الدرس : 6 - سورة المؤمنون - تفسير الآيات 62 – 72 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 6 - سورة المؤمنون - تفسير الآيات 62 – 72


1988-09-09

 الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... مع الدرس السادس من سورة المؤمنون، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ (56) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) ﴾

 ( سورة المؤمنون )

حقيقة الخيرات:

 ليست الخيرات أن تحوز المال في الدنيا، وأن تحوز البنين، ولكن الخير أن تستقيم على أمر الله، وأن تتقرب إليه كي تنال سعادة الدنيا والآخرة، هذا تكلمنا عنه في الدرس الماضي، واليوم يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 62 " )

التكليف مع رفع الحرج:

 ربنا سبحانه وتعالى لم يكلفنا تكليفاً فيه حَرَجٌ، فلم يكلفنا أن نعتقد مثلاً ما لا دليلَ عليه، لقد نصب الأدلة الكافية على وجوده، ونصب الأدلة الكافية على ربوبيَّته، ونصب الأدلة الكافية على ألوهيَّته، وجعل الكون كله تعبيراً عن أسمائه الحُسنى وصفاته الفُضلى، على كل شيءٍ أمرنا أن نعتقده ألف دليلٍ ودليل، ألف ألْف دليل، ألفُ أَلفُ ألفِ دليل، فلو أن الله سبحانه وتعالى كلَّفنا أن نعتقد ما لا دليل عليه لوقعنا في حرج، لو أن في دينه تناقضاً لوقعنا في حرج، لو أن في قرآنه خللاً لوقعنا في حرج، ولكن هذا القرآن الذي أنزله الله على النبي عليه الصلاة والسلام لا اختلاف فيه، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه..

﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

أنواع التكليف:

1 - التكليف الاعتقادي:

 نحن كُلفنا أن نعتقد بوجود الله، وبربوبيَّته، وبألوهيَّته، وبأسمائه الحُسنى وصفاته الفُضلى، والكون كله يؤكِّد هذه الحقيقة، لذلك إذا أمرنا أن نؤمن به فما أكثر الآيات الدالَّة عليه، إذا أمرنا أن نؤمن بعظمته فالكون كله ينطق بعظمته، إذا أمرنا أن نؤمن برسوله فالنبي عليه الصلاة والسلام صفوةُ خلقه، لو أمرنا أن نؤمن برسوله ولم يكن هذا النبي الكريم في المستوى المطلوب لوقعنا في حَرَجٍ، لكن هذا رسولي وهو قِمَّة البشر، في الكمال والعلم، والعصمة والتبليغ، فربنا سبحانه وتعالى قال:

﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

2 - التكليف التعبدي:

 أما تكليف العبادات فجعل الصلاة لا تزيد عن ركعات، فلو أن الصلاة عشرين ركعة في كل وقت لكان في هذا التكليف حَرَجاً علينا، الصلاة أربع ركعات، أو ركعتان، أو ثلاث، هذا هو الفرض، ولك أن تقرأ في كل ركعة ما تيسَّر من كتاب الله، فلذلك ليس هناك تكليفٌ حرجيٌ في العبادات، والصوم ثلاثون يوماً في السنة، أياماً معدودات، فلو كان الصوم ستين يوماً لكان عبئاً على الجسم، فربنا سبحانه وتعالى هو الخالق، وهو يعلم الأيام المعدودة التي تناسب الصيام، لم يكن في أمره تكليفٌ حرجي، ولا في الزكاة لم يقل: أعطوا كل أموالكم، ولا أعطوا نصف أموالكم، ولا ربع أموالكم، واحد في الأربعين، اثنان ونصف في المئة، شيء مقبول ضمن الوسع، وكذلك الحج قال:

 

﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾

 

 ( سورة آل عمران: آية " 97 " )

 فمن لم يستطع فلا حج عليه، إذاً عندما قال ربنا عزَّ وجل:

﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

 ليس في تكليف الاعتقاد، ولا في تكليف العبادات، ولا في تكليف المعاملات ما يُحْرِج، فربنا عزَّ وجل قال:

 

﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾

 

 ( سورة الشورى: آية " 40 " )

﴿ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾

 ( سورة البقرة: آية " 194 " )

 هذا التكليف يَسَع الخلق كلهم..

 

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

 

 ( سورة الشورى: آية " 40 " )

3 - التكليف في المعاملات:

 فحتى في المعاملات، حتى في البيع، وفي الشراء لم يكلفنا تكليفاً حرجاً، التكليف من وسع الإنسان، لذلك الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة يقول:

 

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

 

 ( سورة البقرة: آية " 286 " )

 هذه الأوامر وتلك النواهي بإمكان كل إنسانٍ في كل زمانٍ ومكانٍ أن يطبِّقها في بحبوحة، ويقول الناس: والله هذا شيءٌ صعب، هذا كلام خلاف كلام الله عزَّ وجل، ما كان الله عزَّ وجل ليكلفنا بما هو شاق، أحياناً الصلاة غير شاقَّة، ولكنها تُصْبِحُ في بعض الحالات شاقة كما هي على المريض، فربنا سبحانه وتعالى رفع الحرج.

