الدرس : 11 - سورة لقمان - تفسير الآيات 27 - 30 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 11 - سورة لقمان - تفسير الآيات 27 - 30


1991-07-26

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الحادي عشر من سورة لقمان، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾

ِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ

 وبينت لكم في الدرس الماضي أن هذه اللام لام الملك، أي أن السماوات والأرض كلها ملك لله عز وجل، وأن الله عز وجل يملك، ويتصرف، وإليه المصير، وهذا أوسع أنواع الملكية، ومع أنه مالك، ومع أنه قادر، ومع أنه لا يسأل عمّا يفعل، لكنه غني حميد، فهو غني مستغنٍ عن عباده، ومع ذلك يعاملهم معاملة يحمدونه عليها دائماً.
 الآن هناك آية تلو هذه الآية، يقول الله عز وجل:

 

﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

 

عظمةُ كلام الله تعالى: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ

 كلكم يعلم أن محبرة واحدة تكفي الطالب سنة أو سنوات عديدة، يسود بها عشرات، بل مئات، بل عشرات مئات الصفحات، فربنا عز وجل أراد أن يبين لنا طرفاً من علمه، لو أن كل ما في الأرض من أشجار، والأرض فيها غابات كثيفة جداً، وفيها غابات خضراء، حتى الآن لم يستطع الإنسان أن يصل إليها، وأن هناك أشجاراً من حيث الأنواع، والأعداد ما لا تحصى، لو أن كل ما في الأرض من أشجار أصبحت أقلاماً، فبريت أغصانها أقلاماً، وأن البحر، البحر اسم جنس، ويعني البحار كلها، وتعلمون أن الأرض القارات الخمس لا تزيد على تسعة وعشرين بالمئة من مجموع مساحة الأرض، وتعلمون أن في البحار أعماقاً كبيرة، هناك في المحيط الهادي واد اسمه وادي مريانة يزيد عمقه على اثني عشر ألف متر، أربعة أخماس الكرة الأرضية، وهناك أعماق تتراوح بين خمسة آلاف وما يزيد على عشرة آلاف متر.
 لو أن هذا البحر كله المحيطات والمحاطات، المتوسط محاط، بينما المحيط الهادي محيط، لو أن البحار كلها المحيطات والمحاطات مع سبعة أمثالها كانت مداداً أي حبراً، وكل ما في الأرض من شجر أقلام، وهذه الأقلام كتبت، والبحار كلها جفت، وجاء مثلها بحار، والمثل الثاني جف، وجاء المثل الثالث والرابع والخامس والسادس والسابع، يقول الله عز وجل:

 

﴿ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ ﴾

 

مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ

هذه حالُ الناس في بحر العلم والمعرفة بأسرار الإنسان والكون:

 الكلمات التي تعبِّر عن علمه، وأنت ترى أن الإنسان منذ آلاف السنين يدرس، ويبحث، وينقِّب، ويستنبط، ويكتشف، ويسجل، ويقول لك في النهاية: بعد آلاف السنين لم تبتلَّ بعد أقدامنا ببحر المعرفة.

 

من أسرار أجهزة الإنسان:

 قد يعقد مؤتمر لأطباء القلب، يقال لك: إن في هذا المؤتمر سبعة آلاف محاضرة، وكل عدد من المحاضرات في جانب من جوانب القلب، وما يزال ما نجهله عن القلب أكثر مما نعلمه عنه وهو القلب، طبيعة عضلاته، طبيعة دساماته، طبيعة كهربائه، طبيعة حركته، عجب عجاب، قل مثل هذا في المعدة، والجهاز الهضمي، قل مثل هذا في جهاز التصفية، قل مثل هذا في جهاز العضلات، الإنسان كائن عظيم، إنه أعظم ما في الكون.

 

 

أتحسب أنك جرم صغير  وفيك انطوى العالم الأكبر
***

 الإمام الشافعي يقول: " كلما ازددتُ علماً ازددتُ علماً بجهلي ".

 

 

من أسرار الخلية:

 تشعر أمام أنظمة بالغة الدقة، يقولون لك إن كل ما في الحياة أساسه الخلية، والخلية عبارة عن جدار وسائل ونواة، هذا الجدار ليس كتيماً، وليس مفتوحاً يقبل الرشح من ماء الخلية إلى ماء خلية مجاورة، وأن كل سرّ الخلية في هذه النواة، وأن في النواة نوية، وأن سرّ السرّ في النوية، وأن هناك شريط لا يمكن لهذا المجهر الذي بين أيدينا أن يكتشفه إلا بمجاهر إلكترونية، هناك شريط عليه معلومات قد تزيد معلومات الشريط على خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة في أوقات محددة تشكل المخلوق إنساناً أو حيواناً أو نباتاً، الخلية أساس وحدة وظيفية للكائن الحي.
 وقد يدرسون في أعوام كثيرة الخلية فقط، والآن اكتشف أنه ليس هناك زمر دموية فحسب، بل هناك زمر نسيجية، وتكاد الزمر النسيجية تزيد على ألفين وخمسمئة مليون زمرة، فلا يوجد في الأرض إلا زمرتان متشابهتان فقط.
 كلما زادت البحوث والكشوف أطلعونا على شيء لا يصدق، كنا نعد النجوم عدداً.

