مكارم الأخلاق - الندوة : 29 - الأسوة الحسنة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠21برنامج مكارم الأخلاق - قناة انفنيتي
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مكارم الأخلاق - الندوة : 29 - الأسوة الحسنة


2008-03-30

مقدمة :

الأستاذ عدنان :
بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ، أيها الأخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأرحب بكم في حلقة جديدة في برنامج مكارم الأخلاق ، وباسمكم أرحب بفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين ، أهلاً ومرحباً بكم دكتور .
الدكتور راتب :
بكم أستاذ عدنان جزاك الله خيراً .
الأستاذ عدنان :
دكتور كثيراً ما نسمع كلمة القدوة والأسوة ، فلان يقول : إن فلان هو قدوة لي وعلى العكس من هذا يمكن أن يكون فلان من الناس قدوة لكثير من الآخرين ، وهذا ما نجده في ميدان الافتخار ، أي في الميدان الإيجابي بحيث أن يكون الإنسان قدوة لغيره ، أي يقتدي بالآخرين الجيدين ، في الجانب السلبي هل يمكن أن يكون هناك قدوة ؟ هذا يقودنا إلى تعريف القدوة ما هي ؟

 

أي إنسان موقعه الاجتماعي موقع توجيهي عليه أن يربط قوله بعمله :

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
أي إنسان موقعه الاجتماعي موقع توجيهي عليه أن يربط قوله بعمله
أستاذ عدنان : بادئ ذي بدء هناك مقولة يمكن أن تكون مدخلاً لهذا الموضوع قيل : العدل حسن لكن في الأمراء أحسن ، والورع حسن لكن في العلماء أحسن ، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن ، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن ، والعفاف حسن لكن في الشباب أحسن ، والحياء حسن لكن في النساء أحسن .
تمهيداً لموضوعنا القدوة والأسوة يحتاجه الآباء لأنهم قدوة ، يحتاجه المعلمون ، يحتاجه المربون ، يحتاجه الدعاة إلى الله ، أي إنسان موقعه الاجتماعي موقع توجيهي يحتاج هذا الموضوع ، فلذلك الفضائل لا تثبت في المجتمع في الأفكار ، في الكتب ، نبي واحد لم يجد الناس مسافة إطلاقاً بين أقواله وأعماله أفضل للبشرية من آلاف الكتب ، لأن هذا النبي قدّم الحقيقة مع البرهان عليها ، الحقيقة يمكن أن نرفضها إن لم يكن لها مرتكز في الواقع أما حينما نجد موقفاً كاملاً ينطلق من فهم صحيح ، هذا الفهم الصحيح تجسد في هذا الموقف الكامل ، إذاً قضية الدعوة إلى الله ، قضية الإرشاد ، قضية التعليم ، قضية القيادة ، كل إنسان له مركز قيادي ، مركز توجيهي ، كل إنسان أناط الله به أناساً آخرين هذا اللقاء الطيب وهذا الموضوع المثير موجه إليه .

أفضل إنسان على الإطلاق من دعا إلى الله و عمل صالحاً :

أفضل إنسان على الإطلاق من دعا إلى الله و عمل صالحاً
بادئ ذي بدء الفضائل تحتاج إلى مثل ، سيدنا عمر مثلاً كان إذا أراد إنفاذ أمر جمع أهله وخاصته ، وقال : إني قد أمرت الناس بكذا ، ونهيتهم عن كذا ، والناس كالطير ، إن رأوكم وقعتم وقعوا ، و ايم الله لا أوتين بواحد وقع في ما نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه مني .
لذلك أنا أقول ما من عمل يتذبذب بين أن يكون أقدس عمل يرقى إلى صنعة الأنبياء ، و بين أن يكون أتفه عمل لا يستأهل إلا ابتسامة ساخرة كالدعوة إلى الله ، وأن تُنصّب نفسك موجهاً للآخرين ، تكون أقدس عمل وترقى إلى صنعة الأنبياء إذا بذلت من أجلها الغالي والرخيص والنفس والنفيس وكنت قدوة فيها ، الدليل قال تعالى :

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ {33} ﴾

( سورة فصلت )

النفس الإنسانية من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً
أي لن تجد في خلق الله إنساناً أفضل عند الله ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين ، لأن هذه النفس الإنسانية من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول : يا علي :

(( فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))

[ متفق عليه عن سهل بن سعد]

(( خير له مما طلعت عليه الشمس ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي رافع ]

من استقام على أمر الله كان قدوة لغيره :

الدعوة لا تعيش في ثنيات الكتب والكلمات بل تعيش في السلوك
إذاً حينما يستطيع الإنسان أن يحدث تأثيراً بالآخرين إيجابياً يحملهم على طاعة الله ، يحملهم على الانضباط الأخلاقي ، يحملهم على أن يكونوا صادقين ، أمناء ، أعفة ، هذا عمل عند الله كبير ، لذلك ما من عمل يتذبذب بين أن يكون أقدس عمل ، و بين أن يكون أتفه عمل كالدعوة إلى الله ، أو إلى إرشاد عام لأناس ينضوون تحت لواء إنسان ، هذه النقطة الدقيقة تعني أن هناك دعوة إلى الله خالصة أساسها أن تكون قدوة ، أن تكون أسوة ، أن تكون مثلاً ، لأن الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم ، والمسافة بين العين والأذن أربعة أصابع ، فبين أن تقول رأيت فلان صادقاً وبين أن تقول حدثنا عن الصدق من استقام على أمر الله كان قدوة لغيره
لذلك لماذا تأتي القصة في التربية والتعليم كأداة فعالة جداً في التأثير ؟ لأن القصة حقيقة مع البرهان عليها ، الأفكار لا تعيش في ثنيات الكتب ، لا تعيش في المحاضرات ، لا تعيش في الكلمات ، تعيش في السلوك ، لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام :

(( استقيموا يستقم بكم ))

[ الطبراني في المعاجم الثلاثة بسند صحيح عن سمرة]

فالإنسان حينما يستقيم يكون قدوة ، لو بدأنا بالأب والأم لمجرد أن يكشف الابن أن أباه لا يتكلم الحقيقة تنشأ مشكلة كبيرة جداً ، وكأن الأب حينما قال لابنه قل له لست في البيت علمه أن يخالف الحقيقة في كلامه ، لذلك أنا أقول دائماً نحن بحاجة إلى مسلم متحرك ، كيف أن الكون قرآن صامت ، كيف أن الكون قرآن صامت والقرآن كون ناطق والنبي قرآن يمشي .
وقالت بحقه أم المؤمنين السيدة عائشة :

(( كان خلقه القرآن ))

[ مسلم عن عائشة ]

على كل داعية أن يحرص على ألا يرى المدعو في سلوكه ما يخالف كلامه :

احذر أشد الحذر على أن يراك الذي تدعوه على خلاف ما تدعوه
أنا أرى أن الداعية ، المعلم ، الموجه ، المرشد ، أي منصب قيادي توجيهي ، قبل أن يتكلم احرص على أل تجد في كلام هذا الإنسان مسافة إطلاقاً ، لذلك مرة أحد الدعاة نصح أخوانه الدعاة قال : احرص على أن يراك المدعو وفق ما تدعوه ، واحذر أشد الحذر على أن يراك الذي تدعوه على خلاف ما تدعوه ، لذلك قضية القدوة الحسنة مهمة جداً .
من هنا أقول القدوة قبل الدعوة ، قبل أن تنطق بكلمة إن كنت أباً ، قبل أن تنطق بكلمة إن كنت معلماً ، قبل أن تنطق بكلمة إن كنت داعية ، احرص على ألا يرى المدعو في سلوكك ما يخالف كلامك ، لذلك بعض العلماء قال : من دُعي إلى الله بمضمون ضحل ، أو بمضمون غير متماسك ، أو بمضمون صحيح لكن عرضه لم يكن بأسلوب علمي ، أو لم يكن بأسلوب تربوي ، أو وجدوا عمقاً في الدعوة لكن لم يجدوا مصداقية في الداعية ، قال : هذا المدعو بهذه الطريقة لا يعدّ مُبلغَاً عند الله ، لأنه في أعمق كيان الإنسان شعور أن دين الله عظيم ، هذا ليس دين الله ، بهذا التفكك ، بهذا الضحالة ، بهذا الأسلوب الذي لا يرضي المستمع .

