الدرس : 10 - سورة لقمان - تفسير الآيات 21 - 26 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 10 - سورة لقمان - تفسير الآيات 21 - 26


1991-07-19

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم، مع الدرس العاشر من سورة لقمان، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾

نقاط تذكيرية للدرس السابق:

النقطة الأولى: الكون مسخّر للإنسان:

 اتضح لكم في الدرس الماضي كيف أن الله سبحانه وتعالى سخر الكون كله لهذا الإنسان، والمسخَّر له دائماً أكرم على الله عزوجل من المسخَّر، إذاً: الإنسان هو المخلوق الأول.

 

النقطة الثانية: تسخير التعريف وتسخير التكريم:

 أن هذا التسخير هو تسخير تعريف وتسخير تكريم، ورد فعل التعريف هو الإيمان، ورد فعل التكريم هو العرفان والشكران، لذلك قال الله عز وجل:

 

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾

 ( سورة النساء 147)

 إذا عرفت، وشكرت حققت الهدف من وجودك، إذا عرفت، ولم تشكر كمعظم الناس، أو أن تشكر من دون أن تعرف هذا لا يكون.

 

النقطة الثالثة: كل شيء في الكون يرشد إلى الله:

 إذاً: الكون مسخر من أجل هذا الإنسان تسخير تعريف وتسخير تكريم، عن هذا عبّر النبي صلى الله عليه وسلم، فكان إذا:

 

 

((رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرٍ، وَرُشْدٍ هِلَالُ خَيْرٍ ))

 

[سنن أبي داود عن قتادة ]

 ينفعنا في الدنيا، ويرشدنا إلى خالقنا، وهذا يجب أن ينطبق على كل شيء في الكون، فإذا أمسكت بكأس ماء، وشربته فهذا الماء خير لجسمك، ورشد إلى ربك، الطعام الشراب، ابنك، الشمس، القمر، الأسماك، الأطيار، النباتات، الأشجار، الخضراوات، أي شيء تراه عينك خير لك، أي مسخر لك تكريماً وتعريفاً، فينبغي أن تؤمن، وأن تشكر، فإذا آمنت، وشكرت توقفت عنك المعالجة.
 عندما يقرر طبيب استئصال كلية لمريض، والدليل أنها متوقفة عن العمل، قبل أن يجري العملية لا بدّ من صورة جديدة، فإذا صورت الكلية مجدداً، واتضح أنها تعمل هل بقي للعملية مسوغ ؟
 آية رائعة جداً:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾

 هذا العذاب، هذا الضيق، هذا الفقر، هذا الإلجاء، هذه المشكلات التي تضغط على الإنسان لماذا ؟ الجواب واضح:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾

 هناك ضعف في الإيمان، أو ضعف في الشكر، إذاً: هذا معنى قول الله عز وجل:

 

﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾

 

النقطة الرابعة: علاقة الإنسان بالمجرات البعيدة:

 قد يسأل سائل: ما علاقتنا بالمجرات البعيدة ؟ وكيف أنها سخرت لنا ؟
 الإجابة عن هذا السؤال: إما أن يكون التسخير مباشراً أو غير مباشر.

 

﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾

 

النقطة الخامسة: معنى النعم الظاهرة والنعم الباطنة:

المعنى الأول:

 حدثتكم في الدرس الماضي كيف أن هذه النعم الظاهرة التي تعارف الناس على أنها نعم،كنعمة الصحة والفراغ، والمال والوجاهة، والمكانة والزواج الناجح والأولاد الأبرار، والمنزل الواسع، هذه كلها نعم، ألوان الأطعمة والأشربة هذه ظاهرة، أما الباطنة هناك من النعم الباطنة ما لا سبيل إلى حصره، بالمعنى الأول نعم، البكتيريا في الأرض، الخلايا التي في الدماغ، الأجهزة الدقيقة جداً في جسم الإنسان هذه نعم لا تعرفها أنت إنها نعم باطنة.

