مكارم الأخلاق - الندوة : 10 - الإحسان ـ التمويه - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠21برنامج مكارم الأخلاق - قناة انفنيتي
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مكارم الأخلاق - الندوة : 10 - الإحسان ـ التمويه


2008-03-11

مقدمة :

الأستاذ عدنان:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أيها الأخوة والأخوات، السلام عليكم ورحمة الله، وأرحب بكم في برنامج:" مكارم الأخلاق" وباسمكم أرحب بفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين، أهلاً ومرحباً بكم دكتور.
الدكتور راتب:
بكم أستاذ عدنان جزاك الله خيراً.
الأستاذ عدنان:
دكتور نقول عن فلان: إنه محسن، ونقول: وأحسنوا كما أحسن الله إليكم، ونقول: فلان أعطى حسنة، وكلمة الإحسان بشكل عام يمكن أن تكون حتى في اسم الإنسان، يسمى إحساناً، كلمة الإحسان تعريفاً من خلال المصطلح لا من خلال التعريف اللغوي ماذا تعني؟

تعريف الإحسان :

الدكتور راتب:
الإحسان تعرفه النفوس السليمة بفطرتها
تعريف الإحسان أستاذ عدنان جزاك الله خيراً من خلال المصطلح فعل ما هو حسن، وما الحسن؟ هناك مصطلح قرآني رائع هو المعروف والمنكر، الحسن تعرفه النفوس السليمة بفطرها، والشيء غير الحسن تنكره النفوس السليمة بفطرها، فكأن مفهوم الإحسان هو مفهوم المعروف عند كل الخلق، ومفهوم الإساءة تنكرها النفوس كل نفوس الخلق، في أصل الإنسان هناك فطرة سليمة تعرف الحسن وتعرف القبيح، وفي بعض البلاد يأتون برجال من الطريق اسمهم المحلفون، ويعرضون عليهم قضية قضائية، بفطرهم السليمة يمكن أن يكتشفوا الحقيقة، الحسن ما عرفته النفوس بفطرتها، المعروف والسوء ما أنكرته النفوس بفطرتها، فالإحسان فعل الشيء الحسن، والإنسان قبل أن تطمس فطرته، وقبل أن يعطل عقله ويزور، يعرف الحسن بفطرته، ويعرف عدم الحسن بفطرته.
الأستاذ عدنان:
دكتور أحياناً نستقبح عملاً بشكل كبير وأحياناً بشكل أدنى من ذلك، وقد يقارب هذا الفعل القبيح أن يكون غير قبيح، والحسن أيضاً الشيء نفسه، فنستحسن عملاً بشكل رائع وقد يكون وسطاً وقد يكون أدنى من ذلك، إذاً هل أستطيع أن أقول إن الإحسان له مراتب؟ ما هي؟

مراتب الإحسان :

الدكتور راتب:
لا شك أن أدنى مرتبة في الإحسان أن تميط الأذى عن الطريق:

(( إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

أدنى مستوى من الإحسان إماطة الأذى عن الطريق
إذا رأيت قشة في المسجد وضعتها في جيبك هذا إحسان، أحياناً أثناء كنس الغرفة في الشتاء، والأشعة داخل الغرفة تبدو أشياء عالقة في هواء الغرفة، قال تعالى:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

[ سورة الزلزلة]

فالإنسان قد يعمل عملاً سهلاً جداً؛ أن تبتسم في وجه أخيك هذه حسنة، الإحسان مستويات أدناه أن تميط الأذى عن الطريق، وأعلاه أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
وكما هو معلوم هناك الإسلام: الانصياع لأوامر الله، وهناك الإيمان: التوجه إلى الله، وهناك الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً
إذاً هناك مراتب متفاوتة تفاوتاً كبيراً جداً، ولكن قبل قليل قلت: إن الفطر السليمة تعرف الإحسان بفطرها، لكن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث دقيق وخطير يقول:

(( كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف، ولم تنهوا عن المنكر؟ قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر، ونهيتم عن المعروف، قالوا: أو كائن ذلك يا رسول الله؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً المنكر معروفاً؟))

[ ورد في الأثر ]

