنت بين رحمة الله في المسجد، وبين فضل الله خارج المسجد.

أشكال القوة :

مجرد التواجد في المسجد ليس عبادة وإنما بالتطبيق
المؤمن أيها الأخوة يأتي إلى المسجد ليتلقَّى تعليمات خالقه، ويعود إلى المسجد ليقبض الجائزة، وجودك هنا لمهمَّتين، كيف أن الشركات الضخمة لها مندوبو مبيعات يأتي المندوب الساعة الثامنة ثم يأتي مساءً ليقدِّم كشف الحساب ويأخذ العمولة، فكل مسلم صادق إذا توهَّم أن مجرَّد مجيئه إلى المسجد هو العبادة فهذا خطأ كبير جداً، تأتي إلى المسجد لتتعرَّف إلى الله وإلى منهجه، وإلى افعل ولا تفعل، فإذا عُدَّت لتصلي في المسجد كي تقبض الجائزة، أما أن تتوهَّم أنه لمجرَّد حضورك في المسجد فقد كنت عابِداً، لا، لا بد أن تطبِّق الدين في الطريق، في المتجر، في البيت، معك التعليمات، التطبيق هناك، هنا أخذ التعليمات وقبض الجائزة، وفي البيت، والطريق، والعمل، والمتجر، والسفر، والإقامة هناك تنفِّذ هذه التعليمات، فالإنسان ينبغي أن يعمل وأن يتعبَّد كما ورد في الأثر:

(( ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته، ولا من ترك آخرته لدنياه، إلا أن يتزوَّد منهما معاً، فإن الأولى مطيَّةٌ للثانية ))

[ورد في الأثر]

قال تعالى:

﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ(26) ﴾

(سورة القصص)

((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ ))

[مسلم عن أبي هريرة ]

القوَّة قوة مال، والقوة قوة علم، والقوة قوة مركز، إذا كنت في مركزٍ قوي بإمكانك أن تنفع المسلمين:

﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ(55) ﴾

( سورة يوسف)

إذا كنت ذو حجمٍ ماليٍ كبير يمكن أن تحل مشكلات آلاف المسلمين ؛ تزوِّج الشباب، تطعم الفقراء، تبني المساجد، تبني المدارس الشرعيَّة، تبني المستشفيات، وإذا كنت عالماً وانتفع الناس بعلمك فهذه قوَّة:

﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3) ﴾

(سورة البقرة)

حينما تجعل من يوم العبادة يوم عمل فقد عصيت الله عزَّ وجل لأن هذا يوم عيد:

اليد التي تعمل يحبها الله ورسوله
العلم قوَّة، والمال المشروع قوة إذا اكتسبته من طريقٍ مشروع، والعلم الشرعي معرفة الله عزَّ وجل ومعرفة منهجه قوة، والمركز الذي لا يُبْنَى على معصية الله بل يُبْنَى على طاعة الله هو قوة أيضاً، لذلك أرادنا الله جلَّ جلاله أن نعمل وأن نتعبَّد في الوقت نفسه، أمسك النبي عليه الصلاة والسلام يد ابن مسعود، وكانت خشنة من العمل فقال:

(( إنَّ هذه اليد يحبُّها الله ورسوله ))

[ورد في الأثر ]

سيدنا عمر يقول: " إذا رأيت الرجل ليس له عمل يسقط من عيني "، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى ))

[البخاري عن حكيم بن حِزام ]

