دروس حوارية - الدرس : 24 - الدروس و العبر من الإسراء و المعراج - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

دروس حوارية - الدرس : 24 - الدروس و العبر من الإسراء و المعراج


2006-08-20

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

العبرة في المناسبات الدينية بدروسها وعبرها :

 أيها الإخوة الكرام ، المناسبات الدينية كالهجرة والإسراء والمعراج ، وما إلى ذلك هي مناسبات من حيث الوقائع معروفة عند جميع المسلمين ، ولكننا في أمسّ الحاجة إلى الدروس والعبر التي يمكن أن تستنبط من هذه المناسبات ، وما أحوج المسلمين في هذه الأيام إلى درس الإسراء والمعراج .

 

لماذا المسلمون على هذا الوضع المزري ؟

 أيها الإخوة ، هناك تساؤل كبير : لماذا المسلمون هكذا ؟ لماذا هم يعتدى عليهم ؟ تسلب أراضيهم ؟ يقتل أبناءهم ؟ يتفنن أعداؤهم في إفقارهم ، وفي إضلالهم ، وفي إفسادهم ، وفي إذلالهم ، وفي إبادتهم ؟ لماذا المسلم لا قيمة له إطلاقاً في الأرض ؟ يقتل الآلاف ، ولا أحد يعترض ، ولا أحد ينطق بكلمة ، ولا أحد يستنكر ، ولا أحد يشجب ، بينما إنسان واحد من جنس آخر إذا أسر تقوم الدنيا ولا تقعد ، أليس هذا سؤال كبير جداً ؟

 

الإسراء والمعراج يجيب عن هذا الوضع إجمالا وتفصيلا :

 الإسراء والمعراج يعطينا الجواب ، الجواب بشكل مختصر أو بشكل تفصيلي ، بشكل مختصر : كل محنة وراءها منحة ، وكل شِدة وراءها شَدة إلى الله ، الذي يعالجه الله في الدنيا ، والذي يشدد عليه ، والذي يضيق عليه ، والذي يمتحنه علامة إيجابية طيبة ، أنه ينطوي على خير ، لكنه مقصر ، إذا أحب الله عبده ابتلاه ، إذا أحب الله عبده عجل له بالعقوبة .

خروج النبي عليه الصلاة والسلام إلى الطائف ومقابلة أهلها له بالأذى :

 أما التفصيل ، فهذا النبي عليه الصلاة والسلام الذي هو سيد الخلق ، وحبيب الحق ، ينطوي على كمال ، على كمال من الصعب أن ندرك مستواه ، لكن هذا النبي عليه الصلاة والسلام مع أنه رسول ، ونبي ، وسيد الخلق ، وحبيب الحق ، ذهب إلى الطائف مشياً على قدميه ، والطائف تبعد عن مكة ثمانين كيلو متراً ، مشاها مشياً ، وهو يعلق آمالاً على أهل الطائف لعلهم يؤمنون ، لعلهم يهتدون ، لعلهم ينصرونه ، فكان الجواب غير متوقع ، كذبوه ، وسخروا منه ، وتفننوا بإيذائه ، بل أغروا صبيانهم بضربه .
 تصور الإنسان الأول في الأرض ، ينطوي على كمال يصعب أن نتصوره ، جاءه جبريل ، أعطاه خيار الانتقام ، قال له : يا محمد ، أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك ، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين ، قال : لا يا أخي اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون ، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده . قال :

(( اللهم اهدِ قومي ))

[ السيرة النبوية ]

 ما تخلى عنهم ، ودعا لهم ، واعتذر عنهم ، ورجا الله أن يجعل ذريتهم صالحة ، ما هذا الكمال ؟
 أيها الإخوة ، للتقريب ، يمكن لإنسان يكون عنده زوجة ملء سمعه وبصره ، ويمحضها من العبارات ، من عبارات الحب والثناء والتقدير ما لا يوصف ، لكنها إذا أصيبت بمرض عضال ، يحتمل ، ويحتمل ، ثم يتأفف ، ثم يقول كلاماً ، قد تسمعه : الله يخفف عنك ، ونرتاح ، فكل كلامه المعسول السابق لا قيمة له ، عند الامتحان سقط ، لذلك البطولة أن تكون في أعلى درجات القرب ، وأعلى درجات الرضا ، وأنت في محنة ، هو رسول ، ونبي ، وسيد ولد آدم ، قال :

(( اللهم اهدِ قومي ، فإنهم لا يعلمون ))

 لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده .

 

لجوء النبي عليه الصلاة والسلام إلى ربه بعد محنة الطائف :

 ماذا قال في الطائف ؟ صدقوا أنه ما من دعاء ينطبق على المسلمين اليوم كهذا الدعاء ،

 

(( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا رب المستضعفين ، ))

 والله الأمة الإسلامية بأكملها ، المليار وخمسمئة مليون مسلم ، بدءاًً من قاعدتها إلى قممها ، لا وزن لها في الأرض ، بأي شيء لا يعبأ بها ، ولا باحتجاجها ، ولا بغضبها ، ولا بتنديدها ، كأنها غير موجودة ، مع أن الثروات عندها ، والموقع الاستراتيجي عندها ، وبيدها خيارات لا تعد ولا تحصى ، ولكن فتتوها ، وجزئوها ، وجعلوها مشرذمة ، هذا الذي حصل .

(( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، يا رب المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى من تكلني ؟ إلى صديق يتجهمني ، أم إلى عدو ملكته أمري ؟ اللهم إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، ولك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي ))

[ السيرة النبوية ]

 هناك رب في كلام دقيق جداً في الدعاء ، يا رب ، إذا كانت هذه الشدة تعني أنك لست راضيا عني فأنا أعتذر ، وأتوب ، وأستغفر ، أما إن كنت راضياً عني فلا بأس ، ولك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي ، بل إن الأدب أن تقول : لكن عافيتك أوسع لي .
 الإنسان أحيانا برعونة يقول لك : يدمروننا ، أنت هل تعلم ما هو التدمير ؟ عندك غرفة ضيوف ، وغرفة جلوس ، وغرفة نوم ، ومطبخ ، وحمام ، وعندك مركبة صغيرة ، وعندك دخل معقول ، أن تجد نفسك لاجئاً بمدرسة ، تنام على فراش مع ثلاثين شخصاً في الغرفة ، أنت تعرف قيمة أن يكون الأمر مستقرا ، هذه نعمة كبيرة جداً ، الله تفضل بها علينا ، فاشكروا هذه النعمة .

فائدة مستنبطة من دعاء النبي في الطائف :

 الحقيقة أن النبي الكريم علمنا بهذا الدعاء : إياك أن تطلب المصيبة ، لكن عافيتك أوسع لي يا رب ، أما الذي يقول : ليفعلوا ، نحن نصبر ، هذا كلام فيه رعونة ، لكن عافيتك أوسع لي ، هذا الذي حصل تلقى هذه الشدة بالصبر ، تلقّى هذه الشدة بالرضا ، تلقّى هذه الشدة بأنه استغفر الله عز وجل ،

(( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا رب المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى من تكلني ؟ إلى صديق يتجهمني ، أم إلى عدو ملكته أمري ؟ اللهم إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، ولك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي ))

 إذا كان هناك خط بياني لدعوة النبي عليه الصلاة والسلام ، دعوته وصلت في الطائف إلى النهاية الصغرى ، أهل مكة كذبوه ، وأخرجوه ، التجأ إلى الطائف ، فكان هذا ردهم ، ليس له أحد ، الآن سوف يرجع إلى مكة ، يقول له سيدنا زيد : يا رسول الله ، كيف ترجع إلى مكة وقد أخرجتك ؟ مالك بمكة أحد ؟
 أنا أقول : ثقة النبي الكريم بربه تفوق حد الخيال ، قال له : إن الله ناصر نبيه ، الآن الدعوة الإسلامية وصلت إلى النهاية الصغرى ، إلى أقل مستوى ممكن ، ومع ذلك قال له : إن الله ناصر نبيه ، محنة ما بعدها محنة ، شدة ما بعدها شدة ، ما الذي كان بعد ذلك ؟ كان الإسراء والمعراج .

