مكارم الأخلاق - الندوة : 19 - السكينة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠21برنامج مكارم الأخلاق - قناة انفنيتي
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مكارم الأخلاق - الندوة : 19 - السكينة


2008-03-20

مقدمة :

بسم الله الرحمن الرحيم ، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، أيها الأخوة والأخوات ، السلام عليكم ورحمة الله ، وأرحب بكم في برنامج : "مكارم الأخلاق" وباسمكم أرحب بفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين ، أهلاً ومرحباً بكم دكتور .
الدكتور راتب :
بكم أستاذ عدنان جزاك الله خيراً .
الأستاذ عدنان :
اللهم يا رب هب لنا السكينة ، موضوعنا السكينة ، فالسكينة هدوء في النفس والأعصاب وارتياح ، وكل ما في هذه الكلمات من معنى ، وحتى لا أقول عن السكينة كلمات مترابطة أترك تعريفها ضمن المعنى الاصطلاحي لكم.

 

طريق السكينة طريق واحد وهو ذكر الله والإقبال عليه :

الدكتور راتب :
طريق السكينة طريق واحد وهو ذكر الله والإقبال عليه
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، أستاذ عدنان على وجه الأرض ستة آلاف مليون من بني البشر ، ما منهم واحد إلا ويبحث عن سلامته وسعادته ، والسعادة محلها القلب ، فالقلب قد يشعر بسعادة يطير من خلالها ، وقد يشعر بضيق يدفع نفسه إلى الموت انتحاراً من شدة الضيق ، فهذا القلب موطن السعادة والشقاء ، موطن الرضا والسخط ، موطن الحب والكراهية ، السكينة مصطلح قرآني في أدق تعاريفها ما يجده القلب من طمأنينة ، قال تعالى :

﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

( سورة الرعد الآية : 28 )

أي طريق السكينة طريق واحد ، أن تذكر الله ، أن تقبل عليه ، أن تتوكل عليه ، لأنه وحده المعطي ، المانع ، الرافع ، الخافض ، المعز ، المذل ، مصدر السكينة اتصالك بالله:

﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

( سورة الرعد الآية : 28 )

السكينة أحد أكبر ثمرات الإيمان بالله عز وجل :

الحقيقة الإنسان إذا أعرض عن الله ضاق قلبه ، وشعر بالاضطراب ، وشعر بالقلق ، وشعر بالخوف ، وأصبح وضعه مرضياً السكينة أحد أكبر ثمرات الإيمان بالله عز وجل
الصحة النفسية أن تتصل بالله ، فلذلك بين المؤمن الذي اتصل بالله وهو يشعر بالسكينة ، وبين الذي شرد عن الله وانقطع عنه فامتلأ قلبه قلقاً ، و ضيقاً ، وإحباطاً ، مسافة كبيرة جداً ، الحقيقة السكينة ـ وهذا من أخطر ما يقال فيها ـ يسعد بها الإنسان ولو فقد كل شيء ، وجدها أهل الكهف بالكهف ، كانوا في القصور ، وجدها سيدنا يونس في بطن الحوت ، وجدها النبي عليه الصلاة والسلام في الغار :

﴿ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾

( سورة التوبة )

قد يجدها الإنسان في أصعب ظروف حياته ، وقد يفتقدها وهو في قمة الدنيا ، في قمة البحبوحة ، في قمة المال ، في قمة القوة ، شيء عجيب كما أن الحكمة أحد أكبر ثمرات الإيمان كذلك السكينة أحد أكبر ثمرات الإيمان ، هي سعادة الإنسان بربه ، هي شعوره أنه في حمى الله عز وجل ، في عين الله عز وجل .

