الدرس : 12 - سورة النساء - تفسير الآيات 26-28 ، الهداية والخلق - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 12 - سورة النساء - تفسير الآيات 26-28 ، الهداية والخلق


2002-05-17

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

المصائب في الدنيا أساسها ضمان سلامة الإنسان :

 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثاني عشر من دروس سورة النساء ومع الآية السادسة والعشرين وهي قوله تعالى:

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾

 أولاً: الله جل جلاله ذات كاملة، هذه الذات الكاملة لا تريد إلا الخير.

 

﴿ إ لاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

[ سورة هود: 119 ]

 خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسعدهم، هذا أصل في الخلق، كما أن المركبة صنعت لتسير لكن لا بد لها من مكبح، والمكبح يتناقض مع السير، لأنه يوقفه، لكن حاجة المركبة إلى المكبح حاجة أساسية ومصيرية، لأن المكبح يضمن سلامتها، كذلك المصائب في الدنيا أساسها ضمان سلامة الإنسان، لأن الله عز وجل يقول:

 

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 21 ]

في سورة النساء ثماني آيات لأمة محمد هي خير لها مما تطلع عليه الشمس وتغرب :

 الله سبحانه وتعالى يريد، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: "في سورة النساء ثماني آيات لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، هي خير لها مما تطلع عليه الشمس وتغرب"؛ الأولى:

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾

 الثانية:

 

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء: 27 ]

 الثالثة:

 

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾

[ سورة النساء: 28 ]

 الرابعة:

 

﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ﴾

[ سورة النساء: 31 ]

الخامسة:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء: 48 ]

 السادسة:

 

﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً ﴾

[ سورة النساء: 110 ]

 السابعة:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء: 40 ]

 الثامنة:

 

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

[ سورة النساء: 147 ]

الهداية أحد الأهداف الكبرى التي يستهدفها الدين :

 هذه الآيات أيها الأخوة، كلها في سورة النساء، وهي خير لأمة محمد صلى الله عليه وسلم مما تطلع عليه الشمس أو تغرب، الآية الأولى:

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ ﴾

 أي الله عز وجل إرادته أن يهدينا، أن يعرفنا بذاته، أن يعرفنا طريق سلامتنا وسعادتنا، أما هذا الذي يقول لك خلقنا ليشقينا، خلقنا للنار، هذا يتناقض مع هذه الآية، الله عز وجل يقول:

 

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾

 معناها الهداية أحد الأهداف الكبرى التي يستهدفها الدين، ينبغي أن تهتدي إلى الحقيقة الكبرى، أن تهتدي إلى الحقيقة الوحيدة في الكون، إنها الله، إذاً كل شيء يقربك من هذه الحقيقة هو الحق، وكل شيء يبعدك عن هذه الحقيقة هو الباطل، النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث يقول:

 

((ليس شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد أمرتكم به، وليس شيء يقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه))

 

[ أخرجه النسائي عن ابن مسعود ]

 معنى ذلك أن في الكون حقيقة واحدة هي الله، هو مصدر السعادة، ومصدر الأمن، ومصدر السلامة، بيده النصر، بيده التوفيق، بيده العزة، بيده العطاء، بيده المنع، بيده كل شيء، فإذا عرفته وتقربت إليه فقد حققت الهدف الذي من أجله خلقت، وإذا غفلت عنه وابتعدت عنه فقد خسرت خسراناً مبيناً، بل إن البشر لا يزيدون عن رجلين؛ رجل عرف الله، وعرف منهجه، واستقام على أمر ربه، وأحسن إلى خلقه فسعد في الدنيا والآخرة، ورجل غفل عن الله، وتفلت من منهجه، وأساء إلى خلقه، فشقي في الدنيا والآخرة، إذاً يريد الله أن يهدينا، لذلك هناك كلمات يرددها بعضهم نحو: سبحان الله الذي أضله الله أضله، هذا كلام كفر، الله عز وجل أراد أن يهدينا جميعاً، أراد أن يعرفنا جميعاً، لكن الإنسان مخير، قد يفرض أن يتعرف إلى الله، ومعنى مخير يعني يريد أن يفعل ما يختار، إذاً أحياناً يسمح الله لمعصية، لكنه لم يأمر بها، ولم يرض بها، لم يأمر، ولم يرض، لكنه أراد، معنى أراد أي سمح، إذا أعطيت إنساناً حرية الاختيار، وأردت أن تمتحنه فإذا منعته من فعل اختياره فقد ألغيت اختياره.

