مكارم الأخلاق - الندوة : 14 - الرفق ـ الطير الطنان - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠21برنامج مكارم الأخلاق - قناة انفنيتي
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مكارم الأخلاق - الندوة : 14 - الرفق ـ الطير الطنان


2008-03-15

مقدمة :

بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ، السلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأرحب بكم في برنامج مكارم الأخلاق ، وباسمكم أرحب بفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة ، في كليات الشريعة وأصول الدين ، أهلاً ومرحباً بكم .
الدكتور راتب :
بكم أستاذ عدنان جزاك الله خيراً .
الأستاذ عدنان :
دكتور ، الرفق ، وما أحوج الإنسان في حياته إلى الرفق به من قبل الآخرين وبالتالي الآخرون أيضاً بحاجة لرفق هذا الإنسان بهم .

(( إن اللَّه رفيق يُحبُّ الرَّفْق في الأمر كلَّه ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن عائشة أم المؤمنين ]

ترى هل الرفق أن يكون الإنسان ضمن معنىً لغوي ، يمكن أن يكون في إطار ضيق ، أم أن الإطار الاصطلاحي يضم صفات كثيرة في باب الرفق ؟.

 

الرفق يرقى بالإنسان و يسمو به :

الدكتور راتب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
الرفق يرقى بالإنسان
أستاذ عدنان ، بالتعريف الاصطلاحي : الرفق لين الجانب ، الرفق لطافة الفعل ، الرفق الأخذ بالأيسر والأسهل ، الرفق ضد العنف ، والعنف لا يلد إلا العنف ، هذه حقيقة تغيب كثيراً عن الأقوياء ، العنف لا يلد إلا العنف .

(( إِنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيء إِلا زَانَهُ ، ولا يُنْزَعُ مِن شيء إِلا شانَهُ ))

[أخرجه مسلم وأبو داود عن عائشة أم المؤمنين ]

الحقيقة الرفق الذي يكون في الإنسان مرتبة أخلاقية عالية جداً ، ونحن نتحدث عن مكارم الأخلاق ، الرفق الذي يكون في الإنسان سمو به ، يعني الإنسان قد يرقى رقياً إلى أعلى الدرجات ، ويبقى مظهره واحد ، له رأس ، وجذع ، وأيدي ، وأرجل ، لكن الفرق بين إنسان رفيق ، وإنسان متوحش ، فرق كبير .
تماماً كما لو وجدت قطعة لحم متفسخة ، تكاد تخرج من جلدك من نتن رائحتها وقد تجد قطعة لحم مشوية ، وأنت جائع ، كلاهما قطع لحم ، الأولى تخرج من جلدك من نتن رائحتها ، والثانية تتمنى أن تأكلها .
فلذلك الرفق يرقى بالإنسان ، هو لين الجانب ، ولطافة الفعل ، والأخذ بالأسهل وهو ضد العنف .
الأستاذ عدنان :
دكتور ، الرفق له أصل في القرآن الكريم ، ودعوة إليه ، وكذلك في الحديث النبوي الشريف ، لو أردنا أن نتوقف عند ما ورد في القرآن الكريم عن الرفق ، هل يمكن أن توضحوا ذلك للأخوة المشاهدين ؟.

 

من اتصل بالله عز وجل اشتق من كمالاته الرحمة و الرفق :

الاتصال بالله عز وجل يملئ القلب رحمة على الخلق

 

الدكتور راتب :
يقول الله جل جلاله يخاطب نبيه عليه الصلاة والسلام :

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 159 )

في هذه الآية ملمح دقيق جداً ،

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ ﴾

هذه الباء باء السبب ، يعني بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد كنت ليناً لهم ، تبين أن الرفق سببه الرحمة ، والرحمة من الله ، الرحمة تشتق من الله ، لأن الله أرحم الراحمين ، وكل إنسان اتصل بالله عز وجل اشتق من كمالاته ، فالذي يتصل بالرحيم يمتلئ قلبه رحمة على الخلق ، والذي ينقطع عن الرحيم يقسو قلبه .

