الدرس : 8 - سورة المؤمنون - تفسير الآيات 93 – 118 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 8 - سورة المؤمنون - تفسير الآيات 93 – 118


1988-09-23

 الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... مع الدرس الثامن والأخير من سورة المؤمنون، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (93) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (95) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) ﴾

 ( سورة المؤمنون )

إنه مشهد يومٍ عظيم:

 هذه الآيات وحتى نهاية السورة تري مشهداً لما سيحْصُل، وهذا من رحمة الله بنا، فمن تقريب هذه الفكرة أن بعض ملوك اليابان أرسل إلى بلاد الغرب طائفةً من الطُلاَّب ليحصلوا تعليمهم العالي، بعضهم انغمس في اللهو، وما لا علاقة له بالدراسة، ولم يحرز النجاح المطلوب، فلما عاد إلى بلده شَكَّل ملك اليابان محكمةً، وحاكم هؤلاء الطُلاب وأعدمهم ؛ فلو أنه أرسل وجبةً أخرى، وأعلمهم مصيرهم إن لم يدرسوا الدراسة المطلوبة فهذا الإعلام المسبق سيكون رحمةً بهم.
فنحن لو أطلعنا إنساناً يُدَخِّن أريناه صوراً دقيقةً لآفات الدُخان، فلو فَكَّر وأحكم عقله في الموضوع لامتنع من تلقاء ذاته عن شرب الدُخان مثلاً.
 الآن أمامنا مجموعة آيات تُمَثِّل مشهداً من مشاهد يوم القيامة، هذا المشهد يبين وضع المذنب المُقَصِّر، وكيف أن النار تلفح وجهه، وكيف يقول وهو يتلقَّى العذاب، وما هي أُمْنِيَّاتُه، فهذه المشاهد لا بدَّ أن يصل إليها كل كافر، فقد عرضها ربنا في وقتٍ مبكر، ونحن في الدنيا رحمةً بنا، يقول الله سبحانه وتعالى يُعَلِّمُ النبي عليه الصلاة والسلام كيف يدعو ربَّه:

﴿ قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 هؤلاء الكُفَّار يتوعَّدهم الله سبحانه وتعالى بالهلاك، فيا رب إذا أريتني بأم عيني هلاك الكفار فلا تجعلني بينهم، لا تجعلني منهم، اجعلني بعيداً عنهم لئلا يُصيبني ما توعدتهم به..

﴿ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ ﴾

 الإنسان أحياناً بدافع من رغبته قد يكون له قريب، قد يكون له صديق منحرف، معتدٍ، مغتصب، لـه انحرافاته الخطيرة، ويزداد قوةً، ومَنَعَةً، وشأناً و.. و.. فالإنسان يقول: يا ربي ما تفسير هذه القصة، ألا تعاقبه ؟ اطمئن، فلا بدَّ أن يعاقبه الله عزَّ وجل ؛ إن عاجلاً أو آجلاً، فإيَّاك أن تتسرع في طلب العقاب، فربنا عزَّ وجل يقول:

 

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

 

 ( سورة الأنعام )

 هذه ( ثم ) للتراخي، للترتيب على التراخي، وفي آية ثانية:

 

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾

 

 ( سورة النمل )

 ربنا سبحانه وتعالى إما أن يبطش بالكافر مباشرةً بعد انحرافه، وإما أن يؤخِّرَهُ لحكمةٍ بالغة، فأنت أيها المؤمن لا تستعجل عقاب الله سبحانه وتعالى، فإما أن يأتي وتراه رأي العين، وإما أن لا يأتي، ولا بدَّ أن يُنزل الله عقابه بالكافر، إن لكل سيئةٍ عقاباً، وإن لكل حسنةٍ ثواباً، فالإنسان أحياناً يرى شخصاً منحرفاً، معتدياً، ظالماً يُسْرِعُ الله سبحانه وتعالى، ويعاقبه عقاباً أليماً ويبطش به، هذه تُغَطِّيها تلك الآية:

 

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾

 

 ( سورة النمل )

 وأحياناً أُخرى قد ينحرف الإنسان، وقد يطغى، وقد يبغي، وقد يأخذ ما ليس له، وقد يعتدي، وقد يغتصب، وقد يستعلي، وقد يتكبَّر، والله سبحانه وتعالى يُرْخي له الحبل، ولكنه إذا أخذه لم يُفْلِتْهُ..

 

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾

 

 ( سورة البروج )

 فأنت أيها المؤمن لا ينبغي أن تتمنى، ولا أن تنتظر، ولا أن تترقب، ولا أن تستعجل، من صفات المؤمن أنه لا يستعجل ما أخَّره الله، ولا يستبطئ ما عَجَّله الله سبحانه وتعالى، أنت عبد.

 

أَعْظِمْ به مِن دعاءٍ ‍‍‍‍!!!

