الخطبة : 1003 - من قصص السيرة النبوية - قصة الصحابي الجليل ربعي بن عامر مع رستم قائد فارس - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1003 - من قصص السيرة النبوية - قصة الصحابي الجليل ربعي بن عامر مع رستم قائد فارس


2006-04-28

 الخطبة الأولى
 الحمد لله نحمده، ونستعين به، و نسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق و البشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام منهج متكامل:

 أيها الإخوة الكرام، لازلنا في ومضات ولقطات من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نحتفل بذكرى مولده، وقبل أن أبدأ القصة الأولى أذكركم بأن سيرة النبي عليه الصلاة والسلام منهج كامل، فلو لم يكن كتاب ولا سنة لكانت سيرة النبي عليه الصلاة والسلام كتاباً وسنة، لأن فيها دروساً وعبراً نحتاجها في كل زمان ومكان.
 أيها الإخوة الكرام، بعضهم قال: إن أفعال النبي أصدق في التعبير عن فهمه للقرآن من أقواله، لأن أقواله يمكن أن تؤول على خلاف ما أراد أما أفعاله حدية.

ومضات مشرقة من سيرة خير البرية:

القصة الأولى: مع عبد الله بن سلام: درس في قيمة الموضوعية:

 قصة عبد الله بن سلام، يقول هذا الإنسان الذي كان يهودياً ومن أهل الكتاب: لما سمعت بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت أتحرى عن اسمه وعن نسبه وصفاته وزمانه ومكانه.
 إخوتنا الكرام، أيعقل أن تتلقى رسالة وتمزقها قبل أن تقرأها ؟ الإنسان المنصف المفكر الباحث المتحقق يتفحص مضمون الرسالة فهذا عبد الله بن سلام قال: أخذت أتحرى عن اسمه وعن نسبه، وصفاته، وزمانه ومكانه، وأطابق بينها وبين ما هو مسطور عندنا في الكتب، حتى استيقنت من نبوته، وتثبت من صدق دعوته، ثم كتمت ذلك عن قومي اليهود، وعقلت لساني عن التكلم فيه، إلى أن كان اليوم الذي خرج فيه عليه الصلاة والسلام من مكة قاصداً المدينة، فلما بلغ يثرب، ونزل بقباء أقبل رجل علينا، وجعل ينادي بالناس معلناً قدومه، وكنت ساعتئذ في رأس نخلة أعمل بها، وكانت عمتي خالدة بنت الحارث جالسةً تحت الشجرة، فما إن سمعتُ الخبر حتى هتفتُ: الله أكبر، الله أكبر، فقالت لي عمتي حينما سمعت التكبير: خيّبك الله، واللهِ لو كنت سمعتَ بموسى بن عمران قادماً ما فعلت شيئاً فوق ذلك.
 فقلت لها: أيْ عمة، إنه واللهِ أخو موسى بن عمران، وعلى دينه، وقد بُعث بما بُعث به، فسكتت، وقالت: أهو النبي الذي كنتم تخبروننا أنه يبعث مصدقاً لما قبله، ومتمماً لرسالات ربه ؟ فقلت: نعم، قالت: فذلك إذاً، ثم مضيت من توّي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت الناس يزدحمون على بابه، فزاحمتهم حتى صرت قريباً منهم، فكان أول ما سمعته وهو قول:

 

(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ ))

 

(رواه الترمذي)