 

الاتصال بالله يولد الرفق بعباده و الانقطاع عنه يولد القسوة :

﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ﴾

( سورة الزمر الآية : 22 )

من النار ،

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

الانقطاع عن الله يولد القسوة
هذا الرفق هو اللين ، لين الجانب.

(( غَفرَ الله لرجل كان قبلكم : سهلاً إذا باع ، سَهلاً إذا اشترى ، سهلاً إذا اقتضى ))

[أخرجه البخاري والترمذي عن جابر بن عبد الله ]

(( علموا ولا تعنفوا ، فإن المعلم خير من المعنف ))

[أخرجه الحارث عن أبي هريرة ]

فاللين هنا يعني الرفق ، هو لين الجانب ،

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

يا محمد ! وأنت أنت ، وأنت سيد الخلق ، وأنت حبيب الحق ، وأنت سيد ولد آدم ، أنت الذي أوتيت المعجزات ، أنت الذي أنزل عليك القرآن ، أنت الذي أوتيت جمال الصورة ، أنت الذي أوتيت فصاحة البيان ، لو كنت أنت أنت

﴿ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

رأسمال الداعية أن يكون محبوباً ليسرع الخطا إلى الله تعالى :

أي في النهاية إنسان متصل بالله ، يمتلئ قلبه رحمة ، تنعكس الرحمة رفقاً ، يلتف الناس حوله ، إنسان منقطع عن الله ، يمتلئ قلبه قسوة ، تنعكس القسوة غلظة ، وفظاظة ينفض الناس من حوله ، وكأنها معادلة رياضية بالتمام والكمال ، اتصال ، رحمة ، لين التفاف ، انقطاع ، قسوة ، غلظة ، انفضاض ،

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

الإنسان بالحب يسرع الخطا إلى الله تعالى
لذلك أنا أقول للأخوة الذين يدعون إلى الله : هذا الداعية ليس نبياً ، ولا رسولاً ، ولا يوحى إليه ، ولا معه معجزات ، ولا أوتي الفصاحة التامة ، ولا جمال الخلق ، فكيف يكون فيه غلظة وفظاظة ؟ ينفض الناس من حوله ، رأسمال الداعية أن يكون محبوباً ، لأن الإنسان بالحب يسرع الخطا إلى الله .
سقراط معلم كبير في تاريخ البشرية ، مرة استدعى أحد أولياء طلابه ، وقال : خذ ابنك عني إنه لا يحبني .
إذا ألغي الحب في الإسلام أصبح الإسلام متصحراً ، أصبح كلاماً ، أصبح ثقافة لكن الإيمان هو نظام كامل ، عقل يدرك ، وقلب يحب ، وجسم يتحرك .
الأستاذ عدنان :
يقال في كل إنسان نبعة خير ، إذا ما استطاع الآخرون أن يصلوا إلى هذه النبعة تتغير كثير من صفات الإنسان الجافي ، وشهدنا في سيرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم كثيراً من الأشياء والأفعال التي تؤكد هذا الأمر ، في تعامله مع الآخرين ، في تعامله مع أصحابه ومع أعدائه ، كان لين الجانب ، واضحاً جلياً في تصرفاته ، هذا في ميدان التصرفات ، وله في ميدان آخر ميدان الكلام ؛ الحديث النبوي الشريف أيضاً هناك الشيء الكثير ، ممكن أن نتحدث عن هذا الجانب ؟.

 

الرقة و اللطف أساس منهج الدعوة إلى الله عز وجل :

الدكتور راتب :
النبي عليه الصلاة والسلام ماهر في قلب أعدائه إلى أصدقاء ، مرة جاءه عكرمة ابن أبي جهل مسلماً ، وأبوه أبو جهل أعدى أعداء الإسلام ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمناً مهاجرا فلا تسبوا أباه فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت ))

[أخرجه الحاكم عن عبد الله بن زبير ]

