مكارم الأخلاق - الندوة : 17 - الحب ـ على الإنسان أن يفتخر بصفة متصلة بما خُلق له - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠21برنامج مكارم الأخلاق - قناة انفنيتي
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مكارم الأخلاق - الندوة : 17 - الحب ـ على الإنسان أن يفتخر بصفة متصلة بما خُلق له


2008-03-18

مقدمة :

الأستاذ عدنان :
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أيها الأخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله، وأرحب بكم في برنامج:" مكارم الأخلاق"، وباسمكم أرحب بفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين، أهلاً ومرحباً بكم دكتور.
الدكتور راتب :
بكم أستاذ عدنان جزاك الله خيراً.
الأستاذ عدنان :
دكتور كلمة الحب كلمة جامعة مانعة كما يقال، ولنا أن نذكر فيها أن الله عز وجل وصف المؤمنين أنهم يحبونه ويجبهم، ولنا أن نذكر قصتين أترك شرحهما لكم، الصحابي الذي ما قَبّل أحداً من أولاده العشرة، والصحابي الذي كان يحب ابناً له ثم توفي هذا الابن الصغير، وكيف بيّن له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يلقاه في الجنة ويفتح له باباً من أبوابها، الحب إذاً ومكانته في كيان الإنسان كيف يكون؟

 

الإنسان عقل يدرك و قلب يحب و جسم يتحرك :

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أستاذ عدنان الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، العقل غذاؤه العلم، والقلب غذاؤه الحب، والجسم غذاؤه الطعام والشراب، وما لم تلبَ هذه الحاجات الثلاثة، حاجة العقل إلى العلم، وحاجة القلب إلى الحب، وحاجة الجسم إلى الطعام والشراب، يتطرف الإنسان

image

التفوق أن تلبي حاجة العقل والقلب والجسم معا وإلا يحدث الخلل

التفوق شيء والتطرف شيء آخر، التفوق أن تلبى هذه الحاجات مجتمعة، بينما التطرف أن تلبى حاجة من بين هذه الحاجات، عندئذ يكون الخلل في حياة الإنسان، الإنسان عقل يدرك، العقل يحتاج إلى أدلة، وإلى براهين، وإلى وسائل لإقناعه، لكن الإنسان الذي لا يشعر بحاجة إلى أن يُحِب أو لا بحاجة إلى أن يُحَب ليس من بني البشر، جانب كبير من جوانب الإنسان قلبه، والعالم الغربي اعتنى بالجسم عناية يفوق حدّ الخيال لكنه أهمل القلب فكان في الكآبة، والكآبة مرض واسع الانتشار، الكآبة سببها أن الإنسان خرج عن مبادئ فطرته، وكان حبه حسياً، وحبه شهوانياً، فلذلك النقطة الدقيقة جداً أن هذا الكيان متكامل، وأن هذا الكيان له جوانب، ولكل جانب غذاء خاص ما لم تلبَ هذه الحاجات كلها، وما لم تلبَ هذه الجوانب كلها، نكون في وضع مختل كإنسان أعرج.

 

الحبّ أساس الإيمان :

إذاً مكان الحب في الإنسان مكان مركزي وأساسي الحب أساس الإيمان
فحياة بلا حب لا معنى لها، وحياة بلا أهداف لا معنى لها، وحياة بلا علاقات متينة لا معنى لها، الإنسان كائن مكرم عند الله عز وجل، خلق الإنسان في أحسن تقويم، وكرّمه أعظم تكريم، بل إن الله عز وجل حينما قال:

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن ]

بالآية شيء يلفت النظر، أيعقل أن يعلم الإنسان القرآن قبل أن يُخلق؟ هذا الترتيب رتبي، وليس ترتيباً زمنياً، فلا معنى لوجود الإنسان من دون منهج يسير عليه، هذا المنهج فيه جانب انفعالي، وجانب علمي، وجانب سلوكي، وكأن العبادة في أصلها طاعة طوعية؛ جانب سلوكي، تسبقها معرفة يقينية؛ جانب معرفي، تفضي إلى سعادة أبدية؛ جانب انفعالي، الانفعال والحب مركزهما كبير في حياة الإنسان، الناجحون والمتفوقون والذي قادوا العالم إلى جادة الخير، وإلى شاطئ السلامة، تمتعوا بقلب كبير وبحب كبير، فالحب أساس الإيمان.
الأستاذ عدنان :
عندما يحب الإنسان شيئاً ما وكان هذا الحب كبيراً هل يعد الإنسان ناجحاً من خلال حبه؟

