الدرس : 12 - سورة لقمان - تفسير الآيات 30 - 32 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 12 - سورة لقمان - تفسير الآيات 30 - 32


1991-08-02

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم، مع الدرس الثاني عشر من سورة لقمان، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾

مقدمات مهمة بين يدي الآيات:

 أيها الإخوة الأكارم، كمقدمة سريعة لهذه الآيات التي ربما ختمنا بها سورة لقمان في هذا الدرس أتمنى أن أضع بين أيديكم بعض الحقائق.

 

المقدِّمة الأولى: العلم دين:

 أولاً: حينما يطلب الإنسان العلم يجب أن يعلم علم اليقين أن هذا العلم دين، وأن هذا العلم إذا ألقي على سمعه جعله مسؤولاً، وأن الدين الحق هو ما أوصلك إلى الله عز وجل، فلذلك سماع دروس العلم وحده لا يكفي.

 

 

المقدِّمة الثانية: طلبُ العلم عمود الدين:

 هذا الدين يقوم على أعمدة كبيرة، أحد هذه الأعمدة طلب العلم، طلب العلم الشرعي، طلب تفسير كتاب الله، طلب حديث رسول الله، طلب سيرة رسول الله، طلب الأحكام الفقهية التي أنت بحاجة إليها، فكل هذا العقيدة والتفسير والسنة والسيرة هي من العلم، ولكنك إذا طلبت العلم، ولم تجعل سلوكك وحياتك وعلاقاتك ومهنتك وزواجك وفق ما أراد الله عز وجل فأنت خاسر، لأن هذا العلم يصبح حجة عليك، لا يكون هذا العلم حجة لك إلا إذا انقلب إلى سلوك.

 

 

المقدِّمة الثالثة: لا سعادة إلا بقطف ثمار الدين:

 لذلك هذا الدين لا ينُبغُ فيه الإنسان.. لا يسعد فيه.. لا يقطف ثماره إلا من حاطه من كل جوانبه، وأحد جوانبه طلب العلم، فإذا طلبت العلم ينشأ سؤال كبير: أين أنا مما أسمع ؟ هل أنا في مستوى هذا التفسير ؟ هل أنا في مستوى سنة رسول الله ؟ هل كسبي للمال وإنفاقي له، بيتي، علاقاتي هل كل هذا وفق ما أمر الله ؟.
 يا أيها الإخوة الأكارم، الأمر خطير، والأمر أخطر بكثير من أن تأتي إلى مسجد، وتَمضي فيه ساعة أو أكثر، الأمر أخطر من ذلك بكثير، إنك في حياة دنيا كلفك الله أن تزكي نفسك فهل زكيتها ؟ كلفك الله أن تتعرف إليه فهل عرفته ؟ كلفك أن تعرف رسوله فهل عرفته ؟ كلفك أن يأتي عملك وفقاً لسنة رسوله فهل فعلت ذلك ؟ كي تقول: ليس في الأرض من هو أسعد مني، كي تشعر إذا التزمت بأوامر الله عز وجل ونواهيه، وأنك من السعداء، ومن الموفقين، ومن المتفوقين، وأنك من الفائزين، وأنك من المفلحين لا بدّ من أجل هذا كله أن تمشي على خطين: خط العلم وخط العمل، وأن تكون متوازناً بينهما.
 لأنك إذا عرفت كلام الله عز وجل، واستمتعت بالمعاني الدقيقة والإشارات اللطيفة واللمحات الغريبة، وعرفت مدلول الكلمات ومعاني التراكيب، ولم تكن في حياتك اليومية في هذا المستوى فقد ضيعت الكثير.

 

 

المقدِّمة الرابعة: لا بدّ من تعاهُد القلب في إخلاصه:

 إنّ حياتك يجب أن تبنى على أعمدة، العمود الأول طلب العلم، طلب العلم بكتاب الله، طلب العلم بسنة رسول الله، العلم بكتاب الله في درس يوم الجمعة، بسنة رسوله القولية والفعلية يوم الأحد، يجب أن تعرف أحوال القلب، لأن الله عز وجل يقول:

 

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89) ﴾

 ( سورة الشعراء 88-89)

 اسأل نفسك، يا ترى هل أنا مِن الإخلاص، والصدق ومن التوكل والخشوع والمحبة لله، ومن العمل الطيب، ومن طلب الأسباب كما يرضى الله.. هذه الأحوال القلبية التي أشار القرآن إليها يجب أن تكون متمثلة في قلب كل مسلم، إذاً: طلب العلم جانب من جوانب الإيمان.

 

المقدِّمة الخامسة: الخط المقابل للعلم هو خطّ العمل:

 الآن أن تعمل بما علمت هو الجانب الآخر، هو الخط الآخر الذي ينبغي أن تسير فيه، يجب أن تسير في طريق العلم وفي طريق العمل، راجع نفسك عشرات المرات، أحد العارفين يقول: " المنافق يلزم حالة واحدة طوال أربعين عاماً، بينما المؤمن يتقلب في اليوم الواحد بين أربعين حالاً "، لشدة خوفه من الله، لشدة رجائه، لشدة طمعه، لشدة طلبه، لصدق يقينه، بين الخوف والرجاء، وبين الثقة وعدم الثقة، والطمأنينة والقلق، هذه الأحوال المتعددة التي تطرأ على قلب المؤمن دليل صدقه، هي قضية مصيرية، إما سعادة إلى الأبد أو شقاء إلى الأبد.

 

 

المقدِّمة السادسة: موضعُ المعالجة الإلهية:

 وإذا خلط الإنسان عملاً صالحاً وآخر سيئاً معناها لا بدّ من أن يعالجه الله في الدنيا، أو يعالجه عند سكرات الموت، أو يعالجه في القبر وفي البرزخ، فالبطولة أن يأتي ملك الموت، وأنت كما ولدتك أمك، لذلك الحديث القدسي المعروف عندكم:

 

 

(( يا رب ارحمه، قال: كيف أرحمه بما أنا به أرحمه، وعزني وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن، وأن أحب أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها، سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شدّت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه ))

 

[ ورد في الأثر ]

 لكي لا تقول: يا أخي، أنا ما استفدت، أنا أمضيت في هذا المسجد عشرين عاماً، خمسة عشر عاماً، عشرة أعوام، حتى تشعر أنك ترقى باستمرار، حتى تشعر أن يومك خير من أمسك، حتى تشعر أن رمضانك هذا خير من رمضان السابق، حتى تشعر أنك في ازدياد كامل يجب أن تجمع بين خط طلب العلم وخط العمل به، أما إذا اكتفيت بطلب العلم، طلب العلم من غير عمل يُبقي بينك وبين الله حجاباً، لأن أي معصية، وأي مخالفة، وأي تقصير يجعل بينك وبين الله حجاباً، وإذا وجد الحجاب أظلم القلب، وشعر الإنسان بالوحشة، وشعر بالضيق، وشعر بالضياع، وسئم الحياة حتى يسأم مباحاتها، حتى يسأم مباهجها.
 أما إذا استنار القلب بنور الله، إذا أقبلت عليه، إذا أخلصت له، إذا كنت وفق السنة الشريفة، إذا جهدت في خدمة الخلق، إذا جهدت في طلب العلم، إذا أردت أن تكون مناراً للناس، إذا أردت أن تكون قدوة للناس عندئذ أنت أسعد الناس.