 فالله سبحانه وتعالى يُعَلِّمُ النبي عليه الصلاة والسلام، يعلمه أن يدعو بهذا الدعاء قال:

 

﴿ قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (93) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94) ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 أي يا رب إذا أردت أن تُنْزِل عقابك بهؤلاء المنحرفين لا تجعلني بينهم لئلا يُصيبَني ما يصيبهم، وطبعاً هذا تحصيل حاصل، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾

 

 ( سورة الأنبياء )

﴿ وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

قدرة الله لا يعتريها عجزٌ:

 الوعد الإلهي كأنَّه واقع، ولكن كما يقولون قضية زمن..

﴿ وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ ﴾

 الإنسان قائم بالله عزَّ وجل، لو أن الله سبحانه وتعالى قَطَعَ عنه الإمداد لحظةً واحدة لأصبح جثةً هامدة، لو أنه جَمَّدَ نقطةً من دمٍ في بعض شرايين دماغه لأصبح مشلولاً، في مكانٍ آخر لأصبح مجنوناً، في مكانٍ ثالث لفقد السمع، في مكان رابع لفقد البصر، في مكان خامس لفقد الذاكرة، فالإنسان ضعيف.
 أخ كريم توفِّي ـ رحمه الله تعالى ـ خرج من معمله إلى بيته لم يعرف أين بيته، بقي ساعةً ونصف يجوب في سيارته أطراف المدينة إلى أن ذهب إلى بيت ابنه قال له: يا بني أين بيتي ؟ يوجد فقد ذاكرة كُلي، وفقد ذاكرة جُزئي، فالإنسان تحت ألطاف الله عزَّ وجل، فأي جهاز، أو أي غدة، أو أي مكان في جسمك معرض لنمو عشــوائي ـ مرض خبيث ـ أو قصور مفاجئ في وظيفة الكليتين، أمامه متاعب لا حصر لها، فالإنسان وأعضاؤه بيد الله عزَّ وجل، وكذا أهله، وأولاده، وماله كلُّ شيءٍ بيد الله عزَّ وجل..

﴿ وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (95) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾

من صفات المؤمن: مقابلة السيئة بالإحسان:

 هذا حال المؤمن يُقابل السيِّئة بالإحسان، يقابل الإساءة بالإحسان..

﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 96 " )

 في آية أخرى:

 

﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

 

 ( سورة فصلت )

 أحد الأصحاب الكرام تكلّم معه رجل بكلامٍ مُقْذع فقال ببساطةٍ وبهدوءٍ: يا أخي إن كنت مخطئاً غفر الله لي، وإن كنت أنت غفر الله لك.

﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134)﴾

 ( سورة آل عمران )

 يجب أن تَكْظُمُ غيظك، وأن تعفو عن الناس وأن تُحسن إليهم..

﴿ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴾

نحن أعلم بما يصفون

 هؤلاء المعارضون، هؤلاء المشكِّكون، هؤلاء الجاحدون الذي يصدُّون عن سبيل الله، يحيكون لك ما يحيكون، يدبِّرون ما يدبرون، يمكرون ما يمكرون هؤلاء نعلمهم نحن، أعلم بك منهم، كفاك طمأنينةً أن الله يعلم ما يفعلون، أن الله محيطٌ بأفعالهم، محيطٌ بمكرهم، محيطٌ بكيدهم، يدُ الله فوق أيديهم.

﴿ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ﴾

 بما يصفونك يا محمد، أنت رسول، ويصفونك بأنَّك لست برسول، معلمٌ مجنون، ساحرٌ، كاهنٌ، شاعرٌ..

﴿ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 معنى: همزات الشياطين:
 الهَمْز بعضهم قال: الوسوسة، وبعضهم قال: ساعة الغضب التي يُصْبِحُ فيها الإنسان كالحيوان بدافعٍ من وساوس الشياطين.

﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98) ﴾

الاستعاذة بالله لتلافي وسوسة الشيطان:

 ليس للإنسان من طريقةٍ يتلافي فيها وساوس الشياطين إلا أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هذه أجدى دواء للوساوس، كلَّما نابك وسوسةٌ قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، اقرأ المعوذتين..

 

﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5) ﴾

 

 ( سورة الفلق )

﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6) ﴾

 ( سورة الناس )

 الاستعاذة بالله، طبعاً لا يكفي أن تقول بلسانك أعوذ بالله الأمر أعقد من ذلك، لا بدَّ من أن تلتجئ إلى الله، لا بدَّ أن تقبل عليه، لا بدَّ من أن تحتمي بجنابه، لا بدَّ من أن تستجير به، إذا فعلت ذلك أجارك الله، وأعاذك، وأنقذك، وأغاثك.

 

مِن مشاهد يوم القيامة:

 

سكرات الموت:

 أما مشاهد يوم القيامة فقد بدأت الآن.