 فجعلت أتفرس فيه، وأتملى منه، فأيقنت أن وجهه ليس بوجه كذاب، ثم دنوت منه، وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فالتفت النبي عليه الصلاة والسلام وقال: ما اسمك فقلت: الحصين بن سلام، فقال عليه الصلاة والسلام: بل عبد الله بن سلام، قلت، نعم، عبد الله بن سلام، والذي بعثك بالحق ما أحبُّ أن لي به اسماً آخر بعد اليوم، ثم انصرفت من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيتي، ودعوت زوجتي وأولادي إلى الإسلام فأسلموا جميعاً، وأسلمتْ معهم عمتي خالدة، وكانت شيخةً كبيرة، يقول عبد الله بن سلام: ثم رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقلت له: يا رسول الله، إن اليهود قوم بُهْتان وباطل ـ هذا تاريخهم ـ وإني أحب أن تدعو وجوههم إليك، وأن تسترني عنهم في حجرة من حجراتك، ثم تسألهم عن منزلتي عندهم قبل أن يعلموا بإسلامي، ثم تدعوهم إلى الإسلام، فإنهم إن علموا أني أسلمت عابوني، ورموني بكل ناقصة وبهتوني.
 فأدخلني النبي عليه الصلاة والسلام في بعض حجراته، ثم دعاهم إليه، وأخذ يحضُّهم على الإسلام، ويحبب إليهم الإيمان، ويذكرهم بما عرفوه في كتبهم من أمره، فجعلوا يجادلونه بالباطل، ويمارونه في الحق، وأنا أسمع، فلما يئس من إيمانهم قال لهم: ما منزلة الحصين بن سلام فيكم ؟ قالوا: الحصين سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وابن حبرنا، وعالمنا وابن عالمنا، فقال عليه الصلاة السلام: أرأيتم إن أسلم، أفتسلمون ؟ قالوا: حاشا لله، ما كان له أن يسلم، أعاذه الله من أن يسلم، قال: فخرجت إليهم، وقلت لهم: يا معشر اليهود، اتقوا الله، واقبلوا ما جاءكم به محمد، فوالله إنكم لتعلمون أنه لرسول الله، وتجدونه مكتوباً عندكم في التوراة باسمه وصفته، وإني أشهد إنه لرسول الله، وقد آمنت به وصدقته، وأنا أعرفه، وقالوا: كذبت، والله إنك لشرُّنا وابن شرنا، وجاهلنا وابن جاهلنا، ولم يتركوا عيباً إلا عابوني به.
 فقلت للنبي عليه الصلاة والسلام: ألم أقل لك يا رسول الله: إن اليهود قوم بهتان وباطل، وإنهم أهل غدر وفجور.
 ما قيمة الإنسان إن لم يكن موضوعياً ؟
 الموضوعية أيها الإخوة قيمة أخلاقية علمية في وقت واحد، بل لا يجتمع العلم مع الخلق إلا في هذه القيمة المشتركة، فأنت عالم إذا كنت موضوعياً، وأنت أخلاقي إذا كنت موضوعياً، والموضوعية ترفع الإنسان إلى أعلى عليين.
 الحصين سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وابن حبرنا، وعالمنا وابن عالمنا، فلما علموا أنه أسلم والله إنك لشرُّنا وابن شرنا، وجاهلنا وابن جاهلنا، ما لم نكن موضوعيين فلا وزن لنا عند الله، لا تتعجل التعميم من العمى، لا تحكم قبل أن تتيقن، قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾

[ سورة الحجرات ]

 لو نسيت كل علمك، وأنت موضوعي فأنت عند الله عالم، ولو جمعت علوم الثقلين، وكنت منحازاً متعصباً، تمدح بلا سبب، تذم بلا سبب، هذه مشكلة كبيرة.
 يخطب أحدهم فتاةً من بيت فأسمع ثناء عليه، وكأنه صحابي، العلم، والفهم، والنسب، والحسب، واللباقة، والذكاء، فإذا فسخت هذه الخطبة يصبح أسوأ خلق الله أجمعين، مصاب بالصرع، أمه بخيلة، أخته عليها مشكلة، أعوذ بالله، هكذا المسلمون، إن أحبوا مدحوا فوق ما يستحق الممدوح، وإذا ذموا ذَموا أسوأ مما في الممدوح، هذا الموقف الهوائي المنحرف المتعصب المنحاز مرض كبير، إذا كنت مؤمناً حقاً فقل عن أي إنسان ماله وما عليه، تعلم من كتاب الله الموضوعية، قال تعالى:

 

﴿ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾

[ سورة النساء: 159]

 من للتبعيض، قال تعالى:

 

﴿ وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴾

[ سورة آل عمران: 69]

 طائفة وليسوا جميعاً، تعلم من القرآن الكريم الموضوعية تعلم أن يأتي حكمك صحيحاً، لا تنحاز لا إلى زيد ولا إلى عبيد، قل ماله وما عليه، لذلك ورد في بعض الأحاديث عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