 

الإنسان يسعد بالسكينة ولو فقد كل شيء ويشقى بفقدها ولو ملك كل شيء :

النقطة الدقيقة قد يجد الإنسان السكينة وهو في السجن ، كما وجدها سيدنا يوسف، وفي الغار كما وجدها النبي عليه الصلاة والسلام ، وفي النار كما وجدها إبراهيم عليه السلام:

﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

( سورة الأنبياء الآية : 69)

الإنسان يسعد بالسكينة ولو فقد كل شيء ويشقى بفقدها ولو ملك كل شيء
وقد يفتقدها وهو في أفخر بيت ، وفي أرفه مركبة ، وفي أجمل حديقة ، إذاً يسعد بها الإنسان ولو فقد كل شيء ، ويشقى بفقدها ولو ملك كل شيء ، هذا الذي قاله بعض العارفين بالله : "لو يعلم الملوك ما نحن عليه من السعادة والسكينة لقاتلونا عليها" .
عطاء الله قد يكون مرئياً ، وقد يكون غير مرئي ، الله عز وجل يعطي الصحة ، يعطي زواجاً سعيداً ، يعطي مالاً تشتري به بيتاً ، يعطيك أحياناً شيئاً لا يرى بالعين ، يعطيك طمأنينةً ، يعطيك توازناً ، يعطيك حكمة ، السكينة أحد ثمرات الإيمان الكبيرة التي يهبها الله لعبده المؤمن ، لأنها جزاء استقامته ، وإقباله ، وإحسانه للخلق .
الأستاذ عدنان :
دكتور لعل تعريف السكينة من خلال اللغة يعطينا شيئاً يترافق مع هذا المعنى الاصطلاحي الذي ذكرتموه ، فمثلاً كلمة مسكناً ، كلمة بيت ، منزل ، مقطن ، وما إلى ذلك ، كان العرب في القديم يطلقون كلمة بيت على المكان الذي يكون للمبيت ، الدار هي التي في شكلها الخارجي مدورة ، مسكن للذي يسكن فيجد الراحة الكاملة فيه ، منزل للذي ينزل في مكان من سفر ، إذاً موضوع السكينة موضوع يدل على خصوصية في الراحة الكاملة لهذا الإنسان .

 

السكينة من السكون والسكون من الطمأنينة والطمأنينة من السعادة :

السكينة شيء يمكن أن يذوقه المؤمن لمجرد أنه اصطلح مع الله
الدكتور راتب :
يدل على السكون ، الإنسان حينما يضطرب يتحرك ، يتحرك حركة عشوائية ، أما حينما يسعد يسكن ، فكأن السكينة والسكون من أصل واحد ، الحقيقة أن السكينة شيء يمكن أن يذوقه المؤمن لمجرد أنه اصطلح مع الله ، إذا رجع العبد إلى الله ، نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله .
بل إن الله عز وجل ذكر في معرض آياته الدالة على عظمته في الزواج قال تعالى :

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة الشورى الآية : 29 )

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾

( سورة فصلت الآية : 37 )

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾

( سورة الروم الآية : 21 )

الزوجان يشعران بالسكينة لأن كل طرف مفتقر إلى ما عند الطرف الآخر
فكيف يسكن الرجل إلى زوجته ؟ لأنه يكمل نقصه بها ، يكمل نقصه العاطفي بها، وكيف تسكن هي إلى زوجها لأنها تكمل نقصها القيادي به ، إذاً الزوجان يحسان بالسكينة لأن كل طرف مفتقر إلى ما عند الطرف الآخر ، إذاً السكينة من السكون ، والسكون من الطمأنينة ، والطمأنينة من السعادة ، ولا سعادة إلا بالاتصال بالله ، والدليل قول الله عز وجل:

﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

( سورة الرعد الآية : 28 )

والسكينة طمأنينة القلب .
الأستاذ عدنان :
دكتور في قوله تعالى :

﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ﴾

(سورة الفتح الآية : 4)

الإيمان وذكر الله يزيد السكينة في قلب المؤمن
إلى جانب :

﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

( سورة الرعد الآية : 28 )

هذا يشير إلى أن الإيمان وذكر الله يزيد سكينة في قلوب المؤمنين ، إذاً للسكينة درجات يمكن أن نتابعها مع شرح الآية الكريمة .