 

حقيقة الإنسان أنه مخير :

 قال:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾

[ سورة السجدة: 13 ]

 أي لو شئنا أن نلغي اختياركم، لو شئنا أن نلغي هويتكم، لو شئنا أن نلغي الأمانة والتكليف، لو شئنا أن نلغي اختياركم، وأجبرناكم على شيء ما أجبرناكم إلا على الهدى:

 

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾

[ سورة السجدة: 13 ]

 لكن حقيقة الإنسان أنه مخير:

 

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

[ سورة الكهف: 29 ]

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

[ سورة الإنسان: 3 ]

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 148 ]

إرادة الله مع اختيار الإنسان :

 آيات كثيرة تؤكد بشكل قطعي أن الإنسان مخير، فما علاقة إرادة الله باختيار الإنسان؟ إرادة الله مع اختيار الإنسان أن يسمح له أن يفعل ما يريد ولكن لا على حساب أحد.

﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 129 ]

 قد يختار الإنسان أن يسرق، لكن لا يستطيع أن يسرق ممن يشاء، بل يسرق ممن سمح الله له أن يسرق منه فقط، إذاً أنت مخير، وسمح الله لك، أو أراد أن تحقق اختيارك، ولكن لا على مزاجك بل على توجيه من الله عز وجل:

 

﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 129 ]

 الظالم سوط الله ينتقم به ثم ينتقم منه.

 

﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة يونس: 107 ]

 ما قال: إن يردك الله بضر، الضر ليس مراد من الله عز وجل، وللتقريب إليكم هذا المثل، مدرسة من أعلى مستوى أنشئت كي تعلم الطلاب، كي تهذبهم، كي ترسخ فيهم القيم الأخلاقية، كي تنير عقولهم، كي تخرجهم قادة للأمة، لكن هذه المدرسة فيها عقوبات، فإذا عاقبنا طالباً أيحق أن نقول: إنما أنشئت هذه المدرسة كي تعاقب الطلاب؟ لا، أنشئت كي تعلمهم، وكي تربيهم، وكي تهذبهم، لكنها تضطر أحياناً أن تعاقبهم.

 

إلزام الله عز وجل ذاته العلية بهداية الخلق :

 إذاً حينما يقول الله عز وجل:

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾

 الله عز وجل ألزم ذاته العلية بهداية الخلق، قال:

 

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾

[ سورة الليل: 12 ]

﴿ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ ﴾

[ سورة القصص: 51 ]

 فالهداية على الله عز وجل.

 

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾

[ سورة النحل: 9 ]

 أي وعلى الله بيان الفصل، إذاً أول إرادة من إرادات الله سبحانه وتعالى أن يهدينا إليه، وأن يعرفنا بذاته، وأن يبين الطريق إليه كي نسلم ونسعد في الدنيا والآخرة:

 

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾

الإنسان هو المخلوق الأول :

 ما هذا الكتاب إلا تبيان لنا، وما بعثة الأنبياء والمرسلين إلا تبيان لنا، وما الكتب السماوية إلا تبيان لنا، وما الدعاة في الأرض إلا تبيان لنا، وكل مهمة يقول بها العلماء بعد الأنبياء إنما هي تبيان لنا، لقول الله عز وجل:

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾

 يعني البيان المطلق، أن تعرف من أنت، أنت المخلوق الأول، أن تعرف ما حقيقة الدنيا، إنها دار ابتلاء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، من عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، يريد الله ليبين لنا حقيقة الكون، إنه تجسيد لأسماء الله الحسنى، يريد الله أن يبين لنا حقيقة الحياة الدنيا، إنها دار تكليف لا دار تشريف، دار عمل لا دار أمل، دار سعي لا دار تكريم، التكريم في الآخرة، يريد الله ليبين لنا أن الإنسان هو المخلوق الأول.

