مكارم الأخلاق - الندوة : 27 - الألفة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠21برنامج مكارم الأخلاق - قناة انفنيتي
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مكارم الأخلاق - الندوة : 27 - الألفة


2008-03-28

مقدمة :

الأستاذ عدنان :
بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ، أيها الأخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأرحب بكم في حلقة جديدة في برنامج مكارم الأخلاق ، وباسمكم أرحب بفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين أهلاً ومرحباً بكم دكتور .
الدكتور راتب :
بكم أستاذ عدنان جزاك الله خيراً .
الأستاذ عدنان :
يقال فلان ألف فلاناً أي تابعه واطمأن إليه واستمر معه ، لكن هذا يمكن أن يكون في إطار التعبير اللغوي ، أما إذا أردنا أن نبحث في الموضوع الاصطلاحي لتعريف الألفة إذ إن لها أسباباً ودوافع حتى تكون وبالتالي يكون تعريفها الاصطلاحي أدق وأوقع ، يمكن أن نتابع معكم ؟

 

التعريف الاصطلاحي للألفة :

كلما زادت القواسم المشتركة بين إنسانين كان بينهما الألفة

 

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، أستاذ عدنان التعريف الاصطلاحي للألفة : اجتماع مع التأم ومحبة ، لقاء إنسان مع إنسان اجتماع ، لكن مع الاجتماع محبة ، مع الاجتماع التأم توافق ، الحقيقة أن هذا ينقلنا إلى التفسير العلمي للألفة ، الإنسان له شخصية ، له شكل خارجي ، وله نفسية هي حقيقته ، فهذه النفسية تنطلق من منطلقات ، تعتقد اعتقادات ، تتصور تصورات ، عندها مبادئ معينة ، عندها قيم معينة ، عندها عادات معينة ، عندها تقاليد معينة ، عندها حركات معينة ، عندها أساليب في الحياة معينة ، لو مثلاً جمعنا هذه الخصائص ولتكن ألف خصيصة بقائمة وجئنا بإنسان آخر أحصينا له هذه الخصائص ، كلما زادت القواسم المشتركة بين إنسانين كان بينهما الألفة ، بل زادت الألفة .

 

القواسم المشتركة بين اثنين تكون سبب ألفتهما :

لذلك هناك في بعض البلاد صنعوا برنامجاً كومبيوترياً لنجاح الزواج ، يأتي الشاب يسأل تقريباً خمسمئة سؤال بماذا يعتقد ؟ ماذا يحب ؟ ماذا يكره ؟ كيف يحب أن يمضي عطلة الأسبوع ؟ هل يحب أن يطالع قبل أن ينام ؟ أن يشاهد شيئاً ؟ بين المؤمنين من أواصر المحبة ما لا يوصف
كيف يمضي أوقات فراغه ؟ كيف يحب أن يأكل ؟ كيف رياضته ؟ يسأل مئات الأسئلة ، توضع هذه الأسئلة في حافظة الكومبيوتر ، تأتي فتاة تسأل الأسئلة نفسها ، يغيب السائل الأول شهراً ويعود فيسأل هذا الجهاز أية فتاة أقرب إليّ ؟ عن طريق التقاطعات ، الكومبيوتر يعطي السائل أقرب فتاة إليه ، المرجح أن الألفة تكون بينهما .
أريد أن أقول بقدر ما بين اثنين من قواسم مشتركة تكون الألفة بينهما ، الآن لو دخلنا إلى عالم الإيمان ، المؤمن يعرف الله ، المؤمن يعرف منهج الله ، المؤمن تخلق بالفضائل التي أمره الله بها ، المؤمن عنده ورع ، المؤمن عنده عفة ، المؤمن مؤدب ، المؤمن رحيم ، المؤمن صادق ، المؤمن أمين ، المؤمن يقيم الحق ، وقاف عند كتاب الله ، الذي يدهش أن بين المؤمنين من أواصر المحبة ما لا يوصف ، السبب لأن نقاط الاشتراك التي في شخصياتهم كثيرة جداً ، لذلك الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تنافر منها اختلف .