كن منتجاً، كن منفقاً، لكن لا تجعل من يوم العبادة يوم عمل: " إنَّ لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل."
حينما تجعل من يوم العبادة يوم عمل فقد عصيت الله عزَّ وجل، يوم الجمعة، يوم صلاة الجمعة المسلم الصادق يهيِّئ البيت تهيئة خاصَّة، هذا اليوم ليس يوم تنظيف ولا حل مشكلات، ولا أن يقوم البيت ولا أن يقعد يوم الجمعة، هذا يوم عيد، يجب أن تهيِّئ الأهل والأولاد ليكونوا معك في صلاة الجمعة ليتلقَّوا وليؤدوا هذه العبادة التعليميَّة التي جعلها الله حدَّاً أدنى لطلب العلم، كما يقال: محواً للأميَّة، محواً لأميَّة الدين، قد يحمل الإنسان أعلى شهادة وهو في الدين أمي، والدليل: كما أن أكبر عالِمٍ في الدين إذا أعطي تخطيط قلب نقول: هذا أمي في هذا التخطيط، يجد خطوطاً هكذا، أما إذا قرأ الطبيب التخطيط يفهم الشيء الكثير، بينما أكبر عالِمٍ في الدين يُعدُّ أمياً في الطب، وبالمقابل قد يحمل إنسان أعلى شهادة وهو في الدين أميّ.
حجَّ مسؤول من بلد عربي، وكان يحتل منصباً رفيعاً في وزارة، ففي طريق العودة قال: والله الحج جيد، لكن ليت القائمين على هذه الشعيرة يجعلونه على مدار السنة دفعاً للازدحام، معنى هذا أنه جاهلٌ في الدين جهلاً مطبقاً، فقد يكون الإنسان مثقَّفاً أعلى ثقافة، وهو في الدين أمي، لذلك ينبغي أن تطلب العلم الديني وأن تعمل لكسب رزقك.

 

هناك من يجتهد ليحل كل شيء إلى أن أصبح الدين شكلاً بلا مضمون:

أما ماذا فعل اليهود يوم السبت يوم العبادة ؟ أنشؤوا أحواضاً وفتحوها يوم السبت حتى إذا أتت الحيتان يوم سبتهم أغلقوها مساءً، واصطادوها يوم الأحد !!! حيلة شرعيَّة، وهذا يشبه الحيل الشرعية التي يفعلها بعض المسلمين، لعلَّها الآن تقلَّصت لضعف الدين أساساً، كان يضع زكاة ماله برغيف خبز، يهبها لفقير، والفقير لا يدري أن الرغيف فيه خمسة آلاف ليرة، ثم يقول له: هل تهبني هذا الرغيف الذي هو بخمس ليرات ؟! يقول له: أتمنَّى، يقول لك: أنا دفعت زكاة مالي للفقير، هذا شيء مضحك، وعلى هذا تقاس أشياء كثيرة جداً، نغير الأسماء فتصير المحرَّمات مباحات، نقوم بتعليلات، اجتهادات، نقول: هذا القرض ليس القصد منه الاستغلال بل هو قرض استثماري وليس فيه تحريم، من قال لك ذلك ؟!!
هناك من يجتهد ليحل كل شيء إلى أن أصبح الدين شكلاً بلا مضمون، شكلاً بلا منهج، كل شيء مباح، توجد الآن فتاوى لكل شيء، كل شيء مباح ؛ التمثيل، والغناء، والاختلاط، لم يبق في الدين شيء محرَّم، تحت إطار التطور، المرونة، أين الدين ؟ الدين توقيفي، الدين دين الله عزَّ وجل، الدين ما جاء به الكتاب والسنة، أما أن نفلسف، وأن نكون مرنين، وأن نطوِّر إلى أن نبيح كل شيء، فهذا الشيء ليس من الدين في شيء .
قال العلماء عن هؤلاء الذين احتالوا حيلاً شرعيَّة: لو أنك لا سمح الله ولا قدَّر فعلت المعصية ولم تقولبها بحيلةٍ شرعيَّة لكان أفضل، إنك حينما قولبتها بحيلةٍ شرعيَّة لا تتوب منها، تظن أنك على حق، أما حينما تفعلها مجرَّدةً من حيلةٍ شرعيَّة تتوب من هذا الذنب، فأخطر شيء أن يكون عندك مجموعة فتاوى غير صحيحة لمعاصٍ كبيرة وأنت مرتاح على أن هناك فتاوى فيها، هذه الفتاوى لا تُقْبَل عند الله عزَّ وجل، لذلك أنا أقول لكم دائماً: لكل معصية فتوى، أنت ماذا تريد فتوى أم تقوى ؟ الفتوى موجودة إذا أردت، تجد فتوى لكل معصيةٍ مهما تكن كبيرة، هناك من يفتي بها، والذي يفتي بها جعل من نفسه جسراً إلى النار.