 

(( ثلاث كفارات، وثلاث درجات، وثلاث منجيات، وثلاث مهلكات … وأما المنجيات فالعدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السر والعلانية ))

 

[ البزار والبيهقي ]

 عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

 

(( أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ))

 

[ الترمذي بسند صحيح ]

 أيها الإخوة الكرام، لا تتعجلوا بالأحكام، لا تصف أهل بلدة أنهم سيئون، هذا من العمى، والتعميم من العمى، لا تكفر بالتعيين، لا تقيم، أنت لست وصياً على المسلمين، قل: أحسبه صالحاً، ولا أزكي على الله أحد، إن بلغك عن إنسان كلام فتحقق، تثبت، اسأله، لا تقل للناس: قال فلان كذا وكذا، الموضوعية قيمة يلتقي عندها العلم والأخلاق.

 

القصة الثانية: مع رجل أنصاري: درس في قيمة العمل:

 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ فَقَالَ:

 

 

(( لَكَ فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ ؟ قَالَ: بَلَى، حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ، وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ، وَقَدَحٌ نَشْرَبُ فِيهِ الْمَاءَ، قَالَ: ائْتِنِي بِهِمَا ـ تعلموا من هذا الدرس ـ فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ، مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ، وَقَالَ: اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا، فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي به، شد النبي الكريم بنفسه وبيده الشريفة عوداً على هذا القدوم وقال: اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ، وَلَا أَرَاكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَجَعَلَ يَحْتَطِبُ، وَيَبِيعُ فَجَاءَ، وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، فَقَالَ: اشْتَرِ بِبَعْضِهَا طَعَامًا، وَبِبَعْضِهَا ثَوْبًا، ثُمَّ قَالَ: هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ، وَالْمَسْأَلَةُ نُكْتَةٌ فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ دَمٍ مُوجِعٍ ))

 

(سنن ابن ماجة)

 قيمة العمل:

 

(( فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ ))

 كي تطمئن عليهم، إذا كان بيت الإنسان منتظما يبدع في عمله، هيئ لأهلك حاجتهم، ثم انطلق إلى عملك، العمل شرف، سيدنا عمر كان يقول: << إني أرى الرجل ليس له عمل فيسقط من عيني >>.
 سأل مرة أناساً يتكففون الناس: من أنتم ؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض، ثم توكل على الله، من يطعمك يا فلان ؟ شاب يتعبد الله وقت العمل في المسجد ؟ قال: أخي، فقال: أخوك أعبد منك.
 اليد العليا خير من اليد السفلى، سيدنا عمر التقى والياً فقال له: << ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارقٍ أو ناهب ؟ قال: أقطع يده، قال: إذاً، فإن جاءني من رعيَّتك من هو جائعٌ أو عاطل لأقطعن يدك >>.
 الآن أكبر مشكلة في العالم في بلدنا، وفي كل البلاد النامية البطالة، البطالة الصريحة والبطالة المقنعة، الصريحة ليس له عمل إطلاقاً، والمقنعة دخل هذا العامل لا يكفيه، فيضطر إلى أساليب لا ترضي الله عز وجل.
 لذلك أيها الإخوة، هذا الإنسان المؤمن الذي يهيئ فرص عمل للناس، يقوم بعمل عظيم عند الله.
 كريم له معمل، وأصبح ربحه يساوي مصاريفه تماماً، وقرر إغلاق المعمل، واستشارني، قلت له: كم من عامل عندك ؟ قال: ثمانون، قلت له: ألا تعتقد معي أنك إذا فتحت ثمانين بيتاً يعملون عندك يأكلون، ويشربون ألا تعتقد معي أن هذا ربح عظيم عند الله ؟ قال: بلى، وجزاه الله خيراً تابع العمل، أقسم لي بالله إن ربحه يساوي مصاريفه، إذاً لا فائدة من العمل، قلت له: هناك ربح لا تعلمه، أنك هيأت لثمانين أسرة دخلا يعيشون منه، فما لم تحمل هم المسلمين، ما لم تخفف عن مشكلاتهم، ما لم تخفف من أعبائهم فأنت لا تنتمي إليهم.
 شيء آخر، ما فتح أحد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، الذي أعطى غيرك يعطك.

