مكارم الأخلاق - الندوة : 18 - مكانة الحكمة وأثرها في المجتمع والفرد ـ تناقض نظرية التطور مع منهج الله عز وجل - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠21برنامج مكارم الأخلاق - قناة انفنيتي
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مكارم الأخلاق - الندوة : 18 - مكانة الحكمة وأثرها في المجتمع والفرد ـ تناقض نظرية التطور مع منهج الله عز وجل


2008-03-19

مقدمة :

الأستاذ عدنان:
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أيها الأخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله، وأرحب بكم في برنامج: "مكارم الأخلاق"، وباسمكم أرحب بفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة، في كليات الشريعة وأصول الدين، أهلاً ومرحباً بكم دكتور.
الدكتور راتب:
بكم أستاذ عدنان جزاك الله خيراً.
الأستاذ عدنان:
دكتور يقول الله عز وجل في كتابه العزيز :

﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة الآية : 269 ]

وقالت العرب: "أرسل حكيماً ولا توصف"، إذاً الحكمة لها في الميدان الاجتماعي تعاملاً وصلة أثر كبير في حياة الإنسان فرداً، أو في حياته ضمن المجتمع، إذا أردنا أن نتحدث عن مكانة الحكمة وأثرها في المجتمع والفرد، فماذا يمكن أن نقول؟

 

لا يستقيم في عقيدة المؤمن أن يقع في ملك الله ما لا يريد :

الدكتور راتب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
كل شيء وقع أراده الله عز وجل
أستاذ عدنان هناك مقولة رائعة هي: كلُّ شيء وقعَ أرادهُ الله، وكلُّ شيء أراده الله وقعَ، لأنه لا يستقيم في عقيدة المؤمن أن يقع في ملك الله ما لا يريد، كلُّ شيء وقعَ أرادهُ الله، وكلُّ شيء أراده الله وقعَ، أما معنى أراده أي سمح به، الله عز وجل يريد أن يسمح ولكن لم يرضَ إن كان الشيء غير صحيح ولم يأمر، أراد ولم يأمر، أراد ولم يرض، هذه النكبات التي تقع، وقعت وسمح الله لها أن تقع، لكنه لم يأمر بها، ولم يرضَ بها، وإرادةُ الله متعلِّقةٌ بالحكمة المطلقة، هنا الشاهد، ما الحكمة المطلقة؟ أن الذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً، أن الذي وقع لو لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله، كلُّ شيء وقعَ أرادهُ الله، وكلُّ شيء أراده الله وقعَ، وإرادةُ الله متعلِّقةٌ بالحكمة المطلقة، وحكمتُه المطلقةُ متعلقةٌ بالخير المطلق، ليس في الكون شر مطلق، الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، هناك شر نسبي موظف للخير المطلق، فالحكيم هو الله، وحكمته مطلقة، والذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً، والذي وقع لو لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله، والدليل:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47) ﴾

[ سورة القصص الآية : 47]

يوجد آية أخرى :

﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134) ﴾

[ سورة طه الآية : 134]

على الإنسان أن يفهم حكمة الله فيما يجري :

إذاً الله عز وجل هو الحكيم، وكل الكون ينطق بحكمته، لكن هذه الحكمة عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها، وقد نعرفها بعد حين، فهذا يدعو إلى التفاؤل، ويبتعد بنا عن الحقد، يبتعد بنا عن اليأس، عن الإحباط، لهذا الكون إله عظيم، لا يقع شيء إلا بحكمته، وبإرادته، وبعلمه، ولذلك ينبغي أن نرد الكرة إلى ملعبنا، أن نقول: لماذا حصل الذي حصل؟ أستاذ عدنان أحياناً يتألق ضوء في لوحة البيانات في مركبتك، والعبرة أن تفهم لماذا تألق، قد نفهمه تألقاً تزيينياً فيحترق المحرك، أما إذا فهمناه تألقاً تحذيرياً نوقف المركبة، نصب الزيت، يسلم المحرك، نتابع الرحلة، إذاً ينبغي أن نفهم حكمة الله فيما يجري.