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ﴾

 بعضهم قال: إن الإنسان إذا جاءه الموت لا بدَّ أن يعرف مقامه في الآخرة، إما أن يرى مقامه في جنةٍ عرضها السماوات والأرض، وإما أن يرى مكانه في النار، في دركات النار، لذلك حينما يُشْرِفُ الإنسان على الموت يعرف مكانه في الآخرة، إما في جنةٍ يدوم نعيمها ؛ أو في نارٍ لا ينفد عذابها.

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 99 " )

﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ﴾

 ( سورة الجمعة: آية " 8 " )

 تفرون منه.. أي كأنَّه يلحقكم.. فإنَّه ملاقيكم، فالإنسان أحياناً يفاجأ، يكون متوقعاً أن يموت من هذا المرض، يعتني بصحته عنايةً بالغة، فإذا هو يفاجأ بأنه يموت بحادث، وهذا وقع كثيراً، فالإنسان لا يعرف كيف يموت، يا ترى يموت بمرض، بحادث، الله أعلم..

 

ولست أبالي، حين أُقتل مسلماً على  أي جنبٍ ألقى في الله مصرعي
***

 

من لم يمُت بالسيف مات بغيره  تنـوَّعت الأسـباب والمـوت واحد
***

أجمل ساعةٍ في حياة المؤمن ساعة لقاء ربه:

 حينما يكون الإنسان مع الله عزَّ وجل فهو في سعادةٍ ما بعدها سعادة، النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الغزوات تفقَّد أحد أصحابه، واسمه الربيع فقال: أين الربيع، فندب أحد أصحابه يبحث عنه في أرض المعركة، أحد أصحاب النبي الكريم، توجَّه إلى أرض المعركة يبحث عن الربيع بين القتلى والجرحى، فإذا هو بين القتلى لكنه لم يمت بعد أي في النزع الأخير، فقال: إن النبي عليه الصلاة والسلام يُقْرِئك السلام، وقد بعثني أبحث عنك، فهل أنت يا ربيع بين الأموات أم بين الأحياء ؟ فقال الربيع: إنني من الأموات ولكن أَقْرِئ رسول الله مني السلام وقل له: جزاك الله عنَّا خير ما جزى نبياً عن أمته.
 هذه حاله، هو في أرض المعركة يلقى النَزْعَ الأخير وحاله من أسعد الحالات، فالإنسان ليكن عمله في الدنيا عملاً طيباً بحيث لو جاءه الموت، قال كما قال سيدنا بلالٌ رضي الله عنه، حينما قالت له ابنته: وا كربتاه يا أبت قال: لا كرب على أبيك بعد اليوم غداً نلقى الأحبة ؛ محمداً وصحبه.
 أنا الذي أتصوره أن أجمل ساعةٍ من ساعات حياة المؤمن حينما يَلْقى الله عزَّ وجل.. بل الرفيق الأعلى.. ينبغي أن يكون هذا اليوم هو اليوم الموعود، هو اليوم المنتظر، لذلك قالوا: الموت تحفةُ المؤمن..

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ﴾

الموت هو اليقين:

 قال ربنا عزَّ وجل:

 

﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾

 

 ( سورة الحجر )

 اليقين هو الموت ولم يقل الله عزَّ وجل: واعبد ربك حتى يأتيك الموت، قال:

﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾

 الموت سُمِّيَ يقيناً لتَيَقُّنِ وقوعه.. كل مخلوقٍ يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت، الليل مهما طال فلا بدَّ من طلوع الفجر، والعمر مهما طال فلا بدَّ من نزول القبر..
 لذلك البطل هو الذي يَعُدَّ لهذه الساعة العُدَّة، هو الذي يعمل الصالحات، هو الذي يستقيم على أمر الله، هو الذي يتعرَّف إلى الله في الرَّخاء، هو الذي يَحْضُر مجالس العلم ليتعرف إلى الله ويطبِّق ما فيها من قواعد، من شرائع، من مواعظ، من حكم، من أوامر، من نواهٍ.
 سمِّي الموت يقيناً لشيءٍ آخر، هو أن كل شيء سمعته في الدنيا يصبح عند الموت يقيناً، نقول الآن: في جنة، وفي نار، وفي حساب، في صراط، وفي عذاب، وفي ملائكة، وفي زبانية، وفي جهَنَّم، هذا الكلام كله من الغيبيات، عند الموت تصبح هذه الأخبار حقائق، سمي الموت يقيناً لتيقُّن وقوعه، وسمي الموت يقيناً لأن كل شيءٍ فيه يصبح يقيناً،

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾

 ( سورة الإسراء )

﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾

 ( سورة ق )

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

ليتني أعود، ولاتَ ساعة مندَم:

 لآن نَدم..

 

﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ﴾

 

 ( سورة الزمر: آية " 56 " )

 ليتني أعود إلى الدنيا فأستقيم على أمر الله، يا ليتني أعود إلى الدنيا فأعمل الصالحات، يا ليتني أعود إلى الدنيا فأتعلَّم كتاب الله، يا ليتني أعود إلى الدنيا فأجعل بيتي إسلامياً كما أراد الله عزَّ وجل، يا ليتني أعود إلى الدنيا لأُحرر دخلي من الحرام، يا ليتني أعود إلى الدنيا لأُنفق المال فيما يُرضي الله..

﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

 تركت أموالاً يا ربِّ، لعلي أعود إلى الدنيا فأنفقها في طاعتك، تركتها لأولادي، فأولادي صرفوها، وأنفقوها في معصية الله، فأغلب الظن أن الإنسان إذا ترك أموالاً طائلة، ولم يترك ذريةً صالحة أغلب الظن أن هذه الأموال تُنْفَق على المعاصي، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يصف المؤمن، حينما يوضع في النعش بأن روحه ترفرف فوق النعش وتقول: " يا أهلي يا ولدي، لا تلعبَن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلَّ وحرم، فأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناء لكم، والتبعةُ علي "..

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ﴾

 يقول بعضهم: إن الميِّت يُخاطب الملائكة الذين قبضوا روحه، وكلمة رب اعتراضية، كما لو أن الأب أخذ ابنه ليضربه فالطفل ينادي أمه.. ينادي إنسان آخر يظن أنه سَيُخَلِّصه.. قال: أي يا رب، أرجعوني أيها الملائكة كما كنت في الدنيا..

﴿ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

لعلي أعمل صالحا فيما تركت

 لعل هذا المال الذي تركته أنفقه في طاعة الله، لعل هذا البيت الذي تركته أُسكنه من يرضي الله عزَّ وجل ـ فطبعاً في دخول كبيرة جداً من البيوت، لكن لا ترضي الله عزَّ وجل، كل يوم ثلاثة آلاف ليرة، لو أجرته إلى مؤمن ـ دخول لا ترضي الله عزَّ وجل، وتجارات لا ترضي الله، وحفلات لا ترضي الله، وسـهرات لا ترضي الله..

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا ﴾

الجواب زجر وردع وخزي:

 كلاَّ أداة نفيٍ وردعٍ، هذا لن يحصل، هذا بعد فوات الأوان، هذا لن يكون..

﴿ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ﴾

 ي أن هذه الكلمة التي قالها لا تُقَدِّمُ ولا تؤخِّر، ولا تنفع، ولا تُجدي، ولا تؤثِّر، وليس لها أي مفعول، إنها كلمة هو قائلها، إذا كان ساقوا مجرماً إلى الإعدام بعد أن صدر الحكم بإعدامه، وتصدَّق الحكم، وهو مرتكب جريمة، إذا قال: خلصوني، سامحوني، اتركوني، نقول له: هذه كلمة لا تقدم ولا تؤخر، ولا تجدي، ولا تفعل شيئاً إنها كلمةً هو قائلها، فالإنسان لا ينبغي أن يُهْمِل أمر دينه في الدنيا حتى يأتي عليه يوم يتمنَّى أن يرجع إلى الدنيا ويقال له:

﴿ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ﴾

 هذه هي المشكلة، نحن الآن في الحياة الدنيا، ومادام القلب ينبض فالباب مفتوح، باب التوبة مفتوح، باب الرُقِي مفتوح، باب المغفرة مفتوح، باب الإصلاح مفتوح، كل شيءٍ مفتوح الآن، حتى إذا جاء الموت أُغلقت الأبواب، وخُتِمَت الأعمال، وجَفَّت الصحف، ورفعت الأقلام، وانتهى كل شيء، وأصبح الإنسان رهينَ عمله..

 

﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) ﴾

 

 ( سورة المدثر )

﴿ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

حياة البرزخ:

 هذا البرزخ..

 

﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾

 

 ( سورة غافر )

 من ستة آلاف عام، وفي كل عام ثلاثمئة وخمسة وستين يوما، وكل يوم مرتان، يُعْرضون على النار..

 

﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾

 هذا هو البرزخ، البرزخ إما أن يكون روضةً من رياض الجنة، وإما أن يكون حفرةً من حُفَرِ النار، الإنسان بين الموت وبين يوم القيامة هناك مرحلةٌ تسَمَّى البرزخ، لكن بعضهم قال: يا ترى هو من ورائهم أم من أمامهم ؟ المفروض من أمامهم البرزخ، الآن مات وأمامه برزخ، قال بعضهم: كلمة من ورائهم تعني الإحاطة..

 

 

﴿ وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴾

 

 ( سورة الكهف )

 أي محاطين، بعد أن يموت الإنسان لا يوجد حل آخر.

﴿ وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ ﴾

 أي محيطٌ بهم برزخ إلى يوم يبعثون.

﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

نسَبَ يومَ القيامة ولا خُلّة ولا سؤال:

 أي أن هذه النفوس التي خلقها الله سبحانه وتعالى لحكمةٍ أرادها، جعل نظام الأسرة، جعل نظام الزوجين، هذا أبٌ، وهذه أم، وهؤلاء أولادهما، الأولاد يتزوجون، هذا صهر، وهذه صهر، وهذا ابن أخ، وهذا ابن أخت، وهذه عمة، وهذه خالة، هذه العلائق النسبيَّة جعلها الله في الدنيا كي يكتسب الإنسان بها العمل الصالح، يكون الطفل صغيراً يحتاج إلى رعاية، إلى عناية، إلى توجيه، إلى تربية، فأن يكون للإنسان أب، وأم، وزوجة وأخ، وأخت، وعم، وخال، وعمة، وخالة، وابن أخ، وابن أخت، وابن خالة، وابن عمَّة، هذه العلاقات النسبية جعلها الله في الدنيا كي نتواصل، كي نتراحم، كي نكسب الأعمال الصالحة، كي يُعين الابن أباه حينما يكبر، وكي يعين الأب ابنه حينما يكون صغيراً، لكن انتهى العمل بقي الجزاء، لذلك ليس في يوم القيامة جزاء، ليس هناك أنساب.
 يبدو أن السيدة عائشة رضي الله عنها، سألت النبي عليه الصلاة والسلام قالت: أيعرف بعضنا بعضاً يوم القيامة ؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( لا يا أم المؤمنين، إن أحداً لا يعرف أحداً يوم القيامة.. ))

 لكن فيما سوى هذه المواضع الثلاث ؛ على الصراط، وإذا الصحف نشرت، وعند الميزان، في هذه المواقف الثلاثة لهول الموقف لا يعرف أحدٌ أحداً يوم القيامة.. وفيما سوى ذلك ربما وقعت عين الأم على ابنها، تقول له: يا بني جعلت لك صدري سقاءً، وبطني وعاءً، وحجري وطاءً فهل من حسنةٍ يعود عليَّ خيرها اليوم ؟ فيقول: يا أماه ليتني أستطيع ذلك، إنما أشكو مما أنت منه تشكين..

﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ﴾

 لا أنساب، ولا تساؤل، هنا التساؤل بمعنى السؤال، الإنسان أحياناً يسأل أباه أن يعطيه مالاً، والأب أحياناً يسأل ابنه أن يعطيه مالاً، والأخ يسأل أخاه بيتاً..

﴿ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

الناس يوم القيامة فريقان:

الفريق الأول: فمن ثقلت موازينه:

 أعماله الطيبة كثيرة، له استقامته في الدنيا، له أعمال الخير، يدلُّ على الخير، يتصدَّق بماله، يدل الضال في أرض الضلالة، يفرغ من دلوه في إناء المستسقي، يميط الأذى عن الطريق، يعود المريض، ينفق من ماله، يرد لهفة الملهوف، مثل هؤلاء الأشخاص موازينهم ثقيلة، دعا إلى الله، جعل الله هداية بعض الناس على يديه، هذه الدعوة تحتاج إلى وقتٍ، وإلى جهدٍ، وإلى صبرٍ، وإلى تَحَمُّلٍ، هذه الأعمال الطيبة تجعل موازينه ثقيلة:

﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

 ي إنهم أفلحوا في الدنيا، وحققوا الهدف من خلقهم، وفازوا بها، وجعلوها جسراً إلى الآخرة:

﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 103 " )

الفريق الثاني: ومن خفت موازينه:

 أكبر خسارةٍ أن تخسر نفسك.. رأس مالك نفسك، فإذا خسرتها خسرت كل شيء، وإذا ربحتها ربحت كل شيء، تربح نفسك إذا عرَّفتها بربها، تربح نفسك إذا دللتها على الله عزَّ وجل، إذا ألزمتها سبيل الاستقامة، إذا حملتها على فعل الخيرات، هكذا تربح نفسك، وإلا تخسرها:

﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ﴾

 أعماله قليلة، كل وقته وجهده لمصالحه، لكسب المال، للتمتع بالدنيا، لتوسعة البيت، لتزيينه، للذهاب إلى النزهات، لإقامة الولائم، للانغماس في الملذَّات، لا يعنى بأمر الله كثيراً، لا يهتم أكان في طاعةٍ أم في معصية ؟ أكان فيما يرضي الله أم فيما يبغضه ؟ لكن الذي يعنيه أنه يحقق رغبته، يلَبِّي شهوته، يُمتع نفسه، يقول لك: الدنيا لا يوجد فيها شيء، خذ منها قدر ما تستطيع، هكذا شعار بعض الناس، وكما قال الشاعر:

فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي  فدعني أبادرها بما ملكت يدي
***

 متع نفسك، الآن أنت شاب ولك الدنيا بلذائذها، ولا تضيع مباهجها، وعندما تصل إلى الله يفرجها الله ـ يقولها ساخراًـ بعض الناس هكذا يقولون..