 

 

النجوم:

 

 هناك الآن مراصد ترصد هذه النجوم، هناك مراصد الآن ترصدها لا من أشعتها، بل من صوتها، وقد اكتشفت حديثاً ستة عشر مليون سنة ضوئية بين مجرة والأرض.
 ماذا أقول قي الفلك أم في الذرة ؟ في المجرة أم في الذرة ؟ في النبات أم في الحيوان ؟

الطيور:

 هذا الطائر الذي يطير بجناحين حتى في هذه اللحظة لا يستطيع علماء الطيور أن يعرفوا سرّ هجرتها، بماذا تهتدي ؟ أتهتدي بالضوء، حجبوا عنها الضوء فسارت وفق المسار الصحيح، أتهتدي بالتضاريس ؟ حجبوا عنها التضاريس، أتهتدي بالتعلم ؟ عزلوها عن أهلها، كلما فرضوا فرضية جاءت الوقائع تناقض هذه الفرضية، آخر فرضية لهجرة الطيور أنها تتحرك بإيقاعات خفية من جهة مجهولة، إيقاعات خفية تتحرك من خلالها، هذا الطائر يقطع سبعة عشر ألف كيلو متر، ويصل إلى عشه، أية زاوية يأخذها هو في جنوب أفريقيا، وعشه في دمشق في حيّ الصالحية، في أحد أحيائها القديمة، في بيت عربي قديم، في طرف السقف، كيف ينطلق هذا الطير من جنوب إفريقيا متجهاً نحو الشمال، لو أنه حاد عُشر درجة لجاء في العراق، لو حاد عشرها نحو اليسار لجاء في مصر، لو حاد أقلَّ من ذلك لجاء في مدينة تدمر، كيف يصل الطير إلى عشه الدقيق، وقبل أن يبدأ الطيران يجدد جناحيه تجديداً كاملاً، وقبل أن يبدأ الطيران يقبل على الطعام إقبالاً عجيباً، ويطير الطائر ستاً وثمانين ساعة من دون توقف، ولا يزال علم الطيور في بداياته.
 قرأت مرة مقالة عن الطائرة، في مقدمة المقالة يقول الكاتب: إن أعظم طائرة صنعها الإنسان لا ترقى إلى مستوى الطائر، زوده الله بعظام مفرغة مراعاة لخفة الوزن، والريشة فيها العجب العجاب، فيها متانة وخفة وزن عجيبة، وفيها إمكان تبديلها باستمرار، وبين الجناحين توازن يأخذ بالألباب، ولهذا الطائر خواص، الهواء الذي يستنشقه الطائر في أثناء الطيران لا يصل إلى رئتيه فحسب، بل يتغلغل في كل أنحاء جسمه، وحتى أظلاف رجليه، لأن هذه القدرة العجيبة في الحركة تحتاج إلى تبريد، وتبريد المحركات علم قائم بذاته، صنع الله الذي أتقن كل شيء، هذا عن الطائر فماذا عن الأسماك ؟

الأسماك:

 الأسماكُ زودها الله بخط في قسمها الأعلى تعرف في أي لحظة أين هي من سطح الماء، لها جهاز ضغط، وهو أنبوب مفرغ من الهواء، وزودها بجهاز توازن تعرف إلى أين جهتها نحو الأعلى أم نحو الأسفل، حفرة صغيرة في رأسها، وبعض حبات الرمل، وأعصاب حساسة، فإذا انتقلت حبات الرمل إلى جهة أخرى إذاً هي مقلوبة، تعرف وضعها من هذا الجهاز.
 الشيء الذي يكشفه العلماء عن مخلوقات الله عز وجل فيه العجب العجاب، لذلك التفكر في الكون أقول لكم كلاماً دقيقاً: هو أقصر طريق إلى الله عز وجل، وأوسع باب، إذا أردت أن تدخل من أوسع الأبواب، وأن تسلك أسهل الطرق فتأمل مخلوقات الله عز وجل، ابدأ بجسمك.