 

آراء بعض المفسرين في الآية التالية:

حدثني أحد علماء دمشق الأجلاَّء أنه كان في حضرة عالمٍ في بلدٍ عربيٍ مسلمٍ ـ
في حضرة عالِمٍ وكان يُحتضَر، في وقت النَزع ـ قال لي: والله شاهدته بأمِّ عيني رفع يديه إلى السماء هكذا وقال: يا رب أنا بريء من كل فتوى أصدرتها في الموضوع الفُلاني ـ موضوع الفوائد والأموال ـ وهو في النزع الأخير، ولكن ما الفائدة من هذه التوبة وهو على فراش الموت ؟ هناك من يُفتي بأشياء حَرَّمها الله، ثلاثة وثمانون ملياراً أودِعَت في البنوك عقب فتوى، ثلاثة وثمانون ملياراً في بلد عربي عقب فتوى ليست كما يريد الله عزَّ وجل.
على كلٍ هذا الذي يعرف الأمر ولا يعرف الآمر يتفنَّن في التفلُّت من الأمر، أما الذي يعرف الآمر ويعرف الأمر يتفانى في طاعة الآمر:

﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) ﴾

تريد أن تبيع هذه السلعة بعقدين، بعقد مع الزيادة وعقد بلا زيادة، قرأت مقالة طريفة جداً، بكم هذه السلعة ؟ تقول له: مثلاً بألف، يسألك ماذا تطبخ اليوم ؟ تقول له: فاصولياء، انتهى أول مجلس، والثاني دخل، ما دام دخل فالموضوع غريب، عندما قال: ماذا تأكل اليوم ؟ صار المجلس جديداً، انتهى أول مجلس، وصار المجلس الثاني، وسعر هذه السلعة بألف وخمسمئة، فهو بطريقةٍ أو بأخرى دخل في موضوع آخر ليغير سعر السلعة عند تأجيل الدفع، الله عزَّ وجل ناظرٌ، سميعٌ، عليمٌ، بصير.

﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) ﴾

قال بعض المفسِّرين: جعلهم الله قردةً، وهذا المَسخ لا يتناسل وانقرضوا، فإذا قلت: هل مازال هناك يهود ؟ ليسوا جميعاً كانوا عصاةً فَمُسِخَ الذي عصى، هذا رأي.
الرأي الثاني مُسِخوا قردةً وخنازير وعبدة الطاغوت، ما معنى ذلك ؟ عورة القرد ظاهرة، ولها لون فاقع خاص، عورته ظاهرة وشكله قبيح، وهمُّه شهوته، إذا رأيت إنساناً عورته ظاهرة، ولا يبالي بسمعته، وهمُّه فرجه وبطنه فهو قرد بالمفهوم السلوكي والقيَمي، قال بعض العلماء: مسخوا قردة أي بأخلاق القردة، ووقاحة القردة، ودمامة القردة، وعدم حياء القردة، فإذا مشى إنسان مع زوجته بثيابٍ فاضحة لا تخفي منها شيئاً أليس قرداً ؟ بل إن الذين يرفضون نظرية دارون بعضهم آمن بها مجدَّداً لكنَّها معكوسة، كان إنساناً فصار قرداً لا يستحي، ولا يخجل، ولا ينصاع لأمر، ولا لقيمة، ولا لخُلُق، فالذين قالوا: مسخوا قردةً حقيقيين لهم أدلَّتهم، والذين قالوا: مسخوا بأخلاقهم وقيمهم قردةً لهم أدلَّتهم أيضاً، القرآن حمَّال أوجه لك أن تفهمه هكذا أو هكذا ضمن قواعد وأصول.