هذه حالة متدنية جداً من ضياع الأمة حينما تتبدل القيم، في الأصل الشيء الحسن تعرفه النفوس بفطرتها، والشيء القبيح تنكره النفوس بفطرتها، لكن أحياناً مع استمراء المعاصي والآثام، وشيوع الفتن، مع طروحات غريبة عن هذا الدين، مع شبهات لا تنتهي، مع ضلالات، مع باطل مزخرف مزين، عندئذ تضيع المقاييس السليمة، لذلك:

(( إِنَّ الإِسْلامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ))

[ سنن ابن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك ]

الأستاذ عدنان:
في هذه الحالة دكتور بينتم أن الإحسان والإساءة يمكن أن يكونا على درجات من الأدنى إلى الأعلى، ولا أقصد بكلمة الأدنى أن الإحسان له حدّ أدنى أي سيئ إنما بدأ الإحسان ثم التدرج إلى العلو، لكن هذا يمكن أن يقودنا إلى مستويات الإحسان.

 

مستويات الإحسان :

الدكتور راتب:
الحقيقة الإحسان قد يكون عميقاً في النفس عمقاً لا حدود له، وقد يكون أثره ممتداً إلى أمد بعيد، وقد يكون أثره في رقعة واسعة جداً، وقد يكون أثره عميقاً جداً يغير كيان الإنسان كله، يمكن أن تطعم هرة الإحسان قول وفعل
يمكن أن تطعم جائعاً، لكنك إذا أحسنت إلى إنسان فدللته على الله فتبدلت حياته، وتبدلت قيمه، وسعد بقربه من الله، نقول: هذا الإحسان، وصل إلى أعماق الإنسان، واستطاع أن يغير كل منطلقاته النظرية، وقناعاته الفكرية، ومبادئه، وقيمه، فصار إنساناً آخر، لذلك الفرق بين الإنسان المسلم والإنسان الشارد عن الله كبير جداً، حينما يغدو الفرق فقط أن تؤدى العبادات من قبل إنسان، وقد لا تؤدى من قبل إنسان، وفيما سوى العبادات الناس متشابهون، هذا ضعف كبير أصاب المسلمين، أما حينما ترى المسلم له صفات صارخة، وفاؤه، دقته، تواضعه، رحمته، أي إحسانه صارخ، لا تستنبط أنه مسلم من خلال عباداته بل من خلال معاملاته، فلذلك الإحسان قد يكون عميقاً جداً في النفس، أنت حينما تُعرّف الناس بالله تجعلهم أناساً آخرين، كان ميتاً فأحياه الله بالإيمان، كان شارداً فاهتدى، كان شقياً فسعد، كان منحرفاً فاستقام، كان مسيئاً فأحسن، هذا نوع من الإحسان حينما تصل به إلى أعماق أعماق الإنسان، حينما تعرفه على الله، وتكون أنت قدوة له، لذلك قال بعض العلماء: "من دعا إلى الله بأسلوب ومضمون سطحي غير متماسك، أو دعا إلى الله بأسلوب غير علمي وغير تربوي، لا يعد عند الله مُبلّغاً، ويقع إثم تفلته من المنهج على من دعاه بهذه الطريقة"، لكن يقول الله عز وجل:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت الآية: 33 ]

الدعوة إلى الله تتذبذب بين أقدس عمل و أتفه عمل :

لذلك أنا أقول: الداعي إلى الله قدوة بأقواله وأفعاله
ليس هناك من شيء يتذبذب بين أن يكون أقدس عمل يرقى إلى صنعة الأنبياء كالدعوة إلى الله، إنها صنعة الأنبياء، و بين أن يكون أتفه عمل لا يستأهل إلا ابتسامة ساخرة كالدعوة إلى الله، يكون أقدس عمل إذا بذل من أجل هذه الدعوة الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، يكون أقدس عمل إذا التزم الداعية بما يقول فلن يجد المدعو مسافة بين أقواله وأفعاله، يكون أقدس عمل إذا كان قدوة لمن يدعوهم، لذلك ليس عند الله في خلقه من هو أفضل ممن:

﴿ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾

وليس عند الله ممن هو أسوأ ممن تاجر بالدين، لذلك يقول الإمام الشافعي: "والله لأن أرتزق بالرقص أهون من أن أرتزق بالدين".
أنت حينما تحسن، ويتغلغل إحسانك إلى أعماق الإنسان، فتتبدل قيمه ومبادئه، وأنماط سلوكه، وعلاقته بأهله، وبأولاده، وبعمله، وبالناس عامة، يكون هذا الإحسان عميقاً جداً، وقد تكون دعوتك تشمل أناساً كثيرين، أنت في قلوب المئات بل في قلوب الملايين وهذا معنى قول الله عز وجل:

﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

[ سورة النحل الآية: 120 ]

الدين كله أن تؤمن بالله وأن تحسن إلى خلقه :

قد تكون دعوتك قد وصلت إلى أطراف الدنيا، اتسعت رقعتها، وتعمق أثرها، وكثر المستجيبون لها، وقد تكون الدعوة إلى أنبل المبادئ ,وأكرم القيم، لذلك الإحسان واسع جداً يبدأ بأن تميط الأذى عن الطريق، وتنتهي بهداية الخلق الدين كله أن تؤمن بالله وأن تحسن إلى خلقه
كلمة إحسان جامعة مانعة واسعة جداً فعل ما هو حسن، أن تبتسم للضيف، أن تتواضع لمن يراجعك وأنت موظف، أن تعالج المريض بإتقان بالغ، أن تعتذر عن قبول دعوى ليست محقة، إحسان هذا الرفض إحسان، أن تمتنع عن غش الناس، الاستقامة إحسان، الإحسان له جانب سلبي، كلمة لا، أنا ما كذبت، ما افتريت، ما غششت، كل كلمة تسبقها ما هذا الإحسان السلبي، وكل كلمة لم تسبق بما، أعطيت بذلت، منحت،نصحت، إحسان إيجابي، فالدين كله أن تؤمن بالله وأن تحسن إلى خلقه، السيد المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قال على لسانه في القرآن الكريم:

﴿ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ ﴾

[ سورة مريم الآية: 31 ]

هذه الآية جمعت الدين كله، الدين حركة نحو خالق الأرض والسماوات، وحركة نحو الخلق، معرفة الله وطاعة له وإحسان إلى الخلق، فالإحسان كلمة واسعة جداً.
الأستاذ عدنان:
دكتور يمكن أن يأتي إنسان ويعطي فقيراً مالاً، والفقير بحاجة إلى هذا المال، لكننا إذا عدنا إلى هذا المعطي يمكن أن نجده قد اختلس هذه الأموال فهل هذا إحسان؟ وهل للإحسان شروط بالتالي؟

 

شروط الإحسان :

الدكتور راتب:
الحقيقة أن الإحسان لا يقبل إلا بشرطين؛ كل شرط منهما شرط لازم غير كاف، الأول: أن يكون صواباً وفق منهج الله، والثاني أن يكون خالصاً لوجه الله، فالعمل الصالح لا يقبل إلا إذا كان خالصاً ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، لذلك هناك أعمال ظاهرها إحسان لكن وسيلتها ليست مشروعاً، بأن تقيم حفلاً غنائياً ساهراً يرصد ريعه للفقراء، النهاية عمل صالح صورته الأولى ليست صالحة، لذلك أنا أنصح أخوتي المشاهدين أن العمل الصالح الذي يقرب إلى الله له شرطان أساسيان؛ العمل الصالح يجب أن يكون خالصاً لوجه الله تعالى
وكل شرط منهما شرط لازم غير كاف، أن يكون صواباً وفق منهج الله، وأن يكون خالصاً ابتغي به وجه الله:

﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ ﴾

[ سورة النمل الآية: 19 ]

يرضى الله عن العمل الصالح إذا كان صواباً، وإذا كان خالصاً، أما هناك أعمال بمقياس البشر صالحة لكن هي عند الله ليست صالحة، فالعبرة لا أن تُحكّم العمل بمقاييسك أن تُحكّم مقياس الله عز وجل في كتابه وفي سنة نبيه بالعمل الصالح.
الأستاذ عدنان:
دكتور وأحسن كما أحسن الله إليك، هذه ناحية، الناحية الثانية: وأمرني بالصلاة و الزكاة كما بينت قبل قليل، هنا تتوضح لنا ميادين الإحسان، وأنواعه، بحيث أولاً: الصلاة وهي متعلقة بالله الخالق، ثانياً: بما يتصل بالبشر، بالإحسان، وأحسن كما أحسن الله إليك، أي أن يكون الإحسان للناس وإحسان الله عز وجل كبير وكبير، إذاً علينا أن نسلك السبيل الذي يكون على طريق الخير، وعلى طريق الخير يمكن أن يتشعب، يمكن أن يكون في ميدان الإحسان لذات الإنسان، لمن حوله، لأقاربه، لوالديه، للمجتمع كله، حتى في الكلمة يمكن أن يكون الإحسان موجوداً يمكن أن نوضح ذلك؟