المعنى الثاني:

 أن كل مصيبة يسوقها الله عز وجل للإنسان تكون هذه المصيبة سبباً في هدايته، إنها من النعم الباطنة، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((عَجِبْتُ لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، لَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، وَكَانَ خَيْرًا، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، وَكَانَ خَيْرًا ))

[ مسند الإمام أحمد ]

النقطة السادسة: معنى: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ

 أما معنى:

﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ﴾

 فإنّ إسباغَ النعمة إتمامُها وتوسعتها.
 أحياناً بعد أن تأكل يُقدَّم لك الفواكه، وبعد الفواكه الحلويات، وبعد الحلويات القهوة أو الشاي، وبعدها تُعطَّر، وبعدها تودَّع إلى خارج البيت، وقد تعطى هدية، والعوام يقولون: المعروف بالتمام.

﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ﴾

 أي أتمها وأعطاكم تفصيلاتها وجزئياتها ظاهرة وباطنة.

 

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ ﴾

 

النقطة السابعة: مع كلّ هذه النعم وكان الإنسان أكثرَ شيء جدَلاً:

 كل هذه النعم، نعمة الوجود، نعمة الإمداد، نعمة الإرشاد، نعمة الأمن، نعمة الاستقرار، نعمة الأجهزة السليمة، نعمة الحياة الأسرية، نعمة أنك وجدت لتعرف الله عز وجل، نعمة أنك المخلوق الأول المكرم، كل هذه النعم ومع ذلك فأنت ـأيها الإنسان ـ تجادل.
 مرة كنت أودِّع صديقاً لي في المطار، رأيت طفلاً صغيراً يركض في أبهاء المطار، وسطه كرة، وضع له فوط كثيرة، والسبب معروف، قلت: هذا الطفل بهذا المنظر حينما يكبر، ويصبح شخصية مهمة، وينسى أن الله خلقه من لا شيء، أو خلقه من ماء مهين، ينسى أن الله عز وجل أنعم عليه بالإيجاد، أنعم عليه بالإمداد، كل هذه النعم ينساها، ويجادل، ويقول لك: هات دليل مادي على وجود الله ! انظر كيف يكفر الإنسان.
 قيل: يا إمام: متى كان الله ؟ فقال: ومتى لم يكن، متى غاب حتى يحتاج إلى دليل.
 المؤمن يرى الله في كل شيء،

وفي كل شيء له آية  تدل على أنه واحد
***

 حينما يكبر الإنسان ينبغي أن لا ينسى طفولته، كيف كان ضعيفاً، كيف أودع الله في قلب أمه الرحمة، كيف سخر له أباً يعمل بجد، تعب ليقدم له حاجاته الأساسية، كيف عاش بين أسرة تحبه، كيف أسبغ عليه جمالاً ووداعة، ولطفاً وصفاءً وذاتية، الأمر الذي جعل أهله يقدمون له كل ما يحتاج عن طيب خاطر، أليست هذه نعم جليلة !

 

﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ ﴾

 

 والآية دقيقة جداً، لم يقل: والناس، قال: ومن الناس، بعض المعرضين، بعض الكفار، بعض المنافقين، بعض المقصرين، بعض المشركين.

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾

النقطة الثامنة: المجادلة في الله بغير علمٍ مِن أعظمِ الذنوب:

 لا يملك حجة عقلية دامغة، لأن العقل مقياس أودعه الله فينا، ومستحيل أن يأتيك العقل بحجة على عدم وجود الله، بالعكس الإيمان بالله بالفطرة وبالعقل وبالواقع وبالنقل، فهذا الذي يجادل بغير علم، أيْ لا يملك حجة منطقية صحيحة مقنعة على ما يذهب إليه، دعوته هواء، دعوته بلا أساس، دعوته بلا مقدمات صحيحة، إذا توصل إلى نتائج فالمقدمات غير صحيحة، والمقدمات لا تؤدي إلى هذه النتائج.
 ليس من الممكن أن يملك الإنسان عقلاً راجحاً وأن يهديه عقله إلى الضلال... هذا مستحيل، إلا أن يجعل من عقله أداة لشهواته، العقل المطلق لا يمكن إلا أن يوصلك إلى الله، أما العقل الذي يسخره الإنسان لمصالحه فإنه ينطق عن الهوى، والنبي عليه الصلاة والسلام بماذا وصفه الله ؟

