مكارم الأخلاق - الندوة : 25 - التوحيد - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠21برنامج مكارم الأخلاق - قناة انفنيتي
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مكارم الأخلاق - الندوة : 25 - التوحيد


2008-03-26

مقدمة :

الأستاذ عدنان :
بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ، أيها الأخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأرحب بكم في حلقة جديدة في برنامج مكارم الأخلاق ، وباسمكم أرحب بفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين ، أهلاً ومرحباً بكم دكتور .
الدكتور راتب :
بكم أستاذ عدنان جزاك الله خيراً .
الأستاذ عدنان :
دكتور في حياتنا الإيمانية الإسلامية ، يجب أن نوحد الله تعالى ، والتوحيد في الأصل لازم لكل إنسان ، توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، والتوحيد يحتاج في هذه الحالة إلى ارتباط مع أخلاقية الإنسان في حياته حتى يكون على مستوى توحيد الربوبية والألوهية ، إذا أردنا التحدث عن علاقة التوحيد بالأخلاق ممكن أن نوضح هذا ؟

 

علاقة التوحيد بالأخلاق :

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
فحوى دعوة الأنبياء جميعاً التوحيد والعبادة
أستاذ عدنان بادئ ذي بدء ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد ، وقال بعض العلماء : التوحيد نهاية العلم ، والتقوى نهاية العمل ، بل إن فحوى دعوة الأنبياء جميعاً التوحيد والعبادة :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

( سورة الأنبياء )

في هذه الآية تبين أن فحوى دعوى الأنبياء جميعاً من دون استثناء :

 

كل مخازي البشر بسبب ضعف التوحيد وكل فضائل البشر بسبب قوة التوحيد

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

 

( سورة الأنبياء )

فإذا أردت أن تضغط الدين كله بكلمتين كلمة تتعلق بالاعتقاد ، وكلمة تتعلق بالعمل ، والإنسان عقل يعتقد وجوارح تتحرك ، فلذلك قد يسأل سائل ما علاقة التوحيد بمكارم الأخلاق ؟ كما تفضلت ، أنا أرى وأرجو أن أكون على صواب ما من خطأ يرتكبه الإنسان في حياته إلا بسبب ضعف توحيده ، فالإنسان إذا أيقن أنه لا إله إلا الله بمعنى أنه لا معطي إلا الله ، ولا مانع إلا الله ، ولا رافع إلا الله ، ولا خافض إلا الله ، ولا معز إلا الله ، ولا مذل إلا الله ، حينما ترى أن الأمر كله بيد الله يستحيل أن ينافق الإنسان ، يستحيل أن يرائي ، يستحيل أن يجبن ، يستحيل أن يبخل ، كل مخازي البشر بسبب ضعف التوحيد وكل فضائل البشر بسبب قوة التوحيد ، وإذا كان من اعتقاد يتعلق بكل مكارم الأخلاق ، وإذا كان من اعتقاد يتعلق بكل سقطات البشر إنه التوحيد .

 

التوحيد أخطر موضوع في حياة المؤمن :

التوحيد أخطر موضوع في حياة المؤمن
لمجرد أن تعتقد أن هذا الأمر بيد هذه الجهة أضرب مثلاً ، تريد أن تسافر ، تريد تأشيرة خروج لبلد معين ، قال لك أحدهم : هذه التأشيرة لا يمكن أن تمنح إلا من المدير العام ، الدائرة فيها أربعة طوابق فيها خمسمئة موظف على رأسهم المدير العام ، هل يمكن إذا اعتقدت يقيناً أن هذه التأشيرة لا تأخذها إلا من المدير العام أن تبذل ماء وجهك لغيره ؟ أن تتملق غيره ، أن ترجو غيره ، أن تخاف من غيره ؟ إطلاقاً ، لذلك موضوع التوحيد أخطر موضوع في حياة المؤمن ، إنك إن عرفت الله توجهت إليه واعتمدت عليه وتوكلت عليه ورجوت ما عنده وخفت من عقابه ، ولا تجد إنساناً يعصي إلا لضعف توحيده ، قد يعصي من أجل أن يأكل مالاً حراماً ، ما عرف أن الله هو الرزاق ، وأنه لو ترك هذا المال الحرام لأرسل الله له أضعافاً مضاعفة من المال الحلال .