بطولة المؤمن في حسن اختيار زوجته :

بطولة المؤمن في حسن اختيار زوجته
إذا أراد الزوجان أن ينجحا في زواجهما ينبغي أن يكونا على منهج واحد ، وعلى تصور واحد ، وعلى أهداف واحدة ، وعلى طموحات واحدة ، وأن يتمتعا بعقلية متشابهة ، لذلك قضية الزواج مهمة جداً ، لأن أقرب علاقة بين إنسانين هي الزواج ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : النساء شقائق الرجال . يعني يوجد تكامل بينهما ، نحن نبحث عن الألفة ، الألفة يجب أن تكون واضحة جداً بين العلاقات الطويلة الأمد ، قد تجلس مع إنسان لساعة قد لا تألفه وقد لا يألفك الأسر المتماسكة سببها استطاعة الزوجين أن يكونا قيماً موحدة لهم
ليست هناك مشكلة أبداً ، هذه التي اخترتها شريكة حياتك تعيش معها سنوات مديدة ، ينبغي أن يكون بينك وبينها قواسم مشتركة كثيرة ، لذلك البطولة في حسن اختيار الزوجة ، ماذا قال الله عز وجل ؟

﴿ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ (26)﴾

(سورة النور)

أي ينبغي أن يكون الطيبون للطيبات ، هذا التوجيه القرآني ليست أمراً تكوينياً بل هو أمر تكليفي ، أي إن كنت طيباً ابحث عن طيبة ، إن كنت طيبة لا تقبلي إلا طيباً ، لأن المودة بين الزوجين أساسها التوافق ، إذا وجد فرق كبير بالثقافة ينشأ الخلاف ، فرق كبير في المستوى الاجتماعي ، فرق كبير في التمسك بالدين ينشأ الاختلاف ، والبطولة هو الزواج المستمر ، إذاً قضية الأنثى تنطلق من القواسم المشتركة التي بين شخصيتين ، لذلك الأسر المتماسكة ما سبب تماسكها ؟ السبب : أن الأب والأم استطاعا أن يكونا قيماً موحدة لهذه الأسرة .
لا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف
الأستاذ عدنان :
دكتور هنا يمكن أن يطرح السؤال التالي : الكومبيوتر الذي ذكرت عنه تؤخذ معلومات عن الفتى ، معلومات عن الفتاة ، يُدرس الأمر ، هذه تناسب ذاك وهذا يناسب تلك ، أبو وداعة الفقير المعدم إن صحّ القول بعد أن توفيت زوجته لم يشأ أستاذه وقد عُرِض على ابنته أن تتزوج من شخصية كبيرة لكن مستوى الإيمان لم يرق له ، أراد أن يكون زوج ابنته مؤمناً متمسكاً بالإيمان ، هنا ألغي موضوع الفارق ما بين الغنى والفقر وما إلى ذلك ، من هنا أيضاً يبدو لنا موضوع المؤمن يألف ويؤلف ولا خير فيما لا يألف ولا يؤلف ، لأن المؤمن في الأصل مبادئه وما عنده يتجاوز الآخرين وهناك نقاط التقاء كثيرة بين المؤمنين .

 

 

طالب العلم كفء لأية فتاة :

 

