الدرس : 3 - سورة المؤمنون - تفسير الآيات 12 – 22 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 3 - سورة المؤمنون - تفسير الآيات 12 – 22


1988-08-26

 الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

 أيها الإخوة الأكارم... مع الدرس الثالث من سورة المؤمنون، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)﴾

 ( سورة المؤمنون )

 وتأتي الآيات بعد هذه الآية متلاحقةً تبيِّن بعض ما في الكون من دلائل، ومن عِبَر.

 

سؤال: ما علاقة ذكر الآيات الكونية بعد آيات وصف المؤمنين المفلحين ؟

 

الجواب: التفكّر في الكون طريق من طرق الإيمان:

 السؤال الآن: ما العلاقة بين هذه الآيات الكونية، وبين قوله تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12)﴾

 ( سورة المؤمنون )

 أي أنَّ أيها الإنسان إذا أردت أن تكون مؤمناً متحلياً بصفات المؤمنين، وارثاً لفردوس رب العالمين، فتعرَّف إلى الله من هذا الطريق طريق الكون، كأن الله سبحانه وتعالى بيَّن الهدف، ورسم الطريق، الهدف أن تكون مؤمناً خاشعاً في صلاتك، معرضاً عن اللغو، فاعلاً للزكاة، حافظاً لفرجك، راعٍ لأمانتك، إذا كنت كذلك ورثت جنة الفردوس، أما الطريق فانظر إلى آيات الله..

 

﴿ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾

 

 ( سورة الذاريات )

 وقال عزوجل:

 

﴿ قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 

 ( سورة يونس: آية " 101 " )

 وقال سبحانه:

 

﴿ فَلْيَنْظُرْ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾

 

 ( سورة عبس )

 وقال:

 

﴿ فَلْيَنظُرْ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾

 

 ( سورة الطارق )

 وقال:

 

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾

 

 ( سورة المرسلات )

 إنّ الله سبحانه وتعالى يبيِّن لنا أن طريق الإيمان بالله عزَّ وجل أن تتأمل في هذه الأقوال، وأن تقف عند كل آية مستجلياً وجه العظمة فيها، فكلما ارتقت معرفتك خشع قلبك:

 

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

 

 ( سورة فاطر: آية " 28 " )

 وهذه (إنما )أداة قصر، بمعنى أن العلماء وحدهم، وليس أحد سواهم يخشون الله عزَّ وجل، فإذا أردت أن تكون في صلاتك خاشعاً فتأمَّل في ملكوت السماوات والأرض، الإنسان أحياناً يمرُّ على آيات الله مروراً سطحياً، ربنا عزَّ وجل وصف الكفار فقال:

 

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾

 

 ( سورة محمد )

 الإنسان يشرب كأساً من الماء، هل أعمل فكره في هذا الماء ؟ ما مصدر هذا الماء ؟ كيف كان مِلحاً أجاجاً فصار عذباً فراتاً ؟ هل عرف أن الشمس، والقمر، والسماء، والأرض، والبحار، والهواء، والسحب، والغيوم، وطبقات الأرض كلها ساهمت في هذا الكأس من الماء ؟ قد يأكل طعاماً، قد يأكل فاكهةً، قد ينظر إلى ابنه الصغير، قد ينظر إلى جبل شامخ، قد يمتِّع عينيه ببحر صاخب، قد يرى جبلاً أخضر، قد يرى وادياً جميلاً، قد يشمُّ رائحةً عطرة، قد يرى زهرةً فوَّاحة، هذا الذي يمرُّ على آيات الله مرور المتمتع، مرور المستغل، مرور التاجر، من دون أن يقف عند خالق هذه الآية، وعند عظمته، وعند أمره، هذا إنسان شأنه كشأن البهائم، لذلك نعى ربنا عزَّ وجل على هؤلاء الذين يمرُّون على الآيات في السماوات والأرض وهم عنها غافلون، فربنا عزَّ وجل أيقظنا بهذه الآيات، أي أنَّك أيها الإنسان لا تُفلح إلا إذا كنت مؤمناً خاشعاً في صلاتك، معرضاً عن اللغو، فاعلاً للزكاة، حافظاً لفرجك، راعٍ لأمانتك، حافظاً لصلواتك، من أجل أن تكون مؤمناً هل فكَّرت في هذه الآيات ؟..

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

آية من آيات الله الكونية: خَلْقُ الإنسانِ:

 الإنسان أيْ مطلق الإنسان، وبعض العلماء يقولون: إنه الإنسان الأوَّل سيدنا آدم، لأن الله سبحانه وتعالى خلقه من طين.

 

معنى السلالة:

 

المعنى الأول:

 والسلالة هي الخليط.

﴿سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾

 أي أخلاطٍ من أنواع الطين جمَّعها الله سبحانه وتعالى، ونفخ فيها من روحه فكانت سيدنا آدم، هذا تفسير.

 

المعنى الثاني:

 تفسير آخر، السلالة بمعنى السلسلة، من طين، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، مراحل مر بها خلق الإنسان، فإما أن تكون السلالة الأخلاط، وإما أن تكون السلالة السلاسل، على كلٍ الإنسان الأول خُلِقَ من طين، ولكن مشيئة الله سبحانه وتعالى شاءت أن تجعل تكاثر ذُرِيَّته عن طريق التوالد، عن طريق النطفة، وعن طريق البويضة، وعن طريق الرحم، وعن طريق الجنين كما تعلمون من تفصيلاتٍ مررت عليها في درسٍ سابق..

 

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ﴾

 لهذا في آياتٍ أخرى يقول الله سبحانه وتعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾

 

 ( سورة البقرة: آية " 21 " )

 أي لا يستحقُّ العبادة إلا الخالق، غير الخالق لا يستحق العبادة.