أكبر عطاء من الله لعبده المؤمن هو الحكمة :

ولكن هذا المؤمن الذي آمن بالله، واستقام على أمر الله، ما هي الثمرات لإيمانه؟ أنت قد تجد إنساناً مؤمناً يأكل، ويشرب، ويعمل، وإنساناً آخر لا يؤمن بشيء، يأكل، ويشرب، ويعمل، لابدّ من فرق جوهري بين الرجلين، الله عز وجل يمنح المؤمن الحكمة كما تفضلت:

﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة الآية : 269 ]

مثلاً: " إنّ بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوّارها هم عمّارها، فطُوبى لِعَبْد تطهّر في بيته ثمّ زارني، وحُقّ على المزور أن يُكْرم الزائر" . أنا أريد أن أفهم ما معنى أن يكرم الله عبداً؟ الأغنياء غارقون في النعم، الأغنياء غير المؤمنين غارقون في النعم، ما معنى أن يكرم الله عبده المؤمن، إن الله يعطي الصحة، والذكاء، والمال، والجمال، للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدره لأصفيائه المؤمنين، المؤمن أولى ثمار إيمانه الحكمة:

﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة الآية : 269 ]

الله عز وجل يعطي السكينة والحكمة بقدره لأصفيائه المؤمنين
الإنسان بالحكمة يسعد بزوجة من الدرجة الخامسة، ومن دون حكمة يشقى بزوجة من الدرجة الأولى، بالحكمة يجمع حوله الأصدقاء، ومن دون حكمة ينفر من حوله، بالحكمة يدبر أمره بدخل محدود، ومن دون حكمة يكون المال وبالاً عليه، لذلك أنا أرى أن أكبر عطاء من الله عز وجل من دون استثناء لعبده المؤمن هو الحكمة، بالحكمة يتعرف إلى الله، بالحكمة يؤثر طاعة الله، بالحكمة يطبق منهج الله في حياته الزوجية، بالحكمة يطبق منهج الله في كسب ماله، لذلك قال تعالى :

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

[ سورة الطلاق ]

قال بعض العلماء: من يتقِ الله في اختيار زوجته يجعل الله له مخرجاً من الشقاء الزوجي، من يتقِ الله في تربية أولاده يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم، من يتقِ الله في كسب ماله يجعل الله له مخرجاً من الغنى المطغي أو من الفقر المنسي، من يتقِ الله في معرفة ربه يجعل الله في قلبه سعادة متنامية إلى ما شاء الله، إذاً أنت حينما تتعرف إلى الله، وتتقي أن تعصيه، بل تبادر إلى عمل صالح يقربك إليه تكون حكيماً، فالحكمة ضالة المؤمن، والحكمة يتميز بها المؤمن.

 

الحكمة من المكافآت الكبرى للمؤمن من الله تعالى :

أستاذ عدنان أذكى البشر إذا انقطعوا عن خالقهم يرتكبون حماقات لا يرتكبها الحمقى، الدليل:

﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾

[ سورة محمد الآية : 1 ]

الشاردون عن الله أعمالهم في منتهى الحماقة
والله المنقطعون عن الله، الشاردون عن الله، لهم أعمال في منتهى الحماقة، في منتهى الخطأ، يخربون بيوتهم بأيديهم، يحفرون قبورهم بأيديهم، يبددون سعادتهم بأيديهم، فلذلك أكبر عطاء إلهي لهذا المؤمن أن يهبه الحكمة، والحكمة تؤتى ولا تؤخذ:

