مكارم الأخلاق - الندوة : 12 - الخلق الحسن - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠21برنامج مكارم الأخلاق - قناة انفنيتي
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مكارم الأخلاق - الندوة : 12 - الخلق الحسن


2008-03-13

الأستاذ عدنان :

تقديم وترحيب :

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .
أيها الإخوة والأخوات ، السلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأرحب بكم في برنامج مكارم الأخلاق ، وباسمكم أرحب بفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين ، أهلاً ومرحباً بكم دكتور .
الدكتور راتب :

أهلاً بكم أستاذ عدنان ، جزاك الله خيراً .
الأستاذ عدنان :
نسمع عن فلانٍ أو فلان بأنه على خلق حسن ، لكن لا أود أن أتوقف عند هذه الصفة إلا بعد أن أطرح ما يلي :
قد يقال عن فلان بمثل هذا الكلام ، لكنه عند أناس آخرين يرونه على غير هذه الصفة ، إذ يرون فيه نوعاً من أنواع عدم الانفتاح ، وآخرون يقولون : إن الخلق الحسن أن يكون الإنسان واعياً لما حوله ، ومتعاملاً التعامل الكامل مع من حوله ، إن كانوا على جودة ، أو كانوا على غير ذلك ، هنا قد تختلف أراء الناس في الإنسان ذي الخلق الحسن ، لكن وكلامنا واضح دائماً ، نحن نقول من خلال الشرع الإيماني الإسلامي ، ترى من الناحية الاصطلاحية من هو صاحب الخلق الحسن ؟.
الدكتور راتب :

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

الإنسانُ كائن متحرك بفعل الشهوة :

أستاذ عدنان ، الإنسان في الأصل كائن متحرك ، لماذا هو متحرك ؟ لأن الله أودع فيه الشهوات يتحرك ليأكل ، يتحرك ليعمل ، يتحرك ليتزوج ، يتحرك ليعلو ، هو كائن متحرك ، وهذه الحركة سببها أن الله أودع فيه الشهوات الإنسان في الأصل كائن متحرك
والشهوات لحكمة بالغةٍ بالغة أرادها الله سمح للإنسان أن يتحرك فيها 180 درجة ، ويأتي منهج الله ليقنن حركته بمئة درجة مثلاً ، فما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها .

مَن هو الإنسان الأخلاقي بالمنظور الشرعي ؟

من هو صاحب الخلق الحسن في المنظور الشرعي ؟ في منظور القرآن الكريم ؟ و في حقيقة هذا الدين العظيم ؟
صاحب الخلق الحسن هو الذي يوقع حركته وفق منهج الله .

1 – الخلق الحسن كما جاء به الشرع :

فالإيمان خلُق ، يقول ابن القيم رحمه الله : الإيمان هو الخلق
" الإيمان هو الخلق ، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان " ، والدليل : أن صحابياً جلياً شرح الإسلام لملك الحبشة بأنه خلق حسن ، قال :

(( أَيُّهَا الْمَلِكُ ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ ))

أبرز صفات النبي أمانته ، وصدقه ، وعفافه ، هذه أخلاق حسنة .

(( فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ ، وَنَعْبُدَهُ ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ ، وَحُسْن الْجِوَارِ وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ ، وَقَوْلِ الزُّورِ ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ ، لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ ، وَالصِّيَامِ ))

[ أخرجه الإمام أحمد عن أم سلمة أم المؤمنين ]

وهذا في المنظور الحديث العبادة التعاملية ، وقد يقول العلماء : " إن العبادة الشعائرية لا تقبل ، ولا تصح إلا إذا صحت العبادة التعاملية .

 

2 – الشرع هو مقياس المتفتح والمنغلق :

أنا دائماً عندي مقياس ، أو عندي مرجعية ، أن أتهم إنسان أنه مغلق أو منفتح ، اجتماعي أو انطوائي ، هذا التقييم الشخصي لا قيمة له إطلاقاً .

يقولون : هذا عندنا غير جائز ومن أنتم حتى يكون لكم عند

من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به
العبرة أن تكون ذا خلق حسن بمقياس الله ، بمقياس القرآن ، بمقياس السنة ، فقد لا يروق عملك لواحد من الناس ، لا قيمة لتقيمه ، من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به .
ونقول دائماً : إن الشرع هو المرجع ، فأنا صاحب خلق حسن إذا جاءت حركتي في الحياة وفق شرع الله ، أحياناً أعطي ، أحيانًا لا أعطي ، أحيانًا أغضب ، أحيانا لا أغضب ، أحيانًا أصل ، أحيانًا أقطع ، أحيانًا أتسامح ، أحيانًا لا أتسامح .