 

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

 

 ( سورة الإسراء: آية " 23 " )

 الخالق وحده هو الذي يستحق أن تعبده، والعبادة أن تطيعه طاعةً طوعيِّة مبنية على معرفةٍ يقينية، منتهية بسعادة أبدية..

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ﴾

 بعض الشعراء قال:

 

نسي الطين ساعةً أنه طينٌ  حقيـر فصـال فيها وعَرْبَد
وكسا الخَزَّ جسمه فتباهـى  وحوى المال كيسه فتمرَّد
***

 إنّ الإنسان أحياناً يعلو، وينسى أنه من طينٍ من صلصال، ينسى أنه من ماءٍ مهين خرج من عورةٍ، ودخل إلى عورةٍ، ثم خرج من عورة، وسمي الماء مهيناً لأن الإنسان يستحيي به..

 

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13)﴾

 ( سورة المؤمنون )

 ربنا عزَّ وجل لم يقل: ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم خلقناه نطفةً.. لا ؟؟ أي ثم جعلناه، شاءت مشيئتنا أن يكون توالده وتكاثره في ذريته عن طريق التوالد وعن طريق النطفة.

﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ﴾

نظام التوالد أساسه النطفة:

 جعلنا نظام التوالد، ونظام التكاثر على أساس النطفة، وهذه النُطَفْ المعلومات حولها كثيرةٌ جداً، فهذه النطف تُصَنَّع في الخصيتين، والخصيتان تحتاجان إلى حرارةٍ دون حـرارة الجسم لذا هما خارج الجسم، والذي خصيتاه داخل جسمه هذا لا ينجب، لأن حرارة الجسم لا تساعد على تخليق النُطَفْ، وقال لي بعض الأطباء: إن النُطَفْ يجري تخليقها وتصنيعها في ثماني عشر مرحلة، وقد تستغرق أياماً كثيرةً تزيد عن العشرين يوماً حتى تصبح جاهزة، وفي اللقاء الواحد يُفْرِزُ الإنسان أكثر من ثلاثمئة مليون حوين منوي، وهذه الحوينات تنتقل من عُنِق الرحم إلى القنوات إلى أن تلتقي بالبويضة، والذي حيَّر الأطباء هذا الحوين الضعيف الذي خلقه الله من رأسٍ مدبب، وعنقٍ مُحَلزن، وذيلٍ مُتَعَرِّج، الذيل من أجل أن يتحرك، والرأس المدبب من أن أجل أن يخترق، ولكن كيف يخترق البويضة ؟
 اكتشف العلماء مؤخراً أنَّ في رأس كلِّ حوين منوي مادةً نبيلةً هذه المادة النبيلة تشبه خلط العين الزجاجي المائي، هذه المادة النبيلة تذيب جدار البويضة، فإذا ارتطم هذا الحيوان.. الحوين المنوي.. بجدار البويضة ذاب جدارها فإذا دخل إليها أُغْلِقَ الباب وانتهى الأمر، فحوين منوي واحد من ثلاثمئة مليون حوين يلَقِّح البويضة، أما كيف تختار البويضة أقوى هذه الحوينات فهذا لا يعلمه إلا الله، تختار البويضة أقوى هذه الحوينات من بين ثلاثمئة مليون حوين، على كلٍ..

﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

الرحم قرار مكين:

 الرحم قرار مكين، معنى قرار مكين أنَّك إذا أخذت خطاً متوسطاً للمرأة طولاً وخطاً متوسطاً عرضاً يتعامدان عند الرحم، فالرحم يشكِّل الوسط الهندسي تماماً للمرأة، شيءٌ آخر الرحم في بدايات الحمل يحافظ على النطفة، لذلك جعله الله في قرارٍ مكين.
 انظر إلى حكمة الله عزَّ وجل كيف أن الله سبحانه وتعالى جعل الدماغ محفوظاً في الجمجمة، والجمجمة عُلْبَةٌ عظميِّة فيها مفاصل ثابتة، هذه المفاصل تمتصُّ الصدمات، لو نظرت إلى جمجمة ترى أن هناك خطوطاً منكسرة تفصل بين أجزائها، هذه الخطوط هي المفاصل الثابتة، لكن فيها بعض الفراغات البينية، فإذا ارتطم الطفل بالأرض، وسمعت دويَّ رأسه إلى مكانٍ بعيد فاطمئن إنه في سلامة، لأن هذه الفراغات البينية تراصَّت فامتصَّت الصدمة، إذاً الدماغ شيء خطير جداً في الجمجمة، ولا يقل عنه خطراً النخاع الشوكي في سلسلة، والعين مهمة جداً في محجر، والقلب هو المضخة الأساسية في القفص الصدري، ومعامل الدم، وهي أخطر ما عند الإنسان داخل العِظام، والجنين داخل عظم الحوض.

﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ﴾

 قرار مكين، الرحم محاطٌ بجدرانٍ عظميةٍ من كل الجهات في مراحله الأولى، عظام الحوض في المرأة تحيط بالرحم من كل جانب، فهو في قرارٍ مكين، الشيء الآخر النطفة تعلق على جدار الرحم بعد أن تلقِّح البويضة بشكلٍ مكين، فالبويضة الملقحة مستقرةٌ على جدار الرحم بشكلٍ مكين، والرحم في مكانٍ مكين ومحاطٍ بِجُدُرٍ من العظام، وهناك أربطةٌ تربط الرحم من كل الجهات بحيث لا يتأثَّر بحركة الأم، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ﴾

مراحل تطور الجنين:

1 - تحوّل النطفة إلى علقة:

 هذه النطفة ينشأ لها في الجدار الخارجي استطالات تُعِينُ على أن تلتصق بجدار الرحم، وجدار الرحم يغذِّي هذه الاستطالات، ويرحِّب بها كي تعلق هذه البويضة الملقَّحة، فعندئذٍ تسمى علقة، لا لأنها قطعة دم جامدة، بل لأنها تعلق على جدار الرحم بمجموعة وسائل بعضها من الرحم، وبعضها من العلقة نفسها..

﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 14 " )

2 - تحوّل العلقة إلى مضغة:

 عندئذٍ تكبر هذه العلقة، ويتوضَّح بعض معالم الجنين، يبدو رأسه وجذعه فقط، يبدو في رأسه عينان، يبدو في جذعه القلب، هذه المضغة قطعةٌ من اللحم فيها ملامح أولية لتخليق هذا الجنين، على كلٍ ذكرت هذا مفصلاً في دروسٍ سابقة، واليوم أذكره موجزاً كي يُتاح لنا التفصيل في آيات أخرى.

﴿ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 14 " )

3 - نشأة العظام:

 ثم تنشأ العظام، وبعدها تُكسى هذه العظام باللحم، تنشأ العضلات، على كلٍ نقطة الحوين المنوي مع البويضة لا تُرى بالعين المجردة، لا تُرى إلا تحت المجهر، وفي بعض الكتب صور لهذه الحوينات والبويضات، الذي لا تراه بعينك بعد تسعة أشهر ترى طفلاً كامل الخلق، فيه رأسٌ، وجذعٌ، وأطراف، فيه أعصابٌ وشرايين، فيه عضلاتٌ وعظام، فيه سمعٌ وبصر، فيه فمٌ وأنف، فيه شعر، فيه جِلد، فيه مريء ورغامى، ولسان المزمار، ومعدة، وأمعاء، وكبد، وبنكرياس، وطحال، وصفراء، وكظر، وكليتان، وحـالب، ومثانة، وجهاز إفراز، تكوين يأخذ بالألباب، بعدئذٍ هذا الطفل يبتسم، بعدئذٍ يضحك، بعدئذٍ يأكل، يبحث عن الطعام، يلتقم ثدي أمه، الطريق سالك، ثم يستجيب للضوء، يستجيب للصوت، بعدئذٍ يتكلَّم، يحاول أن يمشي، بعدئذٍ إذا جاءت أمُّه يُقْبِلُ عليها، وما زال الإنسان يرقى في مدارج المعرفة إلى أن يصبح إنساناً سوياً، من طوَّره من حالٍ إلى حال ؟ الله سبحانه وتعالى..

﴿ ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 14 " )

4 - نشأة الجنين خَلقا متميزا كاملا:

 هذه الآية دقيقة جداً، ربما كان أي جنين لأي حيوان مشابهاً لجنين الإنسان، فكل حيوان يتكاثر عن طريق الولادة ؛ له نطفة، وله بويضة، وهناك تلقيح، وتصبح هذه البويضة المُلَقَّحة علقة، فمضغة، فعظام، فعضلات كالإنسان، ولكن هذا الإنسان، تبارك الخلاق..

﴿ ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ﴾

 هذا الإنسان مُكَرَّم، كرَّمه الله سبحانه وتعالى، أعطاه عقلاً، أعطاه نطقاً، أعطاه شهوةً، أعطاه أمانةً، أعطاه كوناً، أعطاه اختياراً، الإنسان خَلْق آخر، لا مجال أن تقيم موازنة بين جنين حيوان، وبين جنين إنسان، هذا الإنسان قد يُصبح عبقرياً، قد يصبح في مستقبل أيامه مصلحاً اجتماعياً، عالماً جليلاً، مخترعاً، قائداً مُحَنَّكاً، ضابطاً كبيراً، قد يكون صانعاً ماهراً، قد يكون طبيباً حاذقاً، هذا إنسان آخر، هذا مكرم.

 

﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾

 

 ( سورة الرحمن )

 هذا الإنسان خلق لمهمة عالية جداً..

 

((خلقت السماوات والأرض من أجلك، وخلقتك من أجلي، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عمَّا افترضته عليك..))

 

 ( ورد في الأثر )

﴿ ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ﴾

معاني الآية:

المعنى الأول:

 هذا مخلوق آخر، هذا حُمِّل الأمانة، هذا مكلَّف لمعرفة الله عزَّ وجل، هذا مكلف أن يزكِّي نفسه، هذا الإنسان مخيَّر، هذا الإنسان خُلِقَ ليكون أول المخلوقات، هذا الكون كله مسخرٌ من أجله، هذا خلق آخر.

﴿ ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ﴾

 جنين الدابة يكبر ويكبر، وبعد ذلك تحدث الولادة لكن يبقى دابة، أما هنا إنسان مكرَّم مُبَجَّل، إنسان يتكلم، يفكِّر، فهناك فرقٌ نوعي بين الإنسان وبين الحيوان، فرقٌ نوعي، فحياة الحيوان لمْ ترتقِ، حياة القرود مثلاً، فهل القرود أنشأت مساكن فخمة ؟ عملت تدفئة مركزية ؟ أو قادت طائرة ؟ أو اخترعتها ؟ اخترعت سيارة مثلاً، أو أجهزة نقل ؟ أجهزة إعلام ؟ تعلمت درساً ؟ دَرَّست ؟ ألَّفت ؟ الحيوان هو الحيوان لا يتغير، أما الإنسان يرقى، فالذي يقول: إن الإنسان مَرَّ بمرحلة القرود هذا إنسان يُحَقِّرُ بني جنسه، الإنسان إنسان والحيوان حيوان.

﴿ ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ﴾

 هذا معنى من معاني هذه الآية.