العين:

 هذه العين يخرج منها عصب فيه تسعمئة ألف ليف عصبي، وكل ليف له غلاف كي تكون الصورة نقية، وفي الشبكية مئة وثلاثون مليون عصية، وفي العين طبقات، وللعين ضغط، وللعين ماء، وللعين عدسة مرنة، لا يتسع المجال للتفصيلات، ولكن العين وحدها يمكن أن تصل من خلالها إلى الله، وأن تعرف علمه، وأن تعرف لطفه، وأن تعرف حكمته، وأن تعرف جماله، وأن تعرف قدرته، وأن تعرف ربوبيته.
 فيا أيها الإخوة الأكارم، حينما قال الله عز وجل:

﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾

سَعَة علمِ الله تعالى:

 أراد الله أن يقرب لنا علمه تقريباً عن طريق بعض الأمثال، إن الكلمات التي تعبر عن علم الله عز وجل تنفد بحار الأرض كلها مع سبعة أمثالها، ولا تنفد كلمات الله المعبرة عن علمه، لذلك هذا هو علم الله، وسوف تأتي بعد قليل الآيات التي توضح لماذا يجب أن نعلم أن الله يعلم ؟
 على كل الإنسان أعطاه الله فكراً، وسخر له هذا الكون تسخير تعريف، وتسخير تكريم، فلا ينبغي أن يأكل ويتمتع كما تأكل الأنعام.

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾

 ( سورة محمد 12)

الخضار والفواكه:

 الأنعام تأكل، ولا تفكر تأكل وكفى، والإنسان الذي يأكل، ولا يفكر سوف يدفع الثمن باهظاً.
 مرة حدثني أخ مُزارع قال: ضمنت حقل بطيخ، قطفت منه كل يوم شاحنة على مدار تسعين يوماً، من صمم هذه الفاكهة حتى تنضج بالتدريج ؟ القمح ينضج دفعة واحدة، المحاصيل تنضج في وقت واحد، بينما الفواكه تنضج تباعاً، في الأولى رحمة وحكمة، وفي الثانية رحمة وحكمة.
 وربنا عز وجل جعل لكل شيء علامة، العنب إذا اسود فاسوداده علامة نضجه، والتفاح إذا اصفر الاصفرار علامة نضجه، وكل فاكهة، وكل نبات، أو ثمرة جعل الله لها علامة تدل على نضجها، فما العلامة التي تركها الله عز وجل علامة على نضج البطيخ ؟ قال لي هذا المزارع: إن بُعَيد هذا الذَّنَب الذي تتعلق به البطيخة خيطًا على شكل حلزون، فإذا أمسكه صاحب حقل البطيخ، وضغطه فإذا انكسر فالبطيخة قد نضجت، وإذا بقي طرياً فالبطيخة لم تنضج بعد، هذا التصميم من صممه !
 الكون كامل.

النبات:

 إن في المناطق الجافة نباتات تختزن المياه، يمكن أن تختزن ما يعادل ثلاثة آلاف لتر من الماء، بمجرد أن تقطع بضع فروعها حتى يسيل هذا الماء الصافي العذب، نبات مهمته اختزان المياه، نبات مهمته أن يكون حداً فاصلاً بينك وبين جارك، اسمها في علم النبات نباتات حدودية، كلها شوك، خضراء اللون، ولها أزهار، ولكنها شائكة، نباتات صممت من أجل الظل، نباتات صممت من أجل الصناعة، أنواع منوعة من الأخشاب، نوع للنوافذ يتحمل الحر والبرد والمطر، وما إلى ذلك، ونوع للأثاث الداخلي، ونوع طري للمعالجة، نوع مرن ومتين يكون قاعدة للآلات.
 حدثني بعض الإخوة الذين يعملون في النجارة أن هناك ما يزيد على مئة نوع من الخشب، ولكل نوع صفاته الخاصة وميزاته وخصائصه، هذا علم الله.

﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾

 الشعر الذي في رأسنا، ثلاثمئة ألف شعرة، لكل شعرة وريد وشريان وصب وعضلة وغدة دهنية وغدد صبغية، وأنت لا تدري، العين، الأذن، اللسان، النطق، لسان المزمار، هذا الذي يعمل ليلاً ونهاراً من دون تعب ولا كلل، وأنت نائم يجتمع اللعاب في فمك يتنبه الدماغ، يعطي أمراً إلى لسان المزمار فيغلق طريق الهواء ويفتح طريق المعدة فيسقط اللعاب في المريء، ومنه إلى المعدة، وأنت نائم لا تدري، هذه الأجفان تتحرك حركة دورية عجيبة.
 الذي أردته من هذه الأمثلة غير المنتظمة طبعاً، وهناك أمثلة من خلق الإنسان، من خلق الحيوان، من خلق النبات، من خلق المجرات، من خلق الذرة، كلما درست، وبحثت، ودققت، وحللت تجد العجب العجاب، لذلك يقول الله عز وجل:

﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾

 حينما كنا من قبل نستخدم الحبر في الكتابة، القلم والمحبرة، من يشتري لترَ حبرٍ أنا أعتقد أنه يكفيه طوال حياته، هو وأولاده، أما هنا:

﴿ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ﴾

 البحار كلها ضرب سبعة، والأشجار كلها أقلام، وكلها تكتب حنى جفت البحار، جاءت بحار مثلها، جفت ما نفدت كلمات الله، الكلمات الدالة على علمه، والكلمات الدالة على أمره، أوامره يومية، لأن هذا الحوين المنوي والبويضة التي عليها خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة تجد الطفل ينمو، في البداية له أنف غضروفي قاس، بعد قليل يصبح ليناً، في طحاله كمية حديد تكفيه عامين، تفصيلات دقيقة جداً في خلق الإنسان، في سن كذا ينمو صدر الفتاة، في سن كذا ينمو الشعر للفتى، في سن كذا يتغير صوت حباله الصوتية، معلومات مبرمجة كلها، إذاً: كلمات الله الدالة على علمه، كلمات الله الدالة على أمره:

﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

إِنّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

1 – معنى العزيز:

 في دروس سابقة تحدثنا عن معنى عزيز، الشيء العزيز الذي يندر وجوده، وتشتد الحاجة إليه، ويصعب الوصول إليه، أما إذا وصف الله بأنه عزيز، الشيء الذي يندر وجوده حتى يصبح واحداً، واحد لا شريك له، وتشتد الحاجة إليه، إذا وصف الله بأنه عزيز أيّ يحتاجه كل شيء في كل شيء.
 الابن يحتاج والده في أشياء كثيرة، ويحتاج من يعمل عنده في أشياء قليلة، ويحتاج صديقاً بعيداً في أشياء نادرة، ولكن الله عز وجل يحتاجه كل شيء في كل شيء.
 وإذا قلنا عن شيء عزيز: يصعب الوصول إليه إذا وصف الله بأنه عزيز فالوصول إليه مستحيل، بمعنى أنك لن تحيط به، تصل إليه، ولا تحيط به، إذاً:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

 

2 – معنى الحكيم:

 وحكمته تقتضي أن ما وقع لو وقع على خلاف ما وقع لكان الله ملوماً، أو لكان نقصاً في الحكمة، كل شيء وقع أراده الله وكل ما أراده الله وقع، وإرادته متعلقة بالحكمة، وحكمته متعلقة بالخير المطلق.

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

 

 واحد لا شريك له، يحتاجه كل شيء في كل شيء، يستحيل أن تحيط به، تصل إليه وصول معرفة، وصول طاعة، وصول إقبال، أما أن تحيط به فهذا مستحيل.
 هذا مثلٌ للتقريب، أحياناً نقول: لا نهاية، هذه كلمة، لكن لو فكرت في اللانهاية فهو شيء يصعب العقل أن يتصوره، تصور مليونا، مليون مليونٍ، تصور إنسانًا يقول: مئة سنة، والرقم أكبر، هذا محدود، تصور كيس طحين كل ذرة دقيق مليون سنة، كم مليون سنة هذا الكيس ؟ تصور محصول الدقيق في العالم، كل ذرة دقيق مليون سنة مرفوعة إلى قوة (ن)، هذا الرقم مضروب بنفسه مئة مرة، أو مرات غير متناهية، ومع ذلك ليس بإمكانه العقل أن يدرك اللانهاية، وأنت مخلوق لهذا الأبد الطويل، للانهاية، فإذا اشتغلت في بهذه الدنيا اشتغلت عن الآخرة فقد اشتغلت بالخسيس عن النفيس، وهذا هو اللهو في تعريفه الدقيق، اللهو أن تشتغل بالشيء الخسيس عن الشيء النفيس، أن تعمل لحياة فانية، وأن تدع حياة باقية، أن تعمل للدنيا، وأن تدع الآخرة، فلذلك من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً.
 ما دام الله بهذا العلم، وتلك القدرة، وهذه الحكمة، قلنا: ما نفدت كلمات الله، الكلمات الدالة على علمه، والكلمات الدالة على أمره، أوامر الخلق:

﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

 ( سورة النحل 40)

 كلمات العلم وكلمات الأمر، وبعد هذا كله أتعجبون أن يعاد خلقكم مرة ثانية يوم القيامة، وبعد كل هذا أتشكِّكون في أن يقف الإنسان بين يدي الله عز وجل ليحاسب عن أعماله كلها، يقول الله عز وجل:

 

﴿ مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾

 

مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ

1 ـ بيان قدرة الله عزوجل في الخَلق والبعث:

 هذا يذكرنا بالحديث القدسي الذي تعرفونه جميعا:

 

((يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ ))

 

[ صحيح مسلم عن أبي ذر]

 لأن عطائي كلام وأخذي كلام، كن فيكون.
 إذا توجهت إلى طلب شيء قد تبذل الجهد المضني، وقد تصل إليه، لو أردت أن تتوجه إلى حلب، فإنك تركب السيارة المكيفة المريحة، وتمضي بك ساعات تلو ساعات حتى تصل، يقول بعض العلماء: بمجرد أن تتعلق إرادة الله بشيء يوجد فوراً، هذا معنى كن فيكون، زُل فَيَزول، فلذلك:

 

﴿ مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾

 

 هذا مات في البحر، وهذا مات في الجو احترقت به الطائرة، وهذا مات على فراشه، وهذا دفن، وهذا لم يدفن، وهذا تفسخ... إلخ، كل هؤلاء الخلق إذا نفخ في الصور:

﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾

 ( سورة الزمر 68)

 انتهى الأمر.