 

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

هداية الخلق أحد أكبر إيرادات الله عز وجل :

 يريد الله ليبين لنا أن هذه المرأة خلقت لتكون زوجة لا خليلة، دخلنا في المنهج التفصيلي، قواعد الزواج، قواعد العمل، كسب المال وإنفاقه، وكل شؤون الحياة جاء الشرع الحكيم ليبينه للناس كي يستريحوا من متاعب الحياة، لأن الإنسان مخير، وكل شيء في الأرض حيادي بالنسبة إليه، الشهوة حيادية، إما أن تكون سلماً نرقى به، أو دركات نهوي بها، كل الحظوظ التي يؤتيها الله للإنسان يجب أن تستخدم في الخير، كما يمكن أن تستخدم في الشر، لأنه مخير، إذاً معنى يريد الله: أي أن هداية الخلق أحد أكبر إيرادات الله عز وجل، فأنت حينما تبحث عن الحق تحقق إرادة الله عز وجل، هذا الذي يريد، أما إن غفلت عن الحق فإنك لا تحقق ما يريده الله لك، يريد الله لك أن تهتدي، يريد الله لك أن تسلم، يريد الله لك أن تسعد، فإذا أصررت على الضلالة وعلى الشقاء فهذا شأنك، الآن علاقة إرادة الله بإرادة الإنسان ما دام الإنسان مخيراً فإرادة الله تقتضي أن يسمح له أن يفعل ما يريد، ولكن لا على حساب أحد، فالظالم سوط الله ينتقم به، ثم ينتقم منه.

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾

 لماذا أهلك بعض هذه الأمم السابقة ؟ لسبب بينه الله عز وجل، أمة انحرفت في المكيال والميزان، أمة انحرفت في غريزتها التي أودعها الله فيها، أمة طففت، أمة عبدت غير الله عز وجل، أمة شاع فيها الزنى، أمة شاع فيها الخمر، فلذلك يريد الله أن يبين الأسباب التي من أجلها أهلكت الأمم السابقة، ويهديكم السنن والقوانين الثابتة التي خلقها الله عز وجل، والتي بموجبها يهلك الإنسان أو يسعد، فكل إنسان حينما يرى مصيبة وقعت للإنسان يسأل: لماذا وقعت هذه المصيبة؟ ما الذنب الذي ارتكبه؟ ما الخطأ الذي اقترفه؟ لماذا دمرت هذه الأمة؟ لماذا ارتفعت هذه الأمة؟ ارتفاع الأمم وسقوطها، ازدهارها وزوالها له قوانين، فكأن الله سبحانه وتعالى بيَّن هذه القوانين التي بها ترقى الأمم، وبها تسقط، من أجل ماذا؟ من أجل أن نتبع قوانين سعادتنا وسلامتنا، وأن نبتعد عن مسببات شقائنا وهلاكنا، أساساً لماذا يبحث العلم عن القوانين؟ كي يستطيع أن يتنبأ بالمستقبل، نحن حينما لا نعد فراغاً بينياً في الأبنية، وتأتي شهور الصيف، حيث يتمدد الحديد، ويتصدع البناء، لأن المعادن تتمدد بالحرارة، هذا القانون يعيننا على أن نصمم بناءً فيه فواصل تمدد، من أجل ألا يتصدع، فحينما تكتشف قوانين الله عز وجل من أجل ألا تقع تحت سطوتها، من أجل أن تنجو من شقاء الدنيا وعذاب الآخرة.