 

أنواع الهداية :

الدكتور راتب :
هداية الله أنواع هي هداية المصالح وهداية الوحي وهداية التوفيق
بادئ ذي بدء ، هداية الله أنواع عديدة ، من أنواعها هداية المصالح ، أعطانا الله عز وجل سمعاً ، وبصراً ، وفكراً ، وتوازناً ، وآليات معقدة جداً من أجل ضمان سلامتنا ، هذه الهداية الأولى لكل الخلق ، تشمل الكائنات كلها ، لكن هناك هداية الوحي ، الله عز وجل أوحى إلى أنبيائه كتباً من أجل هداية الخلق ، الهداية الثالثة : هداية التوفيق ، الإنسان حينما يختار منهج الله ، حينما يختار طاعة الله ، يعنيه الله على اختياره ، هذه :

﴿ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ﴾

﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)﴾

( سورة الكهف)

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾

( سورة العنكبوت الآية : 69 )

السكينة تزيد الإيمان قوة :

لمجرد أن تتخذ قراراً بالتوبة ، أو بالصلح مع الله بالتعبير المعاصر ، أو بطاعة الله ، أو باتباع منهج الله ، تأتي عناية الله فتسهل لك تنفيذ هذا القرار ، تحبب الإيمان إلى قلب المؤمن ، تبغض إليه الكفر ، والفسوق ، والعصيان السكينة تزيد الإيمان قوة
هذه معاونة الله عز وجل ، إنهم فتية اتخذوا قراراً بالإيمان ، هذا من عندهم ، من عند الله وزدناهم هدى ، فلذلك السكينة من نتائجها الدقيقة أنها تزيد الإيمان قوة ، الحقيقة الذي يشد الإنسان إلى الدين ليس أن الدين قدم للإنسان تصوراً دقيقاً ، وعميقاً ، ومتناسقاً للكون ، والحياة ، والإنسان ، ليس أن الدين قدم تفسيراً لكل ما تقع عليه العين ، الدين فوق ذلك يعطي الإنسان شحنة روحية ، الإنسان حينما يتصل بالله يأخذ قوة روحية ، ويرى أن الله يعامله معاملة من نوع آخر :

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

( سورة الطور الآية : 48 )

يعامله بالحفظ ، يعامله بالتأييد ، يعامله بالنصر ، إذاً هذا الذي يزيد الإيمان إيماناً، أنك حينما اتصلت بالله رأيت معاونة من الله ، أو بتعبير آخر معاملة جديدة ، هو الذي يزيد الإيمان وقد قيل : إن الدعاء المستجاب يزيد الإيمان ، أنت حينما تدعو الله ، وتعلم أن استجابة الدعاء لا تكون إلا بفعل من الله عز وجل ، ويستجيب الله لك ، تزداد ثقة بعظمة الله، وبأنه يحبك ، وبأنه يسمعك ، وبأنه ينفذ الذي ترنو إليه .

 

درجات السكينة :

1 ـ الخشوع :

على كلٍّ درجات السكينة درجات كثيرة ، أحد هذه الدرجات درجة الخشوع في الصلاة ، الخشوع في الصلاة ليس من فضائلها بل من فرائضها :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

( سورة المؤمنون الآية : 2 )

الخشوع في الصلاة من درجات السكينة
أنك تقف بين يدي الله عز وجل ، لكن الذي له معاص وآثام محجوب عن الله ولو توضأ ، ووقف ، وركع ، وسجد ، إذا سبق الصلاة استقامة ، وانضباطاً ، وإحسان لخلق ، عندئذ يستطيع إذا وقف بين يدي الله عز وجل أن يتصل به ، وأن تتنزل على قلبه السكينة في أثناء هذا الاتصال ، وهذا هو الخشوع في الصلاة أحد درجات السكينة .