الدكتور راتب :
الألفة تأتي من التوافق
هذه القضية أجاب عنها الفقهاء قالوا : طالب العلم كفء لأية فتاة ولو كانت بنت ملك ، قالوا زوج ابنتك للمؤمن إن أحبها أكرمها وإن لم يحبها لم يظلمها .
على كل نحن عندما تسود في المجتمع قيم مشتركة ، مبادئ مشتركة ، اهتمامات مشتركة ، أهداف مشتركة ، في الأعم الأغلب يكون هذا المجتمع متوافقاً ، قضية التوافق شيء ضروري جداً ، لأن الله قهرنا أن نعيش مع بعضنا بعضاً ، لأن كل واحد منا أتقن حاجة وهو بحاجة إلى مليون حاجة فلا بد من أن نجتمع ، لذلك الألفة تأتي من التوافق ، هذا شيء يدخل في علم السلوك .
قيل لإنسان أتعرفه ؟ قال أعرفه ، قال هل سافرت معه ؟ قال لا ، قال هل جاورته ؟ قال لا ، قال هل حاككته بالدرهم والدينار ؟ قال لا ، قال أنت لا تعرفه .
تعرف الإنسان من جواره ، من محاككته بالدرهم والدينار ، من السفر معه ، لذلك قالوا في الإنسان أثلاث ثلاثة الثلث الأول يعرفه جميع الناس أنه فلان ابن فلان وابن فلانة ، أنه مهندس ، أنه طويل القامة ، أبيض اللون ، يسكن في الحي الفلاني الناس يعرفون بعضهم من خلال التعامل أما ما بداخلهم فلا يعلمه إلا الله
هذا القسم الأول يعرفه جميع الناس ، لكن هناك ثلث ثان لا يعرفه إلا أقرب الناس إليه ، زوجته ، أولاده ، شركاؤه ، من جاوره ، من سافر معه ، من حاككه بالدرهم والدينار ، وفي ثلث ثالث لا يعلمه إلا الله ، لذلك نحن نعمل في الثلث الثاني ، فما دامت المبادئ والقيم والآداب والآمال والآلام والتجارب والمشاعر متوافقة في الأعم الأغلب يكون هناك تآلفاً .

أحد أسباب السعادة

التوافق بين الأشخاص :

أحد أسباب السعادة التوافق بين الأشخاص
شيء واضح أستاذ عدنان قد تجد أسرة متماسكة ، متماسكة في حياة الأب وبعد موت الأب ، لأن الأب كان حكيماً جداً حينما ربى أولاده على مبادئ صحيحة ، وعلى قيم صحيحة ، وعلى ضوابط صحيحة ، وعلى أهداف صحيحة ، قضية الألفة تعني السعادة ، ما من شيء يؤلم الإنسان كأن يفرض عليه إنسان ليس على شاكلته .

وبالنكد الدنيا على الحر أن يرى عدواً له ما من صداقته بد
***

أن يُفرض عليك إنسان بعيد عن اتجاهك ومبادئك ، لذلك من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم بل من شكره لربه حيث قال :

(( إن الله اختارني ، واختار لي أصحابًا ))

[الطبراني في الكبير والأوسط عن عديم بن ساعدة ، وابن أبي عاصم في السنة عن أنس]

هناك روابط يمكن من خلالها أن يجد الشارد ألفة من المؤمن تجاهه
سعادة ما بعدها سعادة ، أن يكون الذي تعيش معه تسمر معه ، تسهر معه ، تلتقي معه في العمل ، على شاكلتك ، تؤمن بما يؤمن ، يحب ما تحب ، يكره ما تكره ، فهذا شيء مهم في حياتنا ، فنحن كلما اصطفينا من أصدقائنا من كانوا على شاكلتنا ، واخترنا الذين في حقل العمل على شاكلتنا نمضي حياة سعيدة جداً ، ما أصعب أن يعيش عالم مع جاهل ، ما أصعب أن يعيش أخلاقي مع من تحلل من الأخلاق ، ما أصعب من يعيش وله هدف في الحياة مع إنسان بلا هدف لذلك قضية التوافق بين الأشخاص ، أحد أسباب السعادة .
الأستاذ عدنان :
يمكن أن نجد إنساناً مؤمناً وأن نجد إنساناً شارداً ، الشارد مع المؤمنين قد لا يألفهم وغالباً لا يألفهم ، أما المؤمن إذا كان في وضعه الاجتماعي أو الوظيفي أو التعاملي أنه لابد من تواجده مع هذا الشارد فما أظن أن ميدان الألفة من الشارد تجاه المؤمن إلا أقل بكثير من المؤمن تجاه الشارد ، لأن المؤمن يدرك بصفة أساسية تجمعه مع الآخرين أنه من خلق الله ، وأن عليه أن يؤدي الخير لخلق الله ، وبالتالي فإن هناك روابط يمكن من خلالها أن يجد الشارد ألفة من المؤمن تجاهه ولا العكس .