 

المقدِّمة السابعة: لئلا يصبح الدين ثقافة لا بد أن نعيش الإسلام بالعمل:

 فالذي أتمناه أن هذه الدروس ليست محاضرات تلقى كما تلقى المحاضرات في الجامعات، أستاذ يلقي المحضرة، وانتهى الأمر، والمستمع استمع بهذه المحاضرة، وانتهى الأمر، القضية قضية مصير، قضية جنة لا ينفد نعيمها، أو جهنم لا ينفد عذابها، قضية أن تعيش في الحياة موفقاً، أو تعيش في عسر شديد، أن تعيش ولك عمل طيب ترقى به، أو أن تعيش وأنت تدافع التدني، بين أن تتابع الترقي وبين أن تدافع التدني.
 إنه من الجميل أن يكون الإنسان مذنباً تواباً، أن يراجع نفسه دائماً كلما زلت قدمه، كلما غفل قلبه، كلما قصر عمله، كلما شعر أن حجاباً بينه وبين الله، المؤمن حكيم نفسه، إذا صليت هل تعجبك صلاتك ؟ إذا أنفقت مالاً هل عاد هذا العمل عليك بالثواب ؟
 من أجمل التفاسير التي اطلعت عليها في مفهوم الثواب أنك إذا عملت عملاً خالصاً لله عز وجل لك عليه ثواب، وكلمة الثواب من ثاب، وثاب معناه رجع، يعني رجع عليك إيناس من الله عز وجل، شعرت أن قلبك يمتلئ سعادة إثر هذا العمل الصالح، فعلامة إخلاصك في عملك الصالح أن القلب يهتز طرباً، أن القلب ينتشي سعادة من جراء هذا العمل.
 فلئلا يقسو القلب، لئلا تجمد العينان، لئلا يصبح حضور درس العلم عادة من عوائدنا، لئلا ينقلب الدين إلى طقوس، لئلا تصبح مجالس العلم محاضرات تلقى كما تلقى المحاضرات في الجامعات، أنت لست مستمعاً، أنت ممن يسير في طريق الإيمان، لاحِظْ سنة النبي يجب أن تطبقها في البيت، لاحظ أوامر الله عز وجل، دائماً حاسب نفسك هل أنا في مستوى هذه الأوامر ؟ إنك إن فعلت هذا قطفت ثمار الدين وشعرت أن الدين هو الحياة، وأنه من لا دين له لا حياة له، وأن الله عز وجل حينما وصف أهل البعد بأنهم أموات غير أحياء فقد صدق الله العظيم، وحينما قال الله عز وجل:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

 (سورة الأنفال 24)

 يقول: صدق الله العظيم، وحينما تشعر أن خالق الكون يوقع حياتك على ما يرضيك، وأن هذا الأمر تم بفضل الله، وأن هذا الأمر تم بإكرام الله، وأن هذا الأمر تم بتوفيق الله، وأن هذا الأمر تم بلطف الله عز وجل، إذا كان بينك وبين الله مناجاة.. إذا كان بينك وبين الله دعاء.. إذا كان بينك وبين الله اتصال.. إذا انتشى هذا القلب بذكر الله عندئذ تصبح كوكباً درياً يشعُّ النور من حوله.
 فلئلا ينقلب مجلس العلم عادة من عوائدنا، لئلا نكتفي بالسماع، لئلا نثني بألسنتنا على الدروس وعلى ملقيها، لئلا يصبح هذا مجاملات، أنا أتمنى أن يكون أحدكم أو كل من يحضر هذا المجلس أن يكون ممن يقطف ثمار هذا المجلس، يعني افتح مع الله صفحة جديدة، تب إليه من كل مخالفة، تفكر في خلق السماوات والأرض، أكثر من ذكر الله، حاول أن تجعل من صلاتك صلة بالله عز وجل، حاول أن يستنير قلبك بنور الله، إذا فعلت هذا قطفت ثمار هذا الدين العظيم وشعرت أنك من السعداء في الدنيا.
 ولا تنس أن بعض العلماء فسر قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال:

(( أَبُو َكْرٍ فِي الْجَنَّةِ ))

[ الترمذي ]