2 ـ الطمأنينة :

هناك درجة أخرى عند الاضطراب ، عند الفزع ، عند الاجتياحات ، عند الحروب ، عند المقلقات ، عند المصائب الكبيرة ، عند النوازل ، الناس ينهارون ، يفقدون وعيهم ، الآية الكريمة : الطمأنينة عند الفزع من درجات السكينة

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾

( سورة الحج الآية :2 )

والله أعرف أستاذ عدنان امرأة أصاب بلدتها زلزال ، فحملت وليدها الرضيع وانطلقت خارج البيت من شدة فزعها ، فلما وصلت إلى الطريق لم يكن الذي حملته وليدها .
الأستاذ عدنان :
هل كانت وسادة ؟
الدكتور راتب :
لا ، حذاء زوجها :

﴿ وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾

فالمؤمن عند الشدائد ، عند الأزمات ، عند النوازل ، تأتي السكينة فتثبته ، يكون هادئاً مطمئناً هذه الدرجة الثانية ، درجة في الصلاة هي الخشوع ، ودرجة في النوازل والنكبات هي الطمأنينة .

3 ـ الرضا بما قسم الله لك :

ولها مرتبة أخرى الإنسان أعطاه الله وجوداً ، أعطاه الله لهذا الوجود خصائص وصفة ، فالإنسان له شكل معين ، له إمكانات معينة ، ولد من أسرة معينة ، في بيت معين ، في مكان معين ، في زمان معين ، في مستوى طبقي معين ، قد يولد فقيراً الرضا بما قسم الله لنا من درجات السكينة
قد يولد غنياً ، هذا واقع الإنسان ، السكينة حيال هذا الواقع الرضا بما قسمه الله لك ، ليس معنى الرضا أن تقعد عن طلب المزيد ، لا ، أما حينما تبذل قصارى جهدك لكي ترقى بمستواك ثم لا تستطيع ارضَ عن الله ، فالسكينة إحدى درجاتها الخشوع في الصلاة ، وإحدى درجاتها الطمأنينة في أثناء النوازل والنكبات ، وإحدى درجاتها حينما ترضى بما قسم الله لك .
إنسان كان يطوف حول الكعبة يقول : يا رب ، هل أنت راضٍ عني ؟ كان الإمام الشافعي يمشي وراءه ، قال له : " يا هذا ، هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك ؟ قال له: سبحان الله ! من أنت ؟ قال : أنا محمد بن إدريس ، قال : كيف أرضى عن الله وأنا أتمنى رضاه ؟! قال : إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله " .
الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين . فلذلك درجات السكينة كما ذكر .
الأستاذ عدنان :
دكتور ما شرح الآية الكريمة :

﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ ﴾

السكينة محلها القلب :

الدكتور راتب :
السكينة محلها القلب
الحقيقة أن الله عز وجل من قوله

﴿هُوَ﴾

أي أن السكينة بيد الله وحده ، يعطيها لعباده المؤمنين :

﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

إذاً السكينة محلها القلب ، يوجد بقلب المؤمن من الطمأنينة صدق ما لو وزع على أهل بلد لكفاهم :

﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ﴾

هو مؤمن بوجود الله ، ووحدانيته ، وكماله ، وأنه خالق هذه الأكوان ، ورب العالمين ، والمسير ، وأسماؤه حسنى ، وصفاته فضلى ، لكن كلما ألقى الله في قلب المؤمن هذه السكينة ازداد سعادة بالله ، وازداد معرفة به ، وازداد قرباً منه ، وازداد طاعة له :

﴿ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ﴾

الأستاذ عدنان :
دكتور من الممكن في بعض الأحيان أن يسعى الإنسان في هذه الدنيا لتأمين حاجاته الدنيوية ، إذ يشعر بأنه لو أدى وحصل على الحاجة الفلانية سعد بها ، وأسعد أهل بيته ، هل يمكن أن تكون هذه هي السعادة فعلاً ؟

 

الفرق بين السكينة واللذة :

الدكتور راتب :
هي جزء ، ولكن السعادة المثلى كما بينتم أنها من عند الله عز وجل :

﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ ﴾

السكينة هي السعادة وتتحقق بالاتصال بالله أما اللذة فتحقق بتأمين الحاجات المادية
وليست الحاجات الدنيوية ، لكن كما قلت : يمكن أن يقول قائل : أنا عندما أؤمن حاجاتي يمكن أن أصل إلى شيء من السعادة ، هذا الكلام التعليق عليه أن هناك فرق بين السكينة أي السعادة ، وبين اللذة ، أي تأمين الحاجات المادية تحقق لذائد للإنسان ، أما تأمين اتصاله بالله ورضاه عن الله يحقق له السعادة التي هي ترادف السكينة ، فرق بين السكينة وبين اللذة ، الحاجات المادية ؛ الطعام ، والشراب ، والكساء ، والأجهزة ، والأدوات، والسيارة ، وكل وسائل الراحة في الحياة الدنيا هذه تحقق اللذائذ ، يستمتع بها الجسد ، أما هذه النفس التي بين جنبي الإنسان سعادتها بقربها من الله :

﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

( سورة الرعد الآية : 28 )

هناك حديث شريف رائع يقول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ ))

[ أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

الإنسان عندما يحضر مجلس علم قد يكون الجلوس على الأرض وليس هناك ضيافة إطلاقاً .
الأستاذ عدنان :
ضيافة قلبية .

 

الرحمة مطلق عطاء الله تبدأ من الصحة وتنتهي بالرفعة :

الدكتور راتب :
نعم لكن الله عز وجل يكافئ هؤلاء الذين تجشموا ، وحضروا مجلس العلم ، وجلسوا على ركبهم ، يعطيهم عطاءً قد لا يرى بالعين ، هذا العطاء كما قال النبي عليه الصلاة والسلام :

(( إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ ))

يقول لك : والله سعدنا بهذا اللقاء ، سعدنا بهذا الدرس ، نحن في قمة السعادة :

(( وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ ))

الرحمة مطلق عطاء الله ، تبدأ من الصحة وتنتهي بالرفعة ، مطلق عطاء الله :

(( وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ))

أي ألهمتهم الخير واستجابوا لهذه الإلهامات ،

(( وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ))

أنت حينما تذكر الله بين الناس يذكرك الله فيمن عنده أي :

﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

( سورة الشرح الآية : 4)

﴿ أَلَم نَشْرَح لَكَ صَدْرَك وَوَضَعْنَا عَنْك وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

( سورة الشرح الآيات : 1-4)

كل مؤمن بحسب إيمانه ، واستقامته ، وإخلاصه له من هذه الآية نصيب .

(( مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ تَعَالَى يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ ، وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ))

[ أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

المؤمن متفائل يرى أن الله لا يتخلى عن عباده :

المؤمن متفائل يرى أن الله لا يتخلى عن عباده
لذلك :

(( مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ إِلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ ))

[ أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

أحاديث الدنيا ، والحسد ، والبغضاء ، و رد التهم ، والغمز ، واللمز ، والغيبة، والنميمة ، هذه مجالس الشيطان ، لذلك لا يستطيع الجالسون أن يقفوا على أقدامهم من شدة القلق ، والخوف ، واليأس ، أنت تجلس مع إنسان يملأ قلبك تفاؤلاً ، وثقة بالله ، وتجلس مع إنسان يريك المستقبل أسود اللون ، مظلماً ، لا أمل بذلك ، لذلك المؤمن متفائل ، المؤمن يرى أن الله لا يتخلى عن عباده ، ولو ضاقت بهم السبل ، لكن فرج الله قريب ، والمؤمن لا ييئس ولا يقنط من رحمة الله .
الأستاذ عدنان :
الحقيقة هذه من ثمار السكينة ، و ثمار الإيمان ، يمكن أن يجده في كل ما يدل على خلق الله عز وجل أيضاً ، تسمعوننا ونشاهد معكم في نهاية كل حلقة شيئاً من الإعجاز العلمي الذي يتصل بمخلوقات الله عز وجل .