 

المؤمن يألف ويؤلف :

الدكتور راتب :
المؤمن يألف ويؤلف
الحقيقة المؤمن أوسع من غير المؤمن بكثير ، تصور أستاذ عدنان شاب يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول له : ائذن لي بالزنا ، تصور إنسان يدخل إلى مركز شرطة يقول اسمحوا لي أن أقتل ، شيء لا يحتمل ، الصحابة ضجوا وتألموا من هذه الجرأة والوقاحة ، فقال : دعوه ، تعال يا عبد الله تأكيد لما أقول المؤمن أوسع بكثير والمؤمن يألف ويؤلف ، قال تعال يا عبد الله أتحبه لأمك ؟ تصور أمه فاحمر لونه ، قال : لا ، قال : ولا الناس يحبونه لأمهاتهم ، تحبه لابنتك ؟ تحبه لأختك ؟ ذكر له القريبات واحدة واحدة فقال هذا الشاب : والله دخلت على رسول الله وما شيء أحب إلي من الزنا وخرجت من عنده وما شيء أحب إلي من العفة .
الغافل لو رآى إنسان جليلا يوجهه فقد يكون سببا لعودته إلى الحق
لذلك المؤمن يألف ويؤلف كما تفضلتم قد يكون إنساناً شارداً ، هو ضيق الأفق محدود ، المؤمن أوسع منه ، تصور أستاذ عدنان ، كان أحد المغنّين يُقلق ويُزعج أبا حنيفة النعمان ـ رحمه الله تعالى ـ وكان طوال الليل يصدح بهذه الأغنية : أضاعوني وأي فتى أضاعوا ، فجأة فقَد أبو حنيفة هذا الصوت ، فعلم أن به مكروهاً ، فبحث عنه في السجن ، فذهب إلى القائم على هذا الأمر ، ورجاه أن يطلق سراحه ، أطلق سراحه ، فأركبه خلفه على الدابة ، وقال : يا فتى ، هل أضعناك ؟ فقال هذا الفتى المغني عهداً لله لن أعود إلى الغناء وبكى .
أنا أقول لو أن الشباب الذين شردوا عن الله رأوا إنساناً كبيراً كأبي حنيفة يستوعبهم ، لكن نحن أحياناً نأخذ موقفاً عنيفاً من إنسان خالف مبدأنا أو خالف منهجنا ، نقيم عليه النكير ، لذلك الأنبياء يتسمون بسعة الصدر .
قال يا محمد أعطني من هذا المال فهو ليس مالك ولا مال أبيك ؟ قال لهم صدق إنه مال الله ما هذه السعة ؟ لذلك المؤمن يألف ويؤلف .
الأستاذ عدنان :
إذا أردنا أن ندرس موضوع الألفة من الناحية العلمية لا شك أن أسباباً تؤدي في ذات الإنسان تنعكس على تصرفاته تحدث بواعث الألفة ترى هذا الأمر العلمي ومسيرة الأمر العلمي في هذا ؟

أسباب الألفة :

1 – الدين :

الدكتور راتب :
الحقيقة العلماء أشاروا إلى أن للألفة أسباباً على رأسها الدين ، ذلك أن الدين العظيم وحي رب العالمين ، منهج سيد المرسلين ، ما من تصرف ولا موقف يمتن العلاقة بينك وبين أخيك إلا أمرك النبي به ، وما من تصرف أو موقف يبعدك عن أخيك إلا نهاك الله عنه ، مثلاً :

(( لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَقَاطَعُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا ))

[رواه مسلم عن أنس بن مالك]

الدين من أسباب الألفة
فالمؤمن أخو المؤمن :

(( المُسلِمُ أخُو المُسْلِمِ ، لا يَظْلِمُهُ ، وَلا يَخْذُلُهُ ، وَلا يَحْقِرُهُ ، كُلُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ : دَمُهُ ومَالُهُ وَعِرْضُهُ ))

[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]

الدين أحد أكبر أسباب الألفة لأنه ينهاك عن الكذب و الغش :