(( وما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))

[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

ارتباط التوحيد بسلوك الإنسان :

ارتباط التوحيد بسلوك الإنسان
إذاً التوحيد يرتبط بالسلوك ، السلوك حركة يسبقه تصور ، هذا الذي يسرق لماذا يسرق ؟ يظن أنه يأخذ مالاً وفيراً بجهد قليل ولا يدخل الله في حساباته أن الله سيعاقبه ، وسوف يقبض عليه ، وسوف يذل ، وسوف يحاكم ، وسوف يسجن ، ما رأى أن الله هو الفعال ، هو الذي يصرف شؤون العباد ، ما من إنسان يعصي الله إلا ويتوهم أن الله لا يحاسبه أو أن الله لا يعلم ، مع أن أصل الاستقامة مبني على أن توقن أن الله يعلم وأن الله سيعاقب :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

( سورة الأنبياء )

 

علة خلق السماوات والأرض أن نعلم :

عندما توقن أن علم الله يطولك وأن قدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه

 

 

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا (12)﴾

 

( سورة الطلاق)

علة خلق السماوات والأرض أن نعلم :

 

﴿ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾

( سورة الطلاق الآية : 12 )

لمجرد أن تعلم أن علم الله يطولك وأن قدرته يطولك لا يمكن أن تعصيه ، لمجرد أن توقن أن علم الله يطولك وأن قدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه ، أنت لست مع خالق الأكوان أنت مع إنسان قوي إذا كان لديه نظام دقيق بحيث يكشف كل المخالفات ولا يرحم أحداً فرضاً ، لا يمكن أن تعصي إنساناً قوياً علمه يطولك وقدرته تطولك فكيف بخالق الأكوان ؟ إذاً حينما نقول التوحيد موضوع ضمن موضوع مكارم الأخلاق لأن كل مكارم الأخلاق وكل الدنايا في الأخلاق مبعثها إلى قوة التوحيد أو ضعف التوحيد .
الأستاذ عدنان :
دكتور بهذه الحالة أستطيع أن أقول إن للتوحيد في ذات الإنسان مستويان إذ إن الإنسان في بعض الأحيان من خلال خوفه من الله عز وجل ، من توحيده لله تعالى يتجنب فعل السوء ، وأحياناً الإنسان نفسه يرتكب سوءاً آخر ، وتارة يقبل على السوء بدرجة أعظم ، وتارة يتراجع تراجعاً كلياً ، مرد هذه الناحية في ذات الإنسان هل هي نقص في التوحيد ؟ مستوياته إذاً .

 

مستويات التوحيد :

التوحيد هو الدين كله فبتوحيدك تتوحد وجهتك ومقصدك وعملك

 

الدكتور راتب :
مستويات التوحيد أنت حينما تؤمن أنه لا إله إلا الله ، هذه كلمة الإسلام الأولى ومعنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله ، ليس هناك جهة يمكن أن تعتمد عليها إلا الله ، وأن تخاف منها إلا الله ، وأن تعلق عليها الآمال إلا الله ، وأن ترجو رحمتها إلا الله ، وأن تخشى عقابها إلا الله ، أنت حينما توحد تتوحد وجهتك ، وحينما توحد يتوحد مقصدك ، وحينما توحد يتوحد عملك ، لذلك التوحيد هو الدين كله ، أستاذ عدنان كل إنسان يرى أن لهذا الكون خالقاً هذا إيمان لكن لا يقدم ولا يؤخر ، لأن إبليس آمن هذا الإيمان ، لكن حينما ترى أن الله فعال ، العالم الغربي يتوهمون أن الله خلاق فقط ليس فعالاً لذلك لا يدخلون الله في حساباتهم إطلاقاً ثم يفاجئون بالدمار والهلاك يرقى العمل بقوة التوحيد ويضعف العمل بضعف التوحيد
أما المؤمن يرى أن الله فعال ، الله عز وجل يقول : فعال لما يريد .
أنت تريد وأنا أريد ، والله يفعل ما يريد ، في بعض الآثار القدسية : خلقت لك السماوات والأرض ولم أعيَ بخلقهن أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين ، وعزتي وجلالي إن لم ترض بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي وكنت عندي مذموماً ، أنت تريد ، وأنا أريد ، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد.
أنت حينما تؤمن أن الله فعال لما يريد يختلف الوضع اختلافاً كلياً ، إذاً يرقى العمل بقوة التوحيد ، يضعف العمل بضعف التوحيد.