 

﴿ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ(103)﴾

 ( سورة المؤمنون )

 الإنسان يخسر بيتا أحياناً، يخسر سيارة، أحياناً يخسر رأس ماله كله، أحياناً يخسر أولاده، هذه مصائب كثيرة، لكن رأس مالك أنت، فأنت رأس مالك فإذا خسرت نفسك أعدَّ الله لك حياةً أبديةٍ فخسرت هذه الحياة الأبدية وكان المكان في عذابٍ أليم، هذه أكبر خسارة، لذلك:

 

((الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني))

 

 ( الترمذي، ابن ماجه عن شداد بن أوس )

﴿ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾

مشهد عظيم: لفحةٌ من عذاب جهنم:

 تأتيه لفحةٌ من لهيب النار:

﴿ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 إذا نظرت إلى رأس غنم مشوي تراه مكَشِّراً، وأسنانه ظاهرة، حينما احترق جلده، انكمشت عضلات جلده فكَشَّر عن أنيابه.

معنى: كالحون:

 معنى كالح: حينما تأتيه لفحة النار ينكمش جلده فتظهر أسنانه بشكلٍ قبيح:

﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾

صورة من الخزي: عتاب الله للكافرين:

 اسمعوا العتاب الإلهي:

﴿ أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ ﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 105 " )

 آيات القرآن ألم تكن تتلى علينا ؟ بلى والله، تتلى علينا صباحاً ومساءً، القرآن أليس بين أيدينا ؟ ألا نسمعه صباح مساء ؟ ألم نسمع تفسيره ؟ ما موقفنا منه ؟

﴿ أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ ﴾

 الآيات الكونية أليست ظاهرةً جلية ؟ هذه الشمس من أوقدها ؟ وهذا القمر من جعله في هذه المعارج والمواقع ؟ وهذه الأمطار من أرسلها ؟ وهذه الرياح من صرَّفها ؟ وهذه البحار من أوجدها ؟ وتلك الجبال من أقامها ؟ وهذه الحيوانات من خلقها ؟ وهذا الطعام الذي تأكله من أعدَّه لك ؟

﴿ أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ ﴾

 عندنا آيات كونية، ويوجد آيات قرآنية، فالآيات الكونية تتلو نفسها علينا صباح مساء، هذا كأس الماء هو آيةٌ من آيات الله، طفلك الذي أمامك آيةٌ من آيات الله، الفاكهة التي تأكُلها آيةٌ من آيات الله، الهواء الذي تستنشقه آيةٌ من آيات الله، وآيات القرآن الكريم:

﴿ أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 يقول لك: أخي هذا القرآن للأموات وليس للأحياء، يقرأ على الأموات، وفي مناسبات الموت، الآن دعنا في سرور، إذا ذكرت لهم آية أو حديثاً عن الآخرة تشاءموا، دعنا في سرور..

﴿ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 106 " )

الاعتراف سيد الأدلة: غلبتْ علينا شِقوتنا ومنا قوما ضالين:

 الشِقْوَة أضيفت إليهم، فالشقوة هنا تعني الشهوة، سماها الله شقوة لأن الشهوة تؤدي إلى الشقوة: " ألا يا ربًّ شهوة ساعةٍ أورثت حزناً طويلاً".. فلأن هذه الشهوة تؤدي إلى الشِقوة سماها الله شِقوة:

﴿ غَلَبَتْ عَلَيْنَا ﴾

 إننا آثرنا شهواتنا على طاعة ربنا، نحن مخيَّرون، اخترنا شهواتنا على طاعة ربنا، آثرنا حظوظ أنفسنا، آثرنا المُتَع الرخيصة يا رب، هكذا..

﴿ غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 لم نبحث عن الحق، الحق كان جلياً، كان واضحاً ولكن تعامينا عنه، ما بحثنا عنه، لم نعبأ به، بحثنا عن الدنيا، عن الدرهم والدينار:

﴿ وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) ﴾

 ( سورة المؤمنون )

لا كلام ولا اعتذار:

 إذا طلب منك طلباً لا يُعْقَل أن يحَقق، لا تقول له: لا، بل تقول له: اخرج من هنا:

﴿ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾

 ( سورة الأنبياء )

 ما هذه أخرجنا منها ؟ كنتم في الدنيا وعمرتم فيها عمراً كافياً:

 

﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ ﴾

 

 ( سورة فاطر: آية " 37 " )

 عمرت في الدنيا ثمانين عاماً، سبعين عاماً، ستين عاماً، بخريفها وصيفها وشتائها وربيعها، ستون مرة أكلت فواكه الصيف، وستون مرة أكلت فواكه الشتاء، ورأيت الرياح، والأمطار، والثلوج، والربيع، والخريف، وجاءك أولاد، كبروا أولادك، وزوَّجتهم، وجاء الأحفاد، عُمِّرت ما يكفي للتذَكُّر..

