دروس حوارية - الدرس : 23 - أحد أركان النصر – التوبة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

دروس حوارية - الدرس : 23 - أحد أركان النصر – التوبة


2006-08-13

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

لا يخافنّ العبد إلا ذنبه

 أيها الإخوة ، ما نزل بلاء إلا بذنب ، ولا يرفع إلا بالتوبة ، لا يخافنّ العبد إلا ذنبه ، ولا يرجونّ إلا ربه .
 إن أردت أن يضغط الدين كله بكلمتين : لا يخافنّ العبد إلا ذنبه ، لا تخف من الأقوياء ، إنهم بيد الله ، لا تخف من الطغاة ، لا تخف من عدوان أجنبي ، خف من ذنبك الذي يستدعي كل ذلك .
 لذلك أردت من هذا الدرس إن شاء الله أن يكون الموضوع هو التوبة ، إن ظلم الأقوياء نقمة الله ، ونقمة الله لا ترد بالسيوف فقط ، ترد بالتوبة والإنابة ، وإذا كان هناك توبة عامة كان هناك فرج عام ، وإذا كان هناك توبة خاصة كان هناك فرج خاص ، قال تعالى :

 

﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء : 88]

 وقال تعالى :

 

﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾

[ سورة سبأ : 17]

 هذا الذي يجري حولنا في العراق وفي لبنان شيء لا يصدق ، القتل عشوائي ، القتل يومي ، القتل بلا سبب ، موت كقعاص الغنم لا يدري القتل لمَ قتل ، ولا المقتول فيم قتل ، يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ، ولا يستطيع إن يغير ، إن تكلم قتلوه ، وإن سكت استباحوه ، يوم يؤتمن الخائن ، ويخوَّن الأمين ، يصدَّق الكاذب ، ويكذَّب الصادق .

القوي لا يفهم إلا لغة القوة :

 الأقوياء لا تفكر في كلامهم أبداً ، رئيس القطب الأوحد يتصل ليعزي بالقتلى اللبنانيين ، وهو الذي دبر الجريمة ، وهو الذي انتظر الكيان الصهيوني ثلاثين يوماً ليسحق الشعب كله فلم يستطع ، أرسل تعزية ، شيء لا يصدق ، القوي لا يفهم إلا لغة القوة ، ونحن ينبغي أن نتوب ، ونقوي أنفسنا ، وأي سلوك آخر سلوك غبي ، أن تحاورهم ، أن تحتكم للشرعية الدولية ، أن تحتكم لحقوق الإنسان ، قال تعالى :

 

﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾

[ سورة الجمعة : 5]

 القوي لا يفهم شيئاً ، يفهم أنه قوي ، إذاً يجب أن يبني مجده على أنقاض الآخرين ، يجب أن يبني قوته على إضعافهم ، يجب أن يبني غناه على فقرهم ، لذلك علاجه الوحيد أن يتلقى الضربات إثر الضربات فقط ، لذلك نحن أمامنا شيء واحد ؛ أن نصطلح مع الله ، وأن نتوب إليه ، ثم أن يقوي كل منا نفسه باختصاصه ، بدراسته ، بحرفته ، بمصلحته ، الضابط بالخبرة العسكرية ، المهندس بالخبرة المدنية ، إلى أن تقوى هذه الأمة ، لأن القوي مجرم ، لا يحترم إلا القوي ، بالقوة يرضخ .
 عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ))

[ مسلم ، أحمد ]

ملمَح اجتهادي :

 هناك ملمح ، هذا اجتهاد مني ، إن أصبت فمن توفيق الله ، وإن لم أصب فمن تقصيري ، معنى :

(( حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ))