 

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

( سورة الشورى )

إذا غلب على ظن المقهور أن عفوه يصلح الطرف الآخر ينبغي أن يعفو ، فإذا غلب على ظنه أن عفوه سيزيده تعنفاً وانحرافاً ينبغي ألا تعفو عنه .
الشرع هو المقياس في حياة الإنسان
إذاً الخلق الحسن يوصف بمقياس الشرع ، أحياناً العطاء جيد جداً ، أحياناً العطاء لإنسان لا يستحقه ، وسينفق هذا المال في المعاصي والآثام لا يعد خلقاً حسناً ، وعند الناس سذاجة أحياناً ، أي عطاء يعد خلقاً حسناً ، لا ، المؤمن يعرف متى يعطي ، ومتى يمنع ، متى يصل ، ومتى يقطع ، متى يرضى ، ومتى يغضب ، متى يوالي ، ومتى لا يوالي .
دائماً وأبداً حينما يفهم الناس الخلق الحسن بالمقاييس الأرضية ، أو بمقاييس مستوردة ليست أصيلة في حياتنا ، ولا في ثقافتنا ، نقع في خطأ كبير .
من الخلق غير الحسن أن تقيم الناس بغير منهج الله عند الناس ، يقول لك : منفتح ، والفتاة المتفلتة اسمها متحضرة ، والذي يأكل المال الحرام اسمه ذكي ، والمنافق اسمه لبق ، فنحن لا نعتد بتقييم البشر من خلال قيم مستوردة أرضية للخلق الحسن ، الخلق الحسن يقيم من قبل خالق السماوات والأرض ، ويقيم أيضاً من خلال سنة النبي عليه الصلاة والسلام .
الأستاذ عدنان :

 

دكتور ، أحياناً ، وضمن الخلق الحسن الممنهج من خلال القرآن والسنة يمكن أن يكون للإنسان عمل ما ضمن الخلق الحسن ، والتصرف الحسن ، ولكنه في ميدان إبراز قول أو نصيحة لإنسان آخر ، أن أكون على خلق حسن في معاملتي معك ، يقتضي أن أشير إلى مواطن ما أرى تبيانه بلباقة وأسلوب جميل ، وما يناسب ذلك ، وأحياناً قد أكون صريحاً إلى مستوى الفظاظة ، يمكن أن يكون هذا ، ولكنه أيضاً ضمن الأسس الكبيرة الواسعة في منهج القرآن الكريم والسنة الشريفة المطهرة ، كيف يبرز الخلق الحسن ؟
الدكتور راتب :

كيف يبرز الخلق الحسن في ساحة المعاملة ؟

1 – لابد للخلق الحسن أن يكون مرتبطًا بالحكمة :

هنا نضيف إلى الخلق الحسن الحكمة ، فليس بحيكم من لا يداري من لا بد من مداراته ، ليس بحكيم من أعطى في موطن المنع ، ومن منع في موطن العطاء ، الحكمة أن تفعل ما ينبغي مع من ينبغي ، في الوقت الذي ينبغي ، وبالطريقة التي تنبغي ، هنا ندخل الحكمة إلى الخلق الحسن .
الخلق الحسن يرتبط بالحكمة
لذلك الإنسان أحياناً لا يعفو ، والنبي مرة لم يعفُ عن إنسان لأنه عفا عنه أول مرة ، وبالغ في إيذاء أصحابه وقتلهم ، المرة الثانية لم يعفُ عنه ، فالخلق الحسن يرتبط بالحكمة .
لذلك من حدث الناس بالحكمة ، وليسوا أهلاً لها فقد ضيع قيمتها ، ومن منعها أهلها فقد ظلمهم ، لذلك من أمر بمعرف فليكن أمره بمعروف .