الرسول الكريم كان مثالاً للرفق والرحمة
كان رفيقاً به ، كان عليه الصلاة والسلام رفيقاً بأصحابه ، كان عليه الصلاة والسلام حريصاً عليهم كحرصه على أولاده .
الحقيقة أن الدعوة إلى الله بين أن تكون إلقاء درس ، وبين أن تكون قلباً كبيراً يسع الناس كلهم ، لذلك رأسمال الداعية ليس لسانه ، ولا فصاحته ، ولا معلوماته ، بقدر ما يكون عليهم بقلب كبير ، يستوعب إخوانه ، ويستوعب الناس جميعاً .
لذلك مرت جنازة فوقف النبي لها ، قيل هذا يهودي ، قال : أليس إنساناً ؟.
كان أعداؤه يدهشون لرقته ، ولطفه ، لذلك

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

المنهج في الدعوة :

 

﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

( سورة فصلت )

هذه أخلاق الدعاة ، لذلك هذه الآية :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

الأهداف النبيلة لا يمكن إلا أن يكون لها وسائل نبيلة :

إذاً كان عليه الصلاة والسلام في تصرفاته رفيقاً ، الأنصار حينما قال لهم : الأهداف النبيلة لا يمكن إلا أن يكون لها وسائل نبيلة

(( أما إنكم لو شئتم لقلتم ، فلصَدقتم ولصُدقتم به ، أتيتنا مكذباً فصدقناك ، طريداً فآويناك ، عائلاً فأغنيناك ، قال : يا معشر الأنصار ! ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ؟ ألم تكونوا عالة فأغناكم الله ؟ ألم تكونوا أعداء فألف بين قلوبكم ؟. ))

[رواه أحمد عن العرباض بن سارية]

إذاً كان النبي رفيقاً بأصحابه ، وكان حليماً عليهم ، لكن من أحاديثه الرائعة كما تفضلتم ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( إِنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيء إِلا زَانَهُ ، ولا يُنْزَعُ مِن شيء إِلا شانَهُ ))

[رواه مسلم عن عائشة ]

نعود ونقول دائماً : الأهداف النبيلة لا يمكن إلا أن يكون لها وسائل نبيلة ، أما هدف نبيل عن طريق العنف ، والقهر ، هذا الهدف لا يتحقق ، لذلك النبي كان رحمة للعالمين ، رحمة بالناس ، كان أصحابه لا ينامون الليل من شدة محبتهم له ، إذاً يقول عليه الصلاة والسلام :

(( إِنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيء إِلا زَانَهُ ، ولا يُنْزَعُ مِن شيء إِلا شانَهُ ))

[رواه مسلم عن عائشة ]

امتحان إيمان كل إنسان بمقدار رفقه بمن حوله :

أؤكد لكم أستاذ عدنان ، الإنسان موصول ومنقطع ، موصول رفيق ، منقطع عنيف ، موصول رحيم ، الرحمة لين ، اللين التفاف ، مقطوع قسوة ، القسوة غلظة وفظاظة ، والغلظة والفظاظة انفضاض ، هذه حقيقة ثابتة .
فالإنسان يمتحن إيمانه بمقدار رفقه بمن حوله ، وكلما كان أكثر رفقاً كان أكثر محبة ، وأكثر رقياً عند الله وعند الناس .
الأستاذ عدنان :
دكتور أحياناً لو قلنا إن إنساناً في مجتمع ما يتعامل مع الآخرين ، النتائج التي يحصل عليها ، نتائج مرسومة ومخطط لها ، إذا عاملهم بشيء من العنف ، إذا عاملهم بأدنى العنف ، الآن مرحلة ثالثة إذا عاملهم بالرفق ، هل تختلف النتائج ما بين العنف ، وشيء من العنف والرفق ؟.

الرفق يحقق العمل الصالح و العمل الصالح سبب دخولك الجنة :

الدكتور راتب :
الحقيقة ، أنا لا أصدق أن يستطيع الإنسان تحقيق رسالة نبيلة بالعنف ، لأنه في الأصل :

الرفق لا يأتي إلا بالخير

 

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾

 

( سورة البقرة الآية : 256 )

ولأن النفوس البشرية فطرت على حب المحسن ، جاء في الأثر القدسي :

(( يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم ، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها ، وبغض من أساء إليها ))