﴿ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾

 ( سورة فاطر )

 الله عزَّ وجل أرسل الأنبياء، وأنزل القرآن الكريم، وسخَّر العلماء، وأرسل بعض المصائب حتى يُذَكِّرنا، وجعل الشيب، جعل ضعف البصر، وضعف السمع، وضعف القوى، يقول لك: أنا لم أكن هكذا، كنت أنشط من ذلك، ربنا عزَّ وجل بأسلوب لطيف قال لك: يا عبدي اللقاء قَرُب فانتبه، هيئ نفسك:

﴿ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ(107)﴾

احذر الطريق مسدود:

 هذا كلام لا يُجْدي، تكلمنا من درسين سابقين: لا تصل إلى طريق مسدود يكون حائلاً بينك وبين الله، قل:

﴿ أَخْرِجْنَا مِنْهَا ﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 107 " )

 وقل:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 وقل:

 

﴿ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾

 

 ( سورة الأنعام: آية " 27 " )

 وقل:

 

﴿ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ﴾

 

 ( سورة الزمر: آية " 56 " )

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ﴾

 ( سورة الفرقان: آية " 27 " )

 هذا الكلام لا يجدي:

﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 يعني ابتعدوا، ولا تكلموني:

﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) ﴾

 ( سورة المؤمنون )

الجزاء من جنس العمل: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ

 أحياناً ينشأ الشاب في طاعة الله فيسخر منه إخوانه، أصدقاؤه، أقاربه، قد يسخر منه أبوه وإخوته في البيت، يقولون له: تَشَيَخ، لم يعد يفهم شيئاً، ابتعد عن سهراتنا، طمس قلبه، لم يعد يرى شيئاً:

﴿ وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴾

 كنتم تظنون أنكم أنتم الأذكياء وهم الأغبياء، كنتم تظنون أنكم أنتم الرابحون وهم الخاسرون، كنتم تظنون أنكم أنتم الفائزون، وهم المخففون، كنتم تظنون أنكم أنتم الذين تعرفون كيف تكون الحياة وهم لا يعرفون:

﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) ﴾

 كانت السُخْرِيَة عليهم قد أنستكم ذكر الله عزَّ وجل، تمضون أوقاتكم في الحديث عنهم، يقول لك: محدود، وتقولون ورعهم غباء، وإحجامهم عن مباهج الدنيا ضيق أفق، وخوفهم من الله عزَّ وجل حالة مرضية، واستقامتهم تشدد..

﴿ وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴾

 وهذا يحصل، المؤمن دائماً أهل الكفر والضلال والبغي والعدوان يسخرون منه، لذلك في بعض الأحاديث:

 

((اطلعت على أهل الجنة فرأيت عامة أهلها من البُله))

 

 ( الجامع الصغير عن أنس بسند ضعيف )

 والحديث غريب، لكن بعضهم وجهه توجيهاً رائعاً، أي هؤلاء الذين أحجموا عن المال الحرام خوفاً من الله عزّ وجل هم في نظر الناس بُلْه، الذين أحجموا عن المال الحرام خوفاً من الواحد الديَّان يتهمهم الناس بأنهم بُله، إنهم بُلهٌ في نظر البُله:

﴿ وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111) ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 هؤلاء الذين انغمسوا في ملذات الدنيا إلى قمة رؤوسهم كانوا خاسرين، هؤلاء الذين أقبلوا على الدِرهم والدينار، وعبدوا شهواتهم من دون الله هم الخاسرون، لذلك ربنا عزَّ وجل قال:

 

﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾

 

 ( سورة المطففين )

﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

سؤال: كَم لَبِثْتُمْ فِي الأرْضِ عَدَدَ سنين:

 ربنا عزَّ وجل يسأل، هذا سؤال دقيق جداً، لو فرضنا سمعت واحداً دخل إلى بيت لكي يسرق، ثم فوجئ بصاحب البيت، فنشبت معركة بينهما فقتل صاحب البيت، فأُخذ للمحاكمة، وحكم عليه بالإعدام، أنت تقول: يا ترى ما هو المبلغ الذي سرقه ؟ يقول لك، والله إنه خمسون ليرة، فهل من المعقول أن يضحي بحياته كلها من أجل خمسين ليرة ؟ ما أغباه، ومهما كان المبلغ كبيراً فإنه خاسر، هذه الآخرة الأبدية، هذه الحياة السرمدية، هذه السعادة الكبرى، هذه الجنَّة التي عرضها السماوات والأرض، ضيعتموها من أجلِ أيامٍ معدوداتٍ في الدنيا:

﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ﴾

الجواب: يَوْما أَوْ بَعْضَ يومٍ

 اسمعوا هذا الجواب، عاش ثلاثًا وثمانين سنة:

﴿ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 113 " )