2 – الفضيلةُ وسطٌ بين طرفين :

على كلٍ ، بشكل عام التطرف سهل ، والتهور نقيصة ، والجبن نقيصة ، والشجاعة بينهما ، و إتلاف المال نقيصة ، والبخل نقيصة ، والكرم بينهما .
الفضيلة وسط بين الطرفين
لذلك قالوا : الفضيلة وسط بين طرفين ، ودائماً وأبداً التطرف سهل .
مثلاً : على مستوى التربية سهل جداً أن يضرب الأب ابنه ضرباً مبرحاً لذنب صغير ، وسهل جداً أيضاً أن يسيب أخلاقه بلا رادع ، وبلا توجيه ، ولكن البطولة أن يكون الطفل مع أبيه محباً له إلى درجة عجيبة ، ويخاف منه إلى درجة عجيبة ، أن يجمع بين الرهبة والرغبة ، دائماً المواقف المتوسطة المعتدلة صعبة ، تحتاج إلى مهارة ، بينما التطرف سهل جداً ، سهل أن تكون متطرفاً يمنة أو يسرة ، أما أن تكون وسطياً معتدلاً فهذا الذي ذكره الله عز وجل عن أنبيائه :

﴿ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً ﴾

( سورة الأنبياء الآية : 90 )

الأستاذ عدنان :

 

دكتور ، ممكن أن يقول إنسان : إذا تعددت هذه الأمور من خلال ما وضحتم ، قد يحتار الإنسان كيف يكون على الخلق الحسن ، أنا مثلاً أود أن أجعل نفسي على طريق الخلق الحسن ، فما هي الخطوات ؟ وكيف أبدأ ؟ وما هو المنهج ؟.
الدكتور راتب :

الخطوات العملية في ميدان الخلق الحسن :

أنا أريد أن أبين حقيقة قد تغيب عن الإخوة المشاهدين ، وهي : أنك إذا أردت أن تجري فحصاً لقيادة المركبة ، أنا فيما أعلم يمتحن بالطريقة التالية : يكلف أن يرجع بها إلى الوراء ، وعلى طريق ضيق يكاد يساوي عرض المركبة ، وهناك قطع من البلاستيك إذا مس واحدا منها رسب ، لماذا فحص هكذا ؟ لأن أصعب شيء في القيادة أن ترجع إلى الوراء ، وعلى طريق ضيق ، وأن تنجح في هذا الامتحان أمرٌ صعب .

1 – البيت :

لذلك الإنسان تظهر حقيقته تماماً في بيته ، يقول عليه الصلاة والسلام : الخلق الحسن يبدأ من البيت

(( خيرُكُم خيرُكُم لأهْلِهِ ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي ))

[أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ]

الإنسان خارج بيته من مصلحته أن يكون أنيقاً ، من مصلحته المادية أن يكون لبقاً ، أن يعتذر ، أن يبتسم ، أن يجمِّل صورته ، أن يختار الكلمات اللطيفة ، هذا كله بالتعبير المعاصر ( بزنز )، ومصلحة ، لكن الإنسان ينكشف على حقيقته في البيت ، حيث لا رادع ، ولا رقيب ، ولا محاسب ، أنت ذو خلق حسن بقدر ما أنت أخلاقي في بيتك .

(( خيرُكم خيرُكُم لأهْلِهِ ، وأنا خيرُكُم لأهْلِي ))

فالمرآة ما أكرمها إلا كريم ، ولا أهانها إلا لئيم ، النساء يغلبن كل كريم ، ويغلبهن لئيم ، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً ، من أن أكون لئيماً غالباً .
فأنا أرى أن الخلق الحسن يبدأ من البيت ، وهذا البيت جنة المؤمن ، والمؤمن كل كمالاته تظهر في بيته ، وأنا أعجب كثيراً بالتماسك الأسري ، حينما يكون الأب مؤمناً ومحسنًا ، وزوجا صادقا ، والمرأة مخلصة ، والأولاد ربوا في هذا الجو الرائع ، هذا هو الخلق الحسن .

 

2 – خارج البيت :

الآن خارج المنزل أغلب الظن من كان أخلاقياً في بيته هو أخلاقي خارج المنزل ، أما العكس فمنتشر جداً بين الناس ، في أعلى في درجات النعومة خارج البيت ، فإذا دخل إلى البيت فهو كالوحش الكاسر ، هذا شيء مرفوض ، والنبي الكريم بيّن أن الخلق الحسن يبدأ من بيت الإنسان ، من أقرب الناس إليه ، من زوجته .