 

القوانين الثابتة التي لا تتبدل ولا تتغير من أجل أن يستغفر الإنسان من ذنبه :

 لماذا تعرف قانون السقوط؟ لأنك إن أردت أن تسقط بمظلة ينبغي أن تكون المظلة مدروسة، اتساع حجمها يتناسب مع مقاومة الهواء ومع وزنها، إذاً تنزل سالماً، فكأن الله سبحانه وتعالى حينما يقول:

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾

 أي هذه القوانين الثابتة التي لا تتبدل ولا تتغير:

 

﴿ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾

 من أجل أن تستغفروا ذنوبكم، وأن يقبل الله استغفاركم وتوبتكم:

 

﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾

 إذاً أحد الأهداف الكبرى من بعثة الأنبياء، ومن إرسال الرسل، ومن إنزال الكتب أن يبين لنا الله عز وجل أن هؤلاء القوم أهلكوا بذنب كذا، وهؤلاء القوم أهلكوا بذنب كذا.

 

﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ﴾

[ سورة فصلت: 17 ]

﴿ فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ* وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ* سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ﴾

[ سورة الحاقة: 5 ـ 7 ]

﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَاد * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ* فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْط عَذَابٍ* إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾

[ سورة الفجر: 11 ـ 14 ]

الحكمة من التوبة :

 إذاً القوانين التي يبينها الله جل جلاله لنا في هلاك الأمم وفي رقيها من أجل أن ننتفع بهذه القوانين، فنسعد ونسلم في دنيانا وأخرانا، (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، ألا يعلم من خلق؟ العلم المطلق هو للخالق.

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾

[ سورة البقرة: 21 ]

 العلم المطلق للخالق، ثم يقول الله عز وجل:

 

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾

 الحقيقة أن الإنسان أودع فيه الشهوات، والشهوات متغلغلة أعمق التغلغل في الإنسان، ففي ساعة غفلة، أو ساعة ضعف، قد يقع الإنسان في معصية، فلو أن الله سبحانه وتعالى لم يشرع التوبة إطلاقاً ما الذي يحصل؟ بعد أي ذنب يرتكبه الإنسان ييئس من رحمة الله، فيتركب ذنباً وذنباً وذنوباً، إلى أن يستحق الهلاك في الدنيا والآخرة، لكن شاءت حكمة الله نظراً لضعف الإنسان أمام شهوته أن الله سبحانه وتعالى فتح له باب التوبة، وأراد له أن يتوب، التوبة فيها أشياء ثلاثة، فيها تشريع للتوبة، وفيها توبة العبد، وفيها قبول التوبة، فتوبة تأتي قبل توبة العبد وهي تشريع التوبة وتوبة العبد وقبول التوبة أو عدم قبولها، لكن التوبة رحمة من الله، لو جئتني بملء السماوات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أبالي:

 

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾

الحكمة من تشريع التوبة :

 إن الله يحب التوابين، ويحب المتطهرين، معنى ذلك أنك حينما تتوب إلى الله يفرح الله بتوبتك، تفرح الله عز وجل بفرح يليق بجلاله وكماله، وفي الحديث:

((لله أفرح بتوبة عبده من العقيم الوالد، ومن الضال الواجد، ومن الظمآن الوارد))

[ أخرجه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ]

 لماذا يفرح الله بتوبتك؟ لأنه خلقك ليسعدك لذلك يفرح بتوبتك، الإرادة الثانية: أولاً أراد أن يبين لنا، فإذا بيَّن لنا وفي ساعة ضعف أو غفلة وقعنا في معصية الإرادة الثانية:

 

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾

 لذلك لو لم يكن هناك توبة لارتكب الإنسان مليون ذنب، لكن لأن هناك توبة من أول ذنب يتوب منه وانتهى الأمر:

 

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾

 هذه الآية أيها الأخوة دقيقة جداً، الله عز وجل، الإله العظيم، والرب الحكيم يبين لنا لماذا خلقنا؟ وهذا بيان مهم جداً، وكل ما يقوله عامة الناس كلام باطل، يريد أن يبين لنا، يريد أن يهدينا، كلمات يقولها أناس كثيرون تتناقض مع القرآن الكريم، الآن إذا وقعنا في خطأ فإن الله جل جلاله يريد أن يتوب علينا، بل إن بعضهم يقول: ما فتح الله لنا باب التوبة إلا ليتوب علينا، وما فتح الله لنا باب الاستغفار إلا ليغفر لنا، وما فتح الله لنا باب الدعاء إلا ليجيبنا، أمرنا أن ندعوه ليجيبنا، وأمرنا أن نستغفره ليغفر لنا، وأمرنا أن نتوب إليه ليتوب علينا، لأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يتوب علينا شرع لنا التوبة.