 تََمُرُّ الدنيا على الإنسان يوم القيامة وكأنها يومٌ، كل واحد له عمر، تقول له: يا أخي كم هو عمرك ؟ يقول: ثلاثة وأربعين، كيف مضوا ؟ يجيبك: والله البارحة كنت طالباً صغيراً، الذي في الأربعين من العمر يقول لك: البارحة كنت صغيراً، والذي في الثلاثين يقول القول نفسه، والذي في الخمسين كذلك، في الدنيا تمضي الأيام سريعاً كلمح البصر، أما في الآخرة كل العُمُر يمضي، وكأنَّه يومٌ أو بعض يوم:

﴿ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 اسأل الملائكة الذين وكِّلوا بِعَدِّ الأيام، يأتي الجواب:

﴿ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 114 " )

اعقلوها جيدًا: ما لبثتم إلا قليلا

 هذه إن حرف نفي، أي ما لبثتم إلا قليلاً، أي أذهبتم طيباتكم في الحياة الدنيا، أي ضَحَّيتم بهذه الآخرة العظيمة من أجل أيامٍ معدودةٍ:

﴿ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

 لو أنكم تعلمون حقيقة الدنيا لما استهلكتم الوقت في تُرُّهات الأباطيل، ولا في سفاسف الأمور، لو كنتم تعلمون حقيقة الدنيا، والله الذي لا إله إلا هو، حتى المؤمن إذا واجه الموت فإنه سيندم على ساعةٍ مضت لم يذكر الله فيها، أثمن شيءٍ هو الوقت، هذا الوقت رأس مالك.

 

ما مضى فات والمؤَمَّل غيب  ولك الساعة التي أنت فيها
***

 لذلك احرصوا على الوقت، استهلكوا الوقت فيما يرضي الله عزَّ وجل:

 

 

((اغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، وغناك قبل فقرك))

 

 ( الجامع الصغير عن ابن عباس بسند صحيح )

 هذه الخمس اغتنمها قبل الخمس.

﴿ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(114)﴾

 الآن السؤال:

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 115 " )

أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا

 يعني هكذا الدنيا فيها قوي وفيها ضعيف، هذا القوي أكل مال الضعيف وانتهى الأمر ؟ لا يوجد شيء بعد هذا ؟ لا يوجد حساب ؟ لا يوجد جزاء ؟ لا توجد محاكمة ؟ لا يوجد ثواب ؟ لا يوجد عقاب ؟ لا يوجد يوم آخر ؟ هكذا تنتهي الحياة بالموت ولا شيء بعد الموت ؟ هكذا تظنون؟

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾

 فيكم القوي ولا يُحاسب ؟ وفيكم الضعيف ولا يُعطى حقه من القوي؟ فيكم الغني الذي يبدد أمواله على شهواته ؟ وفيكم الفقير الذي يبحث عن طعامٍ فلا يجده وهكذا ينتهي الأمر ؟ أحد أسباب الإيمان باليوم الآخر أن اسم الحق لا يتحقق إلا بعد الموت تحقُقاً كاملاً:

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا:

 تعالى عن أن يخلق الخلق عبثاً.
 تعالى عن أن يخلقنا بلا حساب.

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾

 ( سورة القيامة )

 لا توجد مسؤولية ؟ وعدتها إن سجلت لك هذا البيت باسمك ألا تطلقها، فلما سجلته طلَّقتها، وليس هناك إلهٌ يحاسب؟

 

إذا جـار الأمـيـرُ و حـاجـباه  وقاضي الأرضِ أسرفَ بالـقضاءِ
فـويلٌ ثم ويلٌ ثم ويلٌ لقاضــي  لقاضي الأرضِ من قاضي السماءِ
* * *

 

﴿ قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 تعالى عن أن يخلق الخلق عبثاً، لابدَّ من حساب، لابدَّ من جزاء، لابدَّ من دينونة، لابدَّ أن يقف الناس جميعاً ليحاسبوا عن أعمالهم:

﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

معنى: لا برهان له به:

 هذه (لا برهان له به ) سمَّاها علماء البلاغة قيدا توضيحيا، وليس قيداً احترازياً، أي لا يمكن أن يكون هناك برهانٌ لإلهٍ آخر، لكن ومن يدعو مع الله إلهاً آخر فإنه من شأن هذه الدعوى الباطلة أنه لا برهان عليه:

﴿ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 117 " )

 أحياناً تحاول أن تفهم حل قضية يقال لك: هذا الموضوع عند فلان، وليس في إمكان أحدٍ أن يَحُلَّه إلا هو، فهذا الموضوع الحساب عند الله وحده:

﴿ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾

 يعني سوف يأتي الناس رب العالمين ؛ وسوف يحاسبهم على أعمالهم كلِّها ؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، أي:

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) ﴾

 ( سورة الغاشية )

﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 الكافر لا يُفْلِح مهما قدم وأخر، مهما علا، مهما طغى وبغى، فإنه لا يفلح:

﴿ وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

اقتران المغفرة بالرحمة:

 يعلِّمنا ربنا سبحانه وتعالى كيف ندعوه:

﴿ وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ ﴾

 المغفرة للسيئات، والرحمة في التجلِّيات:

﴿ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018