 

﴿ مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾

 

2 ـ أعدُّوا لكل حركة وسكنة جواباً يوم العرض على الله:

 لأن الأمر كن فيكون، إذاً: الحركات والسكنات والنظرات كل شيء تفعله في الدنيا سوف يعرض عليك، وسوف يقال لك:

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾

 ( سورة الإسراء14)

 القضية كلها أن المؤمن يعيش، والكافر يعيش، لكن الفرق الجوهري بين المؤمن وغير المؤمن أن المؤمن يعيش ولا يغيب عنه لحظة أنه سوف يُسأل، وسوف يحاسَب، لذلك أنا إذا تكلمت، وأنتم إذا استمعتم، فهذا الكلام الذي ألقيه عليكم، وهذا الإصغاء الذي يبدو منكم، وهذا التوجيه حجة لي أو عليّ، وحجةٌ لكم أو عليكم، أنا لي حساب، وأنتم لكم حساب، كيف يحاسَب من يدعو إلى الله عز وجل ؟ يقول له الله عز وجل: هل كنت في مستوى دعوتك ؟ أمرت الناس بكذا، هل سبقتهم أم توانيت عن ذلك ؟ وأنتم لكم حساب المستمِع، استمعتم إلى الحق فهل طبقتموه ؟
 إذاً: لا الكلام وحده له قيمة، ولا الاستماع وحده له قيمة، الذي له قيمة أن أطبق أنا وأنتم، كلام يلقى على مسامعكم يُعد حجة عليّ إن لم أطبقه، ويعد حجة عليكم إن لم تستجيبوا له، ويعد حجة لي إن طبقته، وحجة لكم إن طبقتموه، فهنا المشكلة، فيجب أن تؤمن أنه لا بدّ من وقفة بين يدي الله عز وجل، لِمَاذا فعلت ؟ لماذا تركت ؟ لماذا قطعت ؟ ملاذا وصلت ؟ لماذا عاديت ؟ لماذا سالمت ؟ لماذا كنت ليناً في الموقف الذي ينبغي أن تكون شديداً ؟ ولماذا كنت قاسياً في الموقف الذي ينبغي أن تكون ليناً ؟ لِمَ لم تنصف ؟ لِمَ لم تعدل ؟ لِمَ لم تحسن ؟ لِمَ لم تنصح ؟ لِمَ لم تكن مستقيماً ؟ لِمَ لم تكن مخلصاً ؟ فلذلك:

 

﴿ مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾

 

 حتى إن السيدة عائشة رضي الله عنها تقول: يا رسول الله: أن يوم الحشر أيعرف أحدنا أحداً ؟ كل إنسان له حساب خاص، أنت تكلمت للناس عن الحق، تعال إلينا: لِمَ قلت كذا، ولم تفعله ؟ لِمَ زهدت الناس في الدنيا، وكنت متعلقاً بها ؟ لم أمرت الناس بكذا، ولم تأتمر به ؟ لماذا نهيت عن هذا، ولم تنته عمّا نهيت ؟ هذا حساب من يدعو إلى الله عز وجل.
 من يستمع: ألم يبلغكم الموضوع الفلاني ؟ الحكم الفلاني ؟ الأمر الفلاني ؟ النهي الفلاني ؟ لِمَ لم تطبق ؟ فليحذر كل منا أن يكون العلم حجة عليه، وليسْعَ ليكون العلم حجة له.

﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾

التهديد والوعيد في صيغة خبر: إِنّ اللهَ سَمٍيعٌ بَصِيرٌ:

 فهو ـ سبحانه ـ سميع بصير، إذا تكلمت سمعك، وإذا تحركت أبصرك، تكلم بفصاحة ما بعدها فصاحة، وطلاقة ما بعدها طلاقة، واذكر الحجج والأدلة والبراهين، وتفلسف، وتمنطق، وشقق الكلام، وتفيْقَهْ على الناس، وأظهر أنك من أولياء الله الصالحين، كل هذا لا قيمة له، إن الله سميع لقولك، عليم لحالك، تحرك حركة ظاهرة، يعلم السرّ وأخفى، هو إذا علمت أن الله يعلم انتهى كل شيء، إذا علمت أن الله يكشفك تماماً.. يكشف كل بواطنك وحركاتك وسكناتك، تزهد من الخلق، وتتعلق بالحق، ومن علامة الإيمان أن تدع الخلق جانباً، وأن تتجه إلى الله واحداً.