 

عجائب القندس :

الدكتور راتب :
القنادس تبني بيوتها على الماء الجاري باستخدام جذوع الأشجار وأغصانها
نحن أمام بحيرة هذه كانت شيئاً آخر قبل أن تكون بحيرة ، كانت جدول ماء ، بل لم يكن هناك بحيرة أصلاً ، كانت حصى مفروشة على التراب الجاف ، إلا أن عمالاً نشيطين عملوا كثيراً ، وبذلوا جهداً كبيراً حتى أنشؤوا هذه البحيرة ، العمال النشيطون هؤلاء هم هذه الحيوانات المحببة التي تسمى القنادس ، مفردها قندس .
تبني القنادس بيوتها إلى جانب هذه البحيرة التي أنشأتها ، تبدأ حكاية القنادس برحلة ذكرٍ وأنثى لبناء مأوى جديد لهما .
سيبني زوجا القنادس هذان بيتهما على الماء الجاري ، إلا أنهما قبل هذا العمل يجب عليهما إيقاف جريان هذا الماء ، ولقطع هذا الجريان يستخدمان الأسلوب نفسه الذي استخدمه الناس منذ مئات السنين في إنشاء السدود ، نحن الآن نرى حيواناً هو وأنثاه يبنيان سداً ، ليجعلا هذا الجدول بحيرة ، تمهيداً لبناء بيت في هذه البحيرة .
للقنادس أنياب حادة تساعدها في قضم الأشجار لبناء بيتها
يلزم للبدء في إنشاء السد أولاً إيجاد المواد اللازمة ، إنها جذوع الأشجار وأغصانها ، تبدأ القنادس عملها بذهابها إلى غابة الأشجار قرب الماء الجاري ، وتأكل قليلاً من أوراق الأشجار التي تجدها في طريقها أولاً ، أما عملها الأساسي فهو قطع الأشجار وإسقاطها ، وتفعل هذا بقضم جذع الشجرة بمهارة ، لها أنياب حادة تقضم جذع الشجرة إلى أن تسقطها على الأرض ، ثم تجرها إلى جدول الماء وتضعها عرضاً .
الجانب المحير في الأمر أنها تقضم الأشجار بحيث أن الشجرة التي تنتهي من العمل بها تقع في اتجاه الماء ، أي آخر قضمة من مكان معين بحيث تنهار إلى جهة الماء حصراً ، فقضم الأشجار وإسقاطها في هذه المرحلة للإنشاء ، كما تقوم القنادس بعد ذلك بفرز أغصانها واحدة واحدة ، وترتيبها أمام أكبر جذعٍ أسقطته ، وتبدأ ببناء السد أمام الماء الجاري، تسحب هذه الشجرة وتسحب أغصانها ، تضعها عرضاً أمام الماء الجاري .
جميع ما استخدمته أثناء هذا العمل فمها فقط وأيديها ، بل إن أسنانها أحياناً حينما تنبري من شدة القضم تنمو لها أسنان جديدة ، لأن سلاحها الوحيد في إنشاء السد أسنانها .
تدأب على هذا العمل بصبر عجيب ، يسقط زوج القنادس في السنة أربعمئة شجرة ، أما الأشجار البعيدة عن الماء فتنسق أغصانها واحدةً واحدة ثم تجرها إلى السد الذي أنشأته .

بنية القنادس من آيات الله الدالة على عظمته :

بنية القنادس من آيات الله الدالة على عظمته
تستخدم القنادس أثناء قضم الشجرة أسنانها الأمامية ، تتآكل هذه الأسنان بسبب استخدامها الدائم وتتكسر أحياناً مع مرور الزمن ، غير أن فك القندس خلق بشكلٍ متناسبٍ مع هذا العمل ، الأسنان الأمامية الحادة كأظافر الإنسان تماماً ، تطول باستمرار وكأنها أظافر الإنسان .
الأستاذ عدنان :
أي مطلوب منها بشكل دائم أن تعمل .
الدكتور راتب :

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

( سورة طه الآيات : 49-50)

أجسام القنادس خلقت بتصميم خاص يسهل عليها السباحة في الماء
الله تعالى خالق هذا الحيوان أوجد لها أسناناً متناسبةً مع العمل الذي تقوم به ، بفضل هذا تستطيع دفع الماء بسهولة ، أما أجسام القنادس فقد خلقت بتصميمٍ خاص يسهل عليها السباحة في الماء ، لأن بيتها في الماء ، و ما بين أصابعها مغطى ، وبفضل هذا تستطيع دفع الماء بسهولة ، كأرجل البطة ، لتكون أرجلها مجدافاً ، أما ذيلها الخلفي كمجداف ضخمٍ ، وبفضل هذا تسبح في الماء بسهولة تامة .