 

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) ﴾

 ( سورة النجم 4)

 أمّا في آخر الزمان فهناك أشخاص كثيرون، وما أكثرهم ينطقون عن الهوى، ويتحدثون بحديث يخدم مصالحهم، ويركز فيهم شهواتهم، إذاً: كلامهم أساسه الهوى، وليس أساسه الحق، لذلك قالوا: هناك منطق تبريري، وهناك منطق تقريري، إذا كنت حيادياً ومنطقياً يكون عقلك هادياً لك إلى الحق، أما إذا أردت أن تكون الشهوات هي الأصل، وأنت مصرّ عليها عندئذ تستخدم العقل الذي أودعه الله فيك تبريراً لشهواتك، ولكن هذه الحجج المزيفة لا تلبث أن تتهافت أمام النقل الصحيح وأمام المنطق القوي.
 فإذا أردت أن تجادل يجب أن تجادل عن علم، فلان طبيب متخصص، متبحر، متفوق، فإذا أراد أن يكشف أن في القرآن خللاً، ولن يستطيع ذلك، ما من آية وردت في كتاب الله إلا والحقائق العلمية القطعية الدامغة تؤيد كلام الله عز وجل، القرآن كلام خالق الكون، والأفعال أفعاله، والكون خلقه، والفطرة طبيعة أودعها الله في الإنسان، إذاً: لا بدّ من أن تلتقي حقائق الكون مع حقائق القرآن مع حقائق الفطرة.
 إذاً:

 

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾

 

النقطة التاسعة: ما هو الهدى في هذه الآية ؟

القول الأول:

 الهدى كما قال بعض العلماء: السنة، أي ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، ليس متبحراً في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله، ولا يملك الحجة الدامغة.

القول الثاني:

 وبعضهم قال: الهدى الإلهام، لا إلهام له، ولا علم له، ولا يستند إلى كتاب من عند الله عز وجل، وكأن الله عز وجل بهذه الكلمات الثلاث أشار: إما إلى علم تجريبي مستنبط من الواقع، وإما إلى إلهام إشراقي، وإما إلى علم بكتاب الله عز وجل يقيني، فإن لم تملك علماً بكتاب الله، ولا إشراقاً نفسياً، ولا علماً منطقياً بحجة دامغة فلماذا تجادل ؟

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا ﴾

النقطة العاشرة: اتباع التقاليد حجة الجاهلين والضعفاء:

 انظر، الناس دائماً يألفون ما شبوا عليه، فكل إنسان شبّ على شيء شاب عليه، التكليف مُكلف، التكليف يحتاج إلى إرادة، أما إذا ضعفت الإرادة، والإنسان أراد أن ينساق مع بيئته مع مجتمعه، مع معطيات محيطه، أن ينساق مع ما ألِفه، ومع ما نشأ عليه هنا المشكلة، أن يعطل الإنسان عقله، وأن ينساق مع محيطه، لذلك يميل الناس.
 الديانات الوضعية الأرضية التي تؤلّه أشخاصاً أو أصناماً لماذا هي منتشرة ؟ هذا سؤال كبير، ديانة السيخ مثلاً في الهند، والهندوس، ديانات كثيرة جداً تؤمن بصنم، تؤمن بإله من بني البشر، إما الشمس، أو القمر، أو البقر، وبالمناسبة أكبر قطيع بقر في العالم موجود في الهند، 360 مليون بقرة، لأنهم يعبدونها من دون الله، ولا يذبحونها، فهي تعيش في بحبوحة، وفي رعاية تامة لجهل أهلها.
 إذاً: لماذا يؤثر الناس أن يتبعوا هذه الديانات ؟ لأنها بلا منهج، بلا أمر، بلا نهي، افعل ما تشاء وصدقنا، اعتقد بنا وافعل ما تشاء، فالقضية غير مُكلفة، أما المؤمن حينما يقرأ كلام الله عز وجل فالإله له أمر ونهي، الشهوات يجب أن تنضبط بالشرع، كسب المال يجب أن ينضبط، الحركة منضبطة بمنهج، لذلك الدين الحقيقي مكلف، لأن الجنة لها ثمن باهظ، من طلب الجنة بغير عمل فقد أذنب، طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب.
 تجد الدعوات الأرضية انتشارها واسع جداً، السبب: أن هذه الدعوات لا تكلفك شيئاً، تعطيك الحرية أن تفعل ما تشاء، أن تنطلق في الحركة كما تشاء، افعل ما تشاء، وكن موالياً لنا، اعتقد بنا وانتهى الأمر، لكن منهج الله عز وجدل ليس كذلك، منهج الله عز وجل يأمرك وينهاك، فلذلك لا بدّ للأنبياء من أعداء.

