الدرس : 12 - سورة التوبة - تفسير الآيتان 11-12 ، ثمرات الصلاة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 12 - سورة التوبة - تفسير الآيتان 11-12 ، ثمرات الصلاة.


2010-06-04

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

ابتعاد المشركين عن رعاية حق القرابة والنسب والضعف :

 أيها الأخوة الكرام... مع الدرس الثاني عشر من دروس سورة التوبة، ومع الآية الحادية عشرة وهي قوله تعالى:

﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾

 ما الذي سبق هذه الآية؟ قوله تعالى:

﴿ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ﴾

 أي لا يرعون حق القرابة، ولا حق النسب، ولا حق الضعف، كل العوامل التي تراعى هم لا يراعونها،

﴿ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً ﴾

 ثم يقول الله عز وجل:

﴿ يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ ﴾

﴿ اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً ﴾

[ سورة التوبةٍ]

 الثانية موضوع آخر:

﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ﴾

[سورة التوبة]

 على أنفسهم، لقد اعتدوا عليكم حينما لم يراعوا أي عنصر يخفف عداوتهم، واعتدوا على أنفسهم حينما فعلوا هذا الفعل الذي سيحاسبون عليه يوم القيامة.

 

لكل عمل نتيجة يوم القيامة :

 لذلك الذي لا يؤمن يظلم نفسه، والذي يعتدي يظلم نفسه.

((الظلم ظلمات يوم القيامة))

[أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله]

 الحقيقة الدقيقة من خلال هذه الآيات أن لكل عمل نتيجة يوم القيامة، إما أن يكون هذا العمل سبب سعادة الإنسان في الآخرة، وإما أن يكون هذا العمل سبب شقاء الإنسان في الآخرة.
 الآية اليوم:

﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾

 مهما كان الحديث قوياً عن أهل الإعراض، عن أهل الكفر، عن أهل الشرك، عن أهل الضلال، مهما يكن الحديث قوياً عن العصاة، والمذنبين، والتائهين، والشاردين، تجد رحمة الله عز وجل تفتح أبوابها فيقول:

﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾

 أي أروع ما في هذا الدين أن باب التوبة مفتح على مصارعه إلى يوم القيامة.

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء]

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾

[ سورة البقرة]

 وما أمرك أن تتوب إليه إلا ليقبل توبتك، وما أمرك أن تدعوه إلا ليستجيب لدعائك، وما أمرك أن تسترحمه إلا ليرحمك.
 دقق فيما سأقول: ما أمرك أن تتوب إليه إلا ليتوب عليك، وما أمرك أن تدعوه إلا ليستجيب لك، وما أمرك أن تستغفره إلا ليغفر لك،

﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ﴾

الصلاة عماد الدين وعصام اليقين وسيدة القربات :

 أخواننا الكرام، الصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، وسيدة القربات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات، لا خير في دين لا صلاة فيه، أركان الإسلام: الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، والنطق بالشهادة، النطق بالشهادة يكفي مرة في العمر، والحج يسقط عن المريض والفقير، والصيام يسقط مع أدائه مستقبلاً عن المريض والمسافر، ما الفرض الذي يعد الفرض الأول؟ الذي يعد الفرض المتكرر؟ الذي لا يسقط بحال؟ إنه فرض الصلاة، لا خير في دين لا صلاة فيه، والصلاة ولا بشكل إلا بحالة نادرة جداً لا تقع للمئة ألف إنسان إلا نادراً أن يصاب بغيبوبة كاملة، بسبات كامل، وما سوى ذلك المريض يصلي، إن كنت عاجزاً عن الوقوف تصلي وأنت قاعد، وقد تصلي وأنت مضطجع، وقد تصلي بإيماءات من رأسك، فلابد من أن تصلي، الفرض الوحيد المتكرر الذي لا يسقط بحال.
 إن هذا الدين بالأصل اتصال بالله.

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه]

من أحكم الصلة بالله عز وجل طهر قلبه من الأمراض و الأحقاد :

 الصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، الصلاة معراج المؤمن، الصلاة طهور كما قال عليه الصلاة والسلام، إن أحكمت الصلة بالله طهرت قلبك من الأمراض، من الحقد، من الحسد، من الكبر، من التطاول، كل الأمراض النفسية تشفى منها من خلال الصلاة، لأن الصلاة طهور.
 والصلاة نور، إن الله سبحانه وتعالى يقذف نوره في قلب المؤمن من خلال الصلاة، فالصلاة نور ترى به الحق حقاً، والباطل باطلاً، ومن أين يأتي شقاء الناس؟ يأتي من العمى.

﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾

[ سورة الحج]

 الإنسان قبل أن يتحرك له رؤية، رؤية المصلي صحيحة، متطابقة مع منهج الله، لذلك المصلي لا يُدمر، ولكن رؤية غير المصلي قد يرى أن يقترف جريمة، فيكون إعدامه بعد أيام، قد يرى أن ينهب مالاً، ويغيب عنه أنه سيلقى القبض عليه، أنت حينما تصلي أنرت قلبك بالحق، وقلّما تقع في عمل مدمر، فالصلاة نور وطهور.
 والمصلي صلاة صحيحة لا يحقد، لا يحتال، لا يتكبر، لا يستعلي، لا يظلم، أنت مصلٍّ، والمصلي يرى، والمصلي طاهر، والمصلي سعيد، والصلاة حبور، والصلاة نور، والصلاة طهور.

((أرحنا بها يا بلال ))

[أخرجه الطبراني عن رجل من الصحابة]

 والصلاة معراج المؤمن، والله عز وجل في آيات كثيرة يتحدث عن الصلاة:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

[ سورة الروم الآية: 30]

أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه :

 ثم إن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

[ سورة العنكبوت الآية: 45]

 هذا النهي الذاتي، هذا النهي يسميه العلماء: الوازع، عظمة هذا الدين أنه في الأصل مبني على الوازع الداخلي، كيف؟
 سيدنا عمر أراد أيها الأخوة الكرام أن يمتحن راعياً، فقال له: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها، قال: ليست لي، قال: قل لصاحبها ماتت، أو أكلها الذئب، قال: والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله؟!.
 المصلي يرى أن الله معه، وأفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه، ولكن أين الله؟!.
 فلذلك الصلاة تعطيك هذا الرادع،

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾

 القوانين تردع، أما الدين فيمنع، القوانين مبنية على الرادع الخارجي، لكن الدين أساسه الوازع الداخلي. كما قال النبي الكريم:

(( نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه))

[ كنز العمال عن عمر]

 القوانين تردع أما الصلاة فتمنع، والفرق كبير بينهما.

 

الله عز وجل إن ذكر المؤمن منحه الأمن و الحكمة و السكينة :

 أيها الأخوة،

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

 قال بعض العلماء: ذكر الله أكبر ما فيها، وقال بعضهم وهذا المعنى دقيق جداً: ذكر الله لك أيها المصلي وأنت تصلي أكبر من ذكرك له، لأنك إن ذكرته أديت واجب العبودية، لكنه إذا ذكرك منحك الرضا، والرضا عطاء كبير، المؤمن راضٍ عن الله، إنه إن ذكرك منحك نعمة الأمن، وهذه النعمة لا يتمتع بها إلا المؤمن.

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام]

 إذا ذكرك منحك الرضا، إذا ذكرك منحك الأمن، إذا ذكرك منحك الحكمة.

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة الآية: 269]

 أنت بالحكمة تسعد بأي شيء، ومن دون حكمة تشقى بأي شيء، إنه إن ذكرك منحك التوفيق، منحك النصر، منحك الحفظ، منحك السداد، ألا تقرؤون بعض الأحاديث الشريفة؟:

(( إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني، وحُق على المزُور أن يكرم الزائر))

[ أبو نعيم عن أبي سعيد الخدري]

 وِأنت في المسجد قد لا تجد كرسياً تجلس عليه، ولا ضيافة أبداً، لكن إذا خرجت من المسجد كما كان النبي الكريم يعلمنا إذا دخل إلى المسجد يقول:

((اللَّهمَّ افْتح لي أبواب رحمتك))

[أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي حميد وأبي أسيد ]

 لذلك الله عز وجل يلقي السكينة في قلوب رواد المساجد، السكينة تعني الرحمة، تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، السكينة أي الحكمة، و الرحمة، و الرضا، والسداد، والتفاؤل، والثقة بالله، والتماسك، وقوة الشخصية، أنت تتصل بخالق الأكوان؟ بخالق السماوات والأرض؟.