أعظم عمل للدعاة أن يكونوا قدوة صالحة لأتباعهم :

أعظم عمل للدعاة أن يكونوا قدوة صالحة لأتباعهم
لذلك من دعا إلى الله بمضمون سطحي غير متماسك ، من دعا إلى الله بأسلوب غير علمي ، بنى دعوته على المنامات والشطحات والكرامات ، ومن دعا إلى الله بأسلوب غير تربوي ، أو دعا على الله بأسلوب عميق لكن المدعو اكتشف الذي يتكلم ليس صادقاً فيما يقول عندئذ هذا الإنسان لا يُعدّ عند الله مبلغاً ، ويقع إثم تفلته من منهج الله على من دعاه بهذه الطريقة .
لذلك أعظم ما يكون عند الدعاة أن يكونوا قدوة صالحة لأتباعهم ، وحينما يكون الإنسان قدوة صالحة الدعوة تسري بشكل عجيب ، ويدخل الناس في دين الله أفواجاً ، فإذا وجدوا إنساناً لا يلتزم بما يقول يتفلت الناس من منهج الله بسذاجة وبجهل ، لأنهم ربطوا الدين بإنسان ، الدين فوق البشر .
لذلك أنا أقول يجب أن يعتمد كل من يتكلم ، كل من يوجه ، كل من يرشد أباً كان أو داعية أو خطيباً أو من يحتل منصباً قيادياً ، مدير مستشفى إذا أراد من الأطباء أن يلتزموا بالقواعد الصحيحة ينبغي أن يسبقهم إليها .

الكلمة لن تجدي نفعاً إلا إذا دعمها الواقع :

لذلك هناك علم القيادة ، هناك علم الإدارة ، هذا علم قائم بذاته ما لم يكن القائد ، المدير ، صاحب المؤسسة ، المشرف ، الداعية ، الأب ، المعلم ، قدوة لمن يدعوهم لا جدوى من هذه الدعوة ، لذلك أستاذ عدنان الكلمة جاء بها الأنبياء ، الأنبياء بماذا جاؤوا ؟ لم يأتوا بالصواريخ ، ولا حاملات الطائرات ، ولا بالصواريخ ، العبرة للقارات ، ولم يأتوا بالفضائيات ولا بالكومبيوتر أتوا بالكلمة لكنها كانت صادقة ، فلما أصبحت الممارسة على عكس المنطوق كفر الناس بالكلمة ، كفر الناس بالكلمة .
لذلك الآن لا يمكن أن تجدي الكلمة إلا إذا دعمها الواقع ، إلا إذا جاء الواقع مطابقاً لها ، إلا إذا ارتكزت على مرتكز حسي ، العالم كله لا يرى الإسلام إلا من خلال المسلمين ، أما حينما يرى مجتمعاً إسلامياً قوياً طاهراً صادقاً لا يخترق يعلو الإسلام في نظر الآخرين ، أنا أقول دائماً هذا الذي يقف في خندق معاد للدين هذا لن يفهم الدين الإسلامي من كتبه ، ومراجعه ، ولا من تفسير القرطبي ، ولا من فتح الباري في شرح صحيح البخاري ، هذا لا يفهم الإسلام إلا من المسلمين الذين أمامهم .

المسلم سفير الإسلام فأمانته دعوة و صدقة دعوة و عفته دعوة :