أخلاق المصلحة لا قيمة لها :

الأخلاق الحسنة تأتي من اتصال الإنسان بربه
إذاً : قضية الخلق الحسن لها أسباب ، وسوف أصل إليها ، والسبب الذي يأتي بالنتيجة أنا أعتقد والله أعلم إن كنت مصيباً فمن فضل الله ، وإن لم أكن فمن تقصيري ، أنا أعتقد أن الذي يتصل بالله اتصالاً صحيحاً يشتق منه العدل ، والإنصاف ، والرحمة ، والحكمة ، والكرم ، أنا لا أصدق أن قيمة أخلاقية عالية جداً تكون بعيدة عن الدين ، أما الذين هم أذكياء جداً ، ويتصرفون بذكاء ، وكأنهم أخلاقيون ، حينما تمس مصالحهم يصبحون كالوحوش كما نرى .
الأخلاق التي أساسها الذكاء لا قيمة لها
فلذلك هناك أخلاق أساسها الذكاء والمصلحة ، لكن هؤلاء يمتحنون ، فإذا امتحنوا ، وجاء من مس مصالحهم يصبحون كالوحوش تماماً ، لا قيمة لهذا الخلق الذي أساسه الذكاء وطلب الربح ، أما الخلق الأصيل فهو الخلق الذي يتأتى من اتصال الإنسان بربه ، هذا خلق ثابت ، لا يتبدل ، ولا يتغير ، لا يتأثر ، لا بالمصالح ، ولا بإقبال الدنيا ، ولا بإدبارها ، لا يتأثر لا بالمكاسب ، ولا بالعقبات ، ولا بالصوارف .
الصحابة الكرام كانوا أخلاقيون من هذا النوع ، لذلك حينما فتحت القدس من قبل الفرنجة ذُبح سبعون ألفا ، أما حينما فتحها صلاح الدين فلم يرق قطرة دم واحدة ، فالمؤمن عنده كمال داخلي .

الخلق الحسن صورة الإنسان من الداخل :

أستاذ عدنان ، بشكل أو بآخر لي كلمة دقيقة : الخلق الحسن صورة الإنسان من الداخل ، أنا لي صورة من الخارج ، هذا الإنسان له طول معين ، له شكل وجه معين ، له لو جلد معين ، له أناقة معينة ، هذه الصورة من الخارج ، أما الخلق الحسن فصورته من الداخل ، أدبه ، تواضعه ، رحمته ، قلبه الذي يشع رحمة ، حلمه ، خيره ، كرمه ، الخلق الحسن صورة الإنسان من الداخل ، وأكاد أقول : إن أول ثمرة من ثمار الإيمان الخلق الحسن وإن أولى صفات الأنبياء :

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

( سورة القلم )

الخلق الحسن صورة الإنسان من الداخل
فالإيمان هو الخلق ، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان .
أستاذ عدنان ، جزاك الله خيراً ، النبي عليه الصلاة والسلام كان مع أصحابه في سفر ، أرادوا أن يعالجوا شاة ، قال أحدهم :

(( عليّ ذبحها يا رسول الله ، فقال الثاني : عليّ سلخها ، وقال الثالث : وعليّ طبخها ، فقال عليه الصلاة والسلام : وعليّ جمع الحطب فقالوا : نكفيك ذلك يا رسول الله ، قال : أعلم أنكم تكفونني ، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه ))

[ ورد في الأثر ]

هكذا كان عليه الصلاة والسلام .
كان مع أصحابه رواحل قليلة ، والأصحاب كثير ، وهو قائد ، قائد الجيش وزعيم الأمة ، ونبي الأمة ، وسيد الأنبياء والمرسلين ، فقال : كل ثلاثة على حدة ، وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة ، سوى نفسه مع كل أصحابه ، أو جعل نفسه جندياً في هذا الجيش ، فركب الناقة في نوبته الأولى ، فلما جاء دوره في المشي ، توسلا صاحباه أن يبقى راكباً ، فقال قولة والله لو أرددها آلاف المرات لا أشبع منها ، قال :

(( ما أنتما بأقوى مني على السير ، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر ))

[ أحمد ]

دخل عليه أعرابي ، نظر إلى المجلس قال : أيكم محمد ؟ ما له كرسي خاص ؟ لم يتميز على أصحابه أبداً ، لذلك هؤلاء الأصحاب الذين افتدوه بأرواحهم هم الرابحون ، الإنسان قوي بكماله .

 

وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 159 )

على الداعي إلى الله أن يكون لطيفاً ليناً في المعاملة
مع أنك نبي ، مع أنك رسول ، مع أنك أوتيت الوحي ، مع أنك أوتيت القرآن مع أنك أوتيت الفصاحة ، مع أنك أوتيت البيان ، مع كل هذه الخصائص :

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

نأتي إنسانا يدعو إلى الله ، لا معه وحي ، ولا قرآن ، ولا معجزات ، ولا بيان ولا جمال ، ولا فصاحة ، ويدعو الناس إلى الله بغلظة ، لمَ الغلظة يا أخي ؟

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

أخلاق الدعوة وأخلاق الجهاد :

فلذلك هناك أخلاق الدعاة ، قال تعالى :

 

﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

( سورة فصلت )

وقد يخلط الناس بين أخلاق الدعاة ، وأخلاق الجهاد .