 

الصلاة قرب من الله وحبور ونور :

 فلذلك الصلاة معراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات، الصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، الصلاة سيدة القربات، الصلاة اتصال بالله، الصلاة نور، الصلاة حبور، سعادة، الصلاة طهور، الصلاة فيها يذكرك الله عز وجل، إن ذكرك منحك الأمن، إن ذكرك منحك حياة زوجية سعيدة، إن ذكرك منحك التوفيق، إن ذكرك منحك الهيبة، إن ذكرك منحك قوة الشخصية، إن ذكرك منحك التوفيق، إن ذكرك منحك الرضا.
 لذلك:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

 هذه الصلاة التي يصليها بعض الناس، لا خشوع فيها، ولا اتصال بها، هذه الصلاة ما أرادها الله عز وجل، ما أرادها الله عز وجل قولاً واحداً، لقول النبي الكريم لما رأى مصلياً يصلي كما يصلي بعض الناس قال له:

(( قم فصلِّ إنك لم تصلِّ))

[الترمذي عن رفاعة بن رافع]

 الصلاة قرب من الله، الصلاة حبور، الصلاة نور، الصلاة إقبال، الصلاة حكمة، يمنحك الحكمة في الصلاة، يمنحك الرضا في الصلاة، يمنحك التوفيق في الصلاة.

 

الاستقامة أحد أكبر أسباب الخشوع في الصلاة :

 لذلك الآية الكريمة:

﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ﴾

 بشكل أو بآخر لو أن إنساناً تاب من معصية ولم يحكم صلاته، ربما عاد إليها، لأن الصلاة كبيرة، صعبة، أي ثقيلة.

﴿ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾

[ سورة البقرة]

 إذا كنت خاشعاً، مستقيماً، مصطلحاً مع الله، مطيعاً، فالصلاة جنة.

((أرحنا بها ))

 الصلاة نور، الصلاة حبور، الصلاة قرب من الله عز وجل، أما من دون استقامة الكلام مؤلم، تصبح الصلاة عبئاً على الإنسان.

﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 45]

 أي ثقيلة،

﴿ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾

 إن أردت أن تسعد بالصلاة فاستقم على أمر الله الاستقامة أحد أكبر أسباب الخشوع في الصلاة.

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾

[ سورة المؤمنون]

لا خير في دين لا صلاة فيه :

 لذلك أيها الأخوة،

﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ﴾

 الدين صلاة، لا خير في دين لا صلاة فيه،

﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ ﴾

 أي يمكن أن نفهم الزكاة في هذه الآية بفهم ضيق، هو أن تؤتي ربع العشر من مالك، زكاة مالك كل عام، إذا حال عليه الحول، ويمكن أن يتوسع معنى الزكاة لخدمة الخلق.
 وكأن السيد المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، حينما قال الله على لسانه في القرآن:

﴿ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾

[ سورة مريم]

لكل إنسان حركتان؛ حركة نحو الله و حركة نحو الخلق :

 أي أنت حركتان، حركة نحو الله، معرفة، وطاعة، وعبادة، وتقرباً، وحركة نحو الخلق انضباطاً، وإحساناً.
 لك علاقتان، علاقة مع خالق السماوات والأرض، وعلاقة مع من حولك من البشر، فإذا أحكمت هاتين العلاقتين كنت في مأمن من عذاب الله،

﴿ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾

﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ﴾

 أي أقاموا الصلاة، مثلاً: إنسان أقام بناء، العمل ليس سهلاً، هناك رخص، قد تبقى الرخصة لعام أو عامين، وهناك حفر أساسات، وقد تدفع مبالغ فلكية لا تُرى بالعين تحت الأرض، حفر، وأساسات، وقاعدة استنادات، وإسمنت، وحديد، كله تحت الأرض، ثم بيت على الهيكل، إلى أن يكسى البناء كسوة راقية، نقول: أقام البناء، إنسان أحياناً يزيح حاجة من هنا إلى هناك، لا تقل: أقام بل أزاح، أما أقام عمل كبير، عمل له مقدمات، له شروط، له حيثيات، له مراحل.

 

بطولة الإنسان أن يكون له اتصال بالله عز وجل في أثناء الصلاة :