﴿ وَمَن يُؤْتَ ﴾

أي إذا انقطع الإنسان عن الله لا سبيل إلى أن يكون حكيماً، والله يجعل هذه الحكمة من المكافآت الكبرى للمؤمن، هي الحكمة أن تفعل ما ينبغي، إذا دخلنا في تعريف الحكمة: أن تفعل ما ينبغي بالقدر الذي ينبغي وبالوقت الذي ينبغي ومع من ينبغي، من الصعب أن نعطي تعريفاً جامعاً للحكمة ومانعاً، لكن مثلاً لو أردت أن أضع مفتاحاً للمصباح الكهربائي لو وضعته بمستوى سطح الأرض شيء متعب أن أنحني ليتألق المصباح، لو وضعته في أعلى الحائط شيء متعب أحتاج إلى سلم، لكن مكانه الطبيعي بارتفاع كتف الإنسان، يستخدم يده لتألق المصباح وهو واقف، لذلك كل شيء له حكمة، لو وسعنا هذا المثل بالإنفاق هناك حكمة، بتناول الطعام والشراب هناك حكمة، بالعلاقات بالآخرين هناك حكمة، بالتوازن بين العمل وبين الراحة هناك حكمة.
الأستاذ عدنان:
يمكن أن تتناقض الحكمة أحياناً في بعض ظواهرها، مثال: إنسان يريد أن ينفق في سبيل الله، ينفق ويجعل لنفسه قسماً من أمواله يصرفه على نفسه وعياله وأولاده، لكن إنساناً آخر يقول: من الحكمة أن أجعل كل شيء في سبيل الله، فينفق كل أمواله في سبيل الله، مظهران متغايران والحكمة هي المطلوبة.

 

الإسلام وسط في الدنيا والآخرة :

الدكتور راتب:
لكن نحن لنا مرجع هو القرآن الكريم، قال تعالى :

﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 195]

إن لم تنفقوا، معنى معاكس:

﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾

إن أنفقتم مالكم كله، معنى ذلك :

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (67) ﴾

[ سورة الفرقان الآية : 67]

الإسلام وسط في الدنيا والآخرة
نحن معنا مرجع دائماً الكتاب والسنة يدلنا على الصواب، الإنسان باجتهاده الشخصي قد يخطئ، لكن الله عز وجل أكرم وأجل من ألا يقبل اجتهاد مؤمن أراد القربى منه، ولكن دائماً الحق أحق أن يتبع، أنا لا أستطيع أن أنفق مالي كله ثم أجعل أهلي بحاجة إلى أشياء أساسية، مستحيل فلابدّ من أن أكون حكيماً في حركتي في الحياة، بل إن الإسلام وسطي أساسه، الإسلام وسط في الدنيا والآخرة، في الحاجات والقيم، في المبادئ والمثل العليا، فأنا حينما أتبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم النبي الكريم هو الإنسان الكامل، وقد خلق الناس ليكونوا على شاكلة هذا النبي:

(( أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))

[ البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

أنا لا أريد لإنسان أن يزايد على الدين، الدين منهج قويم، والنبي أعطى كل شيء حقه:

(( إن لربك عليك حقاً، و لنفسك عليك حقاً، و لأهلك عليك حقاً، فأعطِ لكل ذي حق حقه ))

[ أخرجه البخاري عن عون بن أبي جحيفة ]

الحكيم من أعطى كلّ ذي حقٍّ حقه :

ما دامت فينا سنة رسول الله لن نعذب أبداً
الحكمة أن تعطي كل ذي حق حقه، النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده بينما أمته معصومة بمجموعها، فنحن نرجو ألا نجتمع على خطأ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام وحده معصوم بمنهجه، فأي إنسان قلد النبي في حياته تألق،وأي إنسان خالف منهج الله عز وجل، ومنهج النبي أثار حوله جدلاً طويلاً، فلذلك قال تعالى :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال الآية : 33]

أي ما دامت سنة النبي عليه الصلاة والسلام قائمة في أعمالنا، في أفراحنا، في أتراحنا، في حلنا، في ترحالنا، في علاقاتنا، في كسب أموالنا، في إنفاق أموالنا، لن نعذب أبداً:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

 

الإنسان الحكيم إنسان يتحرك وفق منهج الله عز وجل :

 

التطرف شيء خطير جداً، التطرف في الإنفاق، في اقتناص الشهوات، كل شهوة أودعها الله في الإنسان جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها، فالحكمة أن تتحرك وفق منهج الله، الحكمة أن تستخدم عقلك كمقود، ومحرك المركبة كقوة دافعة، والطريق كمنهج الحكيم من تحرك وفق منهج الله عز وجل
هذه الحكمة، أي أن تحقق الهدف من وجودك:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

[سورة الطلاق الآية : 12]