 

﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ﴾

 

 ( سورة النور: آية " 61 " )

 لك أن تصلِّي قاعداً، لك تصلي مستلقياً، لك أن تصلي بالإيماء، إذا كان الماء يؤذيك فلك أن تتيمم، إذا كان غُسل الجنابة يؤذيك فلك أن تتوضأ، الأمر كلما ضاق اتسع، هذه قاعدة في أصول الفقه، كلما ضاق الأمر اتسع، فلذلك:

﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

 فأحياناً الأب يتعنت في تزويج ابنته، الشرع دقيق جداً، تستطيع هذه الفتاة أن ترفع أمرها إلى القاضي، والقاضي يسأل الأب: لماذا لا تزوِّجها ؟ فإما أن يقتنع القاضي وينضم إلى الأب، وإما ألا يقتنع فيزوِّجها هو مباشرةً، لا يوجد حرج إطلاقاً، الأمر كلما ضاق اتسع..

﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

4 – التكليف الأخلاقي والسلوكي:

 هذه التكاليف التي كُلفنا بها من اعتقاديات إلى عبادات، إلى معاملات، إلى أخلاقيات كلها في وسع الإنسان أن يفعلها، ولو لم يكن الأمر كذلك لكان التكليف مشقَّةً، ولكان عدم التطبيق مبرراً، أما هذا الذي يقول: أنا أين أذهب بعيني في الطريق ؟ نقول: أنت لا تعرف، بإمكانك أن تَغُضَّ بصرك، من غض بصره عن محارم الله أورثه الله حلاوة في قلبه إلى يوم يلقاه، من أين آكل إذا امتنعت عن أكل مال الحرام؟ نقول له: أنت لا تعرف..

 

((ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه))

 

 ( الجامع الصغير عن ابن عمر بسند فيه مقال )

 إياك أن تظن أن في الإسلام حِرْماناً، أبداً.. فأية شهوةٍ أودعها الله في الإنسان جعل لها قناةً نظيفةً يمكن أن تُفَرَّغُ من خلالها، فالزواج مُفَتَّحَةٌ أبوابه، الشهوة التي أودعها الله في الرجال يمكن أن تنصرف في الزواج، وليس هناك قناةٌ أُخرى، حب المال يمكن أن يكون من طريقٍ مشروع، حب العلوِّ في الأرض، يمكن أن يكون عن طريق العَطاء، إذا أعطيت المجتمع رفعك المجتمع فوقَ الأَكُف، إذاً:

﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

 فهذه الآية أتمنى عليكم إذا خطر على بالكم خاطر من أن أوامر الدين شاقة، هذه الآية ترد هذه الأكذوبة، وهذه الفِرْيَة، أوامر الدين ليست شاقة، إن أوامر الدين ليست تقييداً لحرية المؤمن أو الإنسان إنما هي ضمانٌ لسلامته.
 إنَّك إذا كنت في حقلٍ ورأيت لوحة كُتب عليها: احذر حقل ألغام، هل تظن أن هذه اللوحة وضعت لتَحُدَّ من حريتك؟ لا.. من أجل أن تضمن بها سلامتك.. أقرب من هذا.. إذا وقفت أمام عمودٍ كهربائي كتب عليه: خطر الموت تَوَتُّر عالٍ، هل تحس بنقمةٍ على من وضع هذه اللوحة ؟ أم تشكره من أعماق نفسك ؟ إن هذه اللوحة ليست تقيِداً لحريتك، إنما هي ضمانٌ لسلامتك، لذلك:

﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

 في أمر الزواج، في أمر الطلاق، في أمر البيع، في أمر الشراء، في العبادات، في الـمعاملات، في الاعتقاديَّات، في الأخلاقيات، أيُّ أمرٍ من أوامر الدين هو من عند الخبير، من عند الصانع.
 إذا اقتنيت آلةً معقدة، ورأيت مع الآلة نشرةً فيها تعليمات دقيقة لطريقة التشغيل، وطريقة الصيانة، وهناك شخصٌ قال لك: هذه التعليمات صعب تنفيذها، لا تعبأ بها، افعل كذا وكذا، أنت بالفطرة تعتقد أن الصانع وحده هو الذي بإمكانه أن يعطيك التعليمات، لأنه خبير..