لذلك أنا أرى أن العالم الغربي لو رأى الجاليات الإسلامية كما ينبغي لكان موقفه من الإسلام غير هذا المسلم ، لكن المسلم لا يظن أنه سفير هذا الدين العظيم ، هو في الحقيقة سفير هذا الدين ، من هنا أنطلق من شيء آخر اسمه الدعوة الصامتة المسلم سفير الإسلام فيمكنه أن يكون أكبر داعية وهو صامت
يعني يمكن أن تكون أكبر داعية وأنت صامت ، لأن أمانتك دعوة ، ولأن صدقك دعوة ، ولأن عفتك دعوة ، ولأن إنصافك دعوة ، مرة جاءتني رسالة بالبريد الإلكتروني ، إمام سكن في لندن ، ثم نُقل إلى ظاهر لندن ، اضطر أن يركب مركبة كل يوم مع السائق نفسه ، فمرة صعد المركبة ، وأعطى السائق ورقة نقدية كبيرة ، ردّ له السائق التتمة ، عَدّها ، فإذا هي تزيد عشرين بنساً على ما يستحق ، فقال هذا الإمام في نفسه : سأردّ هذه الزيادة للسائق ، لكن بعد أن جلس جاءه خاطر شيطاني ، قال : إنها شركة عملاقة ، ودخلها فلكي ، والمبلغ يسير جداً ، وأنا في أمسّ الحاجة إليه ، فلا عليّ أن آخذه ، لكن الذي حصل أنه قبل أن ينزل دون أن يشعر مدّ يده إلى جيبه ، وأعطى السائق العشرين بنساً ، فابتسم السائق ، وقال له : ألست إمام هذا المسجد ؟ قال : بلى ، قال : والله حدثت نفسي قبل يومين أن أزورك في المسجد لأتعبد الله عندك ، ولكنني أردت أن أمتحنك قبل أن آتي إليك ، يروي كاتب القصة وهو الإمام نفسه أنه وقع مغشياً عليه ، لأنه تصور عظم الجريمة التي كاد يقترفها لو لم يدفع للسائق هذا المبلغ ، فلما صحا من غفوته قال : يا رب ، كدت أبيع الإسلام كله بعشرين بنساً .

القدوة قبل الدعوة :

القدوة قبل الدعوة
القدوة قبل الدعوة ، كل الكلام والفصاحة والأدلة والتحليلات والبراعة في إقناع الناس تسقط في الوحل أمام عمل سيء يرتكبه هذا الداعية ، هذا الكلام يحتاجه الآباء ، امرأة قالت لابنها في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام : تعال هاك (لأعطيك)فقال عليه الصلاة والسلام : ماذا أردت أن تعطيه ؟ قالت تمرة ، فقال لها عليه الصلاة والسلام : أو إن لم تفعلي ذلك لعدت عليك كذبة .
شيء دقيق جداً لذلك بعض علماء الحديث جاء من المدينة إلى البصرة يتلقى حديثاً عن رجل رآه قد رفع ثوبه ليوهم الفرس أن في ثوبه علفاً ، فلما اقترب منه لم يجد شيئاً في الثوب ، فلم يكلمه وعاد أدراجه إلى المدينة ، قال : هذا الذي يكذب على فرسه لا يمكن أن يُنقل عنه كلام عن رسول الله ، القدوة قبل الدعوة .
الأستاذ عدنان :
دكتور الآن بالنسبة لكم تعدون مثلاً لخطبة الجمعة ، قرع الباب بيت يريد أن يزوركم أنتم مشغولون .

تناقض الكذب و الخيانة مع الإيمان :

الدكتور راتب :
أنا أقول له أنا لا أستطيع أن أستقبلك في هذا الوقت ، هذا الوقت ملك عشرة آلاف إنسان ينتظرون الخطبة فاعذرني .
الأستاذ عدنان :
يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب
دكتور في الحياة الاجتماعية أحياناً تحدث أشياء من مثل هذا ، يرى الإنسان نفسه متقلقلاً بين أن يكون صريحاً وبالتالي قدوة حسنة لابنه الذي سيفتح الباب ، وبين أن يتقلقل بالكلام و يقول اصرفه بالأسلوب المناسب .
الدكتور راتب :
قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))

[ أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ]

الآن في علم طباعة ، هناك مؤمن عصبي المزاج مقبول ، هناك مؤمن هادئ مقبول ، هناك مؤمن يعتني جداً بثيابه مقبول ، هناك مؤمن أقل اعتناء بثيابه مقبول ، هناك مؤمن يحب أن يبقى في البيت مقبول ، هناك مؤمن يحب أن يسافر كثيراً .

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))

فإذا كذب أو خان ليس مؤمناً ، لأن الكذب والخيانة يتناقضان مع الإيمان ، أستاذ عدنان هناك شيئان متعاكسان كالأبيض والأسود يجتمعان في بعض البيوت الشامية خط أبيض وخط أسود من الحجارة ، لكن الضوء والظلام يتناقضان وجود أحدهما ينقض الآخر ، فالضوء ليس معه ظلام والظلام ليس معه ضوء ، أنا أعتقد أن الكذب والخيانة يتناقضان مع الإيمان .