من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه
هناك أحاديث كثيرة جداً لا مجال إلى تعدادها الآن ، في أي مناسبة يمكن أن يفتح الإنسان كُتب الحديث ليطلع على توجيهات القرآن الكريم والنبي الكريم في موضوع التآلف .
إذاً الإنسان المتدين لأنه ينطلق من تطبيق أمر الله :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ (11)﴾

(سورة الحجرات)

﴿ وَلَا تَجَسَّسُوا (12)﴾

 

(سورة الحجرات)

من أسباب الألفة أنك إذا دعيت أن تلبي وإذا سألت أن تعطي
ولا تحسسوا ، يوجد آيات كثيرة جداً ، قالوا التجسس تتبع الأخبار السيئة والتحسس تتبع الأخبار الخيرة ، أنت منهي عن أن تتجسس وعن أن تتحسس ، لأنها نقيصة من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس .
الدين أحد أكبر أسباب الألفة لأنه ينهاك عن الكذب ، ينهاك أن تغش أخاك ، ينهاك إذا دعاك ألا تلبيه ، ينهاك إذا سألك ألا تعطيه ، ينهاك إذا استعان بك ألا تعينه ، ينهاك عن كل شيء يزعجه ، يأمرك بكل شيء يريده ، يعني دعاك إلى عقد قران من دعي ولم يلبِ فقد عصا أبا القاسم . دعاك إلى وليمة يجب أن تحضر ، دعاك إلى أن تكون وسيطاً بينه وبين أخ آخر ، دعاك أن تكون حكماً بين اثنين ، إذاً الدين كأحد أكبر الأسباب التي تعين على التآلف لأنه بكل الآيات والأحاديث التي تتصل بالناحية الاجتماعية أمر المؤمنين بالصدق ، بالأمانة ، بالمحبة ، بطلب العفو أحياناً ، بالاعتذار ، ونهى عن الغش والكذب والفجور ، وعن التدابر ، وعن التقاطع ، أن تحتقر أخاك المسلم ، المنهيات مع المأمورات تشكل وداً بعيد المدى بين المؤمنين ، هذا الدين .

2 ـ القرابة :

القرابة أحد أسباب الألفة
شيئاً آخر النسب ، يقول الله عز وجل :

 

﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ(1)وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ(2)وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ(3)﴾

(سورة البلد)

نظام الأبوة ، نظام الأمومة ، نظام القرابة ، العلاقات متينة جداً ، لذلك الله عز وجل قال :

 

﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

( سورة الشعراء الآية : 213 )

لأن هذا القريب ليس هناك حاجزاً بينك وبينه ، لا يخاف منك ، والإنسان المؤمن يبدأ بأقربائه والأقربون أولى بالمعروف ، القرابة أحد أسباب الألفة ، الإنسان يحب أولاده ، يحب بناته ، يحب أصهاره ، يحب أخوته ، يحب أخواته ، يحب خالاته ، يحب عماته ، شيء طبيعي جداً ، إذاً القرابة أحد أسباب الألفة إلا في حالات نادرة جداً قد يسلك قريب منهجاً قويماً وقد يسلك قريب آخر منهجاً آخر ، يتناقض معه ، هذه قضية استثنائية ، في الأعم الأغلب الأقرباء الأرجح أنهم على شاكلة واحدة ، فالقرابة أحد أكبر عوامل الألفة والمودة بين الناس .

3 ـ النسب :

المودة والرحمة بين الزوجين من خلق الله وحده
بقي النسب ، سبحان الله الإنسان يخطب فتاة بعد حين يكون هذا الزوج أعظم رجل في حياة هذه الفتاة ، ما الذي حصل ؟

 

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً (21)﴾

( سورة الروم )

المودة والرحمة بين الزوجين من خلق الله وحده ، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام :

(( الحمد لله الذي رزقني حب عائشة ))

[ ورد في الأثر ]

(( أكرموا النساء ، فو الله ما أكرمهن إلا كريم ، ولا أهانهن إلا لئيم ، يغلبن كل كريم ، ويغلبهن لئيم ، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً ))

[ ورد في الأثر ]

(( اعلمي أيتها المرأة ، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ))

[ ورد في الأثر ]

كان إذا حمل ابنته فاطمة رضي الله عنها يضمها حينما كانت صغيرة ويشمها وقال ريحانة أشمها وعلى الله رزقها .