 إذا رأينا الغرب كبيراً ، حضارة ، علم ، تقدم ، حقوق إنسان ، إذا رأينا الغرب مصدر القيم ، لا يمكن أن نتوب إلى الله ، الشمس رمز المعرفة ، كانت من المشرق ، المسلمون من الشرق صدروا للعالم العلم والحضارة ، أما إذا توهمنا أن الحضارة من الغرب ، وأن اللباقة والنعومة من الغرب ، الطالب الذي يدرس في مدرسة غربية يملك أحاسيس مرهفة تماماً ، إلى أن نتوهم أن الغرب مصدر الحضارة قطع باب التوبة ، وما لم نكفر بالغرب الطريق إلى الله ليس سالكاً ، وأنا أشكرهم من أعماق أعماق قلبي ، لأنهم أعانونا على أن نكفر بهم ، لولا بطشهم ، ولولا وحشيتهم ، ولولا قصفهم العشوائي ، ولولا تلذذهم بقتل الأطفال والنساء ، ولولا هدم كل شيء ، ولولا تدمير البنية التحتية لأمة لا تملك غيرها ، لولا إفقارهم للشعوب التي حولهم لما كفرنا بهم ، لكنهم أعانونا على أن نكفر بهم ، وما لم نكفر بهم فلن نؤمن بالله ، قال تعالى :

 

﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾

[ سورة البقرة : 256]

 إذا توهمنا أن العلم من عندهم ، وأن القيم من عندهم ، وأن أصول الحياة من عندهم ، هل يجرؤ بلد إسلامي أن يفتتح فندقا بخمس نجوم من دون خمر ؟ هناك آيات في القرآن منزلة ، فندق خمس نجوم يجب أن يكون فيه خمر ، هل يجرؤ بلد إسلامي أن يسمح بالترخيص لفندق خمس نجوم من دون خمر ؟ مستحيل ، نظامهم مسيطر ، أنماط حياتهم مسيطرة ، البورصة نظام اقتصادي ، عندهم البنوك الربوية ، يريدون إسلام حيض ونفاس ، اغتسال جنابة ، حيض ، نفاس ، ادرسوا هذا الدين ، أما دين مقاومة ، دين لك شخصية ، دين أن تقول : لا ، من الذي قال لا في العالم كله ؟ في فلسطين وفي لبنان قالوا : لا ، تفننوا في تدميرهم ، قالوا : لا للغرب ، أما الذي انبطح يرضون عنه .
 فلذلك أيها الإخوة ، إلى أن تطلع الشمس من مغربها ، إلى أن يتوهم المسلمون أن الحضارة من الغرب ، وأن العلم من الغرب ، وأن الدراسة العميقة من الغرب فليس هناك توبة .
 لما يكتب الطبيب ( بورد ) تذوب أمامه ، انتهى كل شيء ، معه بورد ، ما لم يكن الإنسان دارسا بالغرب ، ما لم يحصل على شهادة من الغرب ، الآن إذا أقام حفلا على النمط الغربي ، يفتتح مصرفا في بلد إسلامي لا بد يوم افتتاحه من كسر زجاجتي خمر ، من تقاليد افتتاح المصرف ، أما في دين الإسلام ، فهناك منهج الحلال والحرام ، النمط الغربي هو المسيطر ، فإذا طلعت الشمس من مغربها ، إذا قلدناهم في كل شيء ، إذا دخلوا جحر صب انتهينا ، ولا توبة حينئذ ، لماذا تتوب ؟ هم على حق لا نحن ، هم الناجون ليس نحن ،هم الفالحون ، هم المتفوقون ، هم المسيطرون ، دعك من رواد المساجد ، قلة قليلون ، بلد فيها خمسة ونصف مليون مجموع المصلين في كل المساجد خمسمئة ألف ، كل هؤلاء الذين يرتادون المساجد عشر ، والذين يرتادون الفجر واحد بالألف منهم ، لذلك يعتقد أعداؤنا ما لم يكن عدد المصلين في صلاة الفجر كعددهم في صلاة الجمعة فلا جدوى من أن ننتصر عليهم .
 القصة الدقيقة :

(( حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ))

  العلم من الشرق ، الأخلاق من الشرق ، الإسلام من الشرق ، الحضارة من الشرق ، الأدب من الشرق ، الحياء من الشرق ، حقوق الإنسان من الشرق ، حقوق المرأة من الشرق ، أما إذا طلعت الشمس من مغربها أغلق باب التوبة .