تعريف بسيط للقردة والخنازير وعبدة الطاغوت :

على كلٍ إذا كانت عورة الإنسان مكشوفة ولا يستحي بها وهمُّه بطنه وفرجه هذا قرد بالمعنى السلوكي، وهناك من مسخ خنزيراً لا يغار على عرضه، أو يرضى الفاحشة في أهله، والله قال لي إنسان رأى بأم عينه: دخل إلى بيت إنسان وقال له: هذه زوجتي، وهذه أختي، وهذه أخت زوجتي، وأعطى الأسعار، أسعار دقيقة، هذا خنزير، هذا الذي لا يغار على عرضه أو يرضى الفاحشة في أهله هذا خنزير.
عبدة الطاغوت هم الذين ما عبدوا ربهم، أي أنهم خافوا من دون مبرِّر، عصوا ربَّهم وأرضوا مخلوقاً، من أرضى الناس بسخط الله سخط عليه الله وأسخط عليه الناس، فالناس مُسِخوا إما قردة عورتهم ظاهرة وهمُّهم بطنهم وفرجهم، وإما خنازير لا يغارون على أعراضهم، وإما عبدة طاغوت يخضعون، قال له: " يا بني الناس ثلاثة ؛ عالمٌ ربَّاني، ومتعلِّمٌ على سبيل نجاة، وهمجٌ رعاع أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركنٍ وثيق فاحذر يا كميل أن تكون منهم ".

﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) ﴾

خاسئين أي مهزومين، وأكبر هزيمة أن تُهْزَم أمام نفسك، هذه أكبر هزيمة، مهزوم عند نفسك.

لا عقوبة بلا تجريم ولا تجريم بلا تشريع :

قال تعالى:

﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) ﴾

النكال العقاب الشديد، لمَّا جعلهم قردة خاسئين كان هذا تنكيلاً بهم، أي أنه أوقع العقاب بهم ليكون لمن حولهم، ولمن بعدهم، ولكل مؤمنٍ ردعاً وموعظةً، لذلك قالوا: لا عقوبة بلا تجريم، ولا تجريم بلا تشريع، الله شرَّع فلمَّا خالفوا صار هناك جرم، وعندما صار الجرم وجب العقاب، كلام دقيق:

(( يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئاً، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ ))

[مسلم عن أبي ذر ]

لا عقوبة بلا تجريم ولا تجريم بلا تشريع، هناك نص، وهناك مخالفة، وهناك عقوبة، هكذا شأن العدل، هكذا شأن الحق جلَّ جلاله، فجعلنا هذا المسخ قردة وخنازير:

﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا (66) ﴾

لمن حولها:

﴿ وَمَا خَلْفَهَا (66) ﴾

لمن بعدهم:

﴿ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) ﴾

أكثر الأحكام الشرعية تصون المال والعرض :

الحدود تردع ذوي النفوس الضعيفة
أجروا إحصاءً فيدرالياً في عام خمسة وستين وتسعمئة وألف، حيث قُسِّمت جرائم الاغتصاب والقتل والسرقة على الثواني، فوجدوا أنه في كل ثلاثين ثانية تُرْتَكَبُ جريمة قتلٍ، أو سرقةٍ، أو اغتصاب، أما حينما طُبِّق حكم قطع اليد في بعض البلاد الإسلاميَّة رأيت العجب العجاب، هل من الممكن لصرَّاف أن يدع كل أمواله على الطريق وأن يذهب ليصلي في المسجد ؟ ممكن ؟ هذا كان يحدث، لأنه طُبِّق حكم قطع اليد، سُئل الإمام الشافعي من قِبَل شاعر، قال: يدٌ بخمس مئينٍ ـ أي خمسمئة من الذهب ـ:

يدٌ بخمس مئينٍ عسجد وديت ما بالها قُطِعَت في ربع دينارِ
***

إذا قُطِعَت في حادث سير فديَّتها خمسمئة دينار ذهبي، لو أن سائقاً أرعنَ أصاب إنساناً وقُطِعَت يده، ديَّتها خمسمئة دينار ذهبي، قال: ما بالها قُطِعَت في ربع دينارِ ؟
أجابه الإمام الشافعي :

عزُّ الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
***

فقال ابن الجوزي لما سئل عن ذلك:

لمَّا كانت أمينة كانت ثمينة فلمَّا خانت هانت.
***

لذلك أكثر الأحكام الشرعية تصون المال والعرض، ما الفساد ؟ الفساد هو حرية كسب المال بلا رادع، وحرية ارتكاب الموبقات والشهوات، لذلك هناك جلد، وهناك رجم، وهناك قطع يد، أخطر شيء في الحياة صون الأعراض وصون الأموال.

﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66) ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018