4 ـ المصاهرة :

حرص النبي على الود بين الزوجين
قضية الألفة بين الزوجين ، بين الأولاد شيء طبيعي جداً ، المصاهرة أحد أسباب الألفة ، وكأن الصهر أخذ من الانصهار ينصهر في بيت حماه ، وكأن البنت تنشأ على بيت أهل زوجها ، هذا الود الذي بين الزوجين من خلق الله عز وجل ، طبعاً من خلق الله قطعاً :

 

﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً (21)﴾

( سورة الروم )

قيل مرة للنبي الكريم من أعظم الناس حقاً على الرجل ؟ قال أمه ، فلما سئل من أعظم الرجال حقاً على المرأة ؟ قال زوجها .
إني أكره المرأة تخرج من بيتها تشتكي على زوجها ، وأيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس لم ترح رائحة الجنة .
لذلك النبي صلى الله عليه وسلم حرص على الود بين الزوجين ، لكن أنا أقول دائماً وأبداً أن العلاقة بين الزوجين يحكمها حديث شريف :

(( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا تَوَادَّ اثْنَانِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا ))

[رواه أحمد عن ابن عمر ، وإسناده حسن]

هناك قاعدة بالأمن الجنائي ، قالوا : " في كل جريمة ابحث عن المرأة " ، أنا أقيس على هذه القاعدة قاعدة أخرى أقول : في كل مشكلة نعاني منها ابحث عن المعصية ، لأنه :

(( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا تَوَادَّ اثْنَانِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا ))

[رواه أحمد عن ابن عمر ، وإسناده حسن]

5 ـ المؤاخاة بين المؤمنين :

أحد أسباب الألفة المؤاخاة بين المؤمنين
الآن المودة بين المؤمنين ، النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين أصحابه ، ما الذي يمنع أن تآخي إنساناً ؟ تجعله أخاً لك في الله ، أن تتفقده ، أن تسأله ، أن تزوره إن غاب عنك ، أن تواسيه بمالك ، أن تواسيه بعلمك ، أن تتصل به من حين لآخر ، المؤاخاة بين المؤمنين ، والذي بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم حينما آخى بين أصحابه ، أن سيدنا سعد بن الربيع آخى بعض المهاجرين ، أحد الصحابة الكرام الذين كان لهم باع طويل في المال سيدنا عبد الرحمن بن عوف ، قال له هذا نصف مالي ، بستاناً ، وبيتاً ، ودكاناً ، قال قولته الشهيرة : بارك الله لك في مالك ، لكن دُلّني على السوق ، لم يثبت في تاريخ السيرة أن مهاجراً أخذ من أنصاري شيئاً ، الأنصار بأعلى درجة من السخاء والبذل والمهاجرون بأعلى درجة من العفة ، هذا مجتمع الإيمان ، مجتمع المؤمنين مجتمع رائع جداً .
فلذلك المؤاخاة بين المؤمنين بشكل أو آخر أحد أسباب الألفة بين المؤمنين ، العطاء ، البر .

6 ـ المودة و العطاء :

أستاذ عدنان الإنسان مفطور على حب النوال والكمال والجمال ، يعنينا النوال ، إنسان زوجك ابنته هذا أب لك ، إنسان منحك بيتاً وجدك مضطر لبيت ، هذا له فضل عليك ، لذلك النوال أيضاً يقيم المودة بين الناس ، بالبر يُستعبد الحر ، المودة أيضاً والعطاء أحد أسباب الألفة .
الأستاذ عدنان :
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ، دكتور هذه الناحية تؤكد لنا أن الألفة ستكون في النهاية ثماراً رائعة في أفراد المجتمع ، وإذا أردنا أن نتطلع على هذه الثمار لنكون معها وبها بإذن الله ، يمكن أن نختصر قدر الإمكان في هذا الجانب .