عندما تؤمن أن علم الله يطولك، وأن قدرته تطولك، تكون حكيماً، أي تطبق منهج الله عز وجل .
الأستاذ عدنان:
دكتور من الناس من يقول: أنا أود أن أقول كلمتي ولكن بحكمة، لم أرَ الوقت مناسباً، لم أجتمع بالأشخاص المناسبين، وما إلى ذلك، في القرآن الكريم:

﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾

هنا أمر أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام قد وضح كل شيء بشكل علني وواضح، وأن يُعرض أيضاً عن المشركين، كيف نوفق بين هذين المشهدين إن صحّ القول في أمر الحكمة حيث إنها يجب أن تكون في ميدان الحق؟

 

النظام الإسلامي نظام الضرورات والحاجات والمحسنات :

الدكتور راتب:
سيدنا عمر يقول: "ليس بخيركم من عرف الخير، ولا من عرف الشر، ولكن من عرف الشرين، وفرق بينهما، واختار أهونهما".
أحياناً يقتضي أن تسكت، الحكمة تقتضي أن تسكت، وأحياناً الحكمة تقتضي أن تعلن رأيك، هناك قاعدة: "إذا ظهر من إنكار المنكر فتنة أشد من الذي تنكره ينبغي آلا تنكر"، هنا نعود إلى المقاصد الشرعية، والمقاصد الشرعية رائعة جداً، عندنا ضرورات وحاجات ومحسنات، فهي مرتبة ضرورات، حاجات، محسنات، الآن هناك قوائم، هناك خطوط عرضية، عندنا الدين، الحياة، العِرض، العقل، المال، أنا دائماً أضحي بالدنيا من أجل العليا، وأضحي بالتي على اليسار من أجل التي على اليمين، أنا أضحي بتحسين في حياتي من أجل حاجة، بل أضحي بحاجة من أجل ضرورة، الحياة ضرورة وينبغي أن أعرض زوجتي على طبيب، الأولى أن تكون طبيبة، لكن لو أن الطبيب وحده مختص بهذا المرض أنا أضحي بحاجتي إلى أن ألتزم بأحكام إبداء العورة، وأعرضها على طبيب، فأنا دائماً أضحي بالعمود الأيسر من أجل العمود الأيمن، وأضحي بالخط السفلي من أجل الخط العلوي، أي أضحي بالمال من أجل عِرضي، أضحي بالمال من أجل عقلي، أضحي بحياتي من أجل ديني، فهذا النظام نظام الضرورات والحاجات والمحسنات، ونظام مقاصد الشريعة الكبرى؛ الدين، والحياة، والعِرض، والعقل، والمال، أتحرك، لذلك يقول سيدنا عمر: "ليس بخيركم من عرف الخير، ولا من عرف الشر، ولكن من عرف الشرين وفرق بينهما واختار أهونهما".
هذه إجابة سؤالكم.
الأستاذ عدنان:
دكتور هذا يدخل ضمن نطاق أيضاً الحكمة أنها معرفة وتطبيق.

الحكمة أن يطبق الإنسان ما يعلم :

الدكتور راتب:
هذا الموضوع كان عند الفلاسفة، أي سهل جداً أن يمتلئ الذهن بالمعلومات، ولكن هذه المعلومات ليست هدفاً بذاتها، والأصل أن العلم بالأصل ليس هدفاً بذاته، العلم وسيلة، وحينما يغدو هدفاً بذاته نقع في خطأ كبير، العلم ما عُمل به، فإن لم يعمل به كان الجهل أولى، كيف؟ لو أن إنساناً مصاباً بمرض جلدي، وعلاجه الوحيد التعرض لأشعة الشمس، جلس في غرفة قميئة مظلمة، فيها رطوبة، أشاد بأشعة الشمس قال: يا لها من شمس ساطعة! ما أروعها من شمس! ما أفضلها في معالجة الأمراض! ما لم يخرج من هذه الغرفة القميئة ويتعرض لأشعة الشمس فمديحه للشمس لا قيمة له إطلاقاً، هذه مشكلتنا، العلم ما عُمل به فإن لم يعمل به كان الجهل أولى العلم بلا تطبيق لا قيمة له
لذلك حال واحد في ألف أبلغ من قول ألف في واحد، فالإنسان حينما يطبق هذا المنهج يكون في حال آخر، لذلك الدين العلاقة معه علاقة تمجيد سهلة، علاقة إعجاب سلبي سهلة، علاقة ثناء سهلة، علاقة أن تقول: نحن من أمة النبي عليه الصلاة والسلام القضية سهلة، أن تقول في خطاب: كنتم خير أمة أخرجت للناس سهلة، أما أن تعيش أحكام هذا الدين، هذا الذي ينشر الإسلام، وأنا أقسم بالله لو أن الصحابة الكرام فهموا الإسلام كما نفهمه نحن لما خرج من مكة، الإسلام وحي السماء، الإسلام معه تأييد الله، معه نصر الله، الآيات واضحة:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً ﴾