 أبو بكر في الجنة أنه يقصد النبي عليه الصلاة والسلام الآن في الجنة، في جنة القرب، فكلما استقمت على أمره، وكلما تتبعت سنة نبيه، وكلما قلدت النبي عليه الصلاة والسلام في بيتك، مع أهلك، في بيعك وشرائك، مع إخوانك جاءتك أنوار النبوة، وجاءك توفيق الله عز وجل، لذلك كم هي سعادة كبرى أن يكون الإنسان في مستوى هذا الكتاب، أن يجعل من بيته بيتاً مسلماً، أن يجعل من زواجه زواجاً إسلامياً، أن يجعل من مهنته دعوة إلى الله عز وجل، ليقول التجّار: انظروا إلى فلان المسلم إنه قدوة، ليجعل من حرفته، إن كان طبيباً، أو صيدلياً، أو محامياً، أو مدرساً، أو موظفاً، أو تاجراً، أو صانعاً، أو صاحب مصنع ليجعل من مهنه مناراً لهذا الدين، انظروا إلى هذا المصنع صاحبه مسلم، انظروا إلى تعامله مع الناس، انظروا إلى جودة بضاعته، انظروا إلى إكرامه لعماله.
 ينبغي أن نعيش الإسلام، أخطر ما في الدين أن يبقى الدين في أطراف أدمغتنا معلومات، الإسلام سلوك، الإسلام حياة، الإسلام قلب مستنير، فلذلك إذا اختصرنا الدين إلى درس نحضره، وركعتين نؤديهما، ومبلغ تدفعه إلى الفقير، وأنت لك همومك، وأحزانك، وانشغالاتك، وأنت ممزق بين شهوات الدنيا، أنت ضائع بين الشرك الخفي والجلي، ليس هذا هو الإسلام.
 هذا الدين عظيم، كيف أن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في بضعة عشر عاماً رفرفت راياتهم في الشرق والغرب، كيف أنهم أحبوا النبي ؟ إذا حضرتم درس الأحد ترون بأم عينكم كيف كان أصحاب النبي مع النبي صلى الله عليه وسلم، كيف صدقوه، كيف أحبوه، كيف باعوا أنفسهم في سبيل الله، كيف كانوا كالبنيان المرصوص، كيف أحب بعضهم بعضاً حباً يفوق كل تصور، الله هو الله في كل مكان وزمان.
 لا تربى وأنت الرب، والله هذه الكلمة لو عقلناها لأفلحنا، يا رب، لا تربى وأنت الرب، أي قلب هذا، خزائن كل شيء بيده، كل المخلوقات بيده، كل الظروف بيده، كل المعطيات بيده، كل القوى بيده، كل من فوقك بيده ومن دونك بيده، ومن حولك بيده، وما حولك بيده كل أعضائك وأجهزتك بيده، إذاً، يا رب، لا تربى وأنت الرب، لا يحزن قارئ القرآن، إذا قرأت القرآن لا تحزن أبداً، أين الحزن ؟ إن جاءت الدنيا على ما تريد فالحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات، وإن جاءت الدنيا على خلاف ما تريد الحمد لله على كل حال، قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( عَجِبْتُ لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، لَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، وَكَانَ خَيْرًا، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، وَكَانَ خَيْرًا ))

 

[مسند الإمام أحمد 18175]

 أنت غالٍ على الله، أنت مطلوب من قبل الله عز وجل، هو الذي يطلبك، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، فإذا وجد الإنسان في بيته مخالفة إخوان فلا ينم الليلة، بل يحاول أن يصلحها، إذا كان بِزَيّ زوجته غير إسلامي يحاول أن يقنعها، إذا كان في بيته أجهزة لهو تحجبه عن الله عز وجل يحاول أن يمنعها، إذا كان في بيته حجاب بينه وبين الله يحاول أن يهتكه، إذا كان له صديق يبعده عن مجالس العلم يحاول أن يقطعه، إذا كان له قريب يغريه بالدنيا يحاول أن يقطعه حتى يستقيم على أمر الله، وحتى يقطف ثمار الدين.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾

 (سورة الممتحنة 13)

 عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

 

(( لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ ))

 

[ الترمذي ]

 أخطر ما يواجه المؤمن حينما يلتقي مع غير المؤمن، مع أرباب الدنيا، مع محبي الدنيا، مع الفساق، مع الفجار، هؤلاء يغرونه بالدنيا، ويبعدونه عن طريق الصواب، لذلك أنت حكيم نفسك، الشخص الذي إذا عاملته أو صاحبته... إذا التقيت به... إذا عاملته يرفعك إلى الله عليك بصحبته، والشخص الذي يبعدك عن الله.. يبعدك عن مجالس العلم.. يبعدك عن العمل للآخرة عليك أن تبتعد عنه، إما أن تجره إذا كان بإمكانك أن تجره إلى الدين فأنعِم وأكرِم بهذا العمل، أما إذا كان بإمكانه أن يجرك فلا كانت هذه الصحبة، ولا كانت هذه العلاقة، ولا كانت هذه المودة، لأن الله عز وجل يأمرنا أن نبتعد عن كل رجل من شأنه أن يبعدنا عن طريقه، دقق في قوله تعالى:

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾

 (سورة الكهف28)

﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ﴾

 (سورة لقمان 15)

 هذا الذي عاد إلى الله، عاد إليه تائباً، عاد إليه في الأمر والنهي، عاد إليه في كل شيء.

﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

المقدِّمة الثامنة: إذا استعصت عليك نفسُك فذكِّرْها بالموت:

 من أركان الطريق إلى الله عز وجل أن هذه النفس البشرية إذا استعصت عليك.. إذا أبت أن تطيع الله عز وجل.. إذا استهوتها الدنيا فعليك أن تذكرها بالموت، لأن الله عز وجل كان من الممكن أن يأتي بنا إلى الدنيا دفعة واحدة، وأن نغادرها دفعة واحدة، عندئذ لا موت، ولا حزن، ولكن شاءت حكمة الله أن نأتي تباعاً، وأن نغادرها تباعاً ليتعظ بعضنا ببعض.
 انظر إلى الذي يتوفاه الله عز وجل، كيف أن الذي جمعه في ستين عاماً يتركه في ثانية واحدة لمجرد أن هذا القلب توقف عن النبض، أحياناً يتوقف القلب فجأة، وأحياناً يتباطأ ثمانين ضربة في الدقيقة، إلى سبعين، إلى ستين، إلى خمسين، وقفت أمام ميت تباطأت ضربات قلبه حتى الصفر، حتى قال الطبيب: عظم الله أجركم، فإذا توقف القلب كل الذي حصلته في الدنيا تخسره في ثانية واحدة، وأنت مقدم على حياة أبدية، على حياة لا تنقضي، على جنة لا ينقضي نعيمها، أو على نار لا ينفد عذابها.
 إذا استعصت على الإنسان نفسُه... إذا غلبته نفسه.. إذا رأى نفسه مقيمة على معصية فعليه أن يذكرها بالموت، لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: << كفى بالموت واعظاً يا عمر>>.
 وفي الأثر:

(( إن في معالجة جسد خامد لعبرة ))

 إنّ تغسيل الميت، وتكفينَه، ودفنَه شيء يهز النفس، ويرجعها إلى ربها بالطاعة، وبالإنابة، وبالتوبة.
إذاً: كلما استعصت عليك نفسك، كلما غلبتك نفسك، كلما تاقت نفسك إلى الدنيا علاجها أن تفكر بالموت.

 

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً

 هذا من مضمون هذا الدرس.