 

﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾

 

 ( سورة الملك )

 الصانع وحده، فهذا المخلوق الذي هو الإنسان، من خلقه ؟

 

﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾

 

 ( سورة الملك )

 لذلك:

﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 62 " )

لا حجة لإنسان بصعوبة التكاليف:

 من هنا تأتي المُشْكلة، المشكلة أن الإنسان عليه الحُجَّة، لو أن أوامر الله عزَّ وجل لم تكن في وسع الإنسان لفتح الإنسان فمه على مصراعيه إن صح التعبير وقال: هذا التكليف يا رب فوق طاقتي، لا..

﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

 فلما يَحْتَج الإنسان أمام نفسه بحُجَّة واهية فيقول: هذه التكاليف صعبة، هذه الأوامر شاقة، هذه الأوامر لا أقوى على تنفيذها، ولا أستطيع تطبيقها، هذا كلام الشيطان.

 

﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

 

 ( سورة آل عمران )

﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

مراقبة كاملة شاملة: وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ

 الكتاب بعضهم قال: القرآن، وبعضهم قال: اللَّوح المحفوظ، وأوجه التفسيرات كتاب الأعمال.
 فلو كنت موظفًا تتحرك، وتأتي متأخراً أو باكراً، وترتكب المخالفات، تعمل أعمالاً طيبة، وأنت في مقابلةٍ للمدير العام طلب إضبارتك، فإذا بهذه الإضبارة كلُّ شيء، كل المكافآت، وكل العقوبات وكل التقصيرات، وكل الأعمال الطيبة، هذه الإضبارة فيها كل شيء، فإذا كان في وسع الإنسان أن يتَّخذ لمن عنده من الموظفين إضبارةٌ فيها كل شيء، فما قولك بالواحد الديان؟..

﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾

 كل حركاتك، وكل سكناتك، كل التجاوزات، كل المخالفات، كل التقصيرات، كل الأعمال الطيبة، الأعمال السيئة، الأعمال التي لا ترضي الله كلها مسجلة، بعضهم قال: مسجلة مع صورتها، لقوله تعالى:

﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ ﴾

 ( سورة المطففين )

 فيه الرَقْمُ، أي فيه الصورة، وبعضهم قال: صفحات هذا الكتاب مرقمة لا يمكن أن تنتزع. على كلٍ ليكن في علمكم أن كلاً منا له عند الله كتاب، أعماله كلُّها منذ سن التكليف وحتى يحين الحين، مسجلةٌ عليه واحدةً واحدة..

﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾

 هذا الكتاب ليس كتاباً مقروءاً، بل إنه أبلغ من المقروء، كتاب مسموع، أحياناً يضعون في السيارة عدَّاداً يشير إلى شيء من الأشياء، فإذا نظرت إليه عرفت، وإذا لم تنظر إليه وقد أشار إلى الخطر وقعت الكارثة، الآن العدادات أبلغ من ذلك فهي ناطقة تقول لك: انتبه الوقود سينتهي، انتبه الشيء الفلاني فيه خلل، فالكتاب الناطق أبلغ من الكتاب المقروء أبلغ بكثير، الإنسان أحياناً يقول: هذا الشيء يَكَاد ينطق لشدة الوضوح وشدة البلاغة يكاد هذا الكتاب ينطق لشدة البلاغة، فربنا عزَّ وجل قال:

﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾

 شيءٍ فعلوه دون تَحَيُّز، دون محاباة، دون تجنٍِّ، دون جحود بالحق، أحياناً الإنسان يُكتب شهادته في المخفر على خلاف الحق لمصلحة أحد الطرفين، أحياناً يكون الطرف الأول غائب، الطرف الثاني يُمْلي الحادث كما يريد، فهذه الشهادة كتاب، لكنه مخالفٌ للحق، لم يكن الأمر كذلك، لكن هذا الكتاب الذي هو عند الله عزَّ وجل ينطق بالحق، لا يوجد فيه زيادة، لا يوجد فيه نقص، لا يوجد محاباة، لا يوجد جحود، لا يوجد فيه مبالغة، لا يوجد فيه تقليل، الإنسان قد يحابي نفسه، فإذا طُلب منه شهادة، يخفف المسؤولية عن نفسه، يوجه الإفادة توجيهاً ليتحلل من المسؤولية، فإذا طُلب منه شهادة عن خصمه يُبالغ في تحميله المسؤولية، فهذه الشهادة مخالفة للحق ؛ لكن الله سـبحانه وتعالى كتابه الذي ينطق بالحق هو بالـحق دون زيادةٍ أو تزوير..

﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

لا يظلم مثقال ذرة

 لأن الكتاب ينطق بالحق إذاً..

﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

 من أين يأتي الظلم ؟ بعضهم قال: " الكتاب هو القرآن الكريم " و..

﴿يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾

 بمعنى أن النبي عليه الصلاة والسلام يتلوه على مسامع الناس، فكأن هذا الكتاب ينطق، ينطق به النبي الكريم، وهذا معنى آخر، على كلٍ..

﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 62 " )

 هناك تناسب بين المعنى الأول والمعنى الثاني، إنه كتابُ الأعمال الذي ينطق بالحق..

﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

 إذا كان الله سبحانه وتعالى ينفي الظلم عن تصرُّفاته، فهل يُعقل أن تسمعنا قصةً مفادها أن فيها ظلماً شديداً ؟ إذا كان الله عزَّ وجل ينفي الظلم أتثبته أنت ؟ أتثبته بخلاف الواقع ؟..

﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 63 " )

دعوى مشقة التكاليف من عمى القلب:

 لماذا هم كذلك ؟ لماذا هم لا يفعلون ما يؤمرون ؟ لماذا هم يدَّعون أن هذه التكاليف فوق طاقتهم، لماذا ؟ لماذا يقصرون ؟ لماذا ينحرفون ؟ لماذا يخالفون ؟ لأن قلوبهم في غمرة، أي هم في تيهٍ وعمى، في تيه شهواتهم، إنهم مقبورون في شهواتهم، إنهم غارقون في متاعبهم، إن شهواتهم هي حجبٌ كثيفةٌ بينهم وبين الحقيقة، لذلك:

﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾

 ما هذا ؟ من هذا، هذا اسم إشارة، إلى أي شيء يشير ؟ قال: إلى قوله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 هؤلاء قلوبهم في غمرةٍ من أن يكونوا مُشفقين..

﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 قلوب هؤلاء في غمرةٍ من أن يؤمنوا بآيات الله..

﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 في غمرةٍ من هذا..

﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 قلوبهم في غمرةٍ من هذا، وبعضهم قال: قلوبهم في غمرةٍ من أن يعتقدوا أن كل الأوامر الإلهية في وسع الإنسان، وصف المؤمنين، ووصف الشرع الحكيم لا ينطبق على هؤلاء لأنهم غارقون في شهواتهم، محجوبون بميولهم، بعيدون عن الحقيقة لأنهم حجبوا أنفسهم عنها..

﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾

 أحياناً تلتقي مع إنسان، تراه غارقاً في شهوته ؛ لا يسمع ولا يبصر ولا يعي، على قلبه وَقْرٌ، على قلبه خَتْمٌ، وفي أذنه وَقْرٌ، وعلى عَيْنَيْهِ غِشاوة، فكأنه لا يرى ولا يسمع ولا يعقل:

 

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا ﴾

 

 ( سورة الأعراف: آية " 179 " )

﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾

 ( سورة الحج )

﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾

 مادام غارقاً في شهوته إذاً لا بدَّ أن ينحرف، لأن منطق الشهوة يدعو إلى أن تُرَوِّيها بحلالٍ أو حرام، إذا الإنسان تشبَّث بشهوةٍ ما يسعى إلى إروائها من أي طريق، فلذلك أَنَّى لهذا الضال أن يستقيم ؟ ما كان له أن يستقيم..

﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

العلاقة بين مجاوزة الحدود والابتعاد عن الحق:

 أي أن لهم أعمالٌ خسيسة، أعمالٌ دنيئة، فهذا الذي لا يعبأ بالدين..

 

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) ﴾

 

 ( سورة الماعون )

﴿لاإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

 ( سورة القصص: آية " 50 " )

 فتأكَّد من سماعك مقولة الإنسان، قالها لك منكرة هذا الدين العظيم أو منكر فريضته أو الصلاة، أو الصيام، أو الاستقامة..

﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ﴾

 لا بدَّ أن يعتدي على أعراض الناس، لابدَّ أن يعتدي على أموالهم، لا بدَّ أن يأخذ ما ليس له، لا بدَّ أن يطغى، لا بدَّ أن يبغي، لا بدَّ أن يَشْتَط، لا بدَّ أن يتجاوز..

 

 يعملونها لأنهم في عمى، يعملونها لأنهم في صمم، يعملونها لأن الشهوة هي دَيْدَنُهُم، وقد استحوذت عليهم، إنهم غارقون فيها..

﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ﴾

 آيةٌ بليغة. أي..

 

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْداً إِذَا صَلَّى (10) ﴾

 

 ( سورة العلق )

 أرأيت ؟؟ هذا الذي ينهى عبداً إذا صلى، أنظر إلى أعماله، أنظر خلله، أنظر إلى قذارته، إلى دناءته، انظر إلى ميوله المُنْحَطَّة، انظر إلى أنانيته.

 

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (9) عَبْداً إِذَا صَلَّى (10) ﴾

 

 ( سورة العلق )

 الآن..