 

النجاح الشمولي أساسه أربع كتل كبيرة :

الدكتور راتب :
النجاح الشمولي أساسه أربع كتل كبيرة
أستاذ عدنان هناك قضية خطيرة ألخصها بهذا العنوان، النجاح شمولي ولا يعد النجاح الجزئي في حياة الإنسان نجاحاً، النجاح شمولي أي اجتهاد، هناك في حياة الإنسان أربع كتل كبيرة، علاقته بربه، وعلاقته بأهله، وعلاقته بعمله، وعلاقته بجسمه، وأي خلل في العلاقات ينعكس على بقية الأجزاء، فما لم تكن علاقة الإنسان بربه علاقة طيبة، ومستقرة، ومتنامية، فإن ضياعه مع ربه، فإن خجله من ربه، فإن شعوره بالذنب الدائم، شعوره أنه بنى مجده على أنقاض الناس، هذا الخلل في علاقته بربه ينعكس على علاقته بأهله، فيكون قاسياً في تصرفاته، وهذا الخلل في علاقته بربه ينعكس على جسمه، فإذا به يصاب بالوهن والضعف، وأمراض تعود في أسبابها الكثيرة إلى الناحية النفسية الخلل في علاقة الإنسان بأهله ينعكس على علاقته بربه وصحته وعمله
وهذا الإنسان الذي عنده خلل في علاقته مع ربه ينعكس هذا على عمله، فلا يوفق في عمله، أما حينما تكون علاقة الإنسان بربه متينة تنعكس على علاقته بأهله، وعلى علاقته بعمله، وعلى علاقته بصحته، الشيء العجيب أن هذه الكتل الكبيرة، أن هذه المواقع الكبيرة في حياة الإنسان المحطات الأساسية، هذه متناسقة فيما بينها، أي خلل في واحدة ينعكس على بقية هذه النواحي، فالإنسان العاقل هو الذي يوفق بين هذه الأساسيات في حياته، إذا استطاع أن يصطلح مع الله، واستطاع أن يحبه، وأن يحب خلقه، وأن يأتمر بما أمر الله، وأن ينتهي عما نهى عنه الله، إذا هو زوج ناجح، إذا هو في حرفته متفوق، إذا هو مع صحته وفق ما ينبغي، لكن حينما تسوء علاقته بربه تنعكس هذه على بقية الأقسام.
الآن لو ساءت علاقته بأهله، أقرب الناس إلى الإنسان أهله وأولاده، هم لحمته، هم جزء منه، فلذلك الخطأ والخلل في علاقته بأهله ينعكس على علاقته بربه، وعلى علاقته بصحته، وعلى علاقته بعمله، لأن النجاح كلٌّ لا يتجزأ، والبطولة أن نحقق نجاحات متناسقة فيما بينها، تعود في النهاية إلى النجاح الأكبر، لأن الإنسان له فصول في حياته، لكن أعظم هذه الفصول هذه الاتجاهات الأربع التي ينبغي أن ننجح فيها فيغدو النجاح شمولياً وعاماً، هذه نقطة مهمة جداً.

الإنسان يحبّ الكمال والجمال والنوال :

لكن الإنسان ماذا يحب؟ يحب الكمال، ويحب الجمال، ويحب النوال، يحب الكمال أي عمل بطولي الإنسان يحب الكمال والجمال بالشكل والكلام والتعامل
أي عمل فيه شجاعة، فيه إنصاف، فيه تواضع، فيه رحمة، فيه إنكار للذات تحبه، وتعجب به، ويلهج لسانك بحمد صاحبه، دون أن تكون لك علاقه به إطلاقاً، الإنسان يحب الكمال وهذا من فطرته ، فطرته أن يحب الكمال، ويحب الجمال، طبعاً قد يفهم الناس الجمال هو جمال المرأة، لا، يحب الجمال مطلقاً، هناك كلام جميل، موقف جميل، عناية بالثياب جميلة، تصرف جميل، حركة جميلة، الله عز وجل جميل يحب الجمال، وحاجة الناس إلى الجمال حاجة أساسية، لكن الناس اختصروا الجمال في جمال محرم، الحاجة إلى الجمال أساسية وما لم تكن البيوت جميلة، ومراكز العمل جميلة، فيها أناقة، فيها مسحة جمال، فيها نبات، فيها لوحة، فيها ثياب أنيقة، الحياة تغدو متعبة وشاقة، لذلك انتبه الغربيون إلى هذه الناحية، فلما حسنوا المدن، والطرقات، والحدائق، والأماكن العامة، حتى أماكن العمل، نحن عندما ندخل إلى مكان عمل نظن أن هذا مكان عمل ينبغي أن يكون جميلاً، فالإنسان يحب الكمال والجمال والنوال، يحب العطاء: "يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حبّ من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها".

