الخطبة : 1001 - توصيات مؤتمر القاهرة - إكرام طالب العلم - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1001 - توصيات مؤتمر القاهرة - إكرام طالب العلم


2006-04-14

 الخطبة الأولى
 الحمد لله نحمده، ونستعين به، و نسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق و البشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

محاور مؤتمر القاهرة الإسلامي:

 أيها الإخوة الكرام، على خلاف مألوفي في الخطاب الديني يوم الجمعة أعرض عليكم ما تمّ في مؤتمر عقد في القاهرة في الأسبوع الماضي مؤتمر إسلامي ضم خمساً وسبعين دولة إسلامية وخمس عشرة منظمة عالمية وعدد كبير من رجال الفكر الغربي.
 وكانت من أبرز محاور هذا المؤتمر:
 - عالمية الإسلام وعولمة الغرب .
 - ومن أبرز محاوره أيضاً الأخطار التي يواجهها العالم الإسلامي في ظل العولمة.
 وقد نوقش في أربعة أيام سبعون بحثاً نوقش في هذه الأيام الأربعة في جلسات صباحية ومسائية، لكن مما قيل في المؤتمر وبالذات كلمة الوفد السوري برئاسة وزير الأوقاف ما يلي، أيها الإخوة الكرام، لأنه كلام خطير جداً ألقيه على مسامعكم:

 

كلمة وزير الأوقاف السوري:

 توصيات مؤتمر السكان حول المرأة:
 تطالب توصيات مؤتمرات السكان بحق المرأة والفتاة في التمتع بحرية جنسية آمنة مع من تشاء، وفي أي سن تشاء، وفي أي وقت تشاء، وليس بالضرورة في إطار الزواج الشرعي، من أجل أن تعلموا ماذا يخطط للمسلمين، ومعرفة حجم المشكلة وأول طريق لحلها.
 أنا لا أصدق، ولا أقبل أن يستطيع العالم الغربي تنفيذ هذه التوصيات مادمنا متمسكين بهذا الدين العظيم، وإلزام جميع الدول بالموافقة على ذلك مع المطالبة بسن القوانين التي يعاقب بها كل من يعترض على هذه الحرية، حتى ولو كان المعترض أحد الوالدين، وهذا استدعى الدعوة إلى تقليص ولاية الوالدين وسلطتهما على أبنائهما، حتى ولو كانت تلك الممارسات في داخل البيت التي تعيش به الأسرة، فللفتاة والفتى أن يرفع الأمر إلى السلطات التي ستلزم بسن قوانين تعالج أمثال هذه الشكاوى، فالمهم هو تقديم المشورة والنصيحة لتكون هذه العلاقات الآثمة مأمونة العواقب، سواء من ناحية الإنجاب، أو من ناحية الإصابة بمرض الإيدز.

 

 

ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ

 هذه توصيات مؤتمرات عقدت تباعاً عشر سنين ماضية، مؤتمر في القاهرة، ومؤتمر في بكين، تطالب الوثيقة الحكومات بالاهتمام بتلبية الحاجات التثقيفية والخدمية للمراهقين، ليتمكنوا من معالجة الجانب الجنسي في حياتهم معالجة إيجابية ومسؤولة، وتطالب بحق المراهقات الحوامل في مواصلة التعليم دون إدانة لهذا الحمل ( السفاح )، فالوثيقة تدعو إلى سن قوانين للتعامل مع حمل السفاح لتكون وثيقة دخول الحامل للمستشفى مع كونها حاملاً دون أدنى مساءلة، حتى ولو كان حملها بغير زواج، ثم تخيير الفتاة بين رغبتها في الإجهاض، أو إبقاء المولود لتعتني به بعض المؤسسات الاجتماعية، ولا تتحدث التوصيات عن الزواج من حيث إنه رباط شرعي يجمع الرجل والمرأة في إطار اجتماعي هو الأسرة، وإنما ترى أن الزواج المبكر يعيق المرأة، ومن ثم فهي تطالب التوصيات برفع سن الزواج، وتحريم الزواج المبكر.