 

أعظم أنواع الإحسان :

1 ـ أن يحسن الإنسان إلى نفسه :

الدكتور راتب:
أستاذ عدنان الحقيقة أعظم إحسان على الإطلاق أن تحسن إلى نفسك فتعرفها بالله، وأن تحملها على طاعته، وأن تجعلها تتقرب إلى الله بالعمل الصالح، لذلك:

أعظم أنواع الإحسان أن تعرف نفسك بالله تعالى

 

﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ﴾

 

[ سورة الإسراء الآية: 7 ]

أو أنواع الإحسان أن تحسن لنفسك، لأن نفسك أمانة بين يديك:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب الآية: 73 ]

وقال علماء التفسير: الأمانة نفسك التي بين جنبيك.

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس الآيات: 9-10 ]

أعظم أنواع الإحسان أن تعرف نفسك بالله، وأن تحملها على طاعته، وأن تدفعها إلى العمل الصالح، كي تسعد بقرب الله في الدنيا والآخرة، هذا نوع كبير من أنواع الإحسان.

 

 

2 ـ أن يحسن الإنسان لمن كانا سبب وجوده :

ثم عليك أن تحسن لمن كانا سبب وجودك.

 

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾

[ سورة الإسراء الآيات: 23 ]

على المسلم أن يحسن لمن كانا سبب وجوده
ولكن مع الوالدين هناك فرق بين العبادة وبين الإحسان، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فالله عز وجل نعبده وفق منهجه، لكن الوالدين نحسن إليهما،

﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾

إذاً الإحسان الذي يلي طاعة الله عز وجل الإحسان للوالدين، وهناك تفاصيل كثيرة جداً في هذا الموضوع لها مجال آخر.

 

3 ـ أن يحسن لأقرب الناس إليه؛ زوجته و أولاده :

على كلٍّ بعد أن تحسن لوالديك ينبغي أن تحسن لأقرب الناس إليك، لأهلك، الله عز وجل حضّ عباده على أن يتقي الإنسان النار، وأن يقي أهله النار: ينبغي على المسلم أن يحسن لأقرب الناس إليه

﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ﴾

[ سورة التحريم الآية: 6 ]

أي:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾

[ سورة الطور الآية: 21 ]

أي كل أعمال ذريتهم إلى يوم القيامة تلحق بالآباء والأمهات، لذلك الإحسان إلى الأبناء هو أعظم أعمال الإنسان، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( أفضل كسب الرجل ولده ))

[أخرجه الطبراني عن أبي بردة بن نيار ]

الإنسان لأنه جُبل على حبّ وجوده، وعلى حبّ سلامة وجوده، وعلى حبّ كمال وجوده، لكن الأخيرة وعلى حبّ استمرار وجوده، الإنسان المؤمن يستمر وجوده بأولاده، فحينما يعتني بتربيتهم، حينما يعتني بعقيدتهم، حينما يعتني بأخلاقهم، حينما يعتني بسلوكهم، عندئذٍ يكون الابن استمراراً لأبيه، فرغبة الإنسان في الاستمرار تكون عن طريق أولاده، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:

(( أفضل كسب الرجل ولده ))

[أخرجه الطبراني عن أبي بردة بن نيار ]

4 ـ أن يحسن إلى الأقارب :

الله عز وجل أمرنا أن نحسن إلى أقاربنا
الآن نظام التضامن الاجتماعي أساسه الجغرافيا والنسب، فالله عز وجل أمرنا أن نعتني بالجار من خلال سنة النبي عليه الصلاة والسلام:

(( أتدرون ما حق الجار؟ إذا استعان بك أعنته، وإذا استنصرك نصرته، وإذا مرض عدته، وإذا مات شيعته، وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابته مصيبة عزيته...))