 

 

آيات التوحيد كثيرة منها :

 

لكن التوحيد له آيات كثيرة مثلاً :

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ َاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

( سورة هود الآية : 123 )

ما أمرك أن تعبده إلا بعد أن طمأنك :

 

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ َاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

( سورة هود الآية : 123 )

أن تقول الأمر بيد فلان أو علان أو الطاغية الفلاني أو الجهة البعيدة عنا تفعل ما تريد ، ليس في الكون إلا الله وعلاقتك مع الله هي الأصل في سلامتك وسعادتك ، فالتوحيد ينقل الناس من وحل الشرك إلى صفاء التوحيد ، من الخوف والقلق إلى الأمن ، من الضياع إلى الوجدان ، من الحيرة إلى اليقين ، الدين كله توحيد ، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد :

 

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ َاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾

( سورة هود الآية : 123 )

﴿ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴾

( سورة الكهف )

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

( سورة الزخرف الآية :84 )

هذه آيات التوحيد :

 

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة هود )

التوحيد يجعل الإنسان قوياً ، يجعله شجاعاً ، يجعله صريحاً ، يجعله جريئاً ، يجعله معطاءً ، يجعله كريماً ، كل مكارم الأخلاق التوحيد أساسها .
الأستاذ عدنان :
دكتور إذا أردنا من خلال هذا الشرح أن نستخلص تعريفاً للتوحيد .

 

تعريف التوحيد :

الدكتور راتب :
كلمة الإسلام الأولى :

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (19)﴾

( سورة محمد )

المؤمن قوة شخصيته تأتي من علاقته بالله ولا يقبل أن يكون لغير الله
يعني مع الشرح ذكرته عدة مرات ، لا رافع ولا خافض ، ولا معز ولا مذل إلا الله ، وأنه لا معطي ولا مانع إلا الله ، أنت في الدنيا حينما تعتقد أن كل مصالحك مع هذه الجهة تتجه إليها ولا تعبأ بغيرها ، فلذلك المؤمن قوة شخصيته تأتي من هذا الموضوع هو علاقته بالله ولا يقبل أن يكون لغير الله ، ولا يقبل أن يجير بالتعبير المصرفي لغير الله ، ولا يقبل أن يكون تابعاً لغير الله ، هو لله ، حينما يكون تابعاً لغير الله يحتقر نفسه ، أستاذ عدنان الإنسان أحياناً يرفض شيئاً لازدرائه عرضوا عليك بيتاً صغيراً وسعره غال أرفضه ، تجارة متعبة ودخلها قليل ، سفر مضني الثمرة قليلة ، أنت في معظم الأحيان ترفض الشيء ازدراء له أما إذا رفض الإيمان والتوحيد يحتقر نفسه ، قال تعالى :

 

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ (130)﴾

( سورة البقرة )

الخير بيد الله وحده :

الإنسان بالتوحيد إنسان قوي ومتفائل فالخير كله بيد الله
أنت بالتوحيد إنسان قوي ، إنسان متوازن ، إنسان متفائل ، الإنسان إذا بعد عن التوحيد وسمع الأخبار المؤلمة يبرك لا يقوى على أن يقف ، من أين يأتي التشاؤم ؟ من ضعف التوحيد ، لأن الله عز وجل بيده الخير :

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 26 )

فالخير وحده بيد الله .
الأستاذ عدنان :
دكتور أنا إن قلت إن الفطرة ، فطرة الإنسان التي خلق الله الناس عليها تدعو إلى الإيمان بالله ، تدعو إلى توحيد الله ، هذه الفطرة هل تكفي وحدها لتكون من لوازم التوحيد أم لا بد معها مثلاً من العلم عن الله عز وجل ، من التفكر في الكون ، من إلى آخره ؟

 

الفطرة و العلم من لوازم التوحيد في مجتمع تكثر فيه الفتن و الشبهات :

الدكتور راتب :
الفطرة و العلم من لوازم التوحيد في مجتمع تكثر فيه الفتن
الفطرة تكفي لمجتمع سليم معافى من الشبهات والشهوات ، أما إذا كثرت الضلالات والشبهات حول الدين ، وكثرت الفتن وكانت يقظة عندئذ لا تكفي الفطرة لا بد من العلم ، لذلك من دقائق التوحيد أن يعبد الله فلا يجحد ، أن يشكر فلا يكفر ، أن يطاع فلا يعصى ، هذه من دقائق التوحيد .
يوجد نقطة دقيقة قال معاذ : كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ فَقَالَ :