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾

( سورة التوبة الآية : 73 )

تلك في الجهاد ، في ساحة المعركة فقط ، ساحة المعركة هكذا أخلاقها ، فلذلك الخلق الحسن صورة الإنسان من الداخل ، ويمكن أن نضغطها بأن كل شيء جاءك من الله تتلقاه بالشكر ، وأن كل شيء أديته لله تعتذر عنه ، لأنه لا يليق بمقام الله ، وأنك مع الناس تكف عنهم الأذى ، وتبذل له المعروف .
الأستاذ عدنان :

 

دكتور ، أحياناً كما يقال : ينضح الإناء بما فيه ، فلان من الناس في طويته أنه سهل المعشر ، سهل الحديث ، متواضع ، وهو مع الآخرين كذلك ، في بيته وخارج بيته ، لكننا نشهد في بعض الأحيان إنساناً آخر في الصفات نفسها ، ولكنه لا يتراجع عن مبادئه الأساسية الممنهجة ضمن شرع الله ، أما الأول فيمكن أن يتراجع من خلال ضعف في شخصيته ، فكيف نحكم موضوع حسن الخلق في هذا الأمر ؟.
الدكتور راتب :

لا مجال للمساومة في المبادئ والقيم ، لكن عليكم بالمداراة :

المؤمن الصادق لا يداهن في مبادئه وقيمه
في موضوع المبادئ والقيم لا مجال للمساومة ، ولا للمسايرة ، ولا لأنصاف الحلول ، أما في موضوع التعامل العادي فلك أن تتسامح ، لذلك هنا نفرق بين المداهنة ، والمداراة ، المداهنة بذل الدين من أجل الدنيا ، بينما المداراة بذل الدنيا من أجل الدين .

 

﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾

( سورة القلم )

المؤمن الصادق لا يداهن في مبادئه وقيمه ، لكنه يداري الناس ، يبذل لهم من الدنيا ما شاء ، فالمؤمن يداري ، ولا يداهن ، بينما غير المؤمن يداهن ولا يداري .
الأستاذ عدنان :

 

ومن إعجاز الله تعالى أن خَلَق في ميدان آخر ضمن الإعجاز العلمي الذي ستحدثنا عنه بإذن الله تعالى من الحيوانات ما يمكن أن تداري أمورها لندرك عظيم خلق الله تعالى .
الدكتور راتب :

الموضوع العلمي : طائر البطريق :

1 – أين يعيش البطريق ؟

هناك طائر يعيش في أبرد منطقة في العالم

image

طائر البطريق يعطف على صغاره عطفاً لا حدود له

يبقى الشتاء هنا في المنطقة القطبية ستة أشهر ، تربية صغير في بيئة صعبة كهذه تحتاج إلى تضحية كبيرة جداً ، الحقيقة سوف نرى كيف أن هذا طائر البطريق يعيش ، ويعد من أكثر المضحين من أجل أولاده ، قد نجد إنسانا يقسو على الصغار ، وسوف نجد هذا الطائر البطريق يعطف على صغاره عطفاً لا حدود لها .

2 – رحلة البطريق :

هذه البطارقة تقوم برحلة إلى مكان الذي سيتحقق فيها اللقاء الكبير ، إنما أن تزحف على بطنها ، وإما أنها تمشي على قدميها ، تمشي أحياناً 100 كم ، وتمشي جميعاً إلى الجهة نفسها بشكل معجز

image

رحلة البطريق من أصعب الرحلات

في نهاية هذه الرحلة ستلتقي آلاف البطارقة في مكان معين بشكل محير ، في منطقة حرارتها 60 تحت الصفر ، ورياحها 100 كم بالساعة ، هناك لقاء كبير في هذه المنطقة ، هذه الرحلة الشاقة هي بداية المصاعب التي تواجهها ، والتضحيات التي تقوم بها ، لأجل صغرها ، والصعوبة الأساسية تبدأ بعد وضع الأنثى بيضها .