 

﴿ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾

 انظر إلى أمانته، انظر إلى شجاعته، انظر إلى استقامته، انظر إلى ورعه، انظر إلى عفافه، هكذا، فلذلك:

 

﴿ بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ ﴾

 نتيجة قطعية وحتمية أن الذي يبتعد عن الحق لا بدَّ أن يتجاوز الحدود، ولا بدَّ أن يقع في الحرام، ولا بدَّ أن يأخذ ما ليس له، فأحياناً إذا الإنسان انغمس بشهوته، يعتدي على حقوق مُقَدَّسة، ولا يبالي بها، ثم يقول الله عزَّ وجل:

﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 64 " )

المترف إنسان بعيد عن الحق:

 هؤلاء المترفون كما قلت في درسٍ سابق في ثمانية مواضع على سبيل القصر والحصر جاء المترف كافراً..

 

﴿ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

 

 ( سورة المؤمنون: آية " 33 " )

 فالمترف دائماً إنسان بعيد عن الحق، جعل الدنيا أكبر همِّه، ومبلغ علمه، جعل الدنيا كل حياته، جعل آماله كلها في الدنيا، لم يرض غير الدنيا، لم يعبأ بما بعد الموت، فلذلك:

﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

ولات ساعة استغاثة:

 جأر أي تضرَّع بصوت مرتفع: يا رب..

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾

 كما في الدرس الماضي:

 

﴿ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾

 

 ( سورة المؤمنون )

 أحياناً يَصْدُرُ أمرٌ من الله عزَّ وجل بإيقاع العقاب بالإنسان، يأخذه بالعذاب، عذاب في جسده، عذاب في ماله، عذاب في أهله، عذاب قصم يُنْهيه عن آخره..

﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ ﴾

 أي يضرعون إلى الله بصوتٍ مرتفع..

﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 هذه الاستغاثة جاءت بعد فوات الأوان، تماماً لو أن إنساناً قتل إنساناً، وسيق إلى المحاكمة، وحُكِمَ عليه بعد محاكمةٍ طويلةٍ دقيقةٍ عادلةٍ، حُكم عليه بالموت لأن هناك أدلةً قطعيةً على ارتكابه للجريمة، وصدق الحكم، وسيق إلى تنفيذه، فلو أنه استغاث بهم، هل تجزيه هذه الاستغاثة ؟ لو أنه توسَّل إليهم، لو أنه رجاهم، لو أنه قَبَّل أقدامهم، لو أنه بكى، لو أنه ضحك، هذه بعد فوات الأوان، فَكِّر قبل أن تقدم على هذه الجريمة، فكر قبلها، فالأمور دقيقة، فالإنسان يكون في بحبوحة أما إذا كان غافلاً والأمر يجري وهو يعصي الله عزَّ وجل، فجأةً يصدر أمر إلهي بإيقافه عند حده، بعدئذٍ الأمر وقع، فالذي أرجوه، والذي قلته لكم في درسٍ سابق: ألا تصل علاقتكم مع الله إلى هذا المستوى، إلى طريقٍ مسدود، ألا تصل علاقتك مع الله أن تدعوه فلا يستجيب لك، الإنسان أحياناً يطغى، يتجاوز الحدود، يأخذ ما ليس له، يُطَلِّقُ ظلماً، يعتدي على أموال الناس، على أعراضهم، وهو قصد على ذلك، عندئذٍ يأتي العقاب الأليم.

 

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾

 

 ( سورة البروج )

 عندئذٍ لا ينفع الدعاء، ولا ينفع الرجاء، ولا التوسُّل، ولا أن تجأر..

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ(65)﴾

 ( سورة المؤمنون )

 جاء هذا بعد فوات الأوان، هذا لا يُجْدي، فعلت ما فعلت، ولم تفكر فيما فعلت، استمعوا يقول الله عزَّ وجل:

﴿ قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 66 " )

العاقل يتعظ قبل فوات الأوان:

 وأنتم في الدنيا، وأنتم في بحبوحة، وأنتم في شبابكم، وفي أحوالكم الطَيِّبة ؛ لكم بيوت، ولكم زوجات، ولكم أولاد، وفي أكمل حالات صحَّتكم، أعضاؤكم سليمة، حواسُّكم سليمة، صحتكم جيدة، دخلكم وفير، مركزكم قوي..