 

الألفة تمتن المجتمع وتمنع اختراقه :

الدكتور راتب :
الألفة أحد أسباب السعادة الاجتماعية فهي تمتن المجتمع
الحقيقة أن المؤمن يألف ويؤلف ، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ، الألفة تمتن المجتمع ، سأقول كلمة خطيرة ، الألفة تمتن المجتمع وتمنع اختراقه ، ما دام في ألفة هذا المجتمع لا يخرق ، أحياناً قوة العدو لا في أسلحته بل في معلومات يملكها ، بسبب عدم الألفة ، بل في معلومات يجب ألا يعرفها ، من علامة الألفة بين المسلمين أن مجتمع المسلمين ينبغي ألا يخرق :

(( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً ، الموطئون أكنافاً الذين يألفون ويؤلفون))

[رواه الطبراني عن أبي سعيد الخدري ]

والألفة أحد أسباب السعادة الاجتماعية .
الأستاذ عدنان :
الألفة عندما تسود في مجتمع فإنها تكون عنصر من عناصر قوته
بمعنى آخر أستطيع أن أقول : إن الألفة عندما تسود في مجتمع فإنها تكون عنصر من عناصر قوته ، وعدم اختراق العدو له ، وهذا من مكارم الأخلاق التي أثمرت ثماراً رائعة في حياة المؤمنين ، وهذا من فضل الله عز وجل ، وإذا تابعنا فضل الله تعالى نجده في كل شيء ، نجده فيما تتحدثون عنه من إعجازات علمية أيضاً نتابعها معكم دكتور .

 

الدلافين تقدم لنا مثالاً رائعاً حول التكافل بين الأم وصغارها :

الدكتور راتب :
الدلافين تقدم لنا مثالاً رائعاً حول التكافل بين الأم وصغارها
الحيوانات العجم يعيشون حياة اجتماعية ، لذلك أحياناً الإنسان يخجل أن يرى حيواناً حريصاً على صغاره يعتني بهم ، يضحي بحياته من أجلهن ، والأب أحياناً يقصر في تربية أولاده ، الدلافين تقدم لنا مثالاً رائعاً حول التكافل بين الأم وصغارها ، تربي الأم صغارها لمواجهة كل الأخطار ، تضطر أثناء هذه التربية إلى سلوك قاس ، لا بد أحياناً الأب أو الأم أو المربي أو المعلم من إحداث خبرة مؤلمة فالدلفين أحياناً تضطر إلى اتخاذ سلوك قاسٍ غير مقصود لذاته .
الدلفين الأم توبخ ابنها ثم تربت على ظهره لاشعارها بحبها له
هذه الدلافين اليافعة تتسابق مع سفينة ، يقترب أحد هذه الدلافين من القارب كثيراً دون أن يشعر ، من الممكن أن تجرحه مروحة القارب جرحاً عميقاً وقد تقضي عليه ، تدرك الدلفين الأم خطر هذه اللعبة ، وتأتي إلى صغيرها فوراً تدفع الصغير إلى قاع البحر ، ترسل الأم الغاضبة موجات صوت ذات ذبذبات عالية بأنفها إلى جسم الصغير ، هذه الموجات تدل على غضب الأم إضافة إلى تعلم الصغير أنه وقع في خطأ كبير شارف على الهلاك ، الصغير حزين جداً ، تبدأ الأم بالسباحة مع صغيرها بعد هذا التوبيخ الشديد ، وتمسح بزعانفها زعانف صغيرها وكأنها تربت على ظهره ، وهذا يعني المصافحة في لغة الدلافين ، هذا التصرف لتري صغيرها أنها ما زالت تحبه ، وسع علم الله كل كائن وفي كل مكان ، الآن تجربة فريدة أن حيوان يأخذ موقفاً قاسياً جداً إلى درجة أن الوليد يخاف ، لتشعره أنها ما تزال تحبه ، هذا درس للمربين إنك إن عاقبت ابنك وتألم ألماً شديداً ينبغي بعد ذلك أن تقربه منك ، أن تشعره أنك لا تبغضه ولكن أبغضت عمله ، هذا درس يحتاجه المربون من الدلافين .

خاتمة وتوديع :

الأستاذ عدنان :
في ختام هذا اللقاء كل الشكر لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين ، و كل الشكر أيضاً للأخوة المشاهدين ، و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018