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾

 شيء آخر:

 

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾

 (سورة ق37)

 إلقاء السمع أحد أركان الإيمان، أن تحضر مجلس علم، أن تتعلم ما لم تعلم، أن تسأل به خبيراً، أن تفهم كتاب الله، إذاً: حضور مجالس العلم أحد دعائم طريق الإيمان، طلب العلم، وهذا الوقت الذي تحضر به درس العلم هو زكاة وقتك، فإذا أنفقت زكاة وقتك بارك الله لك في وقتك.
 الله عز وجل من الممكن أن يهدر لك عشرات الساعات، بل مئات الساعات لأسباب سخيفة جداً، قد ينكسر شيء في آلة عندك، ويستهلك من وقتك عشرات الساعات، ارتفاع حرارة ابنك قد يستهلك من وقتك عشرين ساعة بين طبيب ومحلل ومراجعة، وتأمين دواء، إذاً: إذا ضننت على الله عز وجل بساعة تعرف فيها كلامه، إذا ضننت عليه الله عز وجل بوقت تتعلم فيه سنة رسوله، إذا ضننت على الله بوقت تعرف فيه سيرة رسوله، إذا ضننت على بوقت تعرف فيه أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، إذا ضننت على الله بوقت تعرف فيه أحوال القلب المؤمن فربما أهدر الله لك عشرات، بل مئات الساعات بموضوعات سخيفة جداً لا تقدم ولا تؤخر، فإذا حضرت مجلس علم فإن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، اقرأ قوله تعالى:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى(4)﴾

 (سورة الليل1-4)

 هذا الذي يركض ليحضر حفلة لا ترضي الله عز وجل، وهذا يقود مركبته ليوقع أذى بإنسان، وهذا يشتكي ليقيم دعوى على فلان، وهذا ليكسب مالاً حراماً، أما المؤمن فيسارع إلى بيت الله ليتعلم كتابه، ليتعلم أحكام دينه، ليتعلم سيرة رسوله.
 إذاً: أحد أعمدة طريق الإيمان طلب العلم.

 

من أعمدة الإيمان:

 

ـ التفكر في خلق السماوات والأرض:

 أحد الأعمدة الأخرى التفكر في خلق السماوات والأرض، كلما مرت بك آية، كلما مرت بك ظاهرة في صحتك، في جسدك وأعضائك، في طعامك وشرابك، في أهلك وأولادك، في من حولك ومن حولك، قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( أمرت أن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة ))

 

[ مشكاة المصابيح عن أبي هريرة ]

 فإذا كان في جانب من جوانب حياتك تفكُّر في خلق السماوات والأرض، وفي جانب آخر حضر مجالس العلم، وكلما استعصت عليك نفسك تفكرت في الموت فهناك جانب ثالث:

 

ـ إقامةُ الصلاة:

 الجانب الثالث الصلاة، إذا أديت الصلوات الخمس أداء يرضي الله عز وجل، إذا أتقنت ركوعها وسجودها، إذا أردت أن تكون في الصلاة خاشعاً، وإليها مسرعاً فهذا عماد آخر من أعمدة طريق الإيمان، بقي عليك أن تتحرى أمر الله عز وجل، وأن تستقيم على أمره في كل صغيرة وكبيرة، لا شيء يملأ قلبك سعادة من أن تشعر أنك سائر على منهج الله، وأنك وفق الصراط المستقيم، وأنك وفق الأمر والنهي.
 التفكر في خلق السماوات والأرض، وحضور مجالس العلم والتفكر في الموت إذا استعصت عليك نفسك، والاستقامة على أمر الله لأنها أساس الإقبال على الله، والأعمال الصالحة التي هي زادك في الآخرة، وهي العملة المتداولة.

 

 

سؤال خطير: ماذا أعددتَ لنفسك ومجتمعك ؟

 سؤال صغير: إذا أردت أن تذهب إلى العمرة، أول شيء يخطر على بالك الريال السعودي، كيف أشتريه ؟ ما سعره اليوم ؟ من أين أشتريه ؟ كم من الريالات يُسمَح أن آخذ معي ؟ هذا أكبر سؤال، وإذا أردت أن تذهب إلى بريطانيا الجنيه، إلى فرنسا الفرنك، إلى روسيا الروبن، إلى أمريكا الدولار، أما إذا أردت أن تذهب إلى الله ما الذي ينبغي أن يشغل فكرك ؟ العملة المتداولة هناك العمل الصالح، ماذا أعددت من عمل صالح ؟ ماذا فعلت ؟ جئت إلى الدنيا، وغادرتها ما الذي فعلته في الدنيا ؟ هل ربيت أولاداً صالحين ؟ هل كنتَ في حرفتك ناصحاً للمسلمين ؟ أم قدمت إلى هذا المجتمع المسلم خدمة ؟ هل كنت عضواً نافعاً ؟ هل كنت عضواً شريراً ؟ هل دعوت إلى الله ؟ هل علمت العلم والقرآن ؟ هل علمت تجويد القرآن ؟ هل علمت أحكامه ؟ هل علمت آياته الكونية ؟ هل طبقته ؟ يا بشر: لا صدقة ولا جهاد فبمَ تلقى الله إذاً ؟هذا أكبر سؤال.
 إذا جاء ملك الموت، والموت لا يعرف صغيراً ولا كبيراً، لحكمة أرادها الله يموت المرء شاباً، ويموت كهلاً، ويموت شيخاً فانياً، ويموت بمرض وبلا مرض، يموت إثر مرض عضال وإثر صحة جيدة، كل الأحوال تمر على الإنسان، إذاً: الموت شيء يجب أن نعد له عدته.
 أردت من هذه المقدمة ألا تنقلب مجالس العلم إلى سماعٍ وهزّ بالرؤوس، وقول: الحمد لله على الإسلام، والسكنى بالشام، هذه الأقوال التي يقولها عامة الناس، الإسلام التزام وسلوك، الإسلام منظومة قيم يدخل في بيتك، يتعلق بعملك، يتعلق بكلامك، يتعلق بلهوك، الإسلام نظام كامل دقيق يدخل في كل جزئيات حياتك.

 

 

إنكم تُحَاسَبون على التطبيق:

 فلذلك أيها الإخوة الأكارم، قلت لكم في درس سابق: إنكم تحاسبون لا على سماعكم، بل على التطبيق، وأنا أحاسب لا على إلقاء الدرس، بل على تطبيقه، فقد يسأل الله المستمع: هل استجبت لما قيل لك ؟ وقد يسأل الله المتكلم: هل كنت في مستوى كلامك ؟ فلا كلامي له قيمة عند الله عز وجل إن لم أطبقه، ولا سماعكم له قيمة عند الله عز وجل إن لم تطبقوا ما تسمعون، وهذه الكلمة أردت منها وجه الله عز وجل، وأن يكون الانتماء لهذا المسجد انتماءً حقيقياً، وأن يكون هذا المجتمع مجتمعاً مسلماً، لا يكون هذا المجلس أفراداً يستمعون إلى محاضرة، بل يكونوا مؤمنين متوادين متناصحين، متآخيين متزاورين، متباذلين متكاتفين متعاونين، إذا رأى الناس مجتمعاً مسلماً هذا أفضل من مليون محاضرة.