﴿ قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾

 لقد كانت آياتي تُتلى عليكم صباحاً مساء، آيات القرآن الكريم تُتلى عليكم، ألم تحضروا تعزيةً ؟ ألم تسمعوا كلام الله؟ ألم تحضروا احتفالاً بُدِئ بكلام الله ؟ ألم تجلسوا في مجلس علمٍ سمعتم فيه تفسير كلام الله ؟ ألم تحضروا خطبةً فُسِّر فيها بعض آيات الله ؟

﴿ قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾

 وأنتم في رخاء، وأنتم في نشاط، وأنتم في قوة، وأنتم في صحة، وأنتم في مال، وهناك قول آخر:

﴿ قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾

 هذه الشمس آية أما قرأت عنها ؟ أما سمعت عنها ؟ أن حجمها يتسع إلى مليون وثلاثمئة ألف أرض ؟ أن حرارتها في سطحها ستة آلاف درجة ؟ وفي نواتها عشرين مليون درجة ؟ وأنها تَتَّقِدُ منذ خمسة آلاف مليون سنة ؟ من أعطاها هذه الطاقة ؟ وأنها تَبْعُد عن الأرض مئةً وخمسين مليون كيلو متر؟ وأن نجماً يتَّسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما؟ وأن هذه العين فيها مئة وثلاثين مليون عُصَيَّة ومخروط ؟ وأن في الإنسان مئة وخمسين كيلو مترًا أوردةً وشرايين ؟ وأن قلبه يضخ ثلاثمئة ألف متر مكعب من الدم في عمره المديد ؟ ما تملأ أكبر ناطحة سحاب في العالم..

﴿ أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 105 " )

 ألم تسمعوا هذه الآيات ؟ ألم تقرأ عن القمر، عن الشمس، عن الأرض، عن الجبال، عن الأنهار، عن البحار ؟ نهر الأمازون ثلاثمئة ألف متر مكعب في الثانية، أين خزَّاناته ؟ هذه الآيات في الجبال، والصحارى، والسهول، والوديان، والأغوار، والبِحار، مليون نوع من السمك في البحار، مئة ألف نوع من الطيور، ثلاثة آلاف وخمسمئة نوع من القمح، أنواع المحاصيل، أنواع الفواكه، أنواع الخُضراوات، أنواع الحيوانات، في الإنسان أجهزة معقدة جداً..

﴿أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 105 " )

 ألم تسمعوها، ألم تستعظموا، ألم تلفت نظركم هذه الآيات، ألم تتأثروا، ألم تقولوا: الله عظيم يجب أن نطيعه أبداً ؟ فإما أن تفسِّرها بالقرآن:

﴿ قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾

 وإما أن تُفَسِّرها بآيات الكون، على كلٍ هذه كلها آيات:

﴿تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾

 تسمعونها صباح مساء، تُتْلى على مسامعكم، ما أكثر ما حضرتم بعض المحاضرات ذُكِرَت فيها بعض آيات الله، البترول آية، من أودع هذه الطاقة الهائلة في باطن الأرض ؟ الهواء آية، الماء آية، الكهرباء آية:

﴿أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾

 ( سورة المؤمنون )

﴿ قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

الشهوة والشبهة مانعان من سماع الحق:

 تتراجع إلى شهوتك، تتراجع إلى عاداتك، إلى تقاليدك، إلى مصلحتك، إلى الدنيا، تَخْلُدُ إلى الأرض، هذه الآيات تكفي أن تعرف الله عزَّ وجل، هذه الآيات تكفي أن تستقيم على أمره، لكن هذا الإنسان يرجع إلى شهوته، يرجع إلى عاداته السقيمة، يرجع إلى تقاليده المَقِيتة، يرجع إلى المادَّة، يرجع إلى مصالحه:

﴿ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

الاستكبار حجاب عن الحق:

 أنتم فوق ذلك ؟ أنتم أكبر من أن تؤمنوا ؟ أنتم أكبر من أن تُصَلُّوا ؟ يمشي في جنازة، ويقف أمام المسجد، فيقف، ويدخن، فأنت أكبر من الصلاة ؟ من أنت ؟ أنت أكبر من أن تُصَلِّي ؟ أن تخلع حذاءك وتتوضَّأ وتصلي في المسجد، من أنت ؟

﴿ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 هنا سامراً حال، أي تمضون أوقاتكم في السمر، تسهرون إلى ساعاتٍ مُتَأَخِّرة في الغيبة والنميمة، وفي كلامٍ فارغ، وفي الحديث عن زيدٍ وعُبيد، وفي القيل والقال، تسمرون في أحاديث لا تُرضي الله عزّ وجل، تسمرون في أحاديث لا معنى لها، لا غاية منها، لا فائدة منها، لا جدوى منها:

 

﴿ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ ﴾

 في جلساتكم، في سهراتكم، في ندواتكم، في أُمْسِياتكم، في حفلاتكم، في مطاعمكم، في متنزهاتكم، في هذه الأماكن، الحديث عن الله معدوم، بل إنَّ الحديث عن الدنيا، عن الشهوات، عن النساء، عن الألبسة، عن الأسعار، عن أشياء لا تُقَدِّمُ ولا تُؤخِّر:

 