 

أغلب الظن أن رحمة الله عز وجل تسع كل الذنوب والآثام :

 قال:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾

[ سورة الزمر: 53 ]

﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

[ سورة الأعراف: 156 ]

 أغلب الظن أن رحمة الله عز وجل تسع كل الذنوب والآثام، لذلك:

 

﴿ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾

[ سورة يوسف: 87 ]

 الكافر يائس، والكافر قانط.

 

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء: 27 ]

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾

من يغفل الإنسان عن ذكر الله عز وجل يتبع هواه :

 طبعاً أهل الأهواء والشهوات يحبون أن تُجَر إليهم، وأن تسقط في وحولهم، وأن ترتكب الآثام التي وقعوا فيها ليستأنسوا بك، فدائماً:

﴿ وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[ سورة الكهف: 28 ]

 أتبع من؟

 

﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾

[ سورة لقمان: 15 ]

 الناس رجلان، رجل يتبع سبيل الله:

﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾

 ورجل يتبع هواه، هذا لا تصغِ إليه، لا تستشره، لا تهتدِ برأيه، لا تلقِ له بالك، لا تعبأ به:

 

﴿ لَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا ﴾

[ سورة الكهف: 28 ]

 أما معنى أغفلنا قلبه عن ذكرنا فإياكم أن تفهموا أغفلنا قلبه عن ذكرنا أي أن الله سبحانه وتعالى خلق في قلبه غفلة، لا، بل المعنى وجده غافلاً، هكذا اللغة العربية، والقرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، عاشرت القوم فما أبخلتهم، أي ما وجدتهم بخلاء، عاشرت القوم فما أجبنتهم، أي ما وجدتهم جبناء، وزن أفعلَ أي وجد، لا بمعنى أنه خلق فيهم الغفلة:

 

﴿ لَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا ﴾

[ سورة الكهف: 28 ]

 من وجدنا قلبه غافلاً عن ذكرنا، لأنه غفل عن ذكر الله عز وجل اتبع هواه.

 

إن لم تكن على طريق الحق فأنت على طريق الباطل :

 قال تعالى:

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ* فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾

[ سورة الماعون: 1 ـ 2 ]

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

[ سورة القصص: 50]

 هما فريقان لا ثالث لهما، إن لم تكن على طريق الحق فأنت على طريق الباطل:

 

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

[ سورة القصص: 50]

 وهما طريقان لا ثالث لهما، طريق الحق أو طريق الهوى، طريق الجنة أو طريق النار، طريق الخير أو طريق الشر، طريق الدنيا أو طريق الآخرة:

 

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء: 27 ]

 أي أن تنحرفوا مَيْلاً عَظِيماً، وكلما أمعن الإنسان في المعصية فرح أهل الباطل، قد يعطونه شهادة حينما يرتكب المعاصي كلها، فلذلك لا تصحب من لا ينهض بك إلى الله حاله، ويدلك على الله مقاله، لا تصحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي.

 

خُلِقَ الإنسان ضعيفاً ليفتقر بضعفه فيسعد بافتقاره :

 الآية الكريمة ينبغي أن نفهمها على نحو أو آخر.

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[ سورة الكهف: 28 ]

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾

[ سورة النساء: 28 ]

 الإنسان فيه نقاط ضعف، هذه النقاط في أصل خلقه، أول نقطة:

 

﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾

 لماذا خلق ضعيفاً؟ ليفتقر بضعفه إلى الله فيسعد بافتقاره، ولو خلق قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه، إذاً الضعف لصالحه.
 مثل آخر: آلة غالية الثمن، عظيمة النفع لا بد من نقطة في مسار التيار ضعيفة جداً، هذه تسمى بالمصطلح فيوز، إذا جاء التيار عالياً لولا هذه القطعة الضعيفة لاحترقت الآلة، وخسر الإنسان قيمتها، أما هذه الوصلة الضعيفة جداً تسيخ فتُبَدَّل، ونحفظ بهذا الآلة.
 فالضعف الذي خلق في الإنسان ضعف لصالحه، خلق ضعيفاً ليفتقر بضعفه، فيسعد بافتقاره، ولو خلق قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه، هذه إحدى نقاط الضعف، الإنسان الذي لا يخاف لا يتوب، أما حينما يلوح له شبح مصيبة تنهار أعصابه، فيسرع إلى باب الله عز وجل، لماذا تاب؟ لأنه خاف، لماذا خاف؟ لأنه ضعيف، فالضعف سبب توبته، والتوبة سبب سعادته، خلق الإنسان ضعيفاً، ولا نبالغ إن قلنا أن معظم التائبين سبب توبتهم أنه لاح لهم شبح مصيبة فخافوا، فارتعدت فرائصهم فتابوا فالتجؤوا إلى الله عز وجل، فقبلهم الله، وأكرمهم، وأسعدهم في الدنيا والآخرة، إذاً خلق الإنسان ضعيفاً ليفتقر بضعفه، فيسعد بافتقاره.

 

بطولة الإنسان أن يأتي الله عز وجل طائعاً مختاراً خائفاً منيباً :

 أيضاً خلق الإنسان هلوعاً.

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

[ سورة المعارج: 19 ]

 من هو الهلوع؟

 

﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ﴾

[ سورة المعارج: 20 ـ 21 ]

 يحرص على ما بيديه، هذا هو المنوع، لا ينفق، فإذا أنفق عاكس فطرته، فإذا عاكس فطرته ارتقى إلى ربه، لو أن الدنيا ليست غالية على الإنسان لما ارتقى بإنفاقها، لو أن المال ليس أسيراً عند الإنسان لما ارتقى بإنفاقه:

 

﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾

[ سورة المعارج: 19-22 ]

 أي لا سمح الله ولا قدر، ووقانا وإياكم جميعاً من مرض عضال، إذا لاح شبح مرض عضال تنهار قوى الإنسان، ليس أمامه إلا الصلاة، والله أيها الأخوة عشرات، بل مئات من الناس الشاردين حينما لاح لهم شبح مصيبة كبيرة التجؤوا إلى الله عز وجل، والله عز وجل يداوي، ودواؤه مر أحياناً، فإذا كان الإنسان شارداً، وسائحاً، ولاهياً، وغافلاً، فإن الله عنده أدوية تدع الحليم حيراناً، فلذلك البطولة أن تأتيه طائعاً، فإما أن تأتيه طائعاً مختاراً، خائفاً منيباً، أو يحملك أن تأتيه طائعاً، تائباً، مختاراً.

 

الإنسان يرقى بإنفاق المال :

 وخُلِق ضعيفاً.

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً*وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً*إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾

[ سورة المعارج: 19-22 ]

 حدثني أخ مضيف في طائرة دخلت في غيمة مكهربة، فتلفت مقدمتها، وكانت على وشك السقوط، وبينها وبين السقوط وموت جميع الركاب دقائق، لكن بحكمة الله ورحمته نجا ركاب هذه الطائرة، فهذا الأخ كان مضيفاً في هذه الرحلة، قال لي: المنظر لا يصدق، أناس يضربون وجوههم، يمزقون ثيابهم، يصرخون بويلهم، لأن الموت صار محققاً، فالطيار طلب من المضيفين أن يهدؤوا الركاب، فلا أحد ينتبه، ولا أحد يسمع، وهم في ضجيج، وفي ذعر، وفي هلع، وفي خوف، وفي شدة، أحد المضيفين رأى راكباً هادئاً فتوسم فيه الخير، فتوجه إليه كي يطلب منه أن يهدئ الركاب فوجده مغمى عليه، هذا الوحيد.