 

 

عن مثلِ هؤلاء نبحث:

 سمعت قصة والله هزّت كل مشاعري، رجل عنده بيت أراد أن يبيعه، رأى هذا البيت إنسان قال: يا سيدي، بكم تبيعني هذا البيت ؟ قال له: هذا البيت ثمنه ثلاثمئة ألف.. قصة قديمة.. وأنت أحببتك، سأبيعك إياه بمئتين وتسعين ألفًا فهل اشتريت ؟ قال: اشتريت، ولم يكن بينهما إلا هذا الإيجاب والقبول فقط، لحكمة أرادها الله عز وجل جاء إنسان آخر إلى صاحب البيت في اليوم التالي، فحينما رآه أعجبه جداً، وقال: أنا أشتري هذا البيت بثلاثمئة وخمس وعشرين ألف ليرة، فما كان من صاحب البيت إلا أن قال: لقد بعته، وانتهى الأمر، ولن أبيعه مرة ثانية، أصبح الآن ملكاً لفلان، فإذا أعجبك البيت فاذهب واشترِه منه، ليس بينهما إلا المباركة، لا بينهما ورقة ولا عقد ولا عربون، ولا ما يسمى في العقود غرامة نُقولٍ أبداً.
الشاري علم أن شخصاً في اليوم التالي دفع 325 ألف، فتألم ألماً شديداً، وظن أن البائع نكص معه، الموعد بعد أسبوع، بعد أسبوع وجد الوضع طبيعياً، جاء إلى البائع، وقال له: البيت جاهز، وهذا المفتاح، وهذا عقد التنازل، وانتهى الأمر، هو شهق، ما هذه الأخلاق، إنسان قبل عشر سنوات يفوت عليه خمسًا وعشرين ألف ليرة لا لشيء إلا لأنه قد قال: لقد بعتك، والبيت مبارك لك.
 قال لي هذا الرجل بعد أربع أسابيع: البيت تابع إلى جمعية تعاونية، فرضوا على صاحب البيت الأول المالك سبعًا وعشرين ألف ليرة، فما كان من شاري البيت إلا أن وضع هذا المبلغ في مغلف، وأرسله إلى صاحب البيت الأول، وقال: هذا عليّ، وليس عليك.
 هكذا الإسلام، الأول بقي عند كلمته، والثاني عرف للأول كماله ومواقفه الطيبة، فنحن إذا طبقنا الدين شعرنا بسعادة لا توصف، والله الذي لا إله إلا هو الحقيقة إنّ الإنسان لا يسعد بالطعام والشراب، ولا بالبيت الفخم، يسعد بعلاقته الطيبة مع أخيه الإنسان، يسعد بمجتمع مسلم، يسعد بمجتمع فيه المحبة والألفة، والصراحة والنصح، والرحمة والمودة، بهذا يسعد.

 

 

هذا هو مجتمع المؤمنين: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ

 إذا كنا على مستوى مجتمع صغير، على مستوى رواد هذا المسجد لنكن إخوةً، الله عز وجل ماذا قال ؟ قال:

 

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ ﴾

 ( سورة التوبة 71)

﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمَعْرُوفِ ﴾

 ( سورة التوبة 67)

 إنّ دقة القرآن الكريم عجيبة، المؤمنون بعضهم أولياء بعض، المؤمن ولياً لأخيه المؤمن، ينصحه، ويرشده، ويحذره، ويحرص عليه، ويخاف على سمعته، ويرجو له الخير، ويخاف عليه من الشر، كيف أنك أيها الأب عندك ابن غالٍ عليك، كيف تحرص على صحته، وعلى تحصيله العلمي، وعلى دراسته، وعلى مستقبله، وعلى أخلاقه، وعلى دينه، تجد نفسك دائماً في رغبة جامحة للعناية به، والتعبير الشائع في المدارس أرسل وليّ أمرك، من هو ؟ الأب، الأخ الكبير، العم.

﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾

 (التوبة 71 )

 إذا لم تكن وليًّا لكل مؤمن فلست كامل الإيمان.

 

من بنود الولاية للمؤمنين: المؤاخاة في الله:

 أنا أحياناً أبدي هذه الملاحظة العابرة، أخ من إخواننا الكرام يتغيب عن دروس العلم، والله من يومين أخ لاحظت أنه لم يأت من أربعة أسابيع، والله قلقت عليه قلقاً كبيراً، يا ترى هو مريض أم أصابته مشكلة ؟ يا ترى إنسان ألقى عليه شبهة ؟ يا ترى زاغت عليه نفسه ؟ ثم علمت أنه مسافر، فقلت: ليت الذي يسافر يعلمني أنه مسافر لتريح أخاك راحة كبيرة، بدل أن يفكر أنك انقطعت، أو أنك وقعت في شبهة، أو أنك مريض، أو أنك تعاني من مشكلة، كل هذه الاحتمالات والوساوس، وهذه الخطرات تريحنا، لو قلت: إنك مسافر إلى المكان الفلاني انتهى الأمر، بارك الله لك في سفرك، ورافقتك السلامة، وندعو لك.
 هذا مجتمع، وأنت تعيش في هذا المجتمع، تعيش مع إخوانك المؤمنين، أنت منتمٍ إلى مسجد وإلى جماعة مؤمنة، فيجب أن نتمثل هذه التوجيهات النبوية، النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

 

(( تآخيا اثنين اثنينِ ))

 

[ ورد في الأثر ]