فالرفق لا يأتي إلا بالخير ، ومن يُحرم الرفق يُحرم الخير ، أنت في الدنيا من أجل عمل صالح يكون سبب دخولك الجنة ، ليس ثمن ، سبب ، فرق كبير بين سبب وبين ثمن البيت ثمنه مئة مليون ، أما سبب دخوله مفتاح ثمنه عشرين ليرة فقط .
فلذلك العمل الصالح هو سبب دخول الجنة ، إذاً الرفق يحقق العمل الصالح ، أما بالعنف لا يحقق شيئاً ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام عن نفسه :

(( إنما أنا رحمة مهداة ))

[ أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ]

يعني كل الأهداف الكبيرة ، العظيمة ، النبيلة ، لا تحقق إلا بالرفق ، الرفق لا يأتي إلا بالخير ، ومن حُرم الرفق ، حُرم الخير ، الخير أن تملك قلوب الناس .

 

الفرق الكبير بين العنف و الرفق :

أستاذ عدنان ، سهل جداً أن تملك رقاب الناس ، تملكها بقوتك الرفق يجمع بين الرهبة والمحبة
لكن الأقوياء ملكوا رقاب الناس ، بقوتهم ، بينما الأنبياء ملكوا قلوب الناس برفقهم ، وشتان بين أن تملك القلوب وبين أن تملك الرقاب ، الأقوياء عاش الناس لهم ، والأنبياء عاشوا للناس ، وشتان بين أن يعيش الناس لك ، وأن تعيش لهم ، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا وشتان بين أن تعطي ولا تأخذ ، وبين أن تأخذ ولا تعطي ، الأقوياء يمدحون في حضرتهم أما الأنبياء يمدحون في غيبتهم ، فرق كبير بين الرفق وبين العنف ، ويعطى الإنسان على الرفق ما لا يعطى على العنف .
دائماً التصرف الحاد سهل ، الابن أخطأ ضربه سهل ، وتركه سهل ، لكن البطولة أن يرهبك وأن يحبك في وقت معاً ، هذا يحتاج إلى رفق .
الأستاذ عدنان :
ذكرتم دكتور فيما يتصل بأن الخير مطلوب ، وورد عنه في القرآن الكريم نصوص كثيرة ، وكذلك في أفعال وأقوال النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وكذلك هو منفعة في المجتمع وخير ، ترى في ميدان الفقه إذا أردنا أن ندخل هذا الباب ، فماذا يمكن أن نجد من الرفق من هذا الميدان ؟.

اعتدال المؤمن في كل علاقاته :

الدكتور راتب :
يقول عليه الصلاة والسلام :

(( مِن فقْه الرجل رفقه في معيشته ))

[أخرجه الإمام عن أبي الدرداء ]

المؤمن معتدل في كل شيء
الحكمة ، إنفاق معتدل ، علاقات معتدلة .

(( أحْبِبْ حبِيبَك هَوْنا مَّا ، عسى أن يكونَ بَغِيضَكَ يوماً مَّا ، وأبْغِضْ بغيضَك هَوْنا مَا عسى أن يكونَ حبيبَك يوماً ما ))

[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

دائماً المؤمن رفيق ، أي معتدل ، معتدل في إنفاقه ، معتدل في بذل الوقت ، قد يعمل عملاً مستمراً وينسى عباداته ، وقد ينصرف إلى العبادة وينسى عمله ، رفيق ، أي معتدل في عبادته ، في أعماله ، في أسرته ، ومع أسرته ، ومع الناس ، في البيت ، وفي العمل ، في مطالب الدنيا ، ومطالب الآخرة ، هنا الرفق الاعتدال .

(( مِن فقْه الرجل رفقه في معيشته ))

[أخرجه الإمام عن أبي الدرداء ]

(( الرفق في المعيشة خير من بعض التجارة ))

[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]

هناك تجارة أساسها المضاربات ، أساسها تلف الأعصاب ، أساسها الحظوظ ، ما في جهد بشري ، ففي تجارات تتلف الأعصاب ، في إنفاق كبير يحتاج إلى جهد كبير ، فلو أنك اعتدلت في إنفاقك لما احتجت إلى هذه الهموم ، خذ من الدنيا ما شئت ، وخذ بقدرها هماً ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر .

 

من ثمار الرفق أن تكون أعمال الإنسان معتدلة :

للرفق معنى دقيق هو الاعتدال أحياناً ، يعني معتدل في علاقاته ، معتدل في زياراته ، معتدل في إقامته في بيته ، هناك من يقبع في البيت ولا يخرج منه ، هناك من لا يأتيه إلا عند النوم ، فالاعتدال في علاقته مع أسرته ، في علاقته مع محيطه ، مع جيرانه مع أقربائه ، مع زملائه في العمل ، اعتدال في أكله ، في شربه ، في صحته .

(( مِن فقْه الرجل رفقه في معيشته ))

[رواه أحمد عن أبي الدرداء]

الأستاذ عدنان :
من خلال هذه الناحية دكتور قولك : أن يكون معتدلاً ، هذا هو ما يتصل بالرفق فعلاً ، إذ إنه لو خلط الإنسان من خلال أعماله وعلاقاته مع الآخرين ، لو خلط ما بين الرفق وما بين ما يمكن أن يقال عنه التراخي ، لضاعت الأمور .
لذلك من ثمار الرفق أن تكون أعماله معتدلة ، يعني أعمال الإنسان معتدلة في النطاق السليم ، لتعطي النتائج بعد ذلك ثمارها جيدة صالحة ، حبذا لو بينتم أن الاعتدال هو ميزان الرفق ، وبالتالي تكون ثماره كثيرة .

 

الرفق كمال في الإيمان و محبة لله :

الدكتور راتب :
أولاً الاعتدال ، أو الرفق دليل كمال الإيمان ، يعني الإيمان في إيمان ، وفي إيمان أعلى ، وفي إيمان أعلى ، وفي إيمان كامل ، من صفات كمال الإيمان أن تكون رفيقاً النبي عليه الصلاة والسلام حينما عقد صلح الحديبية ، هذا سلام ، سماه الله فتحاً مبيناً ، فكأن الله يريد لنا السلام ، يريد لنا الراحة ، يريد لنا أن تنظم حياتنا انتظاماً مريحاً ، فكل أعمال العنف ، والقسوة ، والحروب ، هذه تسبب قلقاً في المجتمعات كثيراً جداً .
الرفق كمال في الإيمان
فلذلك الأصل أن السلام هو المطلوب ، الأصل أن تعيش حياة هادئة هو المطلوب لأنه بهذه الطريقة تتفرغ لعبادة الله عز وجل ، لذلك يقال : الرفق كمال في الإيمان ، والرفق محبة لله ، الله يحبك إن كنت رفيقاً ، والناس يحبونك ، والمحبة شيء ثمين جداً ، ورأسمال عظيم جداً ، والرفق ينمي المحبة والتعاون ، التعاون من أين يأتي ؟ من الرفق ، العنيف لا ينصح ، العنيف لا تقدم له النصيحة ، العنيف لا يتعاون معه إطلاقاً ، إن أردت تعاون الناس معك ، إن أردت أن تستعير خبرات الناس ، إن أردت أن يكون الناس لك نصحة ، إن أردت أن يفديك الناس بأرواحهم ، كن رفيقاً بهم ، هكذا كان الأنبياء ، نحن نفتقر إلى كمالات كبيرة جداً في حياتنا .
الأستاذ عدنان :
فعلاً كما بينتم دكتور أن الأمر في موضوع الرفق أن يكون في نطاق الاعتدال حتى إنكم قلتم الرفق يساوي الاعتدال في حياة الإنسان وتصرفاته ، إذ إنه إن كان الرفق في ميدان التراخي يمكن أن يستغل هذا التراخي بحيث تكون الثمار سيئة ، بل يمكن أن تكون شوكاً .
إذاً الرفق ضرورة في حياة الإنسان ، في ذاته ، في مجتمعه ، ومن حوله .

الموضوع العلمي :

والآن إن أردنا أن نتابع إعجاز خلق الله تعالى ، وهو الرفيق بعباده ، وبكل مخلوقاته .