 

ملمح لطيف من آية الإسراء :

 في آية الإسراء والمعراج ملمح قد لا ينتبه إليه معظم الناس ، الآية تقول :

 

 

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾

[ سورة الإسراء : 1]

 السميع البصير ، يعني يا محمد سمعنا دعاءك ، ورأينا صبرك ، ورأينا محبتك للبشر ، هؤلاء الذين تفننوا بالإساءة إليك كذبوك ، وسخروا منك ، وضربوك ، وأعطيتك الخيار في أن تهلكهم ، فقلت : لا يا رب ، اللهم اهدِ قومي ، فإنهم لا يعلمون ، لذلك جاءت المنحة .
 أنت كمسلم ، كمؤمن ، على مستوى فردي ، كواحد ، وعلى مستوى جماعي ، كمجموع ، نحن نعاني محناً لا تعد ولا تحصى ، لكن إذا كنا مؤمنين صادقين يجب أن نعتقد اعتقاداً جازماً أن هذه المحن هي تنتهي إن شاء الله إلى عطاءات ، إنه هو السميع البصير .
 لما قال لك جبريل : لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين قلت له : لا يا أخي ، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون ، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده ، الرد الإلهي أنك سيد الأنبياء والمرسلين ، الرد الإلهي أنك سيد ولد آدم ، الرد الإلهي أنك وصلت إلى سدرة المنتهى ، ولم يصل إليها مخلوق في الكون ، قال تعالى :

 

﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ﴾

[ سورة النجم ]

 ثمة تكريم الله عز وجل للمؤمن إذا ساق له شدة وصبر ، الله عز وجل قال عن سيدنا إبراهيم :

 

﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة البقرة : 124]

 لكن لا بد من تحفظ ، لأن الدين النصيحة إذا هناك معصية ، أو تقصير بأداء الحقوق ، أو تجاوز ، أو ظلم ، وجاء العقاب ، هذا الموضوع ليس له علاقة بهذا الدرس ، هذا عقاب ، هذا ليس محنة وراءها منحة ، هذا ليس شدة وراءها شدة إلى الله ، هذا موضوع ثان ، هذا عقاب إنسان ماله حرام فدمر الله له ماله ، إنسان مستعلٍ مستكبر متغطرس فأذله الله ، أنا أتحدث عن إنسان مؤمن مستقيم ، عن إنسان لبى طاعة الله عز وجل ، وساق الله له الشدائد والمحن .
 لآن هناك سؤال كبير جداً : أعداء الدين المتفلتون من منهج الله يقولون : العالم الإسلامي مبتلى بالمصائب ، فوق كل مصائبه ، وفوق كل همومه ، وفوق كل أحزانه عنده زلزال تسونامي ، معظم البلاد إسلامية ، لأن أعداء الدين يتفننون في اللوم للقدرة الإلهية ، كيف تسوق شدائد للمسلمين ؟ أما هؤلاء فآمنون في بلدهم ، غارقون في النعيم ، غارقون في المتع ، ينشأ عنده مشكلة ، أتمنى عليكم ألا تتعرفوا إلى الله من خلال أفعاله ، لأن أفعاله لا يمكن أن تفهم حكمتها إلا إذا كان لك علم كعلم الله .
 نحن في محنة ، نحن في شدة نحن ، في العناية المشددة ، أكيد ، نحن فينا خير ، نحن بالضبط مثل إنسان معه التهاب معدة حاد ، فالطبيب شدد عليه بأنواع الطعام تشديدا غير معقول ، أعطاه لونين من الطعام ، الحليب والتفاح فقط ، وأي شيء آخر هدده بإجراء عملية لمعدته ، أما الذي معه ورم خبيث منتشر بكل أنحاء جسمه لو سأل الطبيب : ماذا آكل ؟ يقول له : كل ما شئت ، هذا معنى قوله تعالى :

 

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

[ سورة الأنعام : 44]

فَلَمّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ :

 دققوا في هذه الآية ، آية فيها إعجاز ، فتحنا عليهم ، ما قال : باب ، قال أبواب ، ما قال : أبواب شيء ، أبواب كل شيء ، قوة ، على بلاد جميلة ، على غنى ، على غطرسة ، على انغماس في كل الانحرافات .