 ألا تريد عملاً صالحاً ؟ أقلُّ عمل صالح في هذا المسجد أن تؤاخي أخاً تتفقده من حين لآخر، لعله مريض، لعله مصاب بمشكلة، لعله يعاني من أزمة، لعله يعاني من خلاف مع زوجته، فإذا تفقدت أخاك، وعرفت أحواله، غاب عن الدرس فسألت عنه، اختر أخاً وآخه في الله، وهو عملك الصالح، قد يكون هو أعلى منك، ليس هناك مانع، قد يكون أكبر منك سناً، لكن أنت اختر أخاً بحسب مهنتك، بحسب عملك، بحسب مجيئك إلى المسجد، هذا الأخ إذا تآخيت معه، وتفقدت أمره، وتفقد أمرك، وتفقدت غيابه، وتفقد غيابك، واسيته في مرضه، وواساك في مرضك، أعلمته عن كل أحوالك فساهمت معك في خدمته، هذا مجتمع مؤمن، هذا المجتمع الذي يرضي الله عز وجل.
 القضية أعظم من أنه درس ألقي، ومستمع استمع، الأمر أعظم بكثير، أنت منتمٍ إلى جماعة مؤمنين، موقف أخلاقي، أو معاونة إلى أخيك أبلغ عنده مِن ألف محاضرة، ما قيمة الكلام ؟ أنت بحاجة إلى أخ إلى جانبك يرعاك، إذا كان الجار العادي له معاملة كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( أتدرون ما حق الجار: إذا استعانك أعنته، وإن استنصرك نصرته، وإن استقرضك أقرضته، وإن أصابه خير هنأته، وإن أصابته مصيبة عزيته، ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، وإذا اشتريت فاكهة فأهدِ إليه منها، فإن لم تفعل فأدخلها سراً، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها))

[ الترغيب والترهيب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ]

 وإذا كان الجار مسلماً فله حقان عليك، والجار المسلم القريب له ثلاثة حقوق، أما أخ الجامع فله أربعة حقوق، هذا الأخ مسلم، وجارك في المسجد، وقرابة الإيمان أعلى قرابة، وقرابة الأخوّة في الله أعلى قرابة، فلذلك الذي أتمناه عليكم أن تتآخيا اثنين اثنَين، اختر أخاً لك، جارك في البيت، زميلك في العمل مقارباً لك في السن، تفقده وليتفقدك، زره وليزرك، اسأل عنه وليسأل عنك، أبلغني عنه إذا كان بالإمكان أن أقدم خدمة له، هذا المجتمع أساسه متين، المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، أخوك تألم اعتذر منه، قدِّم له هدية تجلو بها قلبه.
 أحياناً يقع سوء تفاهم بين أخوين في المسجد، قد تصبح هناك حساسية مفرطة أو شيء من الغيرة أحياناً أو الضعف، فأنت عليك أن تجعل منك ومن أخيك بنياناً مرصوصاً يشد بعضه بعضاً.
 فهذه المقدمة لعلي أطلت فيها، أردت منها ألا يكون حضورنا لمجالس العلم حضوراً شكلياً، أريد أن يكون انتماؤكم لهذا المسجد انتماءً حقيقياً، انتماء لجماعة المؤمنين، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

 ( سورة الحجرات 10)

 لا تكون مؤمناً إلا إذا كنت أخاً لأخيك المؤمن، إنما تفيد الحصر، لا تكن مؤمناً إلا إذا شعرت بالأخوة الصادقة مع أخيك المؤمن، وأي مؤمن، إياك أن تظن أن المؤمنين هم الذين يحضرون معك مجلس العلم، لا.. يجب أن يكون انتماؤك لأي مؤمن مادام هذا الرجل قد عرف الله، واستقام على أمره، وأحبه، وعمل لآخرته فهو مؤمن يجب أن تنتمي إليه، وأن تحبه، وأن تعينه، وأن تنصره.

 

ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ وَأَنّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِه البَاطِلُ

 آيات اليوم، الله سبحانه وتعالى يقول:

 

 

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ﴾

 

1 – الحق والباطل:

 الحق خلاف الباطل، الباطل الشيء الزائل، الحق الشيء الثابت، فأي جهة غير الله عز وجل هي جهة باطلة، والفكر الوضعي باطل يتهاوى بعد عام أو أكثر أو بعد سبعين عاماً، السلوك الباطل ينقُضُه الحق، أي شيء غير الله باطل، ألا كل شيء ما خلا الله باطل، فأنت إما أن تربط مصيرك مع شيء زائل سرعان ما يتهاوى.. سرعان ما يتداعى.. سرعان ما ينتهي.. سرعان ما تكشف حينما يزول.

 

2 – أنت إما مع الحق وإما مع الباطل:

 وإما أن تكون مع الثابت مع الحق، إن كنت مع الحق فالله سبحانه وتعالى لا يحول ولا يزول، إن كنت مع الحق فأنت في صعود، وإن كنت مع الباطل فأنت في نزول، إن كنت مع الحق فأنت في ثبات، وإن كنت مع الباطل فأنت في زلزال، إن كنت مع الحق فأنت في تقدم، وإن كنت مع الباطل فأنت في تأخر.

 

 

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ﴾

 

 فالحق هو الشيء الثابت الأبدي السرمدي، المعنى الآخر الحق يقابل الباطل.

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ﴾

 ( سورة ص 27)

 الباطل هو الزائل.

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾

 ( سورة الأنبياء 16)

 إذاً: الحق دائماً على عكس الباطل الزائل، وعلى عكس اللعب العابث، فأنت إذا كنت مع الله فهو الثابت، وهو العظيم، وهو الكامل.

 

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ﴾

 

3 – لا حق إلا ما حقّه الله:

 لو أن الله سبحانه وتعالى قال: ذلك بأن الله حق، ما الفرق بين التعبيرين ؟ ذلك بأن الله حق، يعني أنه يمكن أن يكون هناك حق آخر غير الله عز وجل، الله حق وهناك حق آخر، أما ذلك بأن الله هو الحق أي لا حق سواه، إذا جاء الخبر معرفاً بـ (أل )فهو أحد أنواع القصر، فالحق هو الله، ولا حق سواه.

 

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ﴾

 

 الثابت، الأبدي، السرمدي.

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) ﴾

 ( سورة الرحمن 26-27)

 أنت مع الدائم، مع الأبدي السرمدي، مع الذي لا يحول، ولا يزول، أما مع الأشخاص فقد تعلّق الآمال على إنسان فيُعزل من منصبه، أو علقت الأمل على فلان فمات، أو علقت الأمل على هذا القرار فألغي القرار، أو علقت الأمل على زيد فمات زيد، أو علقت الأمل على عبيد فتنكر لك عبيد بلا سبب، فكل ما سوى الله باطل، من أشخاص، وأفكار، وأيّ شيء ما سوى الله باطل، فالبطولة أن تكون مع الحق لا مع الباطل.

 

4 – الباطل قد يكون فكرا وعملا وسلوكا واعتقادا:

 هناك فكر باطل، وعقيدة باطلة، ومذهب باطل، واتجاه باطل وتجمع باطل، وسلوك باطل، وعمل باطل، ومهنة باطلة، إياك أن تكون مع الباطل، كن مع الحق.
 والحق من معانيه السمو، فإياك أن تسفل.