﴿ سَامِراً تَهْجُرُونَ ﴾

 لذلك كان عليه الصلاة والسلام يُصَلِّي العشاء في ثلث الليل الأول، فأحياناً كان يؤخِّرها عن وقتها إلى ثلث الليل الأول، وكان يكره النوم قبلها والسمر بعدها، يكره النوم قبلها لئلا تضيع عليه في أفضل أوقاتها أو في كلِّ أوقاتها، ويكره السَمَر بعدها، يختم هذا النهار بصلاةٍ جيِّدة يجب أن ينام عليها، وكان عليه الصلاة والسلام يكره الحديث بعد صلاة العشاء، وكان من العلماء الأجِلاَّء من يكره الحديثَ بعد صلاة العشاء، إلا أن العلماء أجازوا أن تَسْمُرَ في إصلاح ذات البين، أو في تعلُّم العلم، أو في الأمر بالمعروف أو في النهي عن المنكر، أو أردت أن تدعو إلى الله، أردت أن توضِّح بعض آيات الله، فإن هذا مباحٌ فيما بعد العشاء بشـرط أن يكون الحديثُ محصوراً في ذكر الله عزّ وجل، أما الحديث الفارغ عن الطعام والشراب، وعن أحوال الناس، وعن أحوال البيع والشراء، وعن أسعار الحاجِيَّات، أن يكون هذا بعد العشاء فإن أغلب الظن أن الإنسان يقع في بعض الإثم، لذلك اختم يومك بصلاة العشاء، ولا تتحدث بعدها بشيء إلا إذا كان في طاعة الله عزّ وجل..

﴿ مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ (67) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 القول هو: القرآن الكريم في أوجه التفسيرات.. القرآن..

﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾

دعوة إلى تدبُّر القرآن:

 هذا الكلام كلام إله، إلهٌ عظيم، لماذا لا تؤمن به ؟ إذا قال لك:

 

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾

 

 ( سورة النور: آية " 30 " )

 فهذه الآية أنت غير مهتم بها ؟ إذا قال لك:

 

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾

 

 ( سورة البقرة: آية " 276 " )

 هذا الكلام ألا تؤمن به ؟ إن الله يُدَمِّر هذا المال كله إذا كان فيه ربا؟ يوجد أشخاص يقرؤوا القرآن ويقولون لك: تباركنا، يقَبِّل المصحف من أطرافه الستة ويخالفه، لذلك:

﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 أي لماذا لا يدققون فيما يقرؤون ؟ لماذا لا يتدبَّرون هذا القرآن ؟ لماذا لا يقفون عند حلاله وعند حرامه ؟ عند أمره ونهيه ؟ عند وعده ووعيده ؟ لماذا لا يتعظون بأمثاله وقصصه ؟ لماذا لا يصدقون أخباره ؟ لماذا لا يخافون مما سيكون فيما أخبر به القرآن الكريم ؟

﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

ليس لظالم استثناء من العقوبة:

 فهل معهم استثناء من العذاب ؟ أحياناً يقول أحدهم: يا أخي أنا معي استثناء خطي، أنا مستثنى من العقوبة، هل معك استثناء من الله بأنك لن تعذب ؟ يوجد عندك وثيقة خطِّية تضعها في الكفن وفي القبر ؟ معه استثناء يا ربي..

﴿ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ ﴾

 أي هل معهم استثناء ؟ أو أن هذا القرآن ( أم بمعنى بل، من معانيها للتسوية، أما في بعض معاني هذه الآية أم بمعنى بل).
 بل جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين، جاءهم من الله نور، جاءهم منهج، جاءهم دستور، جاءهم نظام، جاءتهم أحكام فيها حلالٌ وحرام، فيها أمرٌ ونهي، هذا المعنى الثاني..

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 69 " )

لماذا أنكرتم رسلكم ورميتموهم بالجنون ؟

 كُلُّ هذا الكمال، كل هذه الأمانة، كل هذه العِفَّة، كل هذه الاستقامة، كل هذا الصدق، كل هذه المكارم، كل هذا الفضل لم تعرفوه بعد ؟ أخذتم عليه شيئاً ؟ هل جرَّبتم عليه كذباً قط ؟ هل جرَّبتم عليه خيانةً قط ؟ ومع ذلك لا تعبؤون به، لا تستجيبون له..

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾

 لماذا هذا الإنكار ؟

﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 70 " )

 هذا مجنون، فأين الدليل على أنه مجنون ؟ إذا لم يعجبك إنسان تقول عنه: مجنون.. يكون القائل هو المجنون..
 النبي عليه الصلاة والسلام رأى مجنوناً فأراد أن يُعَلِّمَ أصحابه قال:

 

(( من هذا ؟ قالوا: هو مجنون، قال: لا هذا مُبْتَلى، المجنون من عصى الله ))

 فإذا التقى إنسان برجل متديِّن يقول لك: هذا مجنون لم ير شيئاً، لا يفهم شيئاً، سجن نفسه في البيت، توجد في الحياة مباهج فيها مقاصف، فيها حفلات، فيها أشياء جميلة، هذا مجنون لا يفهم شيئاً، وسوف نعلم من هو المجنون؟

 

 

﴿ مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾

 

 ( سورة القلم )

 أنت لست مجنوناً.. لا..