 

 

قل لمن بات لي حاسداً  أتدري على من أسأت الأدبا
أسأت على الله في فعله  إذ لم ترض لي ما وهــبا
ملك الملوك إذا وهـب  قم فاسألن عن الســـببا
الله يعطي من يشــاء  فقف على حـــد الأدبا

 

القصة الثالثة: مع كعب بن مالك: درسٌ في الصدق والتوبة النصوح:

 أيها الإخوة الكرام، كعب بن مالك صحابي جليل، تخلف عن غزوة تبوك من دون عذر، كيف كانت محنته مع نفسه ؟
 في صحيح مسلم قال كعب بن مالك:

 

(( لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ... وَكَانَ مِنْ خَبَرِي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى، وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَاللَّهِ مَا جَمَعْتُ قَبْلَهَا رَاحِلَتَيْنِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، فَغَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا، وَمَفَازًا ـ أي صحارى ـ وَاسْتَقْبَلَ عَدُوًّا كَثِيرًا، فَجَلَا لِلْمُسْلِمِينَ تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتْ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ، فَأَنَا إِلَيْهَا أَصْعَرُ، فَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ فَأَرْجِعُ، وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، وَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أَنَا قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ إِذَا أَرَدْتُ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اسْتَمَرَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَادِيًا، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ، فَرَجَعْتُ، وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتَّى أَسْرَعُوا، وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، فَيَا لَيْتَنِي فَعَلْتُ، ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لِي، فَطَفِقْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْزُنُنِي أَنِّي لَا أَرَى لِي أُسْوَةً إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ فِي النِّفَاقِ، أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنْ الضُّعَفَاءِ ))

 تخلَّف كعب حين طابت الثمار، وانتشرت الظلال، وتقاعس عن أن يكون مع رسول الله في سفر بعيد، وحر شديد، وعدو خطير.

 

 

(( وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ: مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ؟ قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ، وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قُلْتَ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا ))

 أرأيت إلى هذا التضامن في رواية أخرى:

 

 

(( والله تخلف عنك أناس ما نحن بأشد حباً لك منهم، ولو علموا أنك تلقى عدواً ما تخلفوا عنك...))

 

((... فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ... فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلًا مِنْ تَبُوكَ حَضَرَنِي بَثِّي، فَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ، وَأَقُولُ: بِمَ أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا ؟ وَأَسْتَعِينُ عَلَى ذَلِكَ كُلَّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ لِي: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ حَتَّى عَرَفْتُ ـ الآن دققوا ـ أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْهُ بِشَيْءٍ أَبَدًا، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وَصَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَانِيَتَهُمْ، وَبَايَعَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ، حَتَّى جِئْتُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ: تَعَالَ، فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: مَا خَلَّفَكَ ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدْ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ ـ الآن دققوا في صدقه ـ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ ))

 هذا التوحيد، أنا أملك القدرة على إقناعك بعذر تقبله، وأخرج من سخطك، لكن الله سيفضحني.
 أرأيت إلى التوحيد ؟ المؤمن يرى أن الله يعلم كل شيء، ولا تخفى عليه خافية.

 

(( وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عُقْبَى اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي عُذْرٌ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ ))

 يعني أنّ هؤلاء الثمانين الذين قدموا أعذارهم كاذبون.

 

 

((... فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ، فَقُمْتُ، وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، فَاتَّبَعُونِي، فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، لَقَدْ عَجَزْتَ فِي أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا اعْتَذَرَ بِهِ إِلَيْهِ الْمُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونَنِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي ))

 القصة لها تتمة رائعة جداً، لكن جاء فيها قرآن كريم:

 

 

﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾

 تعامل مع الله بصدق، لأن الله لا تخفى عليه خافية، وبيده كل شيء، ومن أرضى الناس بسخط الله سخط عنه الله، وأسخط عنه الناس، إن خرجت من سخطك علي ليوشكن الله أن يسخطك علي، اعتقد هذا من أرضى الناس بسخط الله سخط عنه الله، وأسخط عنه الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه، وأرضى عنه الناس.