انظر إليهم ـ رعاك الله ـ فإنهم وحوش في صورة بشر :

 أغرب محاكمة اغتصاب في التاريخ في بلد أوربي ، أسرة أقامت دعوى على أسرة ثانية أن كلب الأسرة الثانية اغتصب كلبتهم ، وجاء المحققون ، وتفحصوا البيت ، المتهمون ادعوا أن كلبهم شريف ، ولا يغتصب أحدا ، تصور قاضيا وتحقيقا وشعوبا يقتلون بالملايين ، هم يحاكمون أسرة كلبها اغتصب كلبةً ، وينسون أن الناس يموتون شهرا كاملا ، هم ينتظرون ، ما انتهيتم ، نحن ننتظركم ، نحن بانتظاركم ، ألم تنتهوا من قتل الشعب ، لذلك ما لم تكفر بالكفر فلست مؤمناً ، يجب أن تضع الكفر تحت قدمك ، هم وإنجازاتهم وحضارتهم ، وفضائياتهم وأقمارهم تحت قدمك ، ليكون الطريق إلى الله سالكاً ، لنستعيد دورنا القيادي ، لنستعيد مجدنا كي نرفع رؤوسنا ، الإذلال الذي يلقاه المسلمون لا يصدق .
 يا أيها الإخوة ،

(( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ))

[ مسلم ، أحمد ]

 باب التوبة مفتوح على مصارعه ، إلى أن تعتقد ، أو تتوهم أن الغرب عندهم الحضارة ، وعندهم العلم ، وعندهم حقوق الإنسان ، وعندهم حقوق المرأة ، وعندهم حقوق الطفل ، هم يعيشون حياة حضارية راقية جداً .

هذا هو حالهم والإقرار سيد الأدلة :

 شاب أحب فتاة عندهم ، استأذن والده في زواجها ، قال له : لا يا بني ، إياك ، إنها أختك ، وأمك لا تدري ، أبوه زير نساء ، ثم أحب فتاة ثانية ، واستأذن والده ، قال : لا يا بني ، إنها أيضاً أختك ، وأمك لا تدري ، أحب فتاة ثالثة ، استأذن والده ، قال له : إنها أختك ، وأمك لا تدري ، ضجر هذا الشاب ، وحدّث أمه ، قالت له : خذ أياً شئت ، أنت لست ابنه ، وهو لا يدري ، هذا مجتمع والله الزنا عندهم أهون من شربة هذا الماء ، ومستحيل أن تعثر على فتاة عذراء ، وإلا فهي معقدة مريضة نفسياً ، تحتاج إلى طبيب نفسي ، وأساساً إذا جاءنا طبيب نفسي مسلم درس عندهم أي مشكلة مريض نفسياً يقول له : ألك صاحبة ؟ صاحب فتاة لتستعيد صحتك ، هكذا علموه هناك ، أن تصاحب فتاة ، هذه الصحة النفسية .

ليس الإسلام دين فولكلور وطقوس :

 أيها الإخوة ، نحن ديننا دين فلكلور ، دين أطر ، دين عبادات ، دين مسجد ، دين صلاة ، دين صوم ، دين حج ، لكن علاقاتنا ليست إسلامية ، تجارتنا ليست إسلامية ، أفراحنا ليست إسلامية ، أتراحنا ليست إسلامية ، سفرنا ليس إسلامياً ، أي بلد حينما يستقبل ثلاثين ألف امرأة للبغاء من أجل إرضاء السياح ، من أجل الزنا ، هذا بلد لن يسلم من عقاب الله عز وجل ، الله عز وجل يرينا بعض آياته في بلاد مجاورة ، قال تعالى :

 

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾

[ سورة هود : 117]

﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً ﴾

[ سورة الإسراء : 58]

هذا هو حال المسلمين لذلك لم ينتصروا :