 

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً*وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً*إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾

[ سورة المعارج: 19-22 ]

 بالهلع تتوب، وبالحرص على ما بيديك ترقى إذا أنفقته، والمال محبب، وإنفاقه يحتاج إلى إرادة قوية، والإنسان يرقى بإنفاق المال، والوقت ثمين فارقَ بإنفاق الوقت، والجاه غالٍ فارقَ بإنفاق جاهك، إذاً:

 

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً*وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً*إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾

[ سورة المعارج: 19-22 ]

من ضَعُف أمام شهواته فله باب مفتوح هو باب التوبة :

 قال:

﴿ خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ﴾

[ سورة الأنبياء: 37 ]

 يريد الشيء أمامه على عجل، فالمؤمن ماذا فعل؟ أعرض عن العاجلة واختار الآجلة، إذاً اختار عكس فطرته، طبع الناس جميعاً أن يختاروا العاجلة، معظم الناس يعيشون وقتهم، هناك متعة راهنة يمارسها، وهناك شهوة محرمة يقتنصها، هناك مال محبب يأكله حراماً، عاجل لأنه أمام يديه، أما المؤمن رسم هدفاً بعيداً جداً، فهو يسعى إلى ما بعد الموت، إذاً لما اختار هدفاً بعيداً عاكس طبعه، فلما عاكس طبعه ارتقى إلى الله عز وجل، فالله يقول:

 

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾

[ سورة النساء: 28 ]

 حينما بيَّن لنا، حينما أراد لنا أن نتوب، لأنه يعلم ضعفنا أمام الشهوات، فحينما يضعف الإنسان أمام شهوته فله باب مفتوح هو باب التوبة، فكأن هذه التوبة تخفف عنه العبء، سبحان الله عندما يتوب الإنسان إلى الله توبة نصوحاً يشعر أن جبالاً قد أزيحت عن كاهله، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له، حينما تتوب إلى الله عز وجل تشعر يقيناً أن جبالاً ضاغطة أزيحت عن كاهلك:

 

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾

[ سورة النساء: 28 ]

ثلاث إرادات عظيمة لله عز وجل إرادة البيان والتوبة والتخفيف :

 ثلاث إرادات إلهية عظيمة، الإرادة الأولى:

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾

 والإرادة الثانية:

 

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾

 والإرادة الثالثة:

 

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ﴾

 هذا الذي يفعل السيئات لا سمح الله ولا قدر، وهذا الذي يقترف الآثام، أو هذا الذي يبني مجده على أنقاض الآخرين، يبني أمنه على خوف الآخرين، يبني حياته على موت الآخرين، يبني غناه على إفقار الآخرين، هذا حينما يعود إلى فطرته تعذبه فطرته عذاباً لا يوصف، لذلك ورد في بعض الأحاديث في الجامع الصغير:

 

((إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول: يا رب لإرسالك بي إلى النار أيسر علي مما ألقى، وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب))

 

[ أخرجه الحاكم في المستدرك عن جابر ]

 حينما دعانا الله عز وجل إلى معرفته وطاعته، وإلى التوبة أراد أن يخفف عنا. لو أن طفلاً مثلاً سرق قلماً من صديقه، ثم اشتكى صاحب القلم المفقود إلى المعلم، وأغلق المعلم الباب، وفتش الطلاب، فإذا خرج هذا القلم من جيب الطفل السارق تحمل من الخزي والعار ما لا يحتمل، فالله عز وجل يعلم ما سيكون.

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾

[ سورة غافر: 10 ]

 يقول الله عز وجل:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾

 يعني إذا وجد أب ابنه لا يدرس ولا يداوم، وهو يصاحب رفقاء السوء، فإن الأب بخبرته العميقة يرى ابنه في النهاية فقيراً، لا عمل، ولا وظيفة، ولا اختصاص، ولا حرفة، ولا زواج، ولا بيت، بل هو منبوذ في الطريق، فمتى يتألم الأب؟ حينما يرى ابنه الصغير لا يدرس، أما متى يتألم الابن؟ حينما يكبر،

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾

 متى مقت الله؟

﴿ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾

 أيها الأخوة، ثلاث إرادات عظيمة لله عز وجل؛ إرادة البيان، والتوبة، والتخفيف.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018