عدم استطاعة الإنسان أن يقارن بين تكنولوجيا ودقة أي طائرة بالطيور :

الدكتور راتب :
نتابع موضوع الطير ، في تصميمه الكامل ، يحاول الناس أستاذ عدنان دائماً الوصول إلى الأكمل في صناعة الطائرة ، فالجناح في الطائرة أبرز ما فيه تخفيف الاحتكاك بالهواء ، إلى أقل درجة ، وبقاء الطائرة في الجو بسهولة ، وقد توصل الإنسان إلى تقنية الطائرات تقنية رائعة جداً ، نتيجة بحوث وتجارب متراكمة ، وعلوم مئة سنة ، لكن تصميم أشكال الطائر والجناح ، باعتبار عوامل خاصة كثيرة ، بمساعدة الحاسوب (الكومبيوتر) ورغم ذلك ، لا تقارن تكنولوجيا ودقة أي طائرة بالطيور ، رغم التقدم ، مئة عام خبرات استخدام الحاسوب ، استخدام علوم نظرية ، علوم تطبيقية ، رغم كل هذا لا تقارن تكنولوجيا طيران الطائرات بطيران الطائر .

image

لا تقارن تكنولوجيا ودقة أي طائرة بالطيور

شيء دقيق : تصمم أشكال الطائرة والجناح باعتبار عوامل كثيرة ، إلا أن الناس طوروا وسائط تطير أسرع من الطيور ، ولكن التحكم في طيران الطيور تفوق كثيراً في كل زمان بمثل لا يقارن ، هناك شيء اسمه المناورة ، هناك طائرة تطير ألف كم في الساعة بحجم كبير جداً تقل 800 راكب الآن ، لكن الطير يملك قدرة على المناورة لا تستطيعها أي طائرة مناورة .

 

التصميم الكامل في الطائر يرجع إلى الخالق سبحانه :

إلى من يرجع هذا التصميم الكامل الموجود في الهياكل ؟ نبدأ في التصميم ، رغم وجود مئات المهندسين ، ورجال العلم وراء تصميم كل طائرة فأثر من قابلية الطيور على الطيران ، وأجسام الطيور التي هي أكمل بكثير من الطائرات ، لا شك أنه لا يمكن أن يكون الطائر هو نفسه صاحب هذا الأثر ، هذا أثر من ؟ الطائر متعلم ؟ درس جامعات ؟ لا شك أن الطائر ليس هو صاحب الأثر ، وليس لدى الطائر أي معلومات عن التصميم ، ولا عن الدينامكية الهوائية ، بل يولد فرخاً بلا شعور

image

التصميم البديع للطائر من صنع الخالق وحده

يستخدم الجناح الذي أوجده له خالقه أثناء وجوده في البيضة ، ولا يستطيع أن يضع جناحاً مختلفاً في نفسه حتى لو أراد ذلك ، مع أنه بالأصل أعطي الجناح بحسب حاجته ، والتفكير في وجود هذا التصميم ، نتيجة مصادفات عمياء نتيجة تفسير أعمى غير منطقي ، قال تعالى :

 

﴿ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

( سورة الجاثية )

الطيور واحدة من التجليات الكثيرة لعلم الله وحكمته التي لا حدود لها في الأرض :

من الممكن أن نرى دلائل الخلق عن قرب أكثر تصميم أجسام الطيور يحوي آلاف التفاصيل
إذا دققنا في بنية أجسام الطيور وأجنحتها ، ذلك لأن هناك معجزات مهمة مخفية في تفاصيلها ، الآن أجسام الطيور صممت بأخف الأشكال الممكنة ، فالطيور ذات عظام أقل بالنسبة للكائنات البرية بالإضافة إلى أن هذه العظام ليست صلبة ، ولا كثيفة كما في الكائنات البرية ، بل على العكس ، فعظامها مفرغة من الداخل ، والعوارض المتقاطعة المنسقة داخل العظام تجعل هيكل الطائر متيناً جداً الطائرة يجب أن تكون خفيفة ، ويجب أن تتحمل كل الظروف الجوية الصعبة ، ويجب أن تملك طاقة كبيرة ، تصميم الريش في الطائر شيء محير ، بنية ريش الطائر الذي يبدو بسيطاً في الظاهر ، معجزة في تصميمه ، فداخل كل ريشة آلاف الرويشات الصغيرة ، المرتبة بشكل تقاطعي ، هذه الرويشات الصغيرة مرتبط بعضها ببعض بصنارات مجهرية تكوّن بهذا سطحاً أملساً خفيفاً ، فهذا التصميم الذي لا نظير له ذو آلاف التفاصيل المجهرية داخل ريشة واحدة فقط ، لا تعود إلى الطبيعة بلا شك ، ولا إلى المصادفات العمياء ، ولا إلى الطائر نفسه ، بل تعود إلى الله رب العالمين ، هو الذي خلق الطيور بخصائصها كلها ، وهذه الكائنات واحدة من التجليات الكثيرة لعلم الله وحكمته التي لا حدود لها في الأرض .