من اتصل بالله عز وجل استغنى به عن كل شيء :

من اتصل بالله عز وجل استغنى به عن كل شيء

 

﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾

 

[ سورة البقرة الآية : 165 ]

بهذه الآية ملمح دقيق جداً، أن الإنسان لماذا عصى الله؟ لأنه آثر أن يستمتع بشيء جميل، هذا الاستمتاع لا يرضي الله، لماذا نافق؟ لأنه نال عطاءً كبيراً من هذا الذي نافق له، فالإنسان حينما يعصي الله يكون قد استهدف شيئاً جميلاً يستمتع به، الله يخبره:

﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾

بعض العلماء حملوا القوة هنا على قوة الجمال، الإنسان إذا اتصل بالله استغنى به عن كل شيء.

فـلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنـا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب و جئتنـا
ولو ذقت مـن طعم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
* * *
ولو نسمت من قربنا لك نسمة لمــــت غريباً واشتياقاً لقربنا
فما حبنا سهل وكل من ادعى سهولته قلنا له قــــد جهلتنا
فأيسر ما في الحب بالصب قتله وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنا
* * *

في جنة أساسها القرب من الله، وقد قال بعض العلماء: "في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة". "ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن حبسوني فحبسي خلوة، إن أبعدوني فإبعادي سياحة"، المؤمن جنته في صدره، وأنه أحب ربه.

 

جمال القرب من الله تعالى يفوق كل جمال :

لكن الإنسان حينما يعصي الله ليستمتع بشيء لو علم أن استمتاعه وسعادته بالاتصال بربه تفوق أضعافاً مضاعفة بهذا الشيء الذي لا يرضي الله لكان في حال آخر، أنت إذا مررت أمام ملهى لماذا يقبل الناس عليه؟ يتوهمون أنهم بهذا الطعام وهذه المعاصي والآثام يستمتعون، لكن لو علم هذا الإنسان أنه إذا أقبل على ربه، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني". نحن حينما نلغي من الدين الجانب العاطفي الانفعالي، جانب الحب، يغدو الدين تكاليف وثقافة ليس غير، لكن حينما يستقيم الإنسان على أمر الله يلقي الله في قلبه سعادة، يلقي الله في قلبه سكينة، يلقي في قلبه رضا.
جمال القرب من الله تعالى يفوق كل جمال
جمال القرب من الله يفوق كل جمال، أنا أقول: إن أهل الدنيا يتوهمون أن المؤمن ما ذاق أطيب ما فيها، بل هو يرى أن هؤلاء الذين غفلوا عن الله ما ذاقوا أطيب ما فيها، لقول بعض الملوك الذين أصبحوا عارفين بالله: "لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف".
الإنسان يحب الله، الله يحبه وهو يحب الله، لأنه خلقه هو يحبه، لأنه منحه نعمة الإيجاد هو يحبه، لأنه منحه نعمة الإمداد هو يحبه، لأنه منحه نعمة الهدى والرشاد إذاً هو يحبه، هو سخر له الكون تسخير تعريف وتسخير تكريم، ردّ فعل التعريف أن تؤمن، وتسخير التكريم ردّ فعله أن تشكر، فإذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك.
الأستاذ عدنان :
دكتور العقل يمكن أن يسمو ويمكن أن يطغى، والفطرة يمكن أن تسمو أيضاً ويمكن أن تنطمس من خلال الجهل، والحب عندما يكون منطلقه فطرياً أو عقلياً يكون لكلٍّ اتجاه، ولكن المستوى مستوى الحب يختلف ما بين ما كان حباً من عقل، أو حباً من فطرة، ولكن قد تجتمع محبة الشيء من خلال العقل ومن خلال الفطرة أيضاً، فيغدو الكمال في مثل هذه الناحية وما أحلاه حينما يكون ذلك في الله عز وجل.