 

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ ﴾

 ( سورة الفرقان 31 )

 هؤلاء المتضررون من دعوات الأنبياء يعادون الأنبياء.

 

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾

 

لا تشريع إلا ما شرع الله ورسوله

 بأمر الله، ليس هناك زنى، ليس هناك خمر، ليس هناك عدوان على الأموال، ليس هناك ربا، ليس هناك تجاوز، ليس هناك أكل مال بغير حق، ألا إن سلعة الله غالية، الجنة ثمنها باهظ، وهو أن تنضبط، وسمي التكليف تكليفاً، لأنه ذا كلفة، وما من أمر إلهي إلا ويتعارض في ظاهره مع طبع الإنسان، الطبع يميل إلى النوم الأمر قم وصلِ الفجر، الطبع يميل إلى أكل المال التكليف أنفق المال، الطبع يميل إلى إطلاق البصر التكليف غض البصر، الطبع يميل إلى إخراج الغيظ الأمر كظم الغيظ، الطبع يميل إلى الزوجة، ويكره الأم، وقد تقدم بها السن، وأصبحت عبئاً، والتكليف أمر ببرّ الوالدين، الطبع بقول لك: تحدث عن فلان، ماذا فعل، فقصته رائعة جداً، تسلي الحاضرين، تحدث عنها، والتكليف ولا يغتب بعضكم بعضاً، الطبع والله فلان له شكل مضحك، قلَّده، أضْحك الآخرين، و التكليف:

﴿ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ ﴾

﴿ لاَ يَسْخَرْ قَوْمُ مِنْ قَوْمٍ ﴾

 إذاً: حينما تطيع الله عز وجل تبذل كلفة، وهذه الكلفة هي ثمن الجنة، تصور أن أمر الله عز وجل يتمشى مع طبعك تماماً، لا تُعدُّ هذه الطاعة طاعة، لا قيمة لها إطلاقاً، تصور إنساناً في درجة عطش شديد، وقلنا له: إن الله يأمرك أن تشرب الماء البارد، يقول: الله يجزيك الخير، ماذا فعل هذا ؟ إنسان عطشان، وأبلغته أن أمر الله أن يشرب ماءً بارداً، فإذا جاء أمر الله عز وجل موافقاً للطبع لم يعد طاعة، ولا قيمة لهذا الأمر، لذلك أمر الله مكلف، قال عليه الصلاة والسلام:

 

((إن عمل الجنة حزن بربوة، وإن عمل النار سهل بسهوة ))

 

[ مسند أحمد عن ابن عباس ]

 إن الإنسان يتعامل مع شهواته، مع بيئته، مع تقاليده، مع عاداته، مع ما نشأ عليه، مع راحة جسده، مع متطلبات نفسه، فتجد أن عمل النار سهل بسهوة، وليس غريباً أن تجد مشقة في طاعة الله، المشقة في طاعة الله هي ثمن الجنة، فلذلك:

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا ﴾

 الاختلاط محبب للإنسان، طبعاً إذا كان بمنطق الشهوة، إذا كان الإنسان جالساً في مجلس فيه نساء يبدو منهن ما يجب أن يخفى، وهو يُمَتِّع نظره بهن، هذه الجلسة المختلطة أحب إلى نفسه من عدم الاختلاط، لكن الله عز وجل نظم لك العلاقات الاجتماعية، وجعل شهواتك التي أودعها فيك لها قنوات نظيفة، هذه الشهوة مسموح لك أن تستمتع بها مع زوجك فقط، وما سوى ذلك يجب أن تغض البصر، أما أهل الدنيا فكل ذلك عندهم مباح.
 فلذلك حينما يستقيم الإنسان على أمر الله يشعر أنه عمِل عملاً عظيماً، يشعر أن الله يحبه، أن الله راض عنه، حينما يترك شهوات الدنيا يتجلى الله عليه بسعادة عليا، لذلك قال أبو يزيد البسطامي رحمه الله تعالى: " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عيه بالسيوف ".
 كنت أقول لكم من قبل: حياة المؤمن نظيفة، ليس في حياته التواء، وخيانة، وموقف مبطن، وخداع، وعلاقات مشبوهة، وعمل في الظلام، وبيت آخر غير بيته الصحيح، وامرأة أخرى في حياته غير زوجته، حياة المؤمن حياة نظيفة واضحة، فلذلك أكبر غلط يقع فيه الإنسان أن يعدّ ما ألفناه في بيئتنا مشروعاً، يجب أن تزين ما ألفته في بيئتك بميزان الشرع، هكذا المؤمن، والله الناس كلهم هكذا، يقولون: هذا كلام مضحك، هكذا نشأنا، هكذا تربينا، هكذا أهلي، هكذا أبي علمنا، هكذا عشنا في بيت واحد، لا يوجد عندنا حاجب وبواب، نحن لا نحب التفرقة، هذا كله كلام غير مقبول، من أنت حتى تشرع ؟ خالق الكون شرع لك، لذلك لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، يقول لك: هذه مثل أختي، لا، ليست مثل أختك، هذه أجنبية عنك، أختك من أمك وأبيك.

﴿ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ﴾

[ سورة المجادلة: 2 ]

 لا أن لا يتجاوز الإنسان الحدود، وألا يتعدى، وألا يشرع، وألا يقنن من عنده، وألاّ يتفلسف على الشرع.

 

﴿ قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ ﴾

 

 ( سورة الحجرات 16)

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾

 الحقيقة أنّ المؤمن أيها الإخوة الأكارم كما وصفه الله تعالى:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

 (سورة الأحزاب 36)

 من أُولى صفات المؤمن أنه إذا ثبت له أن هذا كلام الله، وأن هذا الكلام هكذا تفسيره عندئذ يُلغى اختياره، تختار أن تشتري هذا البيت أو هذا البيت، أن تخطب هذه الفتاة، أو هذه الفتاة، أن تسافر أو لا تسافر، أن تعمل أو لا تعمل، أما أن تختار أن تطيع أو لا تطيع فليس هذا من شأن المؤمن.

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

 إذا كنت مؤمناً حقاً فليس لك خيار أمام أمر الله عز وجل لك، إذا كنت مؤمناً حقاً أمام أمر الله، وما صح من حديث رسول الله، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ليس لك رأي، تقول: أنا رأيي كذا، معقول هذا الحكم، أم غير معقول ؟ الوقت صعب، نحن في آخر الزمان، العالم تبدل، العصر عصر علم، لم يعد هناك هذه التعقيدات، هذا كله كلام الجاهلية، إذا كان هذا أمر الله ثابتاً عندك يجب أن يُلغي اختيارك، هذا معنى الآية.