 

 

القصة الرابعة: أثر استشهاد جعفر بن أبي طالب في أهله وفي الرسول:

 

 أيها الإخوة، لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم مصرع سيدنا جعفر بن أبي طالب وصاحبيه في مؤتة، وكان قد أبلى فيهما بلاءً حسناً حزن عليه أشد الحزن، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

[ سورة التوبة]

 حتى إنه قد قيل: إن أرحم الخلق بالخلق هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، حزن عليه أشد الحزن، وانطلق بنفسه، وهو قمة المجتمع الإسلامي إلى بيت جعفر ليخفف وقع المصاب على أهله وأولاده، فألفى زوجته تتأهب لاستقبال زوجها الغائب، فهي قد عجنت عجينها، وغسلت بنيها، ودهنتهم وطيبتهم وألبستهم، قالت أسماء زوجة جعفر: فلما أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدت هلالة من الحزن توشح وجهه الكريم، فسرت المخاوف في نفسي، غير أني لم أشأ أن أسأله عن جعفر مخافة أن أسمع منه ما أكره، وقال: ائتني بأولاد جعفر، فدعوتهم له، فهبوا نحوه فرحين مزغردين، وأخذوا يتزاحمون عليه، كل يريد أن يستأثر به فأكب عليهم، وجعل يقبلهم، و يتشممهم، وعيناه تذرفان من الدمع، فقالت زوجة جعفر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما يبكيك ؟ أبلغك عن جعفر وصاحبيه شيء ؟ قال: نعم، لقد استشهدوا هذا اليوم، عندئذ غاصت البسمة من وجوه الصغار لما سمعوا أمهم تجهش بالبكاء، وجمدوا في أماكنهم، كأن على رؤوسهن الطير، أما رسول الله فمضى وهو يكفكف عبراته، وهو يقول: اللهم اخلف جعفر في ولده، اللهم اخلف جعفر في أهله، ثم قال: لقد رأيت جعفراً في الجنة، وله جناحان مضرجان بالدماء، وهو مصبوغ القوادم.
 أيها الإخوة، هكذا كانت محبة النبي لأصحابه، نحن ينقصنا الحب، عندنا كتاب وسنة ومساجد ومؤتمرات، وكتب ومؤلفات، وأشرطة ومظاهر دينية، ينقصنا أن يحب بعضنا بعضاً، ذهب بنفسه وهو قمة المجتمع الإسلامي ليخفف وطأ الخبر عن أهله، هكذا كانت رحمته بإخوانه، والدعاة ما لم يقلدوا النبي في محبتهم لإخوانهم لا يفلحون في دعوتهم.

 

القصة الخامسة: مع أويس القرني: الفقر ليس عيبا مع صلاح الإنسان:

 ننتقل أيها الإخوة إلى مثل آخر، لإنسان فقير جداً، هو عند الله عظيم جداً، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

 

 

((إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، وَلَهُ وَالِدَةٌ، وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ ))

 

[ مسلم، أحمد، الدارمي ]

 سيدنا عمر عملاق الإسلام، سيدنا علي، صحابة كرام من الخلفاء الراشدين أمرهم النبي إذا التقوا بهذا الإنسان أويس القرني أمرهم أن يطلبوا منه أن يستغفر لهم.
 عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي قال لعمر وعلي بن أبي طالب:

 

(( إذا لقيتما أويس القرني فاسألاه أن يستغفر لكما فإني أراه مجاب الدعوة ))