 لذلك: أقام الصلاة، أي تعرف إلى الله، وبعد التعرف إلى الله تعرف إلى منهجه، وبعد التعرف إلى منهجه حمل نفسه على طاعته، وبعد أن حمل نفسه على طاعته تقرب إليه بالأعمال الصالحة، معرفة، واستقامة، وعمل صالح، عندئذٍ تقول: الله أكبر، ربما انعقدت لك مع الله صلة.
 للتقريب: لا تستطيع أن تقول عن شخص أن معه دكتوراه ولا يحمل شهادة ابتدائية! شيء مضحك، لأن الدكتوراه مرحلة متقدمة جداً، يسبقها ابتدائي، إعدادي، ثانوي، جامعة، دبلوم عام، دبلوم خاص، ماجستير، دكتور.
 معنى ذلك أن المصلي مستقيم، والمستقيم يعرف الله، تعرف إلى الله، تعرف إلى منهجه، أطاعه،تقرب إليه، فلما قال: الله أكبر انعقدت صلة بينه وبين الله، وطبعاً أنت حينما تتوضأ وتقف، وتقرأ الفاتحة، وتركع، وتسجد، هذه الصلاة المكتوبة سقطت عنك، سقط عنك إثم ترك الصلاة، صليت لكن البطولة أن يكون لك اتصال بالله في أثناء الصلاة.
 إنسان دعاك إلى طعام، أتيت لكن لم تأكل شيئاً، الداعي يتمنى عليك أن تأكل، لا أن تثبت وجودك بميم ـ أي موجود ـ هذه الميم لا تقدم ولا تؤخر.
 لذلك الوقت وقت، صليت، وقمت من عملك، وتوضأت، ووقفت بين يدي الله، لِمَ لا تسعى إلى إحكام العلاقة مع الله؟ إحكام العلاقة مع الله سببه الكبير الاستقامة على أمره، لأن الذنوب تحجب عن الله.

عظمة هذا الدين أن الإنسان لمجرد أن يؤمن يصبح أخاً لكل مؤمن :

﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾

 عظمة هذا الدين أن الإنسان لمجرد أن يؤمن أصبح أخاً لكل مؤمن، له ما للمؤمنين، وعليه ما على المؤمنين.

﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾

 رجل يحقد على النبي حقداً لا حدود له، التقى مع صفوان بن أمية، قال له: والله لولا ديون لزمتني ما أطيق سدادها، ولولا أولاد أخاف عليهم العنت من بعدي، لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه، فقال له صفوان: أولادك أولادي ما امتد بهم العمر، اطمئن، وديونك عليّ بلغت ما بلغت، فامضِ بما أردت ـ عنده شيئان مقلقان، ديونه وأولاده ـ صفوان بن أمية حلّ له هذه المشكلة فسقى سيفه سُماً، وامتطى ناقته، وتوجه إلى المدينة المنورة، ليقتل النبي صلى الله عليه وسلم، فلما وصل إلى المدينة، طبعاً هناك مبرر لذهابه إلى المدينة، أخوه واقع في الأسر، فلما وصل إلى المدينة رآه سيدنا عمر، فقال: هذا عمير عدو الله جاء يريد شراً، قيده بحمالة سيفه، وساقه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، دخل على النبي الكريم، قال: يا رسول الله هذا عمير، جاء يريد شراً، سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام قال له: يا عمر أطلقهُ، أطلقه، ثم قال له: ابتعد عنه، ابتعد عنه، وطلب من عمير أن يدنو منه، فدنا منه، قال له: سلم علينا يا عمير، قال له: عمت صباحاً يا محمد، قال له: قل: السلام عليكم، قال له: هذا سلامنا، ما عندي غيره، بقسوة، وبغلظة، قال له، ما الذي جاء بك إلينا؟ قال له: جئت أفك أخي، قال له: وهذه السيف التي على عاتقك؟ قال له: قاتلها الله من سيوف وهل نفعتنا يوم بدر؟ فقال له النبي الكريم: ألم تقل لصفوان بن أمية في مكة، لولا ديون لزمتني ما أطيق سدادها، ولولا أولاد صغار أخشى عليهم العنت من بعدي، لذهبت وقتلت محمداً وأرحتكم منه؟ وقف عمير، وقال: أشهد أنك رسول الله، لأن هذا الذي جرى بيني وبين صفوان لا يعلمه أحد إلا الله، وأنت رسوله، فأسلم، الشاهد في القصة: سيدنا عمر قال: دخل عمير على النبي صلى الله عليه وسلم والخنزير أحبّ إليّ منه، وخرج من عنده وهو أحبّ إليّ من بعض أبنائي.
 في الإسلام لا يوجد عداوة مستمرة، لا يوجد حقد، دخل عمير على رسول الله صلى الله عليه وسلم والخنزير أحبّ إليّ منه، وخرج من عنده وهو أحبّ إليّ من بعض أولادي.
 أيها الأخوة،

﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾

 عظمة هذا الدين المؤمن يكره الكافر، يكره المنحرف، العاصي، الآثم، يكره المجرم، لكن لمجرد أن تنعقد توبة هذا أصبح أقرب للمؤمن من أخيه،

﴿ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾

أنواع الأخوة :

 أيها الأخوة، لذلك هناك أخوة النسب، الأخ النسبي، الأخ لأب، أو أخ لأم، أو أخ لأم أو أب، ولكن ربّ أخ لك لم تلده أمك، هذه أخوة الإيمان وهي من أمتن أنواع الأخوة، لذلك ورد في بعض الآثار القدسية:

(( وَجَبَتْ محبَّتي للمُتَحَابِّينَ فيَّ، والمُتجالِسينَ فيَّ، والمُتزاورينَ فيَّ، والمتباذلينَ فيَّ المتحابُّون في جلالي لهم منابرُ من نُور، يغبِطهم النبيُّون والشهداءُ ))

[أخرجه الترمذي ومالك عن معاذ بن جبل]

 إذاً

﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي﴾

 والتاريخ الإسلامي يشهد أن هناك عداوات في الجاهلية لا يعلمها إلا الله، بعد أن آمنوا جميعاً كان بينهم من المودة ما لا يصدق، هذه مودة الإيمان، لذلك في قوله تعالى:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

[ سورة الحجرات الآية: 10]

 وكأن الله رفع علاقة أهل الإيمان مع بعضهم بعضاً إلى أمتن علاقة في الحياة، وهي علاقة أخوة النسب.

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات الآية: 10]

من لا عهد له لا دين له :

 أيها الأخوة:

﴿ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ﴾

[ سورة التوبة]

 عاهدوا فنكثوا لأن أهل الضلال لا عهد لهم.

((لا إيمان لمن لا أمانة له،ولا دين لمن لا عهد له ))

[أخرجه أبو يعلى والطبراني عن أنس بن مالك]

 من لا عهد له لا دين له، وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ ﴾

 

لم يرعوا هذه الأيمان، بل حنثوا بها، عاهدوا ونكثوا، عاهدوا ونقضوا،

﴿ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ ﴾

 أذكر أن صحابياً جليلاً في طريقه في الهجرة اعترضه المشركون، لكن قال لهم: عهد الله علي أنكم إذا أطلقتموني لن أحاربكم، فأطلقوه، وصل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وحدثه بما جرى، فرح النبي به فرحاً شديداً، بعد حين كانت غزوة دون أن يشعر انخرط فيها، قال له: النبي ارجع، ألم تعاهدهم؟.
 عبد الله بن رواحة أرسله النبي الكريم لتقييم تمر خيبر، هؤلاء ظنوه إنساناً عادياً فأغروه بحلي نسائهم كرشوة، ليقلل التقدير، فقال لهم هذه الكلمات: جئتكم من عند أحبّ الخلق إليّ، وأنتم أبغض إليّ من القردة والخنازير، ومع ذلك لن أحيف عليكم، أي لن أظلمكم، فقالت اليهود: بهذا قامت السماوات والأرض، وبهذا غلبتمونا.
 أيها الأخوة الكرام،

﴿ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ﴾

المؤمن مقيد بمنهج الله فهو أمين و صادق و أخلاقي :

 أخواننا الكرام، لو أن الكافر أخلاقي وعند وعده، وعنده عهده، كأن الدين فقد تألقه، أو فقد وظيفته.

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾

[ سورة الماعون]

 لذلك كلمة مؤمن لها معان كثيرة، أي مستحيل على مؤمن أن يكذب، أن يحتال، أن يتكبر، أن يخادع، أنت كمؤمن أنت مقيد بمنهج الله، لأنك مؤمن أنت متصل بالله، لأنك متصل بالله أنت أخلاقي، أنت صادق، أنت أمين.
 بماذا عرّف الصحابة الكرام الإسلام للنجاشي؟ قال: حدثوني عن الإسلام؟ قال سيدنا جعفر:

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه. ))

[أخرجه ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 الصدق والأمانة والعفاف أركان الأخلاق، إن حدثك فهو صادق، وإن عاملك فهو أمين، وإن استثيرت شهوته فهو عفيف:

((...........حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لتوحيده، ولنعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء))

الإسلام كيان أخلاقي مبني على دعائم هي أركان الإسلام :

 لذلك الإسلام كيان أخلاقي، مبني على دعائم هي أركان الإسلام، قال عليه الصلاة والسلام :

((بُنِي الإسلامُ على خَمْسٍ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمر]

 الإسلام كيان أخلاقي.

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم]

 الإيمان هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان.

((بُنِي الإسلامُ على خَمْسٍ ))

 الخمس: الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، والنطق بالشهادة.

﴿ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾

 سفهوا هذا الدين،

﴿ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ﴾

 هؤلاء بالمصطلح المعاصر مجرمو الحرب، الذين يقودون الحروب، ويسفكون الدماء،

﴿ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ﴾

 أيها الأخوة الكرام، لذلك يجب أن يكون الدين قوياً، إذا كان قوياً معه قوة ردع.

((المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]

 من هنا الله عز وجل يقول:

﴿ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018