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))

أعظم ما في حياة المؤمن أنه صادق مع ربه و مع نفسه و مع الناس :

الكذب يهدي للفجور والفجور يهدي إلى النار
لذلك نحن حينما نعتمد الصدق ، فإن الرجل ما يزال يصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي للفجور والفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويكذب حتى يكتب عند الله كذاباً .

(( إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدي إِلي البِرِّ ، وإِن البِرَّ يهدي إِلى الجنةِ ، وإِن الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حتى يُكتَب [ عند الله ]صِدِّيقًا ، وإِن الكذبَ يهدي إِلى الفُجُورِ ، وَإِنَّ الفُجُورَ يهدي إِلى النارِ ، وَإِنَّ الرَّجُلَ ليكذبُ حتى يكتبَ عندَ اللهِ كذَّابا ))

[ صحيح متفق عليه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه]

أعظم ما في حياة المؤمن أنه صادق مع ربه ونفسه والناس
إذاً نحن حينما نربي أولادنا على الصدق نعيش في حالة أخرى ، الحقيقة الكذب منتشر في العالم ، نكذب في كلامنا ، في خطابنا ، في تقييمنا للأشياء ، نكذب ونرائي ، نكذب وننافق ، هذا كله من ثغرات المجتمع الكبيرة ، لذلك أعظم ما في حياة المؤمن أنه صادق مع ربه ، صادق مع نفسه ، صادق مع الناس ، الإنسان أحياناً يشعر بالحرج إذا تكلم الحقيقة ، لكن إذا تكلم الحقيقة وأحرج قليلاً ترتاح نفسه كثيراً ، أما إذا أوهم الآخرين بكلام غير صحيح يقول عليه الصلاة والسلام : كفى بها خيانة أن تحدث أخاك بحديث هو لك به مصدق ، وأنت له به كاذب .
القدوة قبل الدعوة ، أنا أخاطب كل من كان موقعه الاجتماعي موقع إرشاد ، موقع قيادي ، موقع توجيه ، لذلك سيدنا عمر لما جاءته كنوز كسرى يروى أن وقف رجلان مع رمحيهما فلم يترائيا لعظم الكمية ، سيدنا عمر قال إن الذي أدى هذا لأمين ، سيدنا علي كان إلى جانبه قال يا أمير المؤمنين أعجبت من أمانتهم لقد عففت فعفوا ولو وقعت لوقعوا .

 

من كان محسناً ملك القلوب لا الرقاب :

قضية القدوة يحتاجها كل من ولاهم الله أمر المسلمين ولا سيما الدعاة إلى الله عز وجل ، القدوة قبل الدعوة ، الإحسان قبل البيان أنت إذا كنت محسناً ملكت القلوب ، وفرق كبير بين أن تملك الرقاب وبين أن تملك القلوب ، الأقوياء ملكوا الرقاب والأنبياء ملكوا القلوب ، الأقوياء عاش الناس لهم ، والأنبياء عاشوا للناس ، لذلك القدوة قبل الدعوة ، الإحسان قبل البيان ، أنت إذا أحسنت فتحت قلوب الناس لمحبتك ، فإذا تكلمت فتح الناس عقولهم لكلامك ، بإحسانك تفتح قلوبهم وبكلامك بعد الإحسان تنفتح لك عقولهم ، أما إذا كنت فصيحاً متكلماً بارعاً في إقناع الناس ولم تكن محسناً لم ينتفع الناس بهذا الكلام ، هذا المبدأ الأساسي ، القدوة قبل الدعوة ، الإحسان قبل البيان .
مرة سمعت أن امرأة تمشي مع ابنها ، أعطته قطعة سكر وبعد ثلاث مئة متر سألته أين ورقة السكرة ؟ قال ألقيتها في الطريق رجعت معه ثلاثمئة متر وقالت له ضعها في سلة المهملات ، نحن حينما نعتني بصغارنا تقر أعيننا بهم حينما يكبرون .