 

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾

[ سورة الأنعام : 44]

 المنحرف والكافر نهايته ضربة ساطور واحدة ، قال تعالى :

 

﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ﴾

[ سورة يس : 29]

 ضربة واحدة ، أما المؤمن فيعالج ، ويؤدب ، تساق له الشدائد ، هذا الكلام للمؤمن المستقيم ، لا لأحد يكون واقعا بمشكلات ، بمال حرام ، بعدوان على أعراض الناس ، الله يعاقبه أشد العقاب ، يقول : هذه محنة وراءها منحة إن شاء الله ، هذا موضوع ثان ، هذا الموضوع ليس له علاقة بدرسنا إطلاقاً ، أنا أخاطب مؤمنا مستقيما يعاني من مشكلات كثيرة جداً ، أبشره أن هذه المحن التي أنت فيها وراءها منح من الله عز وجل له ، لأن الله عز وجل له حكمة بالغة ، وحكمته البالغة لا بد من أن تُكشف ، ولكن بعد حين ما الذي يكون ؟ يكون الصبر .
 تصور الله أعطاك حالة صعبة أن تقع ، أن ابن نبي سيدنا إبراهيم ابنه نبي قال له : اذبحه ، لشدة معرفته بالله ولثقته به قال :

 

﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ* قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة الصافات ]

 هناك أشياء قد لا تفهم في حينها ، لكن بعد حين تفهم ، والله الذي لا إله إلا هو مرّ المسلمون في هذين العقدين الأخيرين بمحن كبيرة جداً ، هذه المحن جعلت العالم كله يتهجم عليهم ، وجعلت العالم كله يزدري ما هم عليه ، فلعل هناك حكمة نكشفها بعد حين ، لكنها تتوضح أحياناً .

الإسراء والمعراج لمَن كان مؤمنا مستقيما :

 إذاً أيها الإخوة ، الإسراء والمعراج لمن كان مؤمناً صادقاً مستقيماً ، ويعاني ما يعاني ، نقول له : كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام ساق الله له من الشدائد ما لا يحتمل ، وساق له من التكذيب والسخرية والإيذاء حتى بالضرب ما لا يحتمل ، وقال الله عز وجل :

 

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾

[ سورة الإسراء : 1]

 يعني سمع دعاءك في الطائف ، ورأى حرصك على سلامة قومك ، وعلى هدايتهم ، وعلى صبرك على أذاهم ، فكانت المنحة أنك سيد الأنبياء والمرسلين ، وأنك سيد ولد آدم ، وأنك بلغت سدرة المنتهى ، هذا المقام :

 

﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾

[ سورة النجم : 10]

العبودية أعلى مقام للبشر :

 أيها الإخوة ، أعلى مرتبة ينالها الإنسان من دون استثناء أن يكون عبداً لله :

 

﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾

[ سورة النجم : 10]

 إذا كنت عبداً لله فأنت في القمة ، ولا ينبغي لمؤمن أن يكون لغير الله ، ولا ينبغي لمؤمن بالتعبير المصرفي أن يجير لغير الله .
 أنا لا أنسى كلمة قالها عالم جليل توفاه الله ، أجرى عملية جراحية في بريطانيا ، وجاءت الهواتف بعشرات الألوف ، فأجروا معه حوارا بالإذاعة هناك في بريطانيا ، سألوه : ما هذه المكانة التي حباك الله بها ؟ فقال : لأنني محسوب على الله .
 ينبغي أن تكون محسوباً على الله ، ولا ينبغي أن تكون محسوباً على جهة أرضية ، إذاً أنت تحتقر نفسك لمجرد أن تحسب على جهة أرضية ، أنت أكبر من أن تكون تابعاً لجهة أرضية ، أنت لله ، خلقت لك السماوات والأرض ، ولم أعي بخلقهن ، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين ؟ وعزتي وجلالي ، وعزتي وجلالي إن لم ترض بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ، ولا أبالي ، وكنت عندي مذموماً .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018