 

كلما ارتقى الإنسان أحبّ بعقله وكلما هبط مستواه أحبّ بحسه :

الدكتور راتب :
كلما ارتقى الإنسان أحبّ بعقله وكلما هبط مستواه أحبّ بحسه
أريد أن أوضح أن هناك حباً عقلياً، وأن هناك حباً حسياً، وكلما ارتقى الإنسان أصبحت محبته عقلية، وكلما هبط مستواه أصبحت محبته حسية، مثلاً: أرأيت إلى طالب ينام طول النهار مرتاح، النوم مريح والاسترخاء مريح، لكن هذا الطالب الذي أراد أن يكون شيئاً مذكوراً في أمته لا ينام الليل، هو يحب السهر، يحب الدراسة، يحب القراءة، يحب أداء الوظائف بتفوق، يحب المدرسة، يحب المطالعة، يحب المسابقات، هو يحبها بعقله لأنها تحقق له في المستقبل نجاحاً كبيراً، فالإنسان إما أن يحب بحسه فيؤثر النوم والراحة، أحياناً هناك أكلات لها مذاق طيب لكنها مؤذية، المؤمن العاقل قد يأكل أكلة تعينه على العبادات، بينما آخر قد يأكل طعاماً يثبط عزيمته على أن يطيع الله عز وجل، الطعام الطيب يبغضه بعقله ويحب الطعام الخفيف، فكلما ارتقى الإنسان أحبّ بعقله وكلما هبط مستواه أحبّ بحسه.
العاقل يتعامل مع النص بينما غير العاقل يتعامل مع الواقع
مرة التقيت مع جراح قلب، وقُدم له طعام نفيس، ويحبه كثيراً، فاعتذر، فسألناه قال: لكثرة ما أرى من شرايين مسدودة أكره هذا الطعام، أكرهه بعقلي وأحبه بأحاسيسي، فالعقل أصل في التكليف، والعقل أحياناً يزهدك في شيء ويحببك بشيء آخر، مرة قلت: لو أن إنساناً راكباً دراجة، وصل إلى مفترق طرق، الطريق الهابط كل شيء يدعوه إلى أن يسلكه، والصاعد متعب، لكن لمجرد أن يقرأ لافتة أن الطريق الهابطة على أنها مريحة، وعلى أن فيها أشجار وأزهار، لكنها تنتهي بحفرة ليس لها من قرار، والطريق الصاعدة فيها غبار، وأكمات، وحفر، تنتهي بقصر منيف، هذه اللوحة الصغيرة عند مفترق الطرق تعكس قراره، فيحب هذه الطرق المتعبة لأنها تنتهي بقصر، ويكره الطرق المريحة لأنها تنتهي بالهلاك، الإنسان العاقل يتعامل مع النص بينما غير العاقل يتعامل مع شيء آخر.
العاقل من يتدبر الأمر قبل أن يقع فيه وينظر لعواقبه
مثلاً أنت لك مبلغ ضخم في مكان، وركبت مركبة خرجت من المدينة فإذا كتب على ظاهر المدينة أن الطريق إلى هذه البلدة مقطوعة بسبب تراكم الثلوج طبعاً ترجع، لوحة صغيرة غيرت مسارك، نص صغير أربع كلمات، بينما لو أن دابة تمشي على هذا الطريق تقف في منتصفه عند الثلج، ما الذي حكم الدابة؟ الواقع، ما الذي حكم العاقل؟ النص، أوضح من ذلك إنسان أدمن على التدخين، لو أنه قرأ بحثاً علمياً، أو قرأ حكماً شرعياً، لكف عن التدخين قبل أن يصاب بمرض خبيث، أما عند المرض الخبيث يمتنع عن التدخين، لأنه أحبّ الدخان بأحاسيسه ولم يبغضه بعقله، بينما الإنسان العاقل يبغض التدخين بعقله، مع أنه فيما يتوهم يريح أحاسيسه، إذاً قضية الحب العقلي والحب الحسي مهمة جداً، الأبطال العظماء أحبوا بعقولهم وأبغضوا بعقولهم، والطبقة الدنيا من الناس أحبوا بأحاسيسهم وأبغضوا بأحاسيسهم، يستمتعون باللذائذ من دون إدراك للعواقب، ومن عقل الإنسان وتمام عقله أنه يتدبر الأمر قبل أن يقع فيه وينظر إلى عواقبه.
الأستاذ عدنان :
دكتور أحياناً يقال: فلان أحب فلاناً لله، وفلان أحب فلاناً مع الله، فارق كبير بينهما لكن النتائج تختلف هل لكم أن توضحوا؟