 

﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ (6)ُ﴾

 

 ( سورة القلم )

﴿ فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾

 ( سورة الذاريات )

﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 70 " )

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾

 ( سورة هود )

 أي أن المؤمن في رحمةٍ كبيرة لكنَّها عُمِّيَت على معظم الناس، يتهمونه بالجنون وهم المجانين..

﴿ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ َ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 كل إنسان يريد ديناً على قدر شهواته، فيقول لك: أخي لا هذه لا يمكن أن تكون حراماً، لا هذا تزمُّت، من أين جئت بها؟ حتى ولو كانت آية قرآنية يقول لك: لا.. هذا مبالغة، الدين يُسر، الدين مَرِن، يقول: إنه مرنٌ حتى يلغي الدين كله..

﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾

الحق حق والباطل باطل:

 الحق حق، والباطل باطل، إذا شرع الله للناس ديناً يتوافق مع أهوائهم وشهواتهم تصبح السماوات والأرض فاسدة، وهم معها.
 مثلاً: إذا قلنا: هذه المدرسة سنراعي فيها رغبات الطلاب، فالدوام حُر، متى تستيقظ تذهب إلى المدرسة، هذا استيقظ، وذهب إلى المدرسة الظهر، هذا سيسافر فيقول لك: لا أريد الآن أن أداوم، إذا تركنا الأمر للطلاب على حسب حريتهم ـالدوام كيفي ـ وكذلك لا يوجد امتحان، لأن الامتحان يسبب إرهاقاً للأعصاب، تقضي سنة فتنجح إلى صف أعلى منه، فهل من المعقول أن هذه المدرسة تحقق أهدافها؟ الدوام حر، والدراسة حرة، ولا توجد امتحانات، ولا مذاكرات، ولا عقاب، ولا ثواب، ولكن كل شيء فيها حسب راحتك، فهل هذه مدرسة ؟
 هناك دوام، إذا غبت أسبوعين تُفْصَل، توجد مذاكرات، ويوجد امتحان، ويوجد منهج مقرر، وتوجد قاعة محاضرات، ويوجد فحص شفهي، وفحص عملي، وفحص كتابي، هذه هي المدرسة.
 فإذا كنت تحب أن تكون الأرض كما يحب الناس ـ فهذا أكبر مثل أوروبا وأمريكا، لا يوجد عندهم دين ولا مبادئ، بل يوجد عندهم عقل فقط، فالعقل أوصلهم إلى عشرين مليون لوطي في أمريكا، ومعهم بطاقات رسمية يفتخرون بها ـمرض الإيدز آخر رقم قرأته ثمانية ملايين إنسان يحمل هذا المرض في أمريكا وحدها، هذا مثل واضح، فهذا الشـرق والغرب الذين تركوا الدين كلياً، واتبعوا أهواءهم ماذا حلَّ بهم ؟ تفكُك اجتماعي، انهيار الحياة الاجتماعية، أسرة منهارة، أطول زواج لمدة سنتين فقط، لأن الزوجة لها صديق، وتَمِل من زوجها بعد سنتين، تريد غيره..

﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾

 الحق حق، هذا حرام وهذا حلال..

﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 أتيناهم بكتابٍ يرفع من ذكرهم، يرفع شأنهم، يجعلهم مُكَرَّمين..

﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾

 أي بكتابٍ فيما لو طبَّقوه لرفعَ الله لهم ذكرهم، وجعلهم في عباده الصالحين..

﴿ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً ﴾

 ( سورة المؤمنون )

لا أسألكم عليه أجرا:

 الدعوة إلى الله دون مقابل مادي، الدخول إلى المساجد مجاناً، سبحان الله الدعوة إلى الله مبذولة بلا مقابل، لا يوجد أي رسم، ولا يوجد أي دفع، ولا أي شيء، بل لوجه الله تعالى..

 

﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21)﴾

 

 ( سورة يس )

 فعلامة الهداية أن هذا الذي يدعوك لا يَسْألك شيئاً لا معنوياً ولا مادي..

﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 أحياناً يَخْدُم إنسان إنسانا، يقول له: لم تعطني أجراً ـ لو خدمه لوجه الله لأعطاه الله أضعافاً كثيرة ـ يوجد إنسان لا شيء عند الله له لأن كل خدماته قبض ثمنها الباهظ، يوجد إنسان يخدم لوجه الله عزّ وجل، فهذا الذي خَدَمَ لوجه الله له عند الله ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، أما هذا الذي لا يتحرك إلا بالأجر أخذ شيئاً زهيداً قليلاً..

﴿ فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018