﴿ مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾

﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى(46)﴾

 ( سورة طه: 45 ـ 46 )

 إذا وصلت إلى مرتبة ترى أن الله معك فقد انتهى كل شيء، استقمت على أمره، أخلصت له، اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها، من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

((مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ ))

 

﴿ مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾

 تحرك، تكلم، تفلسف، بيّن، سوف تكشف على حقيقتك، وسوف تقف بين يدي الواحد الديان، لأنه سميع بصير، لذلك:

ليس من يقطع طرقاً بطلاً  إنما من يتقي الله البطل
***

 البطل يهيئ جواباً لكل موقف وقفه، إن كنت موظفاً فلك حساب خاص، لماذا عقدت الأمر على فلان ؟ لماذا بالغت في مشكلته ؟ لماذا جعلته ييئس من أن ينال الموافقة ؟ من أجل أن تبتز ماله، وأنا أرى كل شيء، وأعلم كل شيء، دخلك لا يكفي، أهذه حجة كافية أن تبتز أموال الناس ؟ إذا كنت طبيباً فلماذا بالغت في خطورة المرض من أجل أن يأتي إليك دائماً ؟ إذا كنت محامياً وتعلم علم اليقين أن هذه الدعوة خاسرة، فلماذا قبلتها ؟ وفي نيتك أن تخبره بعد سنوات عدة أن الدعوة لم تنجح، وأن القاضي لم ينصف، إن كنت طبيباً أو محامياً أو مدرساً تعلم أن هذا الطالب لا يمكن أن ينجح، فلماذا تبلغ أباه أن النجاح قريب ؟ من أجل أن تستمر في التدريس، لا ينجو إنسان من حساب الله عز وجل، لماذا أعطيت فلاناً وحرمت فلاناً ؟ لماذا حابيت هذا الولد، وأعطيته فوق ما أعطيت إخوته ؟
 كل حركة وسكنة، وكل موقف وراءه سؤال، فلذلك:

 

﴿ مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ ﴾

 

 بعثكم كخلقكم، كن فيكون في الخلق والبعث، بعد البعث هناك الحساب:

﴿ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ

 مرة ثانية، يَلفت اللهُ نظرَنا إلى بعض آياته، لتكون هذه الآيات دالة على عظمته، وعلى علمه، وعلى وعده، وعلى وعيده، يقول الله عز وجل:

 

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ﴾

 

1 – معنى: يولِج:

 معنى يولج أي: يدخِل.

 

﴿ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ﴾

 

 إنّ تداخل الظل مع النور لا يكون إلا في شكل الكرة، لو أن الأرض مكعبة الشكل فإن الظلام يظهر فجأة، والضياء يظهر فجأة، أما هذا التداخل اللطيف، التداخل المديد، التداخل الهادئ، قبل أن تغيب الشمس يضعف الضوء، يضعف نور الشمس، تصفر، وبإمكانك أن تنظر إليها من دون أن تنبهر، بعدئذ تغيب في الأفق، فيبقى الجو مضيئاً، بعد نصف ساعة يدب الظلام، بعد ساعة وربع تقريباً وهو موعد أذان العشاء يختفي النور، ويبقى الظلام، فإذا أذن الفجر ظهرت خيوط النور في الأفق الشرقي، تزداد هذه الخيوط إلى أن تضيء الأرض قبل أن تشرق الشمس، هذا معنى:

﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾

2 – دعوة إلى النظر والتأمل:

 هذا الكون بهذا النظام، بهذا الثبات، بهذا التداخل، شمس وأرض وقمر، كل يجري لأجل مسمى، ألا يكفي أن هذا تقويم، وهذه الحسابات حسبت منذ خمسين عاماً، التقويم الفلاني، عدّ خمسين عاماً يطلع الفجر الساعة الثالثة والدقيقة والواحدة، هذه الأرض الكبيرة بحركتها حول نفسها، وحركتها حول الشمس لا تقدُّم ولا تأخُّر، ما هذا النظام الدقيق ؟ ثبات في مواعيد الشروق والغروب خلال سنوات طويلة جداً، خلال عشرات، بل مئات السنين، بل آلاف السنين، هذه آية كبيرة، أنت متيقن غدا أنّ الفجر يؤذن الساعة الثالثة ودقيقة، الشمس 4.43، الظهر 11.45، العصر 3.27، المغرب 6.47، هذا لأي سنة ؟ لكل سنة، كل يوم من السادس والعشرين من تموز من كل عام الشمس تغيب في الساعة 6.46، ثبات هذا النظام أليس آية من آيات الله الدالة على عظمته.
 من مئة سنة، من مئتي سنة، من ألف سنة، وإلى ألف سنة قادمة، في اليوم السادس والعشرين من تموز تغيب الشمس الساعة 6.46، أتظنون أن كل سنة تُدرى حسابات ؟ لا، مرة واحدة فقط، يطبعوها كل سنة، إنه ثبات عجيب، إذاً:

 

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ ﴾

 

 يولج الليل في النهار بلطف، أحياناً يكون الإنسان نائماً فيتألق المصباح الشديد فجأة، فيحس بآلام في عينيه، بانبهار، وأحياناً يكون الضوء شديدا فتنقطع الكهرباء فجأة، فيقع في حيص بيص، لم يعد يرى بعينيه، لكن ربنا عز وجل بلطفه تغيب الشمس بلطف شديد، وتشرق بلطف شديد.

﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾

 أليست هذه آية دالة على عظمة الله عز وجل ‍؟

﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ﴾

وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ

معجزة الشمس:

 العلماء طمأنونا، الحمد لله، فقالوا: الشمس تبقى متألقة ومشرقة إلى خمسة آلاف مليون عام، اطمأنوا فالشمس لن تنطفئ، وقالوا: هي متألقة ومتأججة منذ خمسة آلاف مليون عام أيضاً، أي عشرة آلاف مليون عام، هذه الشعلة لم تنطفئ، ولم تَخْبُ، ولم تضعف، هل يوجد إنسان عنده جهاز وقود يشتعل من دون وقود باستمرار ؟ ما هذا الإعجاز في خلق الشمس ؟ ما هذه الدورة المستمرة في نشر الطاقة ؟! والحديث عن الشمس طويل.
 أحد ألسنة اللهب في الشمس يزيد على نصف مليون كيلو متر، في سطحها ستة آلف درجة، لكن في وسطها عشرون مليون درجة، لو ألقيت الأرض في الشمس لتبخرت بسرعة كلها تصير بخاراً.
 تتسع الشمس إلى مليون وثلاثمئة ألف أرض، وبين الشمس والأرض مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، ومع ذلك يصاب الإنسان بضربة شمس، ويموت على بعد 165 مليون كيلو متر، وإذا جئت بعدسة محرقها يحرق الورق، كثير من الحالات حدث حريق من الشمس فقط، حريق غابات، حريق صهاريج بترول من أشعة الشمس فقط، نحن على بعد 165 مليون كيلو متر، وهي بهذه الحرارة، منذ متى ؟ منذ خمسة آلاف مليون عام، وتستمر حسب قول العلماء إلى خمسة آلاف مليون عام قادمة.

 

﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴾

 

 ( سورة التكوير1)

 مَن أمدّها بالطاقة ؟

 

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾

 

 لا بدّ من أجل تنتهي به حركة الأفلاك.

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾

وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ

 خبير بالعمل، هناك إنسان يرى العمل، وهناك إنسان خبير به، قد تقدم مقالة إلى إنسان فيعجب بها، لكنّ هذا الذي قرأها ليس خبيراً بها، قد يعجب بها، وفيها أخطاء كثيرة، أما إذا عرضتها على خبير فإنه يكشف لك آلاف الأخطاء، إذا عرضت آلة على إنسان غير خبير يقول لك: والله شيء جميل، ما شاء الله، رائع، أما إذا عرضتها على خبير ينظر إليها يقول: هنا في غلط، فالبطولة أن يكون عملك مُرْضياً عند الخبير لا عند الجاهل، فربنا عز وجل يقول:

 

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾

 

 يعرف العمل، يعرف حجمه، يعرف دوافعه، يعرف غاياته، يعرف ملابساته، يعرف تضحياته، والدوافع، والأهداف، كل شيء حول العمل يعرفه الله معرفة تامة.

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ ﴾

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ

1 – وجود الله حقيقة ثابتة:

 هذه الآية دقيقة، في هذا الكون حقيقة واحدة هي الله، كل شيء يوصلك إليها، ويزيدك معرفة بها فهو الحق، وكل شيء يزيدك بعداً عنها هو الباطل، فالحق مقرّب، والباطل مُبعِد، والأصل أن الحقيقة الأولى والأخيرة ولا حقيقة سواها أن الله موجود، وأنه واحد، وأنه كامل، وأنت مخلوق خلقك ليسعدك إلى الأبد، تسعد بمعرفته وبطاعته وبخدمة خَلقه، لذلك هذه حقائق مكثفة جداً.

 

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ﴾

 

2 – معنى الحق والباطل:

 الحق هو الشيء الثابت، ومعنى الباطل الشيء الزائل، نظرية تنتشر في العالم سبعين عاماً، تتبناها أمم وشعوب، وبعد ذلك تنهار.. وتتهاوى.. وتتساقط، وكأنها بناء هش، لأنها باطل، الباطل مصيره الزهوق.