 يجب أن تزرع في ذهن أولادك أنّ الإسلام هو الحضارة ، والإسلام فيه الحقوق ، فيه حقوق المرأة ، وحقوق الطفل ، وحقوق الإنسان ، ما لم تعتز بهذا الدين ، ما لم يطبق هذا الدين في بيوتنا ، في كل مناحي حياتنا فالطريق إلى الله ليس سالكاً ، الكلام خطير .
 إذا طلعت الشمس من مغربها أغلق باب التوبة ، إذا رأيتم شحاً مطاعاً ، وهوىً متبعاً ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، هوى متبع الجنس ، ما بقي شيء من المرأة إلا وهو ظاهر في الطريق ، وآباء هؤلاء الفتيات مسلمون ، يصلون الجمعة في المساجد ، ويتباركون بالعلماء ، كذب في كذب ، تتبارك بعالم ، وابنتك شبه عارية في الطريق ، هكذا ؟ أنا أريد أن أقول الكلمة الصحيحة ، الكلمة القاسية الكلمة المؤلمة ، الحقيقة المرة : نحن لسنا مسلمين .
 حينما كانت حرب البوسنة والهرسك لي صديق طبيب يتابع الأخبار باللغة الأجنبية ، قال لي : من غرائب الصدف أنني استمعت إلى حوار بين مفتي البوسنة ، أنا التقيت به في بعض المؤتمرات ، هو رجل صالح ، المذيع يدير معه الحديث يقول هذا المفتي : أنا أطلب من إخوتنا في المشرق ألا يعتبوا على الله فيما أصابنا ، نحن لم نكن مسلمين ، كنا نشرب الخمر ، ونأكل الخنزير ، وننمي أموالنا في الربا ، لكننا نصلي في المساجد .
 واللهِ هناك عالم كبير توفاه الله قبل سنة ، والله من فمه إلى أذني ، من غير وسيط بيننا ، كنا في نزهة ، قال لي : أنا من بلد أوربي ، أوربي شرقي ، قال لي : أذهب كل عام إلى هناك ، أخطب في أكبر مسجد ، المسجد فيه عشرون ألفا تقريباً ، قال : من شدة تأثرهم بخطابي كلهم بكوا ، وأخرجوا زجاجات الخمر من جيوبهم ، وشربوه ي الجامع ، ما تحملوا هذه المعاني الحلوة ، ما هذه الأفكار ؟ بكوا ، وتأثروا ، ويسمع الخطبة ، هذا العالم الجليل من فمه إلى أذني ، قال لي : معي صارت ، أنا كنت الخطيب .
 فالمفتي البوسني يقول : إخوتنا في المشرق ينبغي ألا يعتبوا على الله فيما أصابنا ، نحن لم نكن مسلمين ، كنا نشرب الخمر ، ونأكل الخنزير ، ونأتي الفواحش ، ونأكل الربا ، الآن بعد هذه الحرب أصبحنا مسلمين ، المرض الخطير يحتاج إلى دواء مر ، لذلك لا تعتبوا على الله ، انجوا بأنفسكم .
 أنا والله أروي قصة مئات المرات لكنها معبرة ، أن بدويا يسكن في شمال جدة ، توسعت جدة ، اقتربت من أرضه ، ارتفع سعرها ، نزل إلى جدة ليبيعها في مكتب تجاري خبيث جداً ، اشتراها بثمن بخس ، بثلث قيمتها ، وأنشأ بناء ضخماً من اثني عشر طابقاً ، هم ثلاثة شركاء ، أول شريك وقع من أعلى البناء فنزل ميتاً ، وثاني شريك دهسته سيارة ، الثالث انتبه ، عرف الذنب الذي اقترفه ، أنه أخذ هذه الأرض بثمن بخس ، بحث عن صاحب الأرض البدوي ستة أشهر حتى عثر عليه ، أعطاه ثلاثة أمثال حصته ، فقال له : هذا البدوي : ترى أنت لحقت حالك .
 كل واحد منا يلحق نفسه ، يصطلح مع ربه ، يقيم الإسلام في بيته ، يلغي المعصية ، الدخل الحرام يتخلى عنه ، العلاقة الشائنة يلغيها .
 يصل إلى علمي أشياء لا تصدق من رواد المسجد ، وله صاحبة ، كيف لا أعرف ، هناك قصص لا يصدقها العقل ، فهذا شعب مسلم مقصر غارق في المعاصي والآثام ، أنى له أن ينتصر ، والذي يجري حولنا رسالة لنا من الله ، دعك من أن أعداءنا يهددون كل دول المنطقة ، هذا بحث ثانٍ ، الذي يجري حولنا رسالة لنا ، لأنه ما كل المذنبين يعاقبون ، بل يعاقب بعضهم ردعاً للباقين ، فإن لم يتعظوا يأتي دورنا ، الظالم سوط الله ينتقم به ، ثم ينتقم منه ، فلذلك كل التعليق على كلمة :

(( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ))

إنها أوهام لا حقيقة لها فاجتنبوها :

 إن توهمنا أن العلم في الغرب ، والحضارة في الغرب ، وأصول السلوك من الغرب ، يجب أن نأكل باليسار ، أما باليمين فهو بلدي ، إذا مسك الشوكة باليمين والسكين باليسار ، معنى هذا أنه غير حضاري ، هكذا يعلمون أولادنا ، أحياناً نضع ابننا بخمسمئة ألف حتى يتعلم منهم العلم ، خمسمئة ألف في الفصل ، نصف مليون ليتعلم ابننا العلاقات الغربية ( الإتيكيت ) ، الدبلوماسية ، هم يذبحون الشعوب بالسكين ، ويعتبرون ، ويعزون بالموتى ، هو الذي قتله ، هو القاتل نفسه ، هو الذي أمر بقتل هذا الشعب ، ويعزي .
 أيها الإخوة ، في بنفسي شيء كثير من هذه الكلمة :

((حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ))

  الشمس يجب أن تطلع من الشرق ، من مكة المكرمة ، من المدينة ، من مقام النبي ، من منزل الوحي ، من طيبة ، من هذا المكان ، الشمس من القرآن من السنة .
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ))

[ مسلم ، أحمد ]

 الحديث الأول في مسلم ، والثاني في مسلم ، ومعنى الحديث : لا توبة إذا طلعت الشمس من مغربها ، فإذا توهمنا أن العلم عندهم ، والرقي عندهم ، والحضارة عندهم ، ونحن متخلفون ، دول نامية متخلفة فلا توبة .

لقد أرادونا متخلفين فأطعناهم في ذلك :