الطائر الطنان نوع مدهش من الطيور يتميز بـ :

1 ـ أجنحته الدقيقة و الحادة كالسكين تشكل تيار هواء بحركاته السريعة :

تحلق الطيور أحياناً في الجو أثناء طيرانها ، مستفيدة من الرياح ، إلا أن هناك نوعاً مدهشاً من الطيور يطير دون أن يستخدم الرياح أبداً ، إنه الطير الطنان ، أجنحة هذه الطيور معجزة أخرى للخلق ، أنظمة الطيران لديها مختلفة تماماًً عن الطيور الأخرى ترفرف بجناحيها 25 مرة في الثانية الواحدة ، بسبب هذا لا تدرك عين الإنسان حركة جناح الطير أبداً ، ولرؤية هذا النظام الرائع يلزمنا إبطاء حركة آلة التصوير

image

أجنحة الطنان تشكل تيار هواء بحركتها السريعة

قد نصور الطائر بفيلم ، ثم نبطئ الحركة ، الأجنحة الدقيقة والحادة كالسكين تشكل تيار هواء بحركاته السريعة نحو الأسفل تماماً ، كما يفعل الإنسان بالمروحية ، فالمروحة في المروحية تدور حول قضيب معدني ثابت ، تشكل تياراً هوائياً باتجاه الأسفل ، الهواء المدفوع للأسفل يرفع المروحية للأعلى ، مبدأ طيران الطنان يشبه إلى حدّ كبير الطائرة المروحية ، يصنع تياراً نحو الأسفل يستطيع هذا الطائر أن يقف في الجو من دون تيار هوائي إطلاقاً .

2 ـ تقدمه للأعلى و الأسفل و الأمام و الخلف بتغير زاوية جناحيه :

شيء آخر : يستطيع بتغير زاوية جناحيه أن يتقدم للأعلى ، والأسفل ، والأمام والخلف ، رفرفة الطنان بجناحيه 25 مرة في الثانية ، وعدم تضرره منها أبداً يحير جداً ، لا يستطيع الإنسان أن يحرك ساعديه في الثانية إلا مرة واحدة ، فإذا أجري هذا العمل بمساعدة آلة لو ربطنا اليد بآلة وحركنها 25 ثانية لاحترقت العضلات ، أما هذا الطائر 25 رفة بالثانية وعضلاته سليمة .

3 ـ الطنان ذو خلقة رائعة من أعقد آلات الطيران والأكثر تفوقاً في العالم :

شيء آخر : عصفور الطنان ذو خلقة رائعة ، فمع خفق جناحيه ملايين المرات دون توقف لا يحصل أي عطل في عضلاته طائر الطنان من أعقد آلات الطيران
هذا الطائر الصغير واحد من أعقد آلات الطيران والأكثر تفوقاً في العالم ، إنه معجزة وحده ، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد .

 

خاتمة وتوديع:

الأستاذ عدنان :
فيما ذكرت دكتور تتوالى ملامح الرفق من الله تعالى بخلقه ، وما أجدرنا أن نكون في قبول هذا الرفق معانين له ، ومتفهمين له ، لنكون على الطريق الحق ، والنهج القويم .
في ختام هذا اللقاء كل الشكر لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي أستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة ، في كليات الشريعة وأصول الدين ، وكل الشكر أيضاً للأخوة المشاهدين ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018