[الطبراني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ]

لكن التضامن الثاني تضامن الأقارب، لذلك العلماء قالوا: لا تقبل زكاة مال من غني، وفي أقربائه محاويج، بل إن العطاء للقريب له أجران؛ هو صدقة وصلة في وقت واحد، لذلك أساس التكافل الاجتماعي هو أساسه نسبي، فأنا أتفقد من يلوذ بي من أقربائي، فإذا كل واحد من المسلمين تفقد أقرباءه الضعاف، والفقراء، والمرضى، فكان هناك ضمان اجتماعي عفوي، وطبيعي، وشامل، إذاً أنت يجب أن تحسن إلى نفسك، وأن تحسن إلى والديك، وأن أن تحسن إلى أولادك وزوجتك، وأن تحسن إلى أقاربك.

5 ـ أن يحسن إلى المجتمع :

بقي بقية المجتمع.

(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّ ))

[ مسلم والترمذي وابن ماجه واللفظ له عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

عامل الناس كما تحب أن يعاملوك
أي مسلم أنت محاسب على الخطأ معه حساباً شديداً، أنت مثل أعلى، أنت إنسان تتقرب إلى الله بخدمة الخلق، كلهم عباد الله، فأنت محاسب أشد الحساب عن الإحسان إلى بقية الخلق، لذلك إسلامك الدقيق في عيادتك، وفي مكتبك الهندسي، وفي متجرك، وفي معملك، وفي حقلك، فبقدر ما تحسن إلى خلق الله جميعاً من دون استثناء، ما أحسن عبد من مسلم أو غير مسلم إلا وقع أجره على الله في الدنيا والآخرة.
هذا أوسع حديث، العمل الصالح مقبول عند الله ولو من إنسان في عقيدته خلل، لأن الخلل بعقيدته يحاسب عليه، أما عمله الصالح محفوظ له في الدنيا كحد أدنى، وإذا ابتغى به وجه الله محفوظ له في الآخرة، إذاً أنت مكلف أن تعامل كل الخلق بالإحسان، وعامل الناس كما تحب أن يعاملوك، وما من شيء يسخط الإنسان إلا حينما يكيل بمكيالين، يتمنى أن تعامل ابنته عند بيت أهل زوجها لا كما يعامل زوجة ابنه في بيته.
الأستاذ عدنان:
دكتور، هناك أشياء كثيرة يمكن أن تكون في مجال الإحسان، الإنسان عندما يجاهد نفسه ليكون على طريق الإحسان.

 

تعدد الطرق إلى الله عز وجل :

الدكتور راتب:
الطرق الموصلة إلى الله عز وجل عديدة
هذا إحسان، والصبر إحسان، وجهاد النفس والهوى إحسان، وبذل المال إحسان، والطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، مليار طريق إلى الله.

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾

[ سورة البقرة الآية: 245 ]

أحياناً لا تحل المشكلة بالعدل، تحل بالإحسان.

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾

[ سورة النحل الآية: 90 ]

فأنت كما أنت مأمور أن تكون عادلاً مأمور أن تكون محسناً.
الأستاذ عدنان:
اللهم يا رب عاملنا بالإحسان إذ لو عاملنا بالعدل لسقط كثير منا، دكتور في كل الأحوال هذه الأمور من خلال الإحسان يمكن أن ندركها في كثير من الأحيان في إحسان الله عز وجل إلى خلقه، وموضوع التمويه الذي تتحدثون عنه في المجال مجال الإعجاز العلمي، والمجال في قدرة الله عز وجل ومعجزاته في خلقه يمكن أن نتبينها أيضاً في الموضوع العلمي الذي تتحدثون عنه.

 

الموضوع العلمي :

التمويه عند الطيور :

الدكتور راتب:
طائر الباتو من صنع الخالق الذي أتقن كل شيء
الحقيقة أمامنا طائر يسمى باتو، هذا الطائر يعيش في غابات فنزويلا، هو أحد الطيور المهرة في عالم التمويه، أرياش الطائر تشبه قشر الشجر تماماً التي حط عليها، بل تتطابقان إلى حدّ ممتع، لنقارن الآن بدقة كما هو ظاهر على الشاشة، بين أرياش الطائر وقشرة الشجرة معاً، الشجرة على اليسار والطائر على اليمين تشابه تام، هناك علامة فارقة واحدة لتمييز الطائر؛ منقاره وعيناه، إلا أن الطائر يعرف جيداً استعمال النقش الذي عليه، فعند الخطر يبدأ بالتنفيذ، يقلص نفسه بإغلاق عينيه ومنقاره، وحينئذ لا يمكن أن نميزه عن قطعة من الغصن، يوجد هنا تصميم فائق أيضاً، فرغم إغماض الطائر عينيه يرى ما حوله من خلال الفراغ الخاص بين جفون عينيه، وعند ابتعاد الخطر يترك التمثيل ويرتاح، إذاً من علم الطائر مثل هذا التمثيل؟ الحقيقة الصارخة هنا هي صنع الله الذي أتقن كل شيء دون مثال.