(( يَا مُعَاذُ ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ؟ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَم))

ُ من أسلوب النبي الحوار ، التشويق ، النبي معلم ، إنما بعثت معلماً هو سيد المربين وإمام المعلمين :

(( يَا مُعَاذُ ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ؟ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ... ))

[ متفق عليه عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

التوحيد أحد أكبر لوازم الإيمان
أنت حينما توحد وحينما تطيع ، الدين كله توحيد وطاعة ، ألا ترى مع الله أحد ، الكلام سهل أما كتطبيق يحتاج إلى جهد كبير ، أحياناً يقول لك الضغط ثمانية ، اثني عشر ، هذا مثالي لكن حتى يكون الضغط بهذه الدرجات يحتاج إلى رياضة ، إلى ضبط طعام ، الكلام سهل أما التطبيق يحتاج إلى جهد كبير ، ألا ترى مع الله أحد ، كفكرة سهلة جداً ، أما كتطبيق تحتاج إلى إيمان ، تحتاج إلى تفكر في خلق السماوات والأرض ، تحتاج إلى تلاوة القرآن ، تحتاج إلى استقامة ، تحتاج إلى عمل صالح من أجل أن تصل إلى التوحيد لأنه نهاية العلم ، كل جهود المؤمن ، كل جهاده بنفسه وهواه ، كل طاعته لله ، كل عمله الصالح قد يقوده في النهاية إلى مستوى يليق به من التوحيد ، لذلك التوحيد أحد أكبر لوازم الإيمان ، أنت مؤمن أي موحد .
الأستاذ عدنان :
دكتور أنت قلت من لوازم التوحيد العلم ، أن يكون الإنسان عابداً لله إلى آخره ، ما هي الدوافع التي يستطيع من خلالها الإنسان أن يطبق هذه المظاهر أو هذه اللوازم ؟

 

الدوافع التي يستطيع الإنسان من خلالها أن يطبق لوازم التوحيد :

الدكتور راتب :
نحن أحياناً الأشياء نقسمها تقسيماً مدرسياً أما هي متداخلة ، التفكر في خلق السماوات والأرض أحد طرق التوحيد ، الآن الاتصال بالله أحد طرق التوحيد ، لما الإنسان يتصل بالله يشعر بأمن ، أحياناً العمل الصالح يعطي للتوحيد دفعة قوية الدوافع لبلوغ التوحيد عديدة ومتداخلة ويمكن تقسيمها
الأمور كلها متداخلة ولكن نحن نقسمها تقسيماً مدرسياً ، لكن لو أنني أردت أن أذكر لوازم التوحيد الدقيقة ألا يتخذ الإنسان من دون الله رباً ، الرب هو المربي ، هو الممد ، هو المعطي ، هو المعالج والمعاقب أحياناً ، فأنت حينما تتجه لغير الله ليتولى تربيتك وقعت في الشرك .
الأستاذ عدنان :
دكتور الحقيقة مظاهر التوحيد عديدة لكن اللوازم التي يجب أن تكون وبعد ذلك النتائج والثمار .

من لوازم التوحيد :

1 – ألا يتخذ الإنسان من دون الله رباً :

الدكتور راتب :
نعم الحقيقة ألا يتخذ الإنسان من دون الله رباً :

من لوازم التوحيد ألا يتخذ الإنسان من دون الله رباً

 

﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا (114)﴾

 

( سورة الأنعام )

هو العليم ، هو الحكيم ، هو القوي ، هو الغني ، هو الرحيم ، هو الفعال لما يريد ، هو معك يسمعك في كل وقت ، لذلك ألا يتخذ الإنسان من دون الله رباً ، الحمد لله رب العالمين ، من لوازم التوحيد ألا يتخذ من دونه ولياً يعود إليه عند المشكلة :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30)نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31)﴾

( سورة فصلت )

من اشتكى إلى مؤمن فكأنما اشتكى إلى الله ، ومن اشتكى إلى غير المؤمن فكأنما اشتكى على الله ، فالمؤمن يتخذ ربه ولياً ، يعود إلى منهجه ، يعود إلى كتابه ، يعود إلى سنة نبيه ، يسأل نفسه أين الخلل ؟

2 ـ ألا يتخذ الإنسان من دون الله حكماً :

ومن لوازم التوحيد ألا يتخذ الإنسان من دون الله حكماً ، ينبغي أن يحتكم لشرع الله ، لذلك :

 

﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا (114)﴾

( سورة الأنعام )

من لوازم التوحيد ألا يتخذ الإنسان من دون الله حكماً
لوازم التوحيد أن يتخذ الله رباً وولياً وحكماً .
الأستاذ عدنان :
الآن ثماره .