 

 

(( إن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها ))

 

[ الجامع الصغير عن سهل بن سعد ]

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ ﴾

 فماذا بعد الحق إلا الضلال، وأيّ فكر غير ديني باطل، أي سلوك غير ديني باطل، أي كتاب لا ينتقى من كتاب الله فهو باطل، أي مذهب، أي فكر، أي عقيدة، أي سلوك، أي تصرف، أي تجمع، أي شيء لا يستقي من الحقيقة الأولى وجوده وانتظامه هو باطل.

وَ أَنّ اللهَ هُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾

1 – معنى العليّ الكبير:

 العلي الذي تعالى عن النقص، والكبير الذي اتصف بكل صفات الكمال.

 

2 – من دلالاتِ وإشارات الآية:

 في هذه الآية إشارة إلى ثلاثة أشياء أساسية، إلى أن الله واجب الوجود هو الحق، وإلى أن الله عز وجل منزه عن كل نقص، وإلى أن الله له أسماء عليا وصفات فضلى، إذاً: فهو موجود وجوداً واجباً، أي أنه واجب الوجود، ومنزّه عن كل نقض، ومتصف بكل كمال، هذا هو الله عز وجل، موجود، كامل، منزّه عن النقص، هل يمكن أن تتجه إلى غير الله عز وجل ؟ هل هناك جهة في الأرض تستحق أن تلتفت إليها ؟ هل يمكن أن تمضي عمرك الثمين لغير الله عز وجل ؟

 

 

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾

 

3 – وجوب إخلاص الوجهة لله تعالى وحده:

 واجب الوجود، تعالى عن كل نقص، اتصف بكل كمال، ذلكم الله رب العالمين، لمثل هذا فليعمل العاملون، إلى هذا الإله العظيم فلنتجه، إلى طاعته فلنبادر، معصيته فلنبتعد، عن ما سواه فلنجاف.

 

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ ﴾

 

أَلَمْ تَرَ أَنّ الفُلْكَ تَجْرِي فِي البَحْرِ بِنِعْمَةِ اللهِ

1 – معجزة جريان الفلك في البحر:

 الفلك هي هذه السفن العملاقة التي تجري، ثم انظر إلى هذا الإنسان الجاهل إذْ يقول: هذه السفينة صنعتها اليابان تحل مليون طن، هذه السفينة ليس فيها رافعات، فيها ممرات تدخل فيها الشاحنات بعجلاتها، أنت معجب بهذه السفينة، ولست معجباً بهذا البحر الذي يحمل السفينة، من جعل ذرات الماء متماسكة بحيث تدفع نحو الأعلى، حتى ينغمس كل جسم في الماء، ويدفعه إلى الأعلى بقوة تكافئ الماء المُزاح ينغمس وهذا قانون (أرخميدس )، انظر الآية الكريمة:

 

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ ﴾

 

2 – المؤمن يعظِّم صنعة الخالق:

 بنعمة الله، فالإنسان من ضعف إيمانه يتجه إلى تعظيم مصنوعات الخلق، بينما المؤمن يتجه إلى تعظيم صنعة الخالق، إذاً:

 

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ ﴾

 

 إذاً: قوة تماسك الماء، والقوة الدافعة التي أودعها الله في الماء تدفع بها الأجسام المنغمسة فيه.
 املأ وعاء من الماء، وضعه في حوض، تشعر أن وزنه انخفض إلى الربع، بقوة تدفع نحو الأعلى، هذا قانون قننه الله عز وجل رحمة بنا، لو أن كل شيء انغمس فيه وغاص إلى أعماقه لأصبح البحر حاجزاً منيعاً بين القارات.

3 – البحر طريق وهمزة وصلٍ بين القارات:

 إنّ بفضل هذه الخاصة التي جعلها الله في الماء أصبح البحر أداة اتصال بين القارات، طريقاً معبداً، والطرق المعبدة في البر تكلف مئات الألوف وملايين والملايين، بينما البحر كله طريق، والحمولات كبيرة جداً.
 الآن هناك مراكب ناقلات نفط، بواخر عملاقة تحمل مليون طن، فهل هناك مركبة تمشي على عجلات، إذا أردنا أن ننقل معملاً على طريق يجب أن نعدل كل الجسور، لأن وزن هذه المحطة ثلاثمئة طن، ولا يوجد جسر من طرطوس إلى دمشق يتحمل ثلاثمائة طن، إذاً: الطرق البرية متعبة جداً، ومكلفة جداً، الله جعل البحر همزة اتصال بين القارات، طريق معبد، لذلك تجد عشرات بل مئات بل ألوف الألوف من المراكب كلها تنقل السلع والمواد والخيرات والمحاصيل والأغذية والآلات بين القارات، هذا من فضل الله عز وجل، هذه آية أمام أعيننا.

 

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آَيَاتِهِ ﴾

 

لِيُرِيَكُمْ مِن آيَاتِهِ:

الماءُ مِن آيات الله:

 هذه (من )للتبعيض، هذه بعض آياته، الهواء من آياته، والماء من آياته، والملوحة من آياته، والقارات من آياته، وتوزع القارات من آياته، وتحرك الهواء من آياته، والمطر والسحاب والطقس والحرارة والبرودة من آياته، وأن الماء إذا تجمد يزداد حجمه من آياته، ولولا هذه الظاهرة ما عاش مخلوق على وجه الأرض.
 الماء في الدرجة(+4) إذا جمدته يزداد حجمه، لولا هذه الظاهرة لانعدم المطر، وانعدم النبات، ومات الحيوان، وتبعه الإنسان، وانتهت الحياة من على سطح الأرض، فإذا تابع الماء انكماشه في التبريد، والماء درجته ثلاثون، وبتبرّده ينكمش إلى الدرجة (+4)، إذا تابعت تبريده يزداد حجمه، فإذا ازداد حجمه، وآلية ازدياده معقدة تعقيداً يصعب فهمه، هذه من آيات الله.

 

﴿ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آَيَاتِهِ ﴾

 

 أية آيات الله ننكر ؟!.

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾

إِنّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ

1 – معنى صَبَّار:

 الصبار على وزن فعّال، يعني كثير الصبر، والشكور على وزن فعول كثير الشكر.