 

 

التلاعب بالألفاظ ذات المدلولات العظيمة:

 وبالتأمل والتحليل لبعض ألفاظ الوثيقة نجد أنها تخاطب المرأة الفرد، وليست المرأة التي هي نواة الأسرة، فالمرأة العاملة هي المرأة المعتبرة، أما المرأة العاملة داخل البيت أي ربة الأسرة فينظر إليها باعتبارها متخلفة، وخارج السياق الدولي الجديد، لأنها تمارس عملاً بلا مقابل، ولأنها ربطت نفسها بزوج وأولاد، لذا فعبارة الأمومة لم ترد سوى ست مرات، بينما وردت كلمة الجنس في مواضع كثيرة جداً، أما كلمة الزوج فلم تذكر ولا مرة واحدة، لأن الوثيقة لا تعترف بالزواج، وتعتبره جناية على المرأة، وتسمي العملية الجنسية بين الزوجين الاغتصاب الزوجي، وذكر بدل من الزوج كلمة ( بارتنر ) أي الزميل أو الشريك، فالعلاقة الجنسية علاقة بين طرفين قد يكونان ذكرين، وقد يكونان أنثيين، وقد يكونان ذكراً وأنثى، والإنجابية حقوق ممنوحة للأفراد غير المتزوجين وللمتزوجين على السواء، ولم ترد كلمة الوالدين إلا مصحوبة بعبارة: ( أو كل من تقع عليه مسؤولية الأطفال مسؤولية قانونية )، في إشارة إلى مختلف أنواع الأسر المثلية ذكر وذكر، أو أنثى وأنثى، أو حتى الشواذ، لأن الوثيقة تعترف بهذه الأسر المثلية، وتدعو إليها.
 والمثير أن تستخدم الوثيقة كلمة ( المساواة ) للتعبير عن إزالة الاختلافات بين الرجل والمرأة حتى ولو كانت اختلافات بيولوجية، وتستخدم ( التنمية ) للتعبير عن الحرية الجنسية والانفلات الأخلاقي، وتستخدم كلمة ( السلم ) لمطالبة الحكومات لخفض نفقاتها العسكرية وتحويل الإنفاق إلى خطط التخريب والتدمير الإيديولوجية النسوية الجديدة، إذ تلزم مقررات القاهرة وبكين الحكومات المحلية بتنفيذ الأهداف الاستراتيجية للنظام العالمي الجديد فيما يتصل بإقرار الفكر النسوي الجديد، وذلك بمساعدة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، هذه بعض توصيات مؤتمرات السكان من أجل أن تعلموا كيف يخطط أعداءنا لنا ؟ كيف يخططون لإلغاء مصدر قوتنا وهو الإسلام ؟ كيف يخططون لهدر مركز قوتنا وهو الإعفاف ؟

 

 

تأثير تزايد السكان في العالم على أمن العالم الغربي:

 أيها الإخوة الكرام، إذا تعمقنا في فهم الدوافع الكامنة وراء عقد هذه المؤتمرات وإصدار هذه التوصيات أقصد مؤتمرات السكان وإصدار هذه التوصيات وإلزام الدول ولا سيما دول العالم الثالث وبالأخص المسلمون نجد أن الخطاب الغربي لا يخفي قلقه المستمر من تزايد سكان العالم الثالث عامة والمسلمين خاصة وهو قلق وصل إلى حد اعتبار ذلك التزايد بمثابة تهديد للمصالح الحيوية في العالم الغربي وثمة وثيقة في هذا الصدد متداولة في الأوساط العلمية أعدها أحد زعماء العالم الغربي عام ألف و تسعمئة وأربعة وسبعين وقد حملت رقم مئتين وكان عنوانها تأثير تزايد السكان في العالم على أمن العالم الغربي، وطالب كاتبها بفرض سياسة تحديد النسل في ثلاث عشرة دولة من دول العالم الثالث، تسعون بالمئة من هذه الدول إسلامية، واعتبر كاتب الوثيقة أن النظر الذي يعتبر التنمية الاقتصادية حلاً للمشكلة السكانية هو نظر يهدد الأمن في العالم الغربي.