 

ثمار التوحيد :

1 – الشخصية المتوازنة :

من ثمار التوحيد الشخصية المتوازنة

 

الدكتور راتب :
الحقيقة أول ثمار التوحيد الشخصية المتوازنة ، ما فيها انهيارات ، ما فيها اختلال توازن ، ما فيها قلق قاتل ، ما فيها يأس قاتل ، ما فيها تفاؤل أبله ، التوحيد يعطي الإنسان شخصية متوازنة ، يعرف مراكز القوى كلها بيد الله ، يعرف أن أعداءه بيد الله ، أصدقاءه بيد الله ، من فوقه بيد الله ، من دونه بيد الله ، من حوله بيد الله ، صحته بيد الله ، علاقته بزوجته بيد الله ، أولاده بيد الله ، فأنت حينما تتوجه إلى جهة واحدة ترتاح نفسك .

 

(( مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ ))

[ ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]

اعمل لوجه واحد يكفك الهموم كلها ، هذا التوازن .

2 ـ الأمن :

الأمن أعظم ثمار التوحيد :

 

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾

( سورة الأنعام )

الأمن أعظم ثمار التوحيد
أنت من خوف الفقر في فقر ، قد يكون الإنسان أكبر الأغنياء لأنه يخشى الفقر هو فقير ، ومن خوف المرض في مرض ، وتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها .
التوحيد مصدر قوة الأقوياء موحدون ، الأقوياء باعتمادهم على قوتهم المادية قلبهم امتلأ خوفاً وفزعاً ولو كانوا أقوياء :

 

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ ﴾

( سورة آل عمران الراية : 151 )

3 ـ القوة :

أما المؤمن قوي لأنه يعتمد على الله يرى أن القوة العظمى في الكون معه :

 

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا (48)﴾

( سورة الطور)

أحد ثمار التوحيد القوة .

4 ـ الأخوة الإنسانية :

أحد ثمار التوحيد الأخوة الإنسانية ، أنت حينما توحد ما عاد في إله من البشر يعبد من دون الله الأخوة الإنسانية إحدى ثمار التوحيد
كلنا عبيد والله فوق الخلق ، لذلك الأخوة الإنسانية الحقيقية تحتاج إلى توحيد ، أما الأقوياء حينما يستذلون الضعفاء والأغنياء ، حينما يذلون الفقراء ما عاد في أخوة إنسانية ، أما حينما ترى أن الأمر بيد الله ، الغنى من عند الله ، الرزق من عند الله ، القوة من عند الله تنقطع العلائق مع الخلق وتتصل بالحق ، هذا هو التوحيد
الأستاذ عدنان :
وعندما تتصل بالحق يرى الإنسان نفسه أنه كغيره في الإنسانية .
الدكتور راتب :
وحينما أقول التوحيد جعلت الدين كله في هذه الكلمة ، ولذلك حينما نقول الإسلام لا إله إلا الله توحيد ، محمد رسول الله منهج :

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

( سورة الأنبياء )

الثمار السلبية :

1 – بالتوحيد ينتفي الحقد و القهر والندم :

الآن في ثمار سلبية ، بالتوحيد ينتفي الحقد ، بالتوحيد ينتفي القهر ، بالتوحيد ينتفي الندم ، لكل شيء حقيقة ، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وحمدته في السراء والضراء .

2 – بالتوحيد ينتفي الأسف :

بالتوحيد ينتفي الأسف سيدنا الصديق ما ندم على شيء فاته من الدنيا قط .