[ سورة النور الآية : 55 ]

هل نحن آمنون ؟ والله لسنا مستخلفين، ولسنا ممكنين، ولسنا آمنين، لأنه:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[ سورة مريم الآية : 59 ]

وقد لقي المسلمون ذلك الغي. إذاً الحكمة أن تطبق ما تعلم.
الأستاذ عدنان:
في الكتاب والسنة يوجد أشياء كثيرة لنسير من خلالها.

 

الحكمة عطاء كبير من الله لا يمكن أن نأخذه من دون اتصال به :

الدكتور راتب:
قال تعالى :

﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾

[ سورة الجمعة الآية : 2 ]

ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً
الحكمة هي السنة، القرآن فيه إجمالي في كليات الدين، لو أن القرآن الكريم فيه تفاصيل الدين لكان عشرين ألف صفحة، أما القرآن الكريم فيه كليات الدين، وجاءت سنة النبي عليه الصلاة والسلام لتبين تفاصيل الشريعة، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام:

﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ (44) ﴾

[ سورة النحل الآية : 44]

إذا جاءت الحكمة مع الكتاب فهي السنة، وإذا جاءت مع العلم فهي التطبيق، وإن جاءت مع عطاء الله أن تفعل ما ينبغي بالقدر الذي ينبغي، مع من ينبغي، وفي الوقت الذي ينبغي، أي أن تضع الشيء في نصابه، أن تعطي كل شيء حقه، وهي عطاء كبير من الله لا يمكن أن تأخذه من دون اتصال بالله:

﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة الآية : 269 ]

والشواهد أن الذين شردوا عن الله عز وجل، وارتكبوا حماقات لا تعد ولا تحصى، شواهد كثيرة جداً، أنا مؤمن إيماناً يقينياً أن المنقطع عن الله يحفر قبره بيده، ويخرب بيته بيده، ويجعل حياته الزوجية شقية بيده، ودائماً البعيد عن الله يشقى ويشقي، يرتكب حماقة ويحمل على ارتكاب حماقة، لذلك نفتقد الحكمة، الحكمة تقابلها السعادة، يقابلها التأييد، يقابلها النصر.
الأستاذ عدنان:
دكتور الحكمة لها ثمار كثيرة إذا أجملنا القول في آثارها.

 

آثار الحكمة :

الدكتور راتب:
أستاذ عدنان الحكمة دليل كمال العقل، العقل يطغى أحياناً، كمال العقل أن تنطق بالحكمة، كمال العقل أن تتصرف بالحكمة، الحكمة تاج الكرامة، الحكيم مكرم والأحمق مهان، الحكيم يمدح والأحمق يذم، الحكيم يحب والأحمق يبغض، الحكمة تاج الكرامة، الحكمة كمال العقل، وبالحكمة تدرأ أخطاراً لا تعد ولا تحصى، كم من خطأ كبير بدأ بكلمة نابية؟ بدأ بموقف أرعن؟ بدأ بموقف غير حكيم؟ فلذلك المؤمن محفوظ، والله عز وجل يقول:

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنفال الآية : 19]

﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 153 ]

﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾

[ سورة النحل الآية : 128 ]