 هذا الكلام لإنسان فقير، ضارب آلة كاتبة، بمرتبة متدنية جداً، معاشه لا يكفيه خمسة أيام، لا أحد يعرفه، لا أحد يأبه له، إذا غاب لم يفتقد، إذا حضر لم يعرف، إذا لقيتما أويس القرني فاسألاه أن يستغفر لكما، فإني أراه مجاب الدعوة، فترصدا موسم الحج عشر سنين، ألم يقل سيدنا سعد: << ثلاثة أنا فيهن رجل، من هذه الثلاثة: ما سعت حديثًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى >>.
 فترصدا موسم الحج عشر سنين يدعوان أهل الموسم من اليمن على طعام، فما ظفرا بضالتهما، ثم جاء العام الذي يليه، فقال عمر لرئيس وفد اليمن: أبقي أحد لم يحضر وليمتنا ؟ قال: لا، إلا فتى خامل الذكر، يرعى إبلاً لنا، فقال له سيدنا عمر: أهو أشهل أزرق العين، ذو صهوبة، يعني أشقر ؟ فقال رئيس الوفد: كأنك تعرفه يا أمير المؤمنين ؟ فذهب عمر وعلي إليه، فلما أتياه قالا: من الرجل ؟ قال: راعي إبل، وأجير قومي، قالا: لسنا نسألك عن ذلك، ما اسمك ؟ قال: عبد الله، قال له علي رضي الله عنه: قد علمنا أن كل من في السماوات والأرض عبيد لله، ما اسمك الذي سمتك به أمك ؟ قال: يا هذان، من أنتما ؟ وما تريدان مني ؟ فقال عمر: أنا عمر بن الخطاب، وهذا علي بن أبي طالب، فانتفض واقفاً، وقال: جزاكم الله عن الإسلام خيراً يا أمير المؤمنين ويا صهر رسول الله، أما أنتما فقد كان لكما شرف الصحبة، وأما أنا فقد حرمت هذا الشرف، فقال له عمر: كيف تتصور النبي يا أويس ؟ قال: أتصوره نوراً يملأ الأفق، فبكى عمر شوقاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال عمر: يا أويس، إن النبي أمرنا أن تستغفر لنا، وأن تدعو لنا، قال: ما أخص بالدعاء أحداً، ولكن أعمم، قال عمر: يا أويس عظني، الآن دققوا في هذا التابعي الولي الذي أمر عمر و عليًا أن يطلبا أن يستغفر لهما، قال أويس: يا أمير المؤمنين، اطلب رحمة الله عند طاعته، واحذر نقمته عند معصيته، ولا تقطع رجاءك منه، فقال سيدنا عمر: أفلا نأمر لك بصلة ؟ قال: يا أمير المؤمنين، أخذت على عملي أربعة دراهم، متى تراني أنفقها ؟ وعلي رداء وإزار متى تراني أخرقهما ؟ يا أمير المؤمنين، إن بين يدي ويديك عقبة كؤود، لا يقطعها إلا كل مخف مهزول، فبكى عمر، وقال: ليت أم عمر لم تلد عمر، قال: يا أويس، ألا تقيم عندنا ؟ قال: أريد الكوفة، قال: أفلا أكتب لك إلى عاملها ؟ قال: أحب أن أكون في دهماء الناس، ومضى في سبيله، ومات في غمار خيمة من خيام المسلمين خامل الذكر، لكنه في السماء علم.
 والله قبل يومين اتصل بي أخ، من اتصاله شعرت أنه من البادية، قال لي: أنا أسمع الدرس كل يوم، درس إذاعة القدس، وأنا متأثر به أشد التأثر، أجد من حولي لا يعرفون الله عز وجل، فماذا أفعل ؟ قلت له: من أين تخاطبني ؟ قال: أنا أسرح بالغنم، قلت: معك خلوي، قال: معي، قلت: سبحان الله ! إنسان يرعى الغنم، طبعاً ثقافته صفر، استمع إلى الحق فاستوعبه، وتأثر به، لكنه لا يرى طريقاً إلى هداية الناس.
 إخوتنا الكرام، ما لم تحمل هم المسلمين، ما لم تبحث عن طريقة لهدايتهم ففي الإيمان ضعف كبير، لأن الدعوة إلى الله فرض عين، والدليل:

 

 

﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر]

 أجد أركان النجاة، قال تعالى:

 

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي ﴾

[ سورة يوسف: 108]

 فالذي لا يدعو الله على بصيرة ليس متبعاً لرسول الله، لكن الدعوة إلى الله التي هي فرض عين في حدود ما تعلم، ومع من تعرف، أما الدعوة إلى الله بالأدلة والبراهين وبرد الشبهات فهذه دعوة لها اختصاصيون متبحرون، متفرغون متعمقون، هذه فرض كفاية، إذا قام بها البعض سقطت عن الكل، أما الدعوة إلى الله فلا يمكن أن تمتلئ تعظيماً لهذا الكتاب دون أن تنشر هذا التعظيم فيمن حولك، في أهلك، في أولادك، في جيرانك، في أصدقائك، في زملائك، فيمن تعرف، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( بلغوا عني ولو آية ))

 

[ البخاري عن عبد الله بن همرو]

 هذه الدعوة فرض عين.