 

المعنى الثاني:

 هناك صفات أُخرى، تجد الطفل الصغير إذا أراد أن يلعب يمتطي عصاه، وكأنه فارسُها، الطفلة الصغيرة إذا أرادت أن تلعب تأخذ وسادةً، فتجعلها بنتها، وتربط عليها، وتسكتها، وتلقمها صدرها، معنى ذلك أن ثمة فروقًا نوعية بين الذكور والإناث، هذه تُعنى بهندامها، بشكلها، هذه مطواعة، هذا الطفل الصغير يحاول إثبات شخصيته بوسائل عديدة، فكأن هناك فرقاً نوعياً بين الذكور والإناث، ربما لا ترى فرقاً ظاهراً في بُنية الطفل أو الطفلة، ولكن في البُنى النفسية والنواحي الاجتماعية فرقٌ شاسعٌ بينهما، هذا معنى آخر.
 المعنى الثالث: لو توقَّعت أن يكون الجنين ذكرًا أو أنثى، أي أن بالعُرَى الملوَّنة، بالمورثات، يوجد ثلاثة وعشرون زوجًا، الزوج الأخير إما على شكل: (X )إكس، أو على شكل واي (y)، فإذا كان على شكل (y )فهو ذكر، أو على شكل (X )فهو أنثى، فهناك بعض الحالات التي ترى تحت المجهر، وعن طريق أجهزة بالغة التعقيد، يتحدد بها نوع الجنين، ثم يتغير هذا النوع بعد فترة من الزمن..

 

﴿ ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ﴾

 حدثني أخ فقال: إن طبيباً من أكبر أطباء الأمراض النسائية في بلاد متقدمة مادياً - يجب أن نقول متقدمة مادياً، أما من حيث الأخلاق والنواحي الأخرى فهي متخلفة جداً - فهذا الطبيب أراد أن يجري تجربة فشقَّ بطن زوجته، وعرف نـوع الجنين، وحين الولادة كان الجنين خلقاً آخر.

﴿ ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ﴾

 فإما أن الإنسان له مكانة عند الرحمن، فهو خلقٌ آخر من بنية أُخرى، وإما أن هناك صفات نفسية اجتماعية، هذه لا تُرى بالعين يوجد خلق آخر، وإما أنه لو توصَّلت إلى معرفة نوع الجنين، وربما كانت الولادة خلقاً آخر..

﴿ ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

معنى: فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ

 بعضهم يقف عند هذه الآية وقفة، كم مِن خالق في الأرض حتى يقول الله عزَّ وجل:

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

 القضية بسيطة جداً، الخلق بمعناه الدقيق ليس أن تصنع شيئاً من لا شيء، بل أن تصنع شيئاً من شيء، والدليل:

 

﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ﴾

 

 ( سورة المائدة: آية " 110 " )

 ربنا خاطب سيدنا عيسى:

 

﴿ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ﴾

 

 ( سورة المائدة: آية " 110 " )

الخَلْق بمعناه اللغوي:

 إذاً الخَلْق بمعناه اللغوي: أن تأخذ نسبًا معينة من بعض المواد تصنع منها شيئاً، هذا الخلق بهذا المعنى الدقيق، الإنسان أيضاً يساهم فيه، كأن يقول لك: الإبداع مثلاً، فأي آلة صنعها الإنسان لو وازنتها مع خلق الله عزَّ وجل، فهل يوجد إنسان موديل سبعة وثمانين، موديل ستين، موديل سبعة وخمسين ؟ لم أسمع بهذه أبداً، وهل طرأ عليه تعديلات أو تحسينات، أو هذا درجة رفيعة مثلاً، أو هذا درجة أولى ؟

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

 ما من مخلوقٍ إلا حينما خُلِقْ كان قمةً في الإتقان.

 

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

 

 ( سورة النمل: آية " 88 " )

 يمتطي مركبة تكون أحدث مركبة، وأحدث شكل، توقف فجأةً لسبب تافه جداً.. بسبب قشة وقفت.. هل يوجد إنسان وقف، وجمد بأرضه ؟ وصار به عطل ؟ يظل الإنسان ماشياً، حتى ولو كان جائعاً في المركبة ساعة لم تنتبه لها يحترق المحرك، ساعة الحرارة، يدير حديثاً ممتعاً مع صديقيك، حصل في المحرك خطأ، فارتفعت الحرارة فاحترق المحرق، فلو كانت هناك ساعةٌ صوتية لنبهتك، أما إذا كان السائق ضعيف السمع يحترق المحرق، أما الجوع يا ترى ما هذا الجوع ؟ ساعة مرئية، أم ساعة صوتية ؟ جهاز دقيق جداً، يقول لك: أنا جائع سأموت من جوعي.

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

لا موازنة بين خلق الله وصنع الإنسان:

 لو أردت أن تجري موازنة، فلابدَّ من طرح سؤال: مَن منا اشترى سيارة، ثم وجد سيارة أخرى ذات قياس صغير قد ولدتها ؟ باع الصغيرة، وأبقى على الكبيرة، أو أعطى الثانية لابنه، هذه لم نسمعها في حياتنا، بينما حصانك أو بقرتك تتوالد.