 

2 – مِن لوازم الصَبَّار:

 يجب أن تكون كثير الصبر عن معصية الله، ويجب أن تكون كثير الصبر على طاعة الله، يجب أن تكون كثير الصبر على الأمر التكليفي، افعل ولا تفعل، ويجب أن تكون كثير الصبر على الأمر التكويني، لو أن الله جعل زيداً عقيماً هذا أمر تكويني، أما لو أنه جعله فقيراً، لو جعله مريضاً هذا أمر تكويني، هناك أمر تكليفي، وهناك أمر تكويني، ويجب أن تصبر على الأمرين معاً.

 

 

3 – معنى شكور ولوازمه:

 وشكور لنعمة الإيجاد، وشكور لنعمة الإمداد، سخر لك الماء والهواء، والطعام والشراب، والزوجة والولد، والمأوى، والصوف والقطن، والمعادن وأشباه المعادن، والغازات والمائعات، لكل صبّار شكور على نعمة الإيجاد، وعلى نعمة الإمداد، وعلى نعمة الهدى والرشاد.

 

 

﴿ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾

 

نموذج بشريٌّ متكرِّر: وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوٌجٌ كَالظُّلَلَ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ

1 – مِن فطرةِ الإنسان: اللجوء إلى الله في الشِّدة:

 أحياناً يكون الإنسان ملحداً، يقول لك: هذا الدين أفيون الشعوب، هذه كلها أطروحات غيبية لا تُجدينا نفعاً في الواقع، نريد مقتَرَحًا علميًا حتى لا يتنطع أعداء الدين، مثل هذا الإنسان لو أصابه مرض عضال، لو أصابه ورم خبيث، لو تعطل دسام في قلبه، لو ضاق الشريان التاجي، يا الله، أين ما كنت تدعو إليه ؟ أين كفرك ؟ أين إلحادك ؟ أين استهزاؤك بالدين ؟ تقول: يا رب، ليس لي غيرك، هذه فطرة، أنت في فطرتك مؤمن بالله وتعلم أن الأمر بيد الله، وأنه الخالق، وأنه المربي، وأنه المسير.

 

2 – البطولة معرفةُ الله في الرخاء الشِّدة:

 البطولة أن تعرفه وأنت صحيح، وأن تعرفه وأنت غني، وأن تعرفه وأنت شاب،وأن تعرفه وأنت في بحبوحة، وأن تعرفه وأنت قوي هذه البطولة، أما إذا جاء المرض، إذا جاء الضيق، إذا فقدت حريتك، إذا ألمّ بك ما ألمّ تقول: يا رب، ليس لي غيرك، هذه نموذج بشري متكرر، اسمعوا إلى قوله تعالى:

 

 

﴿ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ ﴾

 

3 – هذه هي أحوال الناس في الشدة:

 قد يكون الإنسان في الطائرة، والله حدثني أخ قال لي: كنت راكباً طائرة أوشكت على السقوط، دخلت في صاعقة في جو باريس، وتهشمت مقدمتها، وتعطلت فيها بعض الأجهزة، وانكسر البلور أمام قائد الطائرة، وأصبح سقوط الطائرة وشيكاً، فقال لي قولاً: الركاب بعضهم يلطم خده، وبعضهم يمزق ثوبه، وبعضهم يقول: يا أولادي، يا زوجتي، أراد الطيار أن يطمئن الركاب، أن يقوي من معنوياتهم فكلف مضيفاً أن يبلّغهم، فذهب ليبلغهم فلا أحد استمع إليه، كلٌّ غارق في مأساته، إلى أن رأى واحداً توسم فيه خيراً، رآه بارد الأعصاب، وكزه، فإذا هو مغمى عليه، هذه مثل الباخرة، وقد تكون في سيارة أحياناً، في باخرة، في مرض عضال، هذا نموذج متكرر.

 

﴿ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾

 

 البحر هادئ، والنسيم عليل، سهرة على سطح الباخرة، وحفلة رقص في داخلها، والملهى الفلاني، هذه باخرة (تيتانيك)أول ما أقلعت من إنجلترا هي تعد في وقتها أعظم باخرة في العالم، كتب عن هذه الباخرة: أن القدر لا يستطيع إغراقها، صنعت من طبقتين، فأيما مكان ثقب تغلق الأبواب الداخلية، وتبقى تمخر عباب البحر، لم تصنع فيها قوارب النجاة، ركبها أثرياء أوربا، ثمن الحلي على صدور نسائها يبلغ مئات الملايين، وكل ركابها من الطبقة الثرية، وهم يعتقدون اعتقاداً جازماً أن هذه الباخرة لا يستطيع القدر إغراقها، وفي أول رحلة لها ارتطمت بجبل ثلجي شطرها شطرين، واستغاثت، فكل من حولها ظنوا أن استغاثاتها احتفالات على ظهرها، وقبل ستة أشهر أو أكثر عثروا على حطامها في قاع المحيط، وهم يبحثون الآن عن ثروات بداخلها.

﴿ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ ﴾

4 – من أسوأ ما في نهاية النجاة: نسيانُ فضلِ الله:

 والله ربان الباخرة كان ماهراً جداً، فقد أنقذنا من الموت، أبشع شيء في الإنسان أنه إذا وقع في مصيبة، أو في مشكلة كبيرة بعد أن يتفضل الله عليه بتخليصه وإنجائه يعزو هذا التخليص إلى غير الله عز وجل، يا أخي الطبيب ما شاء الله، كان هناك التهاب سحايا فلما قدر الله لابنك الشفاء على يد هذا الطبيب نسيت الله عز وجل، هذه الدعوى ما شاء الله المحامي من الدرجة الأولى له صلات مع القضاة، قوي، الله عز وجل قواك على خصمك، فتعزو الأمر إلى غير الله، هذا مرض أهلِ البُعد، هذه صورة نموذج بشري.

 

﴿ وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ﴾

 

فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِد

 أيْ معتدل، يعزو هذا تارة إلى الله عز وجل، وتارة إلى الربان الفلاني.
 سمعت أن قائد الطيارة التي قادها إلى برّ الأمان نسي جميع الركاب أن الله لطف بهم، وعزوا هذا إلى أعصاب الطيار المتينة، فلو أن الله عز وجل أضعف مقاومته لانهار مع الركاب، وكانوا كلهم في نعي واحد، ويقول لك: مات جميع ركابها.

 

﴿ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍٍ﴾

 

وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ كُلّ خَتَّارٍ كَفُورٍ

مَن هو الختَّارُ ؟

 الختَّار هو الخوان.

 

﴿ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ﴾

 

 في الدرس القادم إن شاء الله نكمل تفسير قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (33) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (34) ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018