الحب في الله و الحب مع الله :

الحب في الله هو عين التوحيد و يتفرع منها أنواع لا تعد ولا تحصى

 

الدكتور راتب :
الحقيقة هناك حب في الله هو عين التوحيد، وهناك حب مع الله هو عين الشرك، أما الحب في الله أن تحب الله لأنه منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، الآن أنت تحب الله هذا حب أصلي، من فروع هذه المحبة أن تحب رسول الله صلى الله عليه وسلم من فروع هذه المحبة أن تحب الصحابة الكرام جميعاً، من فروع هذه المحبة أن تحب التابعين وتابعي التابعين والعلماء، من فروع هذه المحبة أن تحب بيوت الله، من فروع هذه المحبة أن تحب القرآن الكريم وتلاوته، تتغنى به، من فروع هذه المحبة أن تحب أهلك الذين هم أقرب الناس إليك، فيمكن أن يتفرع عن محبتك لله آلاف الأنواع كلها حب في الله، حب أخوانك المؤمنين، أن تتمنى للمؤمنين النصر، أن تتمنى لهم القوة، أن يؤلمك ما يؤلمهم، أن يفرحك ما يفرحهم الحب مع الله عين الشرك وهي أن تحب شخص طمعاً لما عنده لمصلحة
هذا حب في الله، هو عين التوحيد، محبة الله هي الأصل، يتفرع عنها أنواع لا تعد ولا تحصى من فروع المحبة، لكن الحب مع الله عين الشرك، إنسان بعيد عن الله يبني مجده على أنقاض الآخرين، تحبه طمعاً لما عنده، ولا تعبأ بأخطائه، ولا بانحرافه، ولا باستهزائه بالدين، هذا حب مع الله، حب دنيا، حب مصلحة، فلذلك المؤمن يداري بينما المنافق يداهن، وفرق كبير بين المداراة والمداهنة، الحب مع الله عين الشرك، أنا حينما أحب جهة لا يحبها الله، أحب جهة لا تنفع عباد الله، أحب جهة تبني مجدها على أنقاض الآخرين، أحب جهة لكنها قوية، لكنني أطمع أن أنال فيما عندها، لكنني أطمع أن آخذ مما في أيديها، لكنني أطمع أن أتقي شرها، هذا حب مع الله وهو عين الشرك، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، لذلك قال تعالى :

 

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود الآيات : 55-56]

أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيثما كان :

هؤلاء الأقوياء الذين يعبدهم الناس من دون الله خوفاً من بطشهم، أو طمعاً في نوالهم، هؤلاء لو علم المؤمنون أنهم بيد الله، وأن الله يحدد حركتهم، و أنه:

﴿ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

[ سورة الزمر الآية : 62 ]

لا يليق بالإنسان أن يذل نفسه لغير الله
لَمَا أحبوهم محبة مع الله، فلذلك ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير، ولا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه:

 

(( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))

 

[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]

الحب مع الله عين الشرك، أن تحب قوياً تطمع فيما عنده، أو تخشى أن يبطش بك، وتنسى أن الله بيده كل الأمور :

﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾

[ سورة القصص الآيات : 45-46 ]

لذلك أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان، هذا هو الحب مع الله، هو عين الشرك، وكلما ارتقى توحيد الإنسان كان حراً، وكلما ضعف توحيده أصبح تابعاً، لا يليق بالإنسان أن يكون لغير الله، لا يليق بالإنسان أن يجير لغير الله، لا يليق بالإنسان أن يكون سيئة من سيئات عباد الله، هذا هو الحب في الله والحب مع الله، لذلك المؤمن يحب المؤمنين، يحب كل عمل ينفع المؤمنين، يحمل همّ المؤمنين، يتألم لألمهم، يفرح لفرحهم، يفرح لانتصارهم، هكذا ينبغي أن نكون.
الأستاذ عدنان :
نسمع كلمتين المحبة والمودة هل من فارق بين الكلمتين؟