 مرة كنت في أمريكا ، وعدت ، وأردت أن أصوغ مقالة قصصية ، هذا فن أدبي ، لكن قليل ، أعبر في هذا المقال عن مشاهداتي ، هناك تصورت أن أباً عنده أولاد كثر ، أعطاهم جزءاً كبيراً من ثروته في حياته ، ليتدبروا أمرهم بهذا المال ، وأعطى المال بالتساوي بين كل أولاده ، عنده ولد ذكي جداً ، خبيث جداً ، منافق جداً ، طموحاته في حياته الدنيا لا يكفيها هذا المال الذي أخذه من أبيه ، أراد أن يعتدي على إخوته ، أقنع أحد إخوته أن يبيعه حاجة لا يحتاجها إطلاقاً ، هل تصدقون أن خمس طائرات بيعت لبلد إسلامي ثمنها يساوي ميزانية بلد كبير لخمسة وعشرين سنة ، أنا أعطي الثمن الدقيق ، ثمن خمس طائرات لا يمكن أن تطير ، لا يمكن أن تستخدم ، مستواها عالٍ جداً ، خمس طائرات ثمنها يساوي ميزانية بلد عربي لخمسة وعشرين سنة ، هذا الابن الخبيث أقنع أخاه أن يشتري حاجة لا يحتاجها ، أخذ ماله ، الآن اشترى من أخ آخر حاجات ثمينة بثمن بخس ، جاء وقت ثمن البرميل ستة ونصف دولار ، كلفة استخراجه ثمانية ونصفا ، إما أن يبيعك شيئاً لست بحاجة إليه بسعر فلكي ، أو أن يشتري منك شيئاً بثمن بخس ، وعندي مؤلف عن البورصة ، الغرب استرد عن طريق البورصة كل الزيادات بأسعار النفط ، استرد مئات المليارات عن طريق البورصة ، ونحن لا نشعر ، كل الزيادات استردها ، والأموال المودعة عنده مستحيل أن تسحب ، ألف مليار ، والرقم متواضع ، قال لي أحدهم ، وهو الخبير ، قال لي : ثلاثة آلاف مليار مودعة عندهم للمسلمين ، ومستحيل أن تسحب ، لك أن تسحب بعض الفوائد فقط ، إذاً هذا الولد الخبيث الذكي المنافق أقنع أخاً له أن يبيعه شيئاً ليس بحاجة إليه ، أخذ كل أمواله ، أقنع أخاً آخر أن يشتري منه حاجة أساسية جداً رائجة جداً بثمن بخس ، أخذ أمواله أيضاً ، وأخاً اشترى منه أرض ، هذه ألاسكا اشتروها بخمسين ألف دولار ، والولاية كلها فيها بترول ، كلها ثروات ، بخمسين ألف دولار فقط اشتروا ولاية بأكملها ، النتيجة بطريقة أو بأخرى ، باحتيال ، بكذب ، بتدليس ، بغش ، بإيهام ، بقوة بتهديد ، بحياء ، جمع هذا الأخ أكثر أموال إخوته ، وبنى بيتاً ، وأنشأ حدائق ، ومرافق عامة ، لكل ولد جناح ، ولكل ولد سيارة ومرافق ، وسائق ، وقاعات استقبال ، وقاعات طعام ، وبيت في المصيف ، وبيت على الساحل ، عاش في بحبوحة تفوق إلى حد الخيال ، إخوته أصبحوا فقراء ، سحب أموالهم ، وهم جالسون في بيت مئة متر ، إذا زارهم يتأفف ، متخلفون ، ما عندهم ذوق ، ما عندهم ( إتيكيت اجتماعي ) ، أنت سبب تخلفهم ، أنت الذي نهبت أموالهم ، أنت الذي أوقعتهم بهذا الضيق ، الآن ينتقد العالم الغربي ، ينتقد الدول الشرقية أنها متخلفة ، أنت صيرتنا متخلفين ، ما تركتَ لنا شيئا ، زرعت لنا عدواً استنفذ كل طاقتنا خلال خمسين سنة ، أكثر ميزانياتنا من أجل الدفاع ، هو زرع هذا الكيان .
 لما يغتني الإنسان يصبح ناعما نعومة مزورة ، لا يتحمل إذا كانت ألوان الثياب غير متناسبة ، لا يتحمل جلسة من دون موسيقى هادئة ، هو راق ، والذي سرق أموال إخوته ، وجعلهم فقراء أسكنهم في بيت صغير ، وفوق بعضهم ، وطول نهار مشاكل وضرب ، طبعاً ما معهم ليكملوا دراستهم ، فصاروا جهلة .
 مرة وزير بريطاني قال كلمة حق ، قال : والله نحن سبب مشكلات الأرض كلها ، في السودان مشكلة ، الشرق الأوسط فيه مشكلة ، في بنغلادش مشكلة ، في العراق مشكلة ، فنان بخلق مناطق توتر ، وهذه مناطق التوتر تحتاج إلى أسلحة ، هم يبيعون السلاح ، وكل عقود السلاح عقود إذعان ، ليست عقود تراضٍ ، قد يكون السعر بمئة ضعف ، بخمسمئة ضعف ، وأنت مضطر أن تأخذ السلاح .
 فلذلك هؤلاء الغربيون المتوحشون الذين يتعامون عن جرائم لا تحتمل ، ويطلبون أسيرين ، الآن في مجلس الأمن يريدون أسيرين ، والألف الذين قتلوا ، والمليون الذين شردوا ، والبنية التحتية التي هدمت من دون تعويض ، يريدون أسيرين ، الحقيقة ما لم تحتقر الغرب فالطريق إلى الله ليس سالكا ، حتى تطلع الشمس من مغربها ، إذا طلعت الشمس من مغربها أقفل باب التوبة ، لا أحد يتوب الآن ، لأن هذه المعاصي ألِفها الناس أصبحت جزءاً من حياتهم .
 مثلاً : حدثنا مرة أحد رجال الدين بحلب قال : أحصى عدد المحلات التجارية التي سميت باسم مسلسل له ثلاثمئة حلقة فاضح جداً ، في أثناء عرضه كان هناك منع تجول ، الذي يرغب أن يبني مخالفا لقوانين البناء يبني في أثناء عرض المسلسل ، الشعب المسلم تعلق بمسلسل ثلاثمئة حلقة ، وكان في أثناء عرضه منع تجول ، أحصى عدد المحلات التجارية بحلب التي سمت المحل باسم هذا المسلسل ستمئة محل أربعة وعشرين ألف مولود سموا باسم هذا المسلسل ، لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ، أمة همها الأغاني والمسلسلات والأفلام الإباحية ، وهذه الصحون التي كلما اتسعت على السطوح ضاقت صحون المائدة ، هذه أمة لا ينبغي أن تقول : يا رب ، انصرنا ، لأنهم ما قدموا شيئًا للنصر ، أما حينما نعود إلى الله ، ونتوب إليه ، ونعود ، ونعتز بأمتنا وبديننا ، و بقرآننا وبإسلامنا ، ونقيم الإسلام في بيوتنا وفي أعمالنا عندئذ يمكن أن ندعو الله بالنصر .