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾

 ( سورة الإسراء 81)

 الحق ثابت، فمهما هبّت على الدين عواصف عاتية، فهو شامخ كالجبل، لأنه حق، وهو الشيء الثابت، كل النظم الوضعية لم تحقق أهدافها، بل ربما أدت بالإنسان إلى عكس الأهداف التي رسمت لها، لأنها باطل، أما نظام الله عز وجل.. كتاب الله عز وجل.. دين الله عز وجل فهو ثابت وشامخ، لأنه حق.
 إذاً: معنى الحق: الشيء الثابت، ومعنى الباطل الشيء الزائل، هناك شيء يبنى ليهدم، لكن هناك شيء يبنى ليبقى، فأنت إذا كنت مع الحق كنت مع الله.

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(63)﴾

 (سورة يونس 62-63)

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ ﴾

3 – الحق باق والباطل زاهق:

 الله هو الحق، وكتابه حق، ودينه حق، وشرعه حق، وأمره حق، ونهيه حق، ووعده حق، ووعيده حق، والجنة حق، والنار حق، معنى حق أي ثابت، وسوف يقع، إذا اعتنقت فكرة باطلة مهما بالغت بها.. مهما قويتها.. مهما فلسفتها.. مهما نميتها.. مهما دعمتها.. مهما أغريت الناس بها فهي باطلة، لا بدّ من أن تسقط، أما إذا اعتنقت الحق، فالحق وحده باقٍ، لذلك كن مع الحق، إذا كنت مع الحق فأنت الموفق.. وأنت الفالح.. وأنت الناجح.. وأنت الفائز.. وأنت السعيد.
 القضية خطيرة جداً، لو فرضنا إنساناً بنى بناء حقاً وبناء باطلاً، البناء الحق أساسه ثابت.. مبني وفق أصول صحيحة.. مواده الأولية جيدة.. تسليحه جيد.. أرضه صلبة.. إقامته ناجحة.. خبراء كبار أنشئوه.. مواد أولية بذلت بسخاء، بناء آخر باطل أساسه ضعيف.. مواده الأولية مغشوشة.. الحديد أقل من نسبه الحقيقية، فأنت إذا أقمت في البناء الباطل لا بدّ من أن ينهار، أما إذا أقمت في البناء الحق هو ثابت ثبات الأيام.

 

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ ﴾

 

4 – إذا لم تكن على حقٍّ فأنت يقينًا على باطل:

 أي إذا لم تكن على الحق فاعلم علم اليقين أنك على الباطل، إن لم تطبق أمر الله في هذا الموضوع فأنت في الباطل، ليس هناك حقين بل حق واحد، وما سوى الحق باطل.
 القضية خطيرة، إن لم تقف في هذا الموقف وفق ما أمر الله فأنت تقف موقفاً باطلاً، والباطل زائل أي أن ثماره كلها زائلة، تزول الثمار ويبقى الحساب، أما الحق فيبقى وتبقى آثاره بعد الموت، الباطل تزول ثماره إن كان له ثمار، وتبقى تبعاته، أما الحق فتثبت ثماره في الدنيا وفي الآخرة.

 

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ ﴾

 

مِن معاني: أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ

 ومن معاني أن الله هو الحق: أنه لا بدّ من أن يظهر الحق، مهما امتدّ الباطل، ومهما اتسعت رقعته، ومهما اشتط، ومهما علا، ومهما تجبر فلا بدّ من أن يُظهر الله الحق، ولا بدّ من أن يؤيده، وهذه سنة ثابتة من سنن الله عز وجل، هو الحق، ولا بدّ من إظهار الحق، فاجهد أن تكون مع الحق، لأنك إن كنت مع الحق سعدت في الدنيا والآخرة.

 

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾

 

وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ

معنى: الله أكبر:

المعنى الأول:

 أنت تقول: الله أكبر، معنى الله أكبر، أنه إذا جاءك ضغط من إنسان تراه قوياً فالله أكبر، إذا جاءك إغراء من جهة معينة، قل: الله أكبر، أيْ أنّ ما وعدني الله به في الجنة أكبر من كل هذه اللذائذ، والإنسان بين ضغط وإغراء، وامتحان الله عز وجل، فإما أن يغريك، وإما أن يضغط عليك، فأنت بين جاذب وبين دافع، فإذا جَهدتَ ألا تستجيب لأي إغراء باطل، وألا تستجيب لأي ضغط باطل، وكنت مع الحق، يتجلى الله سبحانه وتعالى على قلبك، ويحميك، ويوفقك.

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾

المعنى الثاني:

 لكن هناك معنى آخر، إذا قلت: الله أكبر، معنى الله أكبر أنه أكبر مما عرفت، فمهما عرفت عن جلال الله، وعن قدرته، وعن علمه فهو أكبر.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018