 

المودة سلوك يعبر به عن الحب :

الدكتور راتب :
حينما قال الله عز وجل:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾

[ سورة الروم الآية : 21 ]

المودة سلوك يعبر به عن الحب
العلماء قالوا: المودة سلوك يعبر به عن الحب، الحب شعور داخلي، ميل، المودة ابتسامة، المودة هدية، المودة اعتذار، المودة مصالحة، ما دام هناك حب الحب يعبر به بالود، فلذلك الود بين الزوجين أساس علاقة الزوجين، والمودة بين المؤمنين أساس العلاقة بين المؤمنين، بل إن الله عز وجل يقول:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾

[ سورة مريم الآية : 69 ]

إما أن يكون الود بينهم وبين الله، أو يجعل الله لهم فيما بينهم وداً.
الأستاذ عدنان :
الحقيقة الحديث عن موضوع الحب غني كبير في هذا النطاق، والله تعالى حينما خلق مخلوقاته خلقهم، وأحبهم، وجعل فيهم من الإعجاز الشيء الكثير، فإن تابعنا معكم موضوع الإعجاز لنستطلع شيئاً جديداً فماذا تقدمون لنا؟

 

الإعجاز العلمي :

على الإنسان أن يفتخر لا بصفة مادية هي فيه و بغيره بل بما خُلق له :

الدكتور راتب :
ما من صفة مادية في الإنسان إلا وفي بقية المخلوقات ما يفوقه بها
أستاذ عدنان الإنسان يظن أنه المخلوق الأول، هو في الحقيقة المخلوق الأول، لكن ما من صفة مادية في الإنسان إلا وفي الحيوان ما يفوقه بها، فلذلك الطيور ولنأخذ عليها مثل النعامة، هذه النعامة إذا دخلت بسباق مع الإنسان، وإذا كان بمقدور بطل الأولمبيات أن يعدو بسرعة تسعة وثلاثين كيلو متراً في الساعة فإن سرعة النعامة تصل إلى ستين كيلو متراً في الساعة، النقطة الدقيقة أن قيمة الإنسان بإيمانه، قيمة الإنسان بعقله، قيمة الإنسان باستقامته، قيمة الإنسان بعمله، فإذا افتخر بصفة مادية فيه، ما من صفة مادية في الإنسان إلا وفي الحيوان ما يسبقه بها قيمة الإنسان بإيمانه وبعقله وباستقامته وبعمله
فهذه النعامة سرعتها ستين كيلو متراً في الساعة، تقطع النعامة بساقيها الطويلتين مسافة ثلاثة أمتار في الخطوة الواحدة، فينبغي أن يزهو الإنسان بما خلق له.
هناك شيء آخر؛ البطريق هذا الطائر القطبي يمشي على رجلين، وقد يزحف على بطنه، لكنه إذا دخل في البحر سرعته تفوق سرعة أكبر عدّاء في السباحة ثلاثة أضعاف الرقم الأولمبي للسابحين، إذاً التعريف الدقيق أنه ما من صفة مادية في الإنسان إلا وفي بقية المخلوقات ما يفوقه بها، مثلاً الكلب شمه مليون ضعف عن شم الإنسان، الصقر يرى طعامه وهو في أعالي الجو، قوة إبصاره ثمانية أضعاف:

﴿ قَالَ رَبُّنَا أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

[ سورة طه الآية : 50]

الإنسان عليه أن يفتخر لا بصفة مادية هي فيه وفي بقية المخلوقات ما يفوقه بها، عليه أن يفتخر بما خُلق له، هو خلق لإعمار الأرض، خلق لإحقاق الحق، خلق لإبطال الباطل، خلق لخدمة الخلق، خلق ليعرف الله، ليتبع أمره، فلذلك قضية الافتخار بصفات مادية في الحياة هذه لا تقدم ولا تؤخر، ينبغي أن تفتخر بصفة متصلة بما خلقت له.

 

خاتمة و توديع :

الأستاذ عدنان :
في ختام هذا اللقاء كل الشكر لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة، في كليات الشريعة و أصول الدين، وكل الشكر أيضاً للأخوة المشاهدين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018