التوبة قبل طلوع الشمس من المغرب :

 أيها الإخوة ، الكلام الدقيق هذا هو الكلام :

(( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا ))

 والحديث الثاني : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ))

 أما إذا طلعت الشمس من مغربها أغلق باب التوبة ، الله عز وجل قال :

 

﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً ﴾

[ سورة الكهف : 16]

  ومن هوي الكفرة حشر معهم ، ولا ينفعه عمله شيئا ، لكن أنا أقول لكم : ينبغي أن نتقوى بالأسباب التي تقووا بها .
  سألني أخ على الانترنيت : ما حكم الذهاب إلى بلاد الغرب ؟ قلت له : إذا كان الهدف من الذهاب أن تنال شهادة عالية المسلمون في أمس" الحاجة إليها ، وكنت محصناً بزوجة ، وعدت قبل أن يكبر أولادك ، ويتأثروا بالغرب فلا مانع ، كم شرطا ؟ إذا أردت أن تحصل اختصاصا نادرا يحتاجه المسلمون ، هذا الذي رأيتم في الحرب من دقة وإعداد متقن ، وتطوير للصواريخ ، أليس كذلك ؟ هكذا المسلمون ، العالم كله فوجئ ، العالم صعق ، هذا هو الإعداد ، إذا ذهبت إلى بلاد الغرب تتعلم برمجيات ، تعلمت معلومات دقيقة جداً ، وعدت إلى بلد ، ووضعت هذا العلم في خدمة أمتك ، وكنت محصناً بزوجة ، وأولادك صغار ، عدت قبل أن يتأثروا بالغرب فلا مانع ، بنية أن تقوي أمتك ، فأنا أتمنى أن هذه الحضارة لا تقابل إلا بحضارة ، هذه الأسلحة القوية لا تقابل بيا رب دمرهم ، لا يكفي الدعاء من دون عمل ، ما له قيمة ، الله عز وجل قال :

 

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 60]

 والذي أعد لهم حققوا نتائج ، نتائج مذهلة حققوها ، والله يعينهم ، الله هو المعين ، وأنا الآن أريد أن أضع الخطة أمامكم .
 إخواننا الكرام ، الخطة أن نتوب إلى الله ، وأن نصطلح معه ، وعندئذ يمكن أن نعد لأعدائنا بأساليب قوته تماماً ، وأسأل الله لي ولكم التوفيق .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018