أولادنا أكبر ورقة رابحة ولكن يحتاجون إلى جهد كبير في توجيههم :

الآن شيء اسمه علم قيادة ، برع به بعض الدعاة إلى الله ، لأن الأمة بقادتها ، الأمة بنخبتها ، الأمة بعلمائها ، الأمة بمفكريها ، هؤلاء قادة للأمة كل في حقله ، لكن صفات القائد الرائعة متى تصنع ؟ شيء غريب من السنة إلى السنة السابعة لذلك أخطر مرحلة في التعليم المرحلة الأولى ، كل القيم ، والمبادئ ، والأساليب ، والأنماط ، وأساليب النظافة ، والأناقة ، والعناية بالثياب ، طريقة الطعام والشراب ، كل هذا يرسخ عند الطفل بين الأولى والسابعة ، وبعد هذا السن يصعب تقويم الطفل ، لذلك نحن حينما نخاطب الأب والأم فقط ، إذا كان الأب صادقاً والأم كذلك تعلم الأطفال الصدق ، أما إذا دخن الأب أمام ابنه ، ثم رأى في يد ابنه دخينة فأقام عليه الدنيا في تناقض كبير صار .
يجب أن يستقي الصغار ثقافتهم من هذا الدين العظيم
أنا أقول إن معظم أخطاء الصغار هو خطأ من الذين يربيهم ، ولو أردنا جيلاً قوياً واعياً معطاءً يتحمل المسؤولية يجب أن نربي الأب والأم على هذه الخصائص ، أنا أقول هذا الكلام خطير جداً ونحن في أمس الحاجة إليه ولا أبالغ إذا قلت أولادنا أكبر ورقة رابحة بأيدينا ، أولادنا هم مستقبلنا ، أولادنا يعقد عليهم الأمل في أن تستعيد أمتنا دورها القيادي بين الأمم ، ولكن يحتاجون إلى جهد كبير ، يجب أن ننتبه إلى توجيههم ، يجب أن ننتبه من أين يستقون ثقافتهم ، يجب أن يستقي هؤلاء الصغار ثقافتهم من هذا الدين العظيم ، من صفات النبي صلى الله عليه وسلم ، من أصحابه العظماء ، لا بد من صدق وألخص هذا الموضوع الذي يعدّ من أخطر الموضوعات التربوية أن القدوة قبل الدعوة وأن الإحسان قبل البيان .
الأستاذ عدنان :
دكتور يمكن في بعض الأحيان أن يقال عن الإنسان الصريح في موضوع إن جاءه ضيف أن يستقبله أو أن لا يستقبله ، يقال عنه إنه جلف ، يقال بالمقابل عندما تأتي التوجيهات ليكون الطفل في بيت أبويه يستمع إلى كلام الصدق ويتصرف بصدق ويقول الصدق ، نجد هنا في الميدان الاجتماعي ما يغالبنا فإما أن نغلبه وإما أن يغلبنا ، هنا كيف يمكن أن يكون التوجيه ضمن حالة اجتماعية واسعة يتهم فيها من يكون على القدوة الحسنة التي أوردتموها .

التواصي بالحق يوسع دوائر الحق :

الدكتور راتب :
التواصي بالحق يوسع دوائر الحق
الحقيقة إذا كانت هناك بقعة ضوء متألقة هذه تتوسع ، أما إذا شاع الكذب صار الصادق شاذاً ، إذا شاع النفاق أصبحت الصراحة قسوة ، نحن نريد أن نعتني ببقعة الضوء هذه لتتنامى ، الله عز وجل يقول :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

( سورة العصر )

التواصي بالحق يوسع دوائر الحق ، لذلك حينما يلغى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حينما لا نتناهى عن منكر نفعله ، عندئذ تستحق الأمة الهلاك بدليل أن الله عز وجل يقول :

﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ (79)﴾

( سورة المائدة )

فلا بد من أن أكون صادقاً ، ولا بد من أن أدافع عن صدقي ولو أن الآخرين تألموا ، أما حينما يشيع الكذب ، يشيع النفاق ، يصبح المؤمن غريباً وقد بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء .

 

كل إنسان مسؤول له أجر مرتين إذا أحسن وعليه وزر مرتين إذا أساء :

كل إنسان مسؤول له أجر مرتين إذا أحسن وعليه وزر مرتين إذا أساء
إلا أن هناك ملاحظة مهمة جداً هو أن الذي يحتل منصباً قيادياً ، معلم صف ، أب في أسرة ، مدير مستشفى ، رئيس جامعة ، مدير معمل ، أي منصب قيادي له حساب خاص عند الله ، ما حسابه الخاص ؟ إن أحسن فله أجران أجر إحسانه وأجر من قلده ، وإن أساء فعليه وزران وزره ووزر من قلده ، من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ومن سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها ، هذا ترغيب وترهيب ، الأب حينما يدخن وله أولاد يتحمل هو وزر تقليد أولاده له ، والأب حينما يصدق ويكون الموقف حرجاً له مكافأة صدقه وله مكافأة أولاده الذين أعجبوا بهذا الصدق ، فلذلك هؤلاء القادة المرشدون ، الموجهون ، العلماء ، المدرسون ، المعلمون ، الآباء ، الأمهات ، هؤلاء لهم أجر مرتين إذا أحسنوا ، وعليهم وزر مرتين إذا أساؤوا .
الأستاذ عدنان :
دكتور حتى في الحياة الاجتماعية عندما يعرف فلان أنه يسير على طريق القدوة فإنه يعرف فيما يأتي من الزمن أنه هو هكذا ، وفعلاً يجب أن نتمثل ما يفعله فلا يؤاخذه إنسان إن كان من قبل قد آخذه ، وهذا من الأخلاق الكريمة ومن مكارم الأخلاق التي نرجو الله عز وجل أن تكون واسعة الأفق في مجتمعاتنا ، ومن مكارم الأخلاق أن نتابع ما يتصل بالإعجازات العلمية لندرك عظمة الله عز وجل .

الموضوع العلمي :

الطيور تعد أكثر العجماوات تضحية في عالم الأحياء :

الدكتور راتب :
بعض أنواع الطيور تحضر الطعام لصغارها باستمرار طوال اليوم
لكن لي كلمة أخيرة من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به ، أنت حينما تجعل الهموم هماً واحداً يكفيك الله الهموم كلها ، وإذا عملت لوجه واحد كفاك الله الهموم كلها .
الحقيقة أن هذه الكائنات التي نسميها العجماوات تعيش حياة اجتماعية راقية فالطيور مثلاً تعد أكثر العجماوات تضحية في عالم الأحياء ، فالطائران الأب والأم يعملان دون توقف لأجل الصغير الخارج من البيضة ، بعض أنواع الطيور تحضر الطعام لصغارها باستمرار طوال أربع وعشرين ساعة ، عمل الصغار الوحيد هو فتح أفواهها انتظاراً للطعام الذي سيحضره الأب أو الأم ، فالصغار بحاجة إلى رحمة الوالدين وإيثارهما ليبقوا على قيد الحياة ، وإنّ تَرْكَ الفراخ تعيش لوحدها يعدّ موتاً محققاً لها .
الطيور تعد من أكثر العجماوات تضحية في عالم الأحياء
هذه الطيور الغواصة تضحي بنفسها لأجل صغارها ، فالعش الذي بنته خلف الشلال الصغير أمين وبعيد عن الأعين ، يجمع الوالدان الطعام لصغارهما دون كلل ، وفي كل عشر دقائق يأتي الطعام إلى العش ، هذه الكائنات ليست بشراً بل طيور ، والمنتظر من كل حيوان بحسب رأي بعض من يعتقد بالتطور الاهتمام بنفسه وإشباع بطنه وحسب ، ولكن الأمر هنا بعكس ذلك تماماً ، فالأمهات تهتم بصغارها قبل نفسها بل وتضحي بحياتها من أجلهن .
وتقوم كائنات كثيرة بتضحيات أكبر لأجل صغارها ، الأثل الوحشي تخاطر بحياتها لحماية صغارها ، تضع نفسها كالجدار الواقي بين المفترس وصغارها عند أي هجوم ، تتظاهر أنها بطيئة من أجل صغارها رغم أنها أسرع من هذه الصغار ، وهكذا عند وصول الحيوانات المفترسة ستنجو الصغار وقد تموت الأم ، هذه مغامرة خطيرة جداً وأحياناً تخسر بعض الكائنات حياتها في هذه المخاطرة .
أستاذ عدنان نحن حينما نتأمل عظمة الخلق نتعرف إلى الخالق ودائماً وأبداً التفكر في مخلوقات الله أقصر طريق إلى الله وأوسع باب ندخل منه على الله .

خاتمة وتوديع :

الأستاذ عدنان :
في ختام هذا اللقاء كل الشكر لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين ، وكل الشكر أيضاً للأخوة المشاهدين .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018