 

 

من التخطيط الغربي:

 

1 - إبعاد الدين من البرامج التعليمية:

 إذاً المسلمون لا يحتاجون إلى تنمية اقتصادية يحتاجون إلى إيقاف النسل كي يكونوا ضعفاء وذكر بعضهم أن أوربا بالذات نسبة سكانها إلى سكان العالم يتناقص باستمرار فمن خمس عشرة بالمئة عام تسعمئة وخمسين إلى عشرة بالمئة عام خمسة وثمانين، المتوقع أن يكون ستة بالمئة عام ألفين وخمسة وعشرين، كأنها قطعة ثلج تحت أشعة الشمس تذوب، أكبر خطر يهدد العالم الغربي ازدياد السكان في العالم الثالث.
 أيها الإخوة الكرام، لذلك من خطط العالم الغربي إعادة صياغة جميع البرامج الخاصة بهذه البلاد سياسياً واقتصادياً وتعليمياً ليتسق ذلك كله تبعاً لما ورد بالتوصيات التي وافقت عليها الدول من إبعادا وتنحية ـ الآن دققوا ـ الجوانب الأخلاقية والدينية من كافة برامج التنمية والإسكان، يجب أن تنحى القيم الدينية والثقافية والخصوصية لكل أمة من برامج السكان، لذلك أيها الأخوة الكرام، هذه التوصيات تستبعد فكرة الأديان، وتقوم على فصل الدين عن حياة وشؤون الناس، وقد يفهم بحسب ما لوحظ من سلوكيات بعض الجمعيات غير الحكومية في صياغة البرامج المطروحة أنها تعتبر الإنسان سلعة سوقية تخضع لقوانين العرض والطلب، وليس خلقة إلهية تستوجب التكريم والحماية والصيانة، كما نص القرآن الكريم بقوله تعالى:

 

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء ]

2 – التساوي بين الذكر والأنثى في الميراث:

 أيها الإخوة الكرام، بشكل موجز، والأبحاث في هذا الموضوع طويلة وعميقة، لكن هذه التوصيات بشكل ملخص تدعو إلى إلغاء الميراث وجعله بالتساوي بين الذكر والأنثى، وفي هذا صدام مع آية قطعية الدلالة في القرآن الكريم، والعمل على هدم الأسرة، ورفع ولاية الآباء عن أولادهم، وإباحة الزنا، وإباحة الإجهاض والضلال في معالجة مرض الإيدز.
 يريدون أن تكون الإباحية مستمرة، لكن أن يستخدم وسائل لمنع انتشار هذا المرض وتحديد النسل بسبب الرزق فلا.

 

دعوة إلى اليقظة والوقوف في وجه تخطيط الأعداء:

 أقول لكم دائماً أيها الإخوة الكرام: إن الحقيقة المرة هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح، هذا ملخص مختصر جداً لما في مؤتمرات السكان التي عقدت تباعاً، بدءاًً من نيويورك إلى القاهرة إلى بكين، هذه المؤتمرات هدفها تنحية الجانب الديني والاجتماعي والثقافي لكل أمة، وجعل الإنسان سلعة رخيصة، ينبغي ألا يزداد السكان كي لا يشكلوا تهديداً للعالم الغربي، وأنا أقول لكم: والله زوال الكون أهون على الله من أن يسمح لجهة في الأرض مهما قويت أن تفسد على الله هدايته لخلقه، وهذا الكلام الذي سأقوله لكم اختتم به المؤتمر، وكانت مداخلتي بهذا المؤتمر، قلت: مداخلتي هذه من نوع خاص، ينبغي ألا يفهم منها أن نستسلم لمصير مجهول، وينبغي ألا تقعدنا عن العمل، ولكن من أجل ألا نُهزم من الداخل، قال تعالى:

 

 

﴿ وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

 ولكن إذا هان أمر الله علينا هنا على الله، ونحن بدليل قرآني نؤمن أن جهة مهما تكن قوية وطاغية وتمتلك كل الخيارات السياسية والمالية والعسكرية والإعلامية لا يمكن أن تفسد على الله هدايته لخلقه، اطمأنوا لن يسلمنا الله إلى غيره، ولكن كونوا في صحوة جيدة، اعرفوا ماذا يخطط لكم، والله لا أصدق مادمت حياً أن يستطيع العالم الغربي تنفيذ هذه التوصيات، لأن حقائق الدين ـ والحمد لله ـ متغلغلة في أعماق أعماق الإنسان المسلم، والدليل تلك الصور التي أثارت المسلمين في القارات الخمس، والله الذي يرى من أخبار حركة المسلمين اتجاه تلك الصور شيء لا يصدق، وأتابع المداخلة:
 كما أن هذه الجهة القوية إذا خططت للهيمنة على العالم، ونهب ثرواته، وخططت لإفقار الشعوب وإضلالها وإفسادها وإذلالها، ثم إبادتها أن تنجح هذه الخطط على المدى البعيد، هذا لا يتناقض مع عدل الله فحسب، بل يتناقض مع وجود الله، لأن الله عز وجل يقول:

 

 

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

[ سورة الزمر ]

 ثم أتابع المداخلة فقلت:
 والشر المطلق لا وجود له في الكون، لأنه يتناقض مع وجود الله، بل إن الله بحكمته ورحمته يوظف الشر النسبي للخير المطلق، وأن مشكلة العالم الإسلامي كامن حلها في كلمتين في القرآن الكريم:

 

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ﴾

 كل هذا الكيد، وكل هذه الخطط لا يمكن أن تفعل فعلها إذا اتقينا أن نعصي الله، وصبرنا على أمر الله، لذلك الآية الكريمة:

 

 

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[ سورة الأنفال ]

 مادامت سنة النبي عليه الصلاة والسلام ـ ونحن في ذكرى المولد ـ قائمة في حياتنا، في بيتنا، في عملنا، في بيعنا، في شرائنا، في علاقاتنا، في حلنا، في سفرنا، في سلمنا، في حربنا، مادام هذا المنهج الإلهي قائماً فينا فنحن في مأمن من عذاب الله، وفي مأمن من هذه الخطط الذي يخرج من جلده أقلّ المسلمين التزاماً لا يحتملها، ولن تكون، ولا تقلقوا على هذا الدين، إنه دين الله، ولكن اقلقوا على أنفسكم، وأنا معكم، أقلق على نفسي ما إذا سمح الله لنا أو لا يسمح أن نكون جنوداً لهذا الدين، هذا دين الله، لو أن أهل الأرض اجتمعوا على أن يلغوا هذا الدين هذا دين قائم، ويزداد نمواً.

 

قصيدة جاهلية تحكي واقع القرن الواحد والعشرين:

 أيها الإخوة الكرام، من المداخلات التي ألقيت في المؤتمر مداخلة شعرية لمندوب دولة هذا الشعر لشاعر عاش قبل ألف و خمسمئة عام، والذي لا يصدق أن كلامه ينطبق على المسلمين انطباقاً تاماً، الشاعر اسمه لقيط بن يعمر الإيادي قال:

 

 

أبلغ إياداً وخلل في ســراتهمُ إني  أرى الرأي إن لم يعص قد نصعا

 الأمر واضح جداً: وليّ لله أو إباحي، مؤمن أو غير مؤمن، قال تعالى:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾

[ سورة الليل ]

 كان قبل خمسين عاماً أيها الإخوة الكرام مساحة رمادية كبيرة جداً بين الأبيض والأسود، الآن اختفت هذه المساحة، إما مع الله ورسوله، أو مع الشيطان وجنوده، إما يؤمن بهذا الإله العظيم، أو أنه يؤمن بالدرهم والدينار.

 

أبلغ إياداً وخلل في سراتهم إني  أرى الرأي إن لم يعص قـد نصـعا
يا لهف نفسي إن كانت أموركم  شتى وأحكم أمر الناس فاجتمعـــا
ما لي أراكم نياماً في بولهنية و  قد ترون شهاب الحرب قـد سطعـا
فاشفوا غليلي برأي منكم حصد  يصبح فؤادي به ريان قد نقعـــا
لا تثمروا المال للأعداء إنهم إن  يظهروا يحتوكم والتلاد معــــا

***

 أمور المسلمين شتى.

 

وأحكم أمر الناس فاجتمعا
***

 بلاد عديدة في أوربا ينطق باسمها إنسان واحد تنتقل الأموال من بلد إلى بلد، من دون قيد أو شرط، مصلحتها مع بعضها بعضاً
 أيعقل أن بلداً مساحة الأرض الصالحة للزراعة مليون ونصف كيلو متر مربع، وفيه ماء كثير، ويحتاج إلى ثماني مليارات من الدولارات لإنشاء البنية التحتية، وأموال المسلمين ألف مليار في العالم الغربي.

 

 

لا تثمروا المال للأعداء إنهم  إن يظهروا يحتوكم والتلاد معا
يا قوم إنا لكم من إرث أولكم  مجداً أحاذر أن يفنى وينقطعـا
ماذا يرد عليكم عز أولكم إن  ضاع آخره أو ذل واتضعــا
***

 ما جدوى أن نتحدث عن ماضينا المجيد ؟ والله أيها الإخوة الكرام، الذي يعيش الماضي هو إنسان غبي، يجب أن تعيش الحاضر والمستقبل هؤلاء الأجداد لهم ما كسبوا ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون، ولو أن الصحابة الكرام فهموا الإسلام كما نفهمه نحن والله ما خرج من مكة.