 

﴿ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾

 

لا دعوة للشيطان إلا إلى النار:

 الشيطان يدعوهم عن طريق التمسك بآبائهم وأجدادهم وتقاليدهم وعاداتهم إلى عذاب السعير، وأقرب مثل إلينا دمشق المسلمة المؤمنة، يقول لك: هذه الشام الشريفة، والدين في الشام، إذا كنتَ ترى العريس إذا لم يدخل بين النساء الكاسيات العاريات، ولم يجلس على كرسي أمام كل هؤلاء النساء شبه العاريات فعمله مستهجن في رأي الناس.
 وقد تجد في بعض الحفلات يقولون: نريد أن نصور المدعوات، وهنّ في أبهى زينة، ونقتني الشريط ونعرضه، هذه امرأة فلان، أيُّ دين هذا ؟ أيُّ شرع هذا ؟ هكذا التقاليد الآن، إذا لم يكن في حفلة العرس تصوير فليس لها بهجة، والتصوير يعني أن كل هؤلاء النسوة يعرضن أمام رجال أجانب، ويراها في أبهى زينتها.
  فلذلك أيها الإخوة الأكارم... ما دمنا وصلنا إلى هذه الآية، هذه التقاليد البالية والعادات والأعراف، وأصول الاستقبال، دخل إلى البيت الزوج فقالت: ليس هنا، تفضل، أهلاً وسهلاً، تستقبل الزوجة صديق زوجها قبل أن يأتي، كل هذه الصفات، كل هذه المعطيات الغربية التي جاءتنا من الغرب، هذه لا أصل لها في الدين، فالمسلم الحقيقي الذي يطبق أمر الله ويجعل من بيته بيتاً مسلماً، قال تعالى:

 

﴿ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾

 

دعوةٌ من القلب إلى تطبيق عمليّ لهذه الآية:

 أرجو أن يكون هناك تطبيق عملي لهذه الآية، الذي أتمناه على كل أخ حاضر، وهو يعلم أن سماع الدرس سهل، أما البطولة فأن تأخذ هذا الكلام مأخذ الجدية، أن تتعامل مع هذا الكلام تعامل رجلٍ، لا حل وسط في هذا الأمر، إما أن تردّ عليه، وإما أن تتبناه، إن كان معك حجة فردّ عليه، وأنت بين أمرين، إما أن تكون مع شرع الله، أو مع التقاليد والعادات، وكم من شاب انتكس نكسة كبيرة، لأنه استجاب لأهله، وأذعن إلى عاداته وتقاليده.
 إنّ أي مجتمع إذا بنِيَ على معصية، فهؤلاء المجتمعون على معصية لصالحهم ألا يسمحون لآخر يطيع الله بينهم، لأنه إذا أطاع الله بينهم كشفهم، وعرّاهم، لذلك ينقَضُّون عليه، والمجتمع الغارق في المعصية ينقض على كل إنسان يريد أن يقيم أمر الله عز وجل، يتهمونه بالتعصب، يتهمونه بالتزمُّت، يتهمونه بالمحدودية، يتهمونه بأنه لا يعيش روح هذا العصر، وليس واقعياً، هذا كلام أهل الدنيا.
 فلذلك لا تذوق طعم القرب من الله عز وجل، لن تقطف ثمار الدين إن لم تستقم على أمر الله، إن لم تضع كل العادات والتقاليد، وهذا الذي جاءتنا من الغرب (الإتيكيت)وتعاملات، إن لم تضع كل هذا تحت قدمك فلن تكون مؤمناً، من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس فيه، فإذا أردت التطبيق العملي لهذه الآية فراجع نفسك، هل في بيتك معاصٍ ومخالفات وتساهلات إيثاراً للعادات والتقاليد التي نشأت عليها على شرع الله وأمره ؟

 

صورٌ من واقع اتباع التقاليد على حساب الشرع:

 

1 – الاختلاط:

 نحن نخجل أن نقول: إن زوجتي أجنبية على فلان، نستحي أن لا نجلس في جلسة مختلطة، كيف بالإمكان أن تصلي صلاة فيها إقبال على الله عز وجل، وقبل قليل كنت في معصية، مع أنه لا يحق لك أن تنظر إلى امرأة أجنبية لا تحل لك، فضلاً عن أن تلقي بعض الكلمات المضحكة، وأن تضحك الحضور نساء ورجالاً، والاختلاط هو أحد أنواع المعصية.