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

 فالمجال واسع جداً لو أردت أن تعمل موازنة بين خلق الله عزَّ وجل الكامل وبين بعض المصنوعات البشرية تجد مسافات كبيرة جداً.
 وبعضهم يقول: سمي الإنسان خالقاً من باب المُشاكلة، وبعضهم يقول: الخلق بمعنى صنع شيءٍ من شيء، أما ربنا عزَّ وجل خالق وبارئ، الخالق البارئ المصور، على كلٍ الآية لا تزيد عن أن تلفت النظر إلى صنع الإنسان، صنع الإنسان يتكامل لأن الإنسان بالأساس ضعيف خبرته تأتي من التجربة، والدليل: إذا اطلعت على صورة سيارة عام 1912 مثلاً، انظر، وأجْرِ موازنة، تجد فيها حركة واحدة أول فقط، الإضاءة فوانيس، يشعل عود الثقاب يملأ الزيت، ثم يشعل الضوء، هكذا كانت السيارة سابقاً، لها صوت يملأ الدنيا ضجيجاً، سرعتها قليلة جداً، حَدَّثني رجل أن القطار الأول صنع ببريطانيا عينوا له موظَّفاً يمشي أمامه لينبِّه الناس لكي لا يدهسهم، الآن سرعته ثلاثمئة وستين كيلو مترًا في الساعة الواحدة..

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

هذا خَلْقُ اللهِ:

 اسأل من يرعى الغنم، ربما تجاوز عدد أغنامه المئات، وقد توالدت، فكيف تعرف (السخلة ) أمها ؟ والله شيء صعب، كل سخلة تتجه نحو أمها أو بالعكس:

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

 فالغنم اجتماعي بطبعه، والكلاب دائماً متفرقة، فهل يمكنك أن ترعى كلاباً، وتسوقها معاً ؟ لا تقدر أن ترعاها، لأن كل واحد في جهة، لكن الغنم مذلل، لو كان الغنم بأخلاق الضباع، أو بأخلاق الذئاب لما استفدنا منها، الإنسان يقفز من أفعى أو من عقرب، أما الجمل وزنه ثمانمئة كيلو، وتجد طفلاً يقوده، من الذي ذلله ؟

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

 تمضي كل حياتك، كل الحياة تمضي، ولا تمضي الموازنة بين خلق الله، وبين صنع الإنسان:

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

 ومعنى تبارك الخير الكثير، فروث الغنمة أحسن أنواع السماد.. أغلى أنواع السماد روث الغنم والبقر.. تفلح فداناً من الأرض بقرة، روثها كافٍ ليكون سماداً لهذا الفدان، فالصوف نستفيد منه، والجلد نستفيد منه، والأمعاء نستفيد منها، والعضلات لحم، والدهن مواد دسمة، والعظام لها فوائد، والحليب سبحان الله:

 

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

 

 ( سورة المؤمنون )

 الإنسان يخلق هدفاً، يصنع شيئاً له لهدف واحد، أما ربنا عزَّ وجل كل شيء ينتجه الحيوان فيه خير، فالآن مشكلة التلوث في العالم هي أكبر مشكلة، فهذه المعامل لها فضلات كيميائية، ولها دخان، ولكن خلق الله عزَّ وجل فضلاته مفيدة، روث البقر، وروث الدجاج كله مواد مهمة جداً في حياتنا، فالناتج هو أنه لا يوجد شيء يلوث البيئة، أو يزعج الحياة.
 عندنا سؤال دقيق: هذا الخلق العظيم، خلق مذهل، وبعد هذا يموت الإنسان ؟!! فمثلاً: إذا عمَّر إنسان بناء خلال عشرين سنة ؛ وضع الأساسات، وحفر، وبعد هذا طلع إلى أول طابق والثاني، وبَلَّط، ودهن، ووضع الحمَّامات والمطابخ، وعمل مدخلاً فخماً، وبعدما انتهت سكنها خمس سنوات، وبعد هذا أحضر آلات وهدمها، فإنك تقول: إن هذا الإنسان جن، لماذا هدمها ؟ فالموت هدم للإنسان، فالإنسان خُلِقْ بأبدع صورة فلماذا الموت ؟ حتى الإنسان لا يتساءل لماذا الموت ؟ قال تعالى:

﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)﴾

 ( سورة المؤمنون )

الموت مصير كلّ المخلوق:

 هذا موت موقَّت، وبعد هذا هناك حياة أبدية، فالإنسان خُلق لكي يحيا حياةً أبدية، أما الحياة دون آخرة صعب تفسيرها، الحياة الدنيا وحدها دون موت دون آخرة فيها خلل، لأن خلق عظيم والعمر قصير، الآن ترى الإنسان حتى يتمكَّن أن يكسب يصل إلى الثلاثينات، والأعمار بين الخمسين والستين، فيقدر ما يعيش حياة معقولة بقدر ما يُعِدُّ لها، فلا يوجد تناسب، فربنا عزَّ وجل قال:

﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 هذه مشيئة الله:" كل مخلوقٍ يموت ولا يبقى إلا ذو العزَّة والجبروت ".

 

الليل مهما طـال فلا  بدَّ من طـلوع الفجر
و العمر مهما طـال  فلابدّ من نزول القبر
* * *

 الأنبياء يموتون، والأغنياء يموتون، والفقراء يموتون، والذين يعتنون بصحتهم العناية الفائقة يموتون، والذين لا يعتنون يموتون، والذين يغامرون يموتون، والذين لا يغامرون يموتون، الموت حق، فلما كشف سيدنا الصديق رضي الله عنه عن النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن وافاه الأجل قال: " طبت حياً وميتاً يا رسول الله، أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد ذقتها ".
 لا يوجد غيرها، فإذا المؤمن اجتهد في الحياة الدنيا حتى استحق مرضاة الله عزَّ وجل يوجد له موتة واحدة فقط، وبعدها في جنَّات الفردوس إلى أبدِ الآبدين:

 

﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16) ﴾

 ( سورة المؤمنون )

ثم بعد الموت البعثُ والحساب:

 لولا البعثُ بعد الموت لما كان للحياة من معنى، لأن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق وابتلاهم، فوزَّع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء، وسيوزِّع الحظوظ في الآخرة توزيع جزاء، لذلك من لوازم الإيمان بالله أن تؤمن بأسمائه كلِّها، ومن أسمائه الحق، وهذا الاسم لا يتحقق إلا يوم القيامة، لأنه ليجزي كل نفسٍ بما كسبت:

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾

 ( سورة المؤمنون )

معنى: سَبْعَ طَرَائِقَ

طبقات الجوّ سبع:

 بينت لكم في درسٍ سابق كيف أن السماوات التي فوق الأرض سبع سماوات، إما سبع بالعد الصحيح، وإما سبع كثرة، والعرب تذكر سبعة، وأضعاف السبعة للكثرة، سبع سماوات أي سماوات كثيرة، سبعون التكثير بالمئات، والسبعة للعشرات، فعلى كلٍ فهناك مجموعة طبقات فوق الأرض، من طبقة الهواء الأولى، إلى طبقة المواد الكبريتية، إلى طبقة الأوزون، إلى طبقة التأيُّن، طبقات ذكرتها في درسٍ سابق أو في خطبةٍ سابقة، وكيف أن الطبقة الأولى يزيد سمكها على ثمانية عشر كيلو مترًا، فيها الرياح، والسحب، والأمطار، والثلوج، والبَرَد.
 والطبقة الثانية فيها مواد كبريتية تلقِّح الأمطار، وعن طريقها يصبح الغيم مطراً، وبعدها توجد طبقة الأوزون، وبعدها توجد طبقة بحيث أن كل جسم من السماء إذا وقع على الأرض يتشهَّب في هذه الطبقة، وبعدها توجد طبقة السحب القطبية، إلى ما هنالك من معلوماتٍ دقيقة يختصُّ بها بعض علماء الفلك، على كلٍ ربنا عزَّ وجل جعل السماء فوقنا طبقاتٍ، وكل طبقةٍ لها وظيفة، وهذه الوظائف جمعت في قوله تعالى:

﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾

 ( سورة الأنبياء: آية " 32 " )

السماء سقف حافظ محفوظ:

 أي حافظاً للأرض من كل جسمٍ خارجيٍ عنها ومن كل أشعةٍ قاتلة، فالأشعة القاتلة تمتصُّها طبقة الأوزون، والأجسام الكوكبية في السماء إذا وقعت على الأرض فإن الطبقة التي تزيد حرارتها عن ألف وخمسمئة درجة كفيلةٌ أن تجعلها متشهِّبة، وأن تجعلها رماداً لا يُرى ولو تحت عدسة الميكروسكوب:

﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ ﴾

 أي أن الله سبحانه وتعالى في السماء إلهٌ وفي الأرض إلهٌ، إذا كان قد خلق السماوات فهو إلهٌ في الأرض، إذا كان هو الذي خلق المجرَّات والسُحب، والنجوم، والشموس، والأقمار، هو نفسه في الأرض إله:

 

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾

 

 ( سورة الزخرف )

 كل هذه السماوات العُلا:

﴿ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

معنى: وَمَا كُنَّا عَنِ الخَلْقِ غَافِلِينَ

المعنى الأول:

 بعضهم يقول: إن الملائكة تعبر هذه السماوات السبع لترفع إلى الله سبحانه وتعالى أعمال الإنسان:

﴿ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ ﴾

المعنى الثاني:

 وبعضهم يقول: إن الله سبحانه وتعالى ما كان غافلاً عن السماوات، خلقها فأبدعها وجعلها محكمةً، وربنا سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾

 

 ( سورة فاطر )

﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

معنى: بِقَدَرٍ:

المعنى الأول:

 قال العلماء: بقدر أي بنسب ثابتة ؛ تركيب الماء أي الهدرجين، والأوكسجين، ذرتين لذرة، فإن هذا التركيب مُعْجِز، هذا التركيب مؤلَّف من عنصر مشتعل وعنصر يساعد على الاشتعال، وبه تُطفئ النار، لذلك تعديل طفيف في بنية الماء تصبح المياه كُلُّها لهيباً، لذلك:

 

﴿ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾

 

 ( سورة الطور )

 من بعض تفسيراتها أن البحار تصبح نيراناً يوم القيامة، فهذا الماء ذرتين من الهيدروجين، وذرة من الأوكسجين، عنصر مشتعل، وعنصر يعين على الاشتعال، ويوجد معه مواد أخرى، وهي مواد منحلة من الصخور تناسب طبيعة الإنسان، والماء المُقَطَّر لا ينفع الإنسان وحده ما لم يخلط بمياه الآبار، لذلك وحدات التقطير التي على سواحل البحار يُضاف إلى مائها ماء بعض الآبار كي يكون صالحاً للشرب.
 بِقَدَر أي نسب المواد، يقول لك: بالعشرة آلاف ذرة من الفلور بالماء من أجل وقاية الأسنان، يوجد فلور، يوجد كالسيوم، يوجد مغنزيوم، هناك مجموعة معادن في الماء، فهذا الماء بقدر أي إنه بنسب مقدَّرة.