 

 

ماذا يرد عليكم عز أولكـم إن  ضاع آخره أو ذل واتضعـا
يا قوم لا تأمنوا إن كنتم غيراً  على نسائكـم كسرا وما جمعا
***

 ما الحرب التي نواجهها الآن ؟ حرب معتقدات، حرب هوية، حرب إباحية، كانوا بالقوة المسلحة يجبروننا على أن نفعل ما يريدون، لكنهم الآن بالقوة الناعمة بالمرأة يجبروننا على أن نريد ما يريدون.

 

 

هو الفناء الذي يجتث أصلكم فمـن  رأى مثل ذا رأياً و من سمــعا
قوموا قياماً على أمشاط أرجلكم ثم افزعوا قد ينال الأمن من فـزعا
***

 أقول لكم دائماً: أنا أؤثر الحقيقة المرة وإن كانت قاسية على الوهم المريح، أن تعرف حجم المشكلة، أن تعرف كيف يفكر الأعداء ماذا يخططون لك، أحد وسائل الحل.

 

هذا كتابي إليكم والنذير معاً لمن  رأى رأيه منكم ومن سمـــعا
و قد بذلت لكم نصحي بلا دخل  فاستيقظوا إن خير العلم من نفعا
***

شحذ الهمة من قصيدة في القرن العشرين:

 الآن شاعر عاش في عام ألف و تسعمئة وثمانية وأربعين، اسمه إبراهيم طوقان قال:

 

أمامك أيها العربي يــوم  تشيب لهوله سود النواصي
وأنت كما عهدك لا تبالـي  بغير مظاهر العبث الرقاص
فلا رحب القصور غداً بباق  لساكنها ولا ضيق القصاص
***

انقضى عهد النوم والكلام:

 يجب أن نصحو من غفلتنا، انقضى عهد النوم أيها الإخوة الكرام، انقضى عهد الكلام مع النوم وبقي عهد العمل.
 أيها الطالب إذا تفوقت في الدراسة كنت سنداً لأمتك.
 وأنت أيها الصانع إذا أتقنت صنعتك واستغنيا بها عن أن نستورد فقد بنيت لأمتك مجداً، كل إنسان مهما ظن أن شأنه قليل بإمكانه أن يرسي لبنة في بناء هذه الأمة.

 

الطرف الآخر يعمل في الظلام ونحن نيام:

 أيها الإخوة الكرام، الشيء الذي يلفت النظر أن مداخلة أخرى ورد فيها كلام لسيدنا علي رضي الله عنه قال:
 << يا عَجباً عجباً، والله يميت القلب، ويجلب الهم من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم على حقكم >>.
 الطرف الآخر يعمل في الظلام، ونحن نائمون في ضوء الشمس، معنا وحي، معنا منهج الله، و نحن نائمون، والطرف الآخر على باطل يتعاونون، والآية الكريمة تؤكد هذا المعنى:

 

 

﴿ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ ﴾

[ سورة النساء: 104]

 << يا عَجباً عجباً، والله يميت القلب، ويجلب الهم من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم على حقكم >>.
 أيها الإخوة الكرام، هذه لقطات من المؤتمر الذي حضرته في القاهرة، وقد حضر المؤتمر كما قلت العالم الإسلامي بأكمله ممثلاً بوفوده، وطرحت أكثر من سبعين بحثاً، ونوقش في أربعة أيام، وفيه توصيات رائعة جداً، وبعض هذه التوصيات كان مضمون كلمة الوفد السوري، أن نوجه كتاباً أو تنديداً أو تصميماً على أن هذه التوصيات لا يمكن أن تقبل في العالم الإسلامي.
 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

 الخطبة الثانية
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الملحوظات الإيجابية من المؤتمر:

1 – كلمات فيها صواب اللفظ والمعنى:

 أيها الإخوة الكرام، بعض الملاحظات الإيجابية من المؤتمر، رؤساء وفود دول عديدة من شمالي روسيا إلى أعماق إفريقيا إلى شرق آسيا ألقوا كلماتهم باللغة العربية الفصحى من دون لكنة ولا لحن، والله شيء يبكي فرحاً، وقد ذكرتني هذه الخطابات بقول النبي عليه الصلاة والسلام، وقوله ينطبق مع أحدث نظريات للقومية قال:

 

(( ليست العربية بأحدكم من أم ولا أب، ولكن من تكلم العربية فهو عربي ))

 

( سلسلة الأحاديث الضعيفة )

 والله استمعت إلى كلمات من رؤساء وفود باللغة الفصحى التي لم أعثر على لحن واحد، وكأنه أقرب الناس إلي، من تكلم العربية فهو عربي، لذلك سيدنا عمر يقول:

 

(( تعلموا العربية إنها من الدين ))

 وبعض رؤساء الوفود لم يصيبوا في ربع الكلمة الصواب، معظم كلماتهم فيها أخطاء كبيرة جداً.

 

 

2 - أهمية طالب العلم:

 النقطة الثانية أيها الإخوة الكرام، طالب علم إفريقي تابع الدروس في هذا المسجد قرابة عشر سنوات، وشجعته على متابعة الدراسة حتى نال الدكتوراه، وأكرمه إخوة لنا كثر بكل أنواع الإكرام، وفوجئت به في المؤتمر رئيساً لوفد بلاده، وليس من عادتي أن أضع الصور أمامكم، لكن وضعت صورته في مدخل المسجد، وهو جالس إلى جانبي رئيس وفد بلاده، وألقى كلمة معظمها من نفس هذا المسجد.
 أنت إذا رأيت طالب علم لا تعلم ما مصير هذا الطالب، قد يكون وزير أوقاف، قد يكون مفتيا عاما، قد يكون رئيس معهد كبير، هذا الشيء أعطانا تشجيعاً.
 أيها الإخوة الكرام، عدة طلاب من بلاد أخرى أيضاً التقيت بهم هناك، وبعضهم أسس معاهد شرعية، وأسس جوامع، وأسس دعوة كبيرة، فلذلك يرى بعض الفقهاء أن أعظم عطاء هو لطالب العلم، لأنه بعد حين سيغدو علماً كبيراً.
 أحد علماء دمشق الكبار الذين توفاهم الله عز وجل يروي قصة أنه جاءه طالب من تركيا، وقد كلف أحد طلابه المتفوقين أن يعلمه، بعد عشرين عاماً طرق باب هذا الشيخ، فإذا بهذا الطالب الذي درس عنده كان في أعلى منصب في تركيا، ومعه سيارة كبيرة فيها مئة طالب علم شرعي من طلابه ذاهبون إلى الحج، فمر على شيخه، فبكى هذا الشيخ.
 يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها وخير لك مما طلعت عليه الشمس.

 

 

3 - البِرّ لا يبلى:

 أنا أتكلم بهذا الكلام كي أشجعكم، طالب علم فقير هيئ له غرفة، هيئ له أثاثا لا تحتاجه، هيئ له مساعدة، هذا قد يغدو داعية كبيراً في بلده، والأخ المصور إلى جانبي يعمل مشرفا عاما على التعليم الديني في بلده ورئيس الوفد.
 الشيء الغريب الآخر أن وزير أوقاف غينيا شكرني شكرا لا حدود له على عنايتي بطلاب الأفارقة، الأخبار تصل، البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت، بل إنه دعاني بعد شهر لزيارة غينيا، قلت: سبحان الله ‍!
 بالمناسبة أيها الأخوة الكرام، والله لا أبالغ بأنني من هذا البلد سمعة بلدنا في العالم الإسلامي في العناية بطلاب العلم في الأوج، البلد الأول في رعاية طلاب العلم، وهؤلاء الطلاب بعد حين قد يغدون أعلاماً في بلدهم، قد يغدون دعاة كباراً مسؤولين عن معاهد شرعية كبيرة، الآن أنت تراه طالب علم فقيرا، هو عند الله غني، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع.
 أيها الإخوة الكرام، هناك ملاحظات كثيرة إن شاء الله أتلوها عليكم في دروسي القادمة عن هذا المؤتمر، لكن بشكل عام إن لم يكن لهذا المؤتمر إلا أن اجتمعنا، وتعارفنا على بعضنا، وعرفنا مشكلات بعضنا، وتبادلنا الهموم والمقترحات لكان ما فيه كفاية لجدوى هذا المؤتمر.

 

 

الدعاء

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين خذ بيد ولاة المسلمين لما تحب وترضى يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018