التمويه في البحار :

لو انتقلنا إلى البحار هناك سمكة تتقن تقنية التمويه العالية التي ألهمها الله إياها لا حدود لها، فبعض الكائنات تخفي نفسها باستخدام بعض المواد التي في بيئتها، فعلى سبيل المثال هذه السمكة الصغيرة تعمل على تجهيز مكان آمن لها لإفراغ الرمال من المحارة الفارغة، وهناك أخطبوط منا ترون يتبع أسلوب تمويه ذكي جداً، حيث يقوم بجمع الأصداف التي حوله في مكان واحد ثم يخبئ نفسه بينها، ينتظر فريسة تبحث عن طعام لها بين هذه الأصداف.
على الإنسان أن يستخدم عقله لمعرفة ربه
سرطان آخر، نشاهد حركة هذا السرطان المحيرة جداً، يقطع بدقة أجزاء النبات التي اختارها من سطح البحر، إذاً ماذا ستفعل بهذا الأجزاء من النبات؟ الجواب مدهش جداً سيخفي نفسه، يضع على جسمه هذا الجزء من النبات كما يفعل المقاتلون تماماً يضعون أغصان الأشجار، يضع على جسمه هذا الجزء من النبات الذي قطعه، ويحضر لنفسه ملابس من الطحلب، وهكذا يقوم بعملة تمويه خارقة.
سرطان آخر يضع الأغصان التي قطعها بدقة على قشرة رأسه، وهكذا يمكنه الاختباء بسهولة بين النباتات، وهنا حقيقة أخرى وهي إفراز سائل لاصق ليتمكن من إلصاق هذه الأغصان عليه، أي خلقت الأنظمة في جسم الحيوان متناسبة مع فطرتها التي فطرت عليها، أما هذا السرطان الذي نراه على الشاشة يقطع إسفنجة يبدو فعله كإنسان يرتدي ثياباً ولكنه بذلك يخيط لنفسه ملابس ثم يلبسها. من علمه ذلك؟ إنها قدرة الله عز وجل:

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

[ سورة طه الآيات: 49-50 ]

الآن نقف في هذه النقطة وقفة متأنية فالسرطان لا يرى نفسه في المرآة ولا مرة واحدة فكيف يفتقر إلى إمكانية التخطيط والتفكير؟ هو يفتقر إلى إمكانية التخطيط والتفكير إذ من أين عرف السرطان ضرورة عمل التمويه بالنسبة له؟ إنه يستخدم التكتيك الذكي، الجندي الذي يموه نفسه تماماً بإلصاق الأغصان والأوراق عليه، من أين تعلم السرطان التمويه؟ بهذه الطريقة واضح أن هذا العمل الذي قام به هو إلهام بلا شك، القدرة التي أعطت السرطان هذه الخصائص لحماية نفسه بهذا الشكل الذكي هي قدرة الله عز وجل، الذي أوجد الكائنات كلها من عدم، فلذلك نحن نستخدم عقولنا في تحقيق مصالحنا، لكننا إذا استخدمنا عقولنا في معرفة ربنا سعدنا بقربه، وسلمنا، وانتقلت نعم الدنيا إلى نعم الآخرة، فهذا التفكير لو بذل الإنسان بعضه لحقق نتائج كبيرة جداً في حياته، لكن الإنسان أحياناً قد يستخدم تفكيره لغير ما خًلق له ويشقي.

 

خاتمة و توديع :

الأستاذ عدنان:
ولو استعمل الإنسان تفكيره لما خلق له يكون قد أحسن لنفسه الإحسان التام، ونرجو الله أن يتقبلنا في عباده الذين أحسن الله إليهم، في ختام هذا اللقاء كل الشكر لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة، في كليات الشريعة و أصول الدين، وكل الشكر أيضاً للأخوة المشاهدين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018