 

المعنى الثاني:

 أي بحجم مناسب، الآن في السودان يوجد فيضانات هذا حجم أكبر مما يجب، فأطاح بآلاف المساكن، ومليون إنسان بلا مأوى، وقتلى بالألوف، لأن الماء بحكمة بالغة لا يعلمها إلا الله، فالماء له حد مفيد جداً، يوجد حد آخر يصبح الماء مدمِّراً:

 

 

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾

 

 ( سورة المؤمنون: آية " 18 " )

 يقول علماء الجيولوجيا: إن في عصور مطيرة بقيت حبال من السماء تهطل عشرة آلاف سنة بشكلٍ مستمر حتى تشكَّلت البحار.
 قال ربنا عزَّ وجل:

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾

 ( سورة الحجر: آية " 21 " )

 يهطل في هذه البلد مئتا ميليمتر، وفي هذه مئة وخمسون، وفي تلك خمسون، هذه خط المطر خارج الجفاف، هذه المنطقة ألف ميليمتر، هذه خمسمئة، هنا جبال خضراء، وهنا ساحل، كل منطقة لها كمية أمطار مناسبة:

﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾

 بُنْيَةُ الماء، وعناصره، وبعض المعادن المنحلة فيه بقدر، وحجمه بقدر، ووقته بقدر، لو نزل الماء في غير أوانه لكان مؤذياً، ولم نستفد منه، وكان نزوله عبثاً، فأصبح معنى كلمة بقدر لها ثلاثة معانٍ: بنسبه، وكميته، ووقته:

﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾

 ( سورة المؤمنون )

تيسير اللهِ تعالى لخَلْقه الانتفاعَ بالماء:

 من الذي جعل في الأرض طبقةً كتيمة، وبعدها طبقةً نفوذة، وبعدها طبقةً كتيمة، وبعدها تربة الأرض ؟ من الذي جعل هذا ؟ لو لم تكن تلك الطبقة الكتيمة في الأسفل لغار الماء:

 

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾

 

 ( سورة الملك )

 إنه الله سبحانه وتعالى.
 لو اطلع رجلٌ على ما يدرسه الإخوة الجيولوجيون لوجد أن بنية الأرض شيءٌ يأخذ بالألباب، فجزيرة فيها نبع ماء كأرواد مثلاً، هذا يقتضي أن يكون هناك تمديدات تحت سطح البحر إلى جبال طرطوس، لا يمكن إلا أن تكون هكذا بحسب مبدأ الأواني المستطرقة، نبع في جزيرة منبسطة تحتاج إلى خزَّان في مكان مرتفع في الطرف الثاني من اليابسة، ولابدّ من تمديدات تحت سطح البحر، في بعض البلاد توجد أربعة آلاف جزيرة، أو خمسة آلاف، أو عشرين ألف جزيرة، كل جزيرة لها نبعها الذي يكفي أهلها.
 هناك شيء آخر: بعض الجبال فيها حيوانات مثل الوعول تعيش في رؤوس الجبال، ربنا عزّ وجل جعل لها ينابيع، هناك ينابيع في قمم الجبال، وليس هناك من تفسيرٍ لهذه الينابيع إلا أن تكون خزَّاناتها في جبالٍ أخرى أكثر ارتفاعاً، إذا وُجِدَ نبع في قمة جبل معنى هذا أن خزانه في جبل آخر أعلى منه، هذه كلها آيات دالَّة على عظمة الله عزّ وجل:

﴿ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 18 " )

 فهذا نبع الفيجة ربنا عزَّ وجل جعله لهذا البلد الطيب، لا يوجد بلد في العالم فيها ماء كهذا الماء، على مدار السنة ستة عشر مترًا مكعبًا في الثانية الواحدة، ترتفع إلى عشرين، وتنزل إلى خمسة في أيام الجفاف، على كلٍ يوجد عطاء مستمر، فأين هذا المستودع ؟ أين هذا الخزان ؟ ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾

 ( سورة الحجر )

وَمَا َأَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ

 فمن الذي خزنه ؟ أنت عليك أن تفتح الصنبور، وتملأ كأس الماء، لكن هل تعلم من الذي خزَّنه لك طوال العام ؟ كيف كان بخاراً، فأصبح سحاباً، فساقه الله إلى بلادنا، فجعله مطراً أو ثلجاً، ثم غار في أعماق الأرض، فتجمَّع في هذا الحوض ؟ الحوض بالمعلومات الأولية مساحته إلى حمص، ومن نصف لبنان إلى سيف البادية، هذه المعلومات الأولية، هناك معلومات أوسع بكثير، من جعل هذا الخزان من الماء ؟

﴿ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

قدرة الله في الذهاب بالماء:

 فإذا كان للإنسان نبع ماء، أو عنده محرك يخرج الماء، فإن هذا من فضل الله عزَّ وجل، لذلك ممنوع أن يحفر آبارًا ارتوازية إلا الخبراء، فلو ثقبوا أرض مجمعٍ للماء يغور الماء كله في طبقات عميقة في الأرض، وينتهي الماء كُلِّياً، ربنا عزَّ وجل مصمم هذا الحوض المائي تحته طبقةٌ كتيمة، ثم طبقة مجوَّفة، بعده طبقة كتيمة، وبعدها طبقة نفوذة، وبعدها التربة، هذا تصميم إلهي، أي غلط بهذا الينبوع يغور الماء:

﴿ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 لولا هذا الماء لما كانت الجنَّات، ترى أرض صحراوية في داخلها مزرعة كلها أشجار، وكلها أثمار، وكلها أزهار، السبب هناك محرك ماء، هذا الماء هو الذي جعل من هذه الأرض القاحلة جنةً على وجه الأرض، كذلك الماء من السماء، لا يوجد مكان فيه خَضَار إلا وفيه ماء نبع، أو نهر، أو أمطار:

﴿ فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 19 " )

إخراج النبات بالماء:

 هذه لكم أي خصيصى لكم، من أجلكم، إكراماً لكم، فالإنسان عندما يأكل فواكه، أو ثمار، أو خضراوات، أو محاصيل، عندما يشرب كأساً من الماء فإن هذا مخلوق لنا خصيصى، لهذا النبي الكريم كان أحمدَ الخلق، إذا أكل قال:

(( بسم الله ))

 وإذا انتهى قال:

(( الحمد لله الذي أطعمني فأشبعني وسقاني فأرواني ))

 ( سلسلة الأحاديث الضعيفة )

 هكذا كان يدعو عليه الصلاة والسلام.