كمال العقل أن تتصرف بحكمة
هذه المعية الخاصة تعني الحفظ، والتأييد، والنصر، والتوفيق، لذلك الحكمة يدرأ بها الإنسان أخطار كثيرة، قلت قبل قليل: بالحكمة تسعد بزوجة من الدرجة الخامسة، وبغير الحكمة تشقى بزوجة من الدرجة الأولى، بالحكمة تربي أولادك، بغير الحكمة يكون الأولاد أعداءً لك، فهذه نتائج دقيقة جداً، لكن بالنهاية الحكمة سمة الأنبياء والصالحين، الله عز وجل أعطى الملك لمن يحب، ولمن لا يحب، إذاً ليست مقياساً، أعطى المال لمن يحب، ولمن لا يحب، لكنه ما أعطى الحكمة إلا لمن يحب:

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾

[ سورة القصص الآية : 14]

هي مكافأة من الله أن تكون حكيماً.
الأستاذ عدنان:
دكتور ومن الحكمة أن نتابع معكم موضوع إعجاز الله في خلقه، هذا الإعجاز يجعلنا نتحرق من أجل الحكمة التي توصلنا إلى الله عز وجل.

 

الإعجاز العلمي :

تناقض نظرية التطور مع منهج الله عز وجل :

الدكتور راتب:
لكن أريد أن أبين حقيقة خطيرة أن الإنسان أحياناً يعتقد بشيء غير صحيح كلياً لأنه يريحه، ويرفض حقيقة صادقة يقينية لأنها تزعجه، فاعتقاد الناس لا علاقة له بمصداقية ما يعتقدون. أضرب مثلاً، إنسانان أرادا شراء سيارة، أحدهما اشترى والثاني لم يشترِ، سرت إشاعة في البلد، أن هناك قانون يخفض الرسوم إلى النصف، الذي اشترى يكذب هذه الإشاعة من دون تحقيق، لأن تكذيبها يريحه، مع أن نظرية دارون سقطت في الوحل لكن معظم الناس متمسك بها لأنها تريحه من المسؤولية، الذين يؤمنون بهذه النظرية والحديث عن الطيور أن هذه الكائنات تتوالد بعضها من بعض بمحض المصادفات، وهذه الألوان، وهذا الإبداع في هيكلها، وهذا الإبداع في خصائصها، وطيرانها، وهجرتها، هذا كله ليس داخلاً في حسابات التطوريين، فلذلك قضية أن نؤمن بنظرية التطور يتناقض مع منهج الله عز وجل، وهذا يُحدث انفصاماً عند الإنسان

image

الواقع كفيل لإلغاء النظريات الكاذبة

يفتح القرآن يجد أن البشرية بدأت بآدم وحواء، يفتح بعض الكتب العلمية فإذا نظرية التطور تتصدر هذه الكتب، لذلك في موضوع الطيور يعتقد من يؤمن بهذه النظرية أن الطيور كانت زواحف، الزواحف فيها حراشف، الزواحف لها أيد وأرجل وذنب طويل، الطيور لها نوع آخر، أين هذا المخلوق الانتقالي؟ هناك مستحاثات منذ ثلاثمئة وخمسين مليون عام، الطير قبل ثلاثمئة مليون عام كالطير الحالي، لذلك أحياناً أردت من هذه الملاحظة العابرة أن نعتقد أنه قد نصدق شيئاً غير صحيح لكنه يريح الإنسان راحة ظاهرية، وقد نكذب حقيقة صارخة لأنها تزعج الإنسان، فالبطولة ألا ننساق في تصرفاتنا مع ما ينقل إلينا من دون تمحيص، دائماً العوام يأخذون ما يأتيهم عفو الخاطر، بينما الأذكياء والموفقون هؤلاء لا يتصورون إلا تصوراً مطابقاً للواقع، ومن أدق تعريفات العلم: الوصف المطابق للواقع مع الدليل، أو علاقة مقطوع بصحتها، أي ليست شكاً، ولا ظناً، ولا وهماً، تُطابق الواقع، عليها دليل، فإذا ألغي الدليل أصبح العلم تقليداً، وإذا ألغي الواقع أصبح العلم جهلاً، وإذا ألغي القطع أصبح العلم ظناً، أو وهماً، أو شكاً.

 

خاتمة و توديع :

الأستاذ عدنان:
في ختام هذا اللقاء كل الشكر لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة، في كليات الشريعة وأصول الدين، وكل الشكر أيضاً للأخوة المشاهدين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018