 

تقعر السّد الذي تنشئه القنادس نحو الداخل مهارة خلقت مع القندس بقدرة الله عز وجل :

تستمر القنادس في إنشائها بعملٍ دؤوب ، وتنسق القنادس جذوع الأشجار وقطع الأغصان الصغيرة بمهارة ، وتعمل على توسيع السد مع الوقت ، وكلما ارتفع السد ترتفع معه بركة الماء ، وبعد نشاطٍ يدوم أشهراً عديدة تتكون بحيرةٌ كبيرة من خلال هذا السد السد الذي تنشئه القنادس يكون بشكل قوس مقعر نحو الداخل
إلا أنه كلما كبرت البركة يجب على القنادس تثبيت وتصليح شقوق السد ، في صيانة دائمة ، هي تضع الأشجار عرضاً ، والأغصان بين الأشجار ، والأغصان مع الأوراق ، فإذا كان هناك تسرباً للماء أو شقوق تصلحها ، وتقوم بهذه المهمة الصعبة بصبر وجَلد ، المنظر الذي يظهر نتاج تعبٍ ، تعب أشهرٍ عديدةٍ وبكلمةٍ واحدة هو إنجاز رائع ، يظهر سدٌ حقيقيٌ شبيهٌ بما يصنعه الإنسان من إعجاز الله أن القنادس تولد ولديها الخبرة على بناء السدود
إذا دققنا بصنع القنادس سدها على شكل قوسٍ مقعر إلى الداخل ، من أجل تحمل ضغط الماء ، هذا ليس شكلاً عشوائياً لأن أكثر السدود تحملاً لضغط الماء هو السد المقام بشكلٍ مقعرٍ إلى الداخل .
الأستاذ عدنان :
والآن لو صورنا سدود من الجو لوجدناها مقعرة نحو الداخل .
الدكتور راتب :
وباختصار القنادس ملهمةٌ منذ ولادتها إلى هذا الإنشاء الذي لم يصل إليه البشر إلا بعد زمنٍ طويل ، من لقنها هذه المعلومات ؟ بلا شك لا يمكن أن يكتسب كائنٌ خبرة إنشاء سدٍ كهذا مصادفةً ، ولا يمكن أن نرى سداً صمم بأفضل السبل لمقاومة الماء مصادفةً ، ولا تستطيع القنادس نقل هذه الخبرات إلى الجيل التالي لها . لا يوجد تعليم عندهم ، يولد القندس مع هذه الخبرات ، الله تعالى هو الذي وهب القنادس هذه الخبرات ، هو خالق الكائنات كلها والذي ألهمها أعمالها ، الحقيقة شيء مدهش أن الإنسان بعد التقدم ، والرقي ، والحضارة ، والجامعات ، وكليات الهندسة ، يكتشف أنه لا بدّ من سدٍّ مقعر نحو الداخل ، ويأتي حيوان أعجم معه خبرات من الله مباشرة يبني سداً بأحدث ما توصل الإنسان إليه .

خاتمة و توديع :

الأستاذ عدنان :
القباب نجدها بهذا الشكل لتكون أمتن وأقوى الجسور تحملاً على الطريقة نفسها ، فسبحان الله كيف خلق هذه العجماوات لتكون ملهمة من الله عز وجل ، وهذا ما يزيدنا سكينة وإيماناً ، فشكراً لكم .
في ختام هذا اللقاء كل الشكر لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة ، في كليات الشريعة و أصول الدين ، وكل الشكر أيضاً للأخوة المشاهدين .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018