﴿ فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾

يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ

 كل هذه الفواكه تُسْقَى بماءٍ واحد..

 

﴿ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ﴾

 

 ( سورة الرعد: آية " 4 " )

 هذا خوخ دُب، هذا أبو ريحة، هناك فرق كبير جداً بينهما، ونفضل بعضها على بعضٍ في الأُكل، هذا كرز هنا فجل، هنا فستق حلبي وهنا فستق عبيد، هنا خس، أي أن كل شيء بسعر، وكل شيء بطعم، وكل شيء بلون، وكل شيء له وظيفة، فهناك أنواع منوَّعة من النبات، وكلها تسقى بماءٍ واحد:

﴿ فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ﴾

 هذا النخل.. ستة آلاف عام تعيش النخلة.. هناك نخلٌ من قبل ميلاد سيدنا المسيح، من عهد الفراعنة، زارني شخص وقال لي: إن هذا التمر من المدينة، وهناك تمرات كانت على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فقلت له: يوجد تمر من قبل ستة آلاف سنة، هذا النخيل يُعَمِّر، والزيتون يعمر، هناك زيتون من عهد سيدنا عمر:

﴿ فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 19 " )

 كل أنواع الفواكه:

﴿ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

زيت الزيتون:

 هذه الزيتون:

﴿ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ ﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 20 " )

 فإن أرقى المواد الدسمة هو الزيت البلدي:

﴿ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ ﴾

وَصِبْغٍ للآكِلِينَ

 الصبغ هو الإدام، إما أن تأكل الزيتون، فهو إدامٌ من أعلى درجة لك مع الخبز، وإما أن تعصر الزيتون فتستخدمه زيتاً، وهو مادةٌ دسمة من أرقى أنواع المواد الدسمة، فربنا عزَّ وجل جعل من الزيتون آيةً دالةً على عظمته، لباب الدراق هو ماء سكري، أما الزيتون يوجد فيه زيت، مواد دسمة، الزيت دهن نباتي:

﴿ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ ﴾

 الصِبغ كما قال بعض العلماء: هو الإدام المائع.
 قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( نِعمَ الإدام الخل ))

 

 ( أبو داود عن جابر )

 فالإدام المائع يقال له: صبغ..

﴿ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ ﴾

 الزيتون غذاء من الدرجة الأولى، وحينما كنا طلاباً في المرحلة الثانوية علَّمونا أن في قطرنا - والحمد لله - ثلاثة عشر مليون شجرة زيتون، هذا الرقم في الستينات، أما الآن أعتقد أكثر بكثير، سورية تُعَد الدولة الثالثة في العالم في إنتاج زيت الزيتون، فهذه الآية دالة على عظمة الله عزَّ وجل:

﴿ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 كأن الله سبحانه وتعالى أشار إلى أن هذه الشجرة قد وجُدت في طور سيناء أي في الجبل الذي كلَّم الله به موسى في فلسطين، وسيناء صفةٌ محببةٌ في الجبل أن يكون مكسواً بالأشجار:

﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 21 " )

في الأنعام عبرة:

 هذا الحليب، تأكل بوظة في الصيف من الحليب، تأكل في الشتاء من الحليب، وتأكل الجبن صباحاً من الحليب، تأكل لبناً من الحليب، لبناً رائباً ومصفى، سمن بلدي من أجود أنواع السمون، قشطة، شمندوراً، زبدة كلها من الحليب، ربنا عزَّ وجل قال:

﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾

من أعاجيب الغدة الثديية عند البقرة:

 والغدة الثديية يدور فيها أربعمئة لتر دم من أجل تصنيع لتر واحد من الحليب، وحتى هذه الساعة لا يعلم العلماء ماذا يجري في خلية البقرة، فالخلايا الثديية في البقرة كالقُبة يجري حول شرياناتٌ دقيقةٌ جداً فيها دماء، فهذه الخلية تأخذ من الدم حاجتها، وتصنِّعها، وتلقي بقطرةٍ من الحليب في جوف هذه القُبة، هذه الخلية أعلم من علماء الأرض كلها، يمر الدم من فوق فتأخذ من الدم حاجتها ؛ البروتين، والسكر، والفيتامينات، والمواد المعدنية، تأخذه من الدم وتصنعه حليباً سائغاً:

 

﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصًا سَائغاً للِشَّارِبِينَ ﴾

 تقطر قطرة من داخل القبة تتجمع في ثدي البقرة، لذلك قال ربنا عزَّ وجل:

 

﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا﴾

 هذه الغنمة نفسها، والبقرة نفسها:

﴿ مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ ﴾

 ( سورة المؤمنون: آية " 21 " )

 آخر أيامها تذبح فتباع لحماً، وجلدها يصير أحذية، وأشياء كثيرة من أحشائها نستفيد منها، والغنمة كذلك، والماعز، والإبل:

﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾

 هذه:

﴿ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

﴿ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾

 ( سورة المؤمنون )

الناقة سفينة الصحراء:

 تمتطيها في البر، وتركب السفن في البحر، فربنا عزَّ وجل حمل الإنسان في البر وحمله في البحر، حتى لا يقول أحد: يا أخي نحن لا يوجد عندنا طائرات نفَّاثة حديثة جداً، قال له:

 

﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾

 

 ( سورة النحل )

 القرآن مُعْجِز يُغَطِّي كل الأزمان والأمكنة:

﴿ وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ﴾

 ( سورة المؤمنون )

 والآية التي بعدها تحدثنا عن سيدنا نوح، وهذه إن شاء الله نأخذها في الدرس القادم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018