 

2 – عاداتٌ في البيع والشراء:

 في البيع والشراء هناك كثير من عادات، يقول لك: بذمتي، بأمانتي، وكلها أيمان كاذبة، هكذا السوق كله، وإذا ما كذبنا لا نربح، من قال لك ذلك ؟ كل حرفة فيها معاصٍ كثيرة، هذه فيها غش، وهذه فيها كذب، وهذه فيها وعد كاذب، هذه فيها تدليس، هكذا أهل الحرفة يقولون، حتى في بعض المهن هناك فروق، وبعض المخالفات، تجده ماشياً حتى في بيع السَّلَم، بيع الوعد.

 

 

3 – مقالةٌ إبليسية: هكذا الناس !!!

 أنا أتمنى، أن نترك كلمة: (هكذا الناس )، نحن مع المجموع، هكذا نشأنا، هكذا أهل قريتنا، هكذا علّمني أهلي، أين تسير ؟ قف، وراجع كل علاقاتك، راجع كل العادات والتقاليد، راجع كل المعطيات في البيت وفق كلام الله عز وجل، هذا إذا كنت مؤمناً صادقاً، إذا أردت وجه الله عز وجل، إذا أردت أن تقطف ثمار إيمانك، إذا أردت أن يحبك الله ورسوله، فلا تقبل شيئاً إلا بدليل قطعي، ولا ترفض شيئاً إلا بدليل قطعي.

 

 

4 – من تقاليد الجنائز غير المشروعة:

 النبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال ؟ قال:

 

 

((اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَإِنَّهُ قَدْ أَتَاهُمْ أَمْرٌ شَغَلَهُمْ ))

 

[ أبو داود عن عبد الله بن جعفر]

 هذا أمر نبوي ؛ أن يقدم الطعام لأهل الميت، الآن بالعكس، أهل الميت فوق مصيبتهم الكبيرة التي قصمت ظهرهم عليهم أن يهيئوا طعاماً لكل من عزّاهم، هذا الطعام أنا أتمنى ألا تحضروه، لأنه خلاف الشرع، الشرع يقول:

((اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَإِنَّهُ قَدْ أَتَاهُمْ أَمْرٌ شَغَلَهُمْ ))الأولى أن يقدم الطعام لأهل الميت، لأنه جاء ما يشغلهم، أما أن يكلف أهل الميت بإطعام الطعام، وتأمين الطعام الطيب والحلويات والفواكه والطاولات والكراسي فهذه مخالفة للسنة، هذه عادة من عاداتنا السائدة في مجتمعنا المخالفة للسنة.

5 – من تقاليد عيادة المرضى:

 قد يزور الإنسان مريضاً، والنبي الكريم يقول:

 

((من عاد مريضاً فأكل عنده شيئاً فهذا حظه من عيادته ))

 

[ الجامع الصغير عن أبي أمامة بسند ضعيف]

 هكذا التوجيه، لكن الناس يقولون: هل من المعقول ألاّ نضيفه قهوة ؟ هذه غير معقول، هذا جاء يعود هذا المريض، وفي التوجيه النبوي حِكمٌ نبوية كبيرة جداً، لعل هذا العائد الذي يعود هذا المريض يخشى من العدوى، فإذا قُدِّم له شرابٌ قد يتحرج، فقد يكون معه التهاب كبد، أو مرض مُعْدٍ، أنا لا أريد أن أشرب شيئاً، لا يمكن، أنت ضيفنا ! أهلاً وسهلاً، يا أخي هذا توجيه النبي عليه الصلاة والسلام، فقد يتحرج الزائر من أن يأكل شيئاً خوف العدوى، وقد يقدم فاكهة طيبة أمام المريض، وقد منع منها فيزداد ألمه، وقد يكلف أهل المريض في أن يقدموا الضيافة، وهم في شغل عن تضيف الضيوف، فالنبي الكريم وجهنا أنك إذا عدت مريضاً ينبغي ألا تأكل عنده شيئاً، فإذا أكلت شيئاً فهذا حظك من عيادته، ومن عاد مريضاً فكأنما خاض في الرحمة خوضاً.