 

 أيها الإخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

 الخطبة الثانية
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

القصة السادسة: ربعي بن عامر مع رستم قائد الفرس موقف عزة وشهامة:

 أيها الإخوة القصة الأخيرة، تعلمنا أنه يمكن بالتمسك بهذا الدين، أن ننتقل كما انتقل أجدادنا من رعي الغنم إلى قيادة الأمم، وإذا تركنا هذا الدين العظيم، والوحي العظيم نعود أمة ممزقة مقهورة، متخلفة فقيرة، يتفنن أعداؤها في إفقارها، وفي إضلالها، وفي إفسادها، وفي إذلالها، ثم في إبادتها.
 رستم قائد فارس، قائد كبير، وتحت يديه مئتان وثمانون ألفاً من الجنود، يقول لسعد بن أبي وقاص القائد المسلم: أرسل إلي من جنودك رسولاً أكلمه.
 وقف سيدنا سعد على أبواب مملكة قائد جيشها رستم، فأرسل له سعد رضي الله عنه ربعي بن عامر، وعمره ثلاثون عاماً، شاب من فقهاء الصحابة، قال له سعد: اذهب، ولا تغير من مظهرك شيئاً، لأننا قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله.
 درس بليغ، لأننا قوم أعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله، فخرج ربعي بفرسه الهزيل، وثيابه الرثة، ورمحه البسيط، فلما سمع رستم أن وافد المسلمين سوف يدخل عليه جمع حوله الأسرة الحاكمة والوزراء والجنود، واستعدوا، لأن يرهبوا هذا الوافد، لعله يتلعثم، فلا يستطيع الكلام، فلما جلس رستم قال: أدخلوه علي، فدخل يقود فرسه، واعتمد برمحه على بسطهم ليظهر لهم أن الدنيا حقيرة، وأنها رخيصة، وأنها لا تساوي عند الله شيئاً، ومن علامات رخصها وحقارتها أن الله أعطاها لمن لا يحب، وجعل سعد بن أبي وقاص ينام على الثرى، فلما وقف أمامه قال له رستم: اجلس، قال ربعي: ما أتيتك ضيفاً حتى، أجلس، إنما أتيتك وافداً، قال رستم: والترجمان بينهما: مالكم أيها العرب، ما علمنا ـ دققوا ما علمنا، وأقسم بآلهته ـ ما علمنا قوماً أذل منكم، ولا أقلّ منكم شأناً، أنتم أهل جعلان، تطاردون الإبل في الصحراء، فما الذي أتى بكم ؟ قال ربعي: نعم أيها الملك، كنا كما قلت وزيادة، كنا أهل جهالة، نعبد الأصنام، يقتل القريب قريبه على شاة، ولكن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة وللقصة تتمة.
 لكن أريد منها هذا المغزى حينما اصطلحنا مع الله، وآمنا بهذا القرآن، وآمنا برسول الإسلام كنا رعاة غنم فأصبحنا قادة أمم، فلما تركنا ديننا، وانغمسنا في المعاصي والآثام، وانشغلنا عن الأشياء النفيسة بالأشياء الخسيسة تفنن أعداؤنا في إفقارنا، وفي إضلالنا، وفي إفسادنا، والأخبار بين أيديكم، ونسأل الله أن نعود إلى الله راشدين، وأن نصطلح معه صادقين، وأن نعود إلى مجدنا التليد، وأن نعود إلى قيادة الأمم، فقد أصبح الوضع لا، يحتمل والله سبحانه وتعالى جعل الكرة عندنا فقال:

 

﴿ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ ﴾

[ سورة الأنفال: 19]

 والصلح مع الله يتم بلمحة.

 

الدعاء

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين خذ بيد ولاة المسلمين لما تحب وترضى يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018