 

3 – مهمة الذكر حضانة البيض :

البطريق هناك أنثى البطريق ، وهناك ذكر البطريق ، الأنثى تضع البيض ، هذه البيضة ماذا يفعل بها الذكر ؟ بعد أن تضع الأنثى بيضها لفترة قصيرة يهجم الشتاء ، الحرارة في أشهر الشتاء تنخفض إلى الخمسين أو الستين تحت الصفر ، وتهب الرياح حاملة معها الثلج والبرد بسرعة 100 كم في الساعة .

image

حضانة البيض وحمايته

الآن تترك الإناث البيض عند الذكور ، وتعود إلى البحر ، الإناث تضع البيض في هذا التجمع الكبير ، وتنطلق إلى البحر ، وتوكل مهمة حضن البيضة للذكور ، تحمل ذكور البطريق البيوض على قدميها ، البطريق واقف ، يحمل على قدميه البيضة ، ويبقى واقفاً أربعة أشهر ، دون أن يأكل ، ودون أن يشرب ، حفاظاً على البيضة ، لأنها إذا لامست الثلج ماتت .

 

ما أروعها من رحمة !!!

ما هذه الرحمة ؟! بطريك أعجم لا يعقل ، يضع بيضة على قدميه ، ويغطيها بفروه ، ويبقى واقفاً من دون طعام وشراب أربعة أشهر ، وفي حوصلته غذاء هو في أمس الحاجة إليه من أجل أن هذه البيضة تنشق عن صوص صغير يلقمه الوجبة الغذائية الأولى .

image

الذكر يحمي البيضة من التجمد

شيء يكاد لا يصدق من رحمة الحيوان بصغاره ، وقد ترى أناساً من بني البشر يهملون أولادهم ، هم يجتمعون مع بعضهم بعضاً كي لا يتأثروا بالبرد الشديد ، وكل بطريق ذكر على قدميه البيضة التي يحفظها أربعة أشهر من دون أن تمس الثلج ، فإذا مست الثلج ماتت ، فيغطيها بفروه والبيضة على قدميه ، ويمشي مشياً متئداً لئلا تقع البيضة ، ما هذه الرحمة التي أودعها الله بالبطريك ؟ إلى أن يأتي فصل الربيع .

 

4 – مهمة الذكر إطعام الصغير بعد فقسه للبيضة :

وفي فصل الربيع يخف الثلج وينحسر ، وتظهر الأزهار عندئذٍ هذه البيضة تنشق عن بطريك صغير مهمة الذكر إطعام المولود الجديد
أول عمل يفعله البطريق الأب أنه يعطي المولود الجديد الغذاء الذي هيأه في حوصلته لهذا المولود الجديد ، وبعد هذا يبقى البطريق الصغير على قدمي أبيه إلى أن يقوى عوده قليلاً ، ثم يمشي كما يمشي أبوه .

5 – مهمة الأنثى جمعُ الطعام :

لكن الأم في هذه الفترة في البحر ، ترجع من البحر إلى هذا التجمع الكبير ، هي جمعت غذاء ، وأتعبت زوجها بتربية هذه البيضة لمدة أربعة أشهر ، الآن جاء دورها في العناية بهذا المولود الجديد ، والذكر يعود إلى البحر ليستجم قليلاً ، وليأكل ، وليملأ حوصلته من ما في البحر من طعام .

هذا درسٌ للإنسان :

البطريق يعطي دروس للإنسان في عطفه على صغاره
إنها آية من آيات الله الدالة على عظمته ترينا كيف أن الله أودع في قلوب الحيوانات هذه الرحمة ، فإذا قسا الإنسان فالمشكلة كبيرة جداً ، إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي الراحمون يرحمهم الله ، ولا شيء يؤلم الإنسان كأن تجد طفلاً يعذب ، طفل مريض ، طفل يُقتل ، أما الحيوانات العجماوات التي لا تعرف شيئاً من الحق ، أودع الله في قلوب أمهاتها هذه الرحمة ، أن يبقى طائر واقفاً أربعة أشهر ، وعلى قدميه بيضة يخشى أن تمس الثلج ، ولا يأكل ، ولا يشرب إطلاقاً ، وهو في مكان الحرارة فيه خمسون تحت الصفر ، إلى ستين ، وفيه رياح عاتية شديدة تحمل الثلج سرعتها مئة كم بالساعة ، والبيضة تبقى هي هي ؟! هذا من آيات الله الدالة على عظمته ، وهذا درس بليغ جداً للإنسان الذي يهمل تربية أولاده ، فإذا كان المخلوق البهيم بهذه الرحمة فما بال الإنسان ؟!
الأستاذ عدنان :

توديع :

في ختام هذا اللقاء كل الشكر لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين ، وكل الشكر أيضاً للإخوة المشاهدين .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018