3 – بالتوحيد تنتهي كلمة لو:

بالتوحيد تنتهي كلمة لو ، لا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل قدر الله و ما شاء فعل فإن كلمة لو تفتح عمل الشيطان .
الموحد سعيد ، الموحد في سلام مع ربه ومع نفسه ومع الخلق ، الموحد ممدوح عند الله وعند الخلق وعند نفسه ، الموحد متوازن .
الأستاذ عدنان :
بالتوحيد تنتفي كل الثمار السلبيه بحياة الانسان
دكتور هذا التوحيد فعلاً من خلاله يسمو الإنسان ، ويعلم أن علاقته بربه وبقية المخلوقات هم عبيد مثله يوحدون الله عز وجل ، ومن خلال الإعجازات العلمية في الخلق ومن خلال ما تطلعونا عليه ، يمكن أن نتابع موحدين أيضاً لله تعالى .

 

رعي الحيوانات صغارها و الاهتمام بهم برحمة و تضحية نادرتين :

الدكتور راتب :
ترعي الفيلة صغارها وتهتم بهم برحمة وتضحية نادرتين
سوف نرى مشهداً رائعاً في إحدى مراعي كينيا الحارة ، خرج قطيع الفيلة الوحيد في المنطقة للتنزه اليومي لإيجاد الطعام ، قائد القطيع الفيلة الأنثى ، هذه القائدة التي نشاهدها في يوم من أيام الصيف تضع الفيلة مولوداً جديداً ، لا يختلف هذا الفيل الصغير المحبوب الذي ولد منذ ساعات فقط عن أمه أبداً إلا بالحجم فقط ، غير أن هناك مشكلة مهمة جداً يصعب على الصغير الوقوف لوجود شيء في قوائمه الأمامية ، والقوائم الأمامية للفيل مثنية نحو الداخل ولذلك لا يستطيع الوقوف ، المشاهدون في المنطقة يعتقدون موت الصغير حتماً ، تترك الأم قطيع الفيلة في اليوم التالي لوجود مشكلات صحية للصغير و، لا تستطيع قيادة القطيع أكثر من ذلك ، ولا بد أن يستمر القطيع برحلته للبحث عن الطعام ، فالتحاق الصغير العاجز بالقطيع مستحيل ، الأخت الكبرى مضطرة للذهاب مع القطيع إذا أرادت البقاء على قيد الحياة إلا أنها تقع في مأزق كبير الصبر والدعم الرائع للفيلة الأم تعطى لمولودها الفرصة للعيش
تحاول الفيلة الأم أن ترفع صغيرها من الأرض بخرطومها وتؤمن له الوقوف على قدميه ، في النهاية تستسلم الأخت الكبرى وتبدأ بالمشي شيئاً فشيئاً للالتحاق بالقطيع ، لكنها تجاه خيارين صعبين تقف وتنظر خلفها ، الفيلة الأم لاتزال تحاول إلى الآن مساعدة الصغير ورفعه على قدميه ، فجأة تطلق الأخت الكبرى صرخة كبيرة وتسرع نحو أمها وأخيها العاجز ، تضع الموت بين عينيها ولا تفارق أمها وأخاها أبداً ، في اليوم التالي لا تزال الأم والأخت الكبيرة إلى جانب الصغير العاجز حتى الآن فالصغير الذي يتألم بكل خطوة لا تتركه أمه وأخته الرحيمة المضحية ، يبدو موت الصغير حتى الآن محققاً في نهاية اليوم الثالث تتحقق حادثة مثيرة تبدأ أرجل الصغير بكسب التمطط شيئاً فشيئاً ، حاول الاستقامة على قدميه تحت إشراف أمه ، ويستمر بالتجربة دون ملل أو استسلام ، في النهاية يقف على قدميه لحظة ثم يركض على ركبتيه مرة أخرى ويكرر ذلك ، وفي نهاية اليوم الرابع يستطيع الصغير الوقوف على قدميه ، الصبر الرائع للأم والأخت ومحبتهما وحنانهما أعطى الفيل الصغير الوقت في الدعم الذي احتاج إليه للبقاء على قيد الحياة ، فحين يرى بعض التطوريين وجوب قتل الأطفال العاجزين لضرورة التطور ترعى الحيوانات في الطبيعة صغارها وتهتم بها برحمة و تضحية نادرتين .

خاتمة وتوديع :

الأستاذ عدنان :
نوحدك يا رب توحيد ألوهية وتوحيد ربوبية ، في ختام هذا اللقاء كل الشكر لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين ، وكل الشكر أيضاً للأخوة المشاهدين .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018