 

6 – من التقاليد الخطيرة في السعي في التزويج:

 الآن الكلام الشائع: امش في جنازة ولا تمشي في زوج، ماذا تريد بوجع الرأس، غداً يتعبونك، العريس والعروس أخي أنت كنت السبب تعال وحلّ مشكلتنا، اسمع ماذا قال النبي، قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

((من مشى بتزويج رجل بامرأة كان له بكل كلمة قالها، وبكل خطوة خطاها، عبادة سنة، قام ليلها وصام نهارها ))

 

[ ورد في الأثر ]

 هكذا توجيه النبي، نحن بحاجة ماسة إلى السنة النبوية، أن نعود إلى السنة، كيف عامل النبي أصحابه، لا تقل: أنا ما عرفوا قدري، من أنت ؟ النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

((وأنا عليّ جمع الحطب، فقال أصحابه نكفيك، قال: لا، أعلم ذلك، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه ))

 

[ ورد في الأثر ]

 الآن العادات والتقاليد احتلت الدرجة الأولى، هذا أول صف، هذا بطاقة بيضاء، لا الناس سواسية كأسنان المشط، فإذا أردت من هذا الكلام أن نعيد حساباتنا، حتى في احتفالاتنا، حتى في مناسبات الحزن، والفرح، الأعراس كلها، الأعراس فيها حفلات اختلاط، وفي الأعراس تصوير، وبالأعراس دخول العريس أمام المدعوات، هذا كله خلاف السنة، تجد شاباً تقياً، أحيانا الخطيب يُثني عليه في عقد القران، عائلة تقية مستقيمة ورعة، بعدها تجد ستة أو سبعة من المعاصي كبيرة ظهرت من هذه الأسرة.

 

شروط قَبول العمل: الإخلاص والصواب:

 نحن نريد أن نراجع حساباتنا في كل علاقاتنا، في كل دخولنا، في كل إنفاقنا، في كل نشاطاتنا وفق السنة، لذلك ربنا عز وجل قال، وَ والله إنها لآية تقصِم الظَّهر، قال تعالى:

 

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾

[ سورة الفرقان 23]

 هناك أعمال كالجبال تصبح يوم القيامة هباءً منثوراً، سئل الفضيل بن عياض عن معنى هذه الآية فقال: " كل عمل لا يكون صواباً ولا خالصاً لا يقبل، أما خالصاً فهو ما ابتغي به وجه الله، وأما صواباً فما وافق السنة ".
 الصواب أن يوافق السنة، إذاً يحب أن تعرف السنة، يجب أن تعرف سيرة النبي، القصة المشهورة كلكم تعرفونها: ببدر الرواحل قليلة والنبي عليه الصلاة والسلام أمر أن يتعاقب كل ثلاثة على راحلة، وقال أنا وعلي وأبو لبابة على راحلة، فلما جاء دوره في المشي توسلا إليه أن يبقى راكباً، قال: ما أنتما بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر.
 إذاً: هل عندك استعداد أن تسوي نفسك مع الناس في كل شيء، أن تكون واحداً منهم حتى في بيتك هكذا السنة؟
كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته لف ثوبه، قال:

((أكرموا النساء، فوالله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم، يغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً، من أن أكون لئيماً غالباً ))

[ورد في الأثر]

 هكذا السنة، السنة:

 

﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

 

 ( سورة النساء: 19)

 والمعروف في هذه الآية لا أن تمتنع عن إيقاع الأذى فيهن، بل أن تحتمل الأذى منهن.
 : أردتُ من هذه الآية أن نجري حسابات دقيقة، ومراجعات عميقة لكل علاقاتنا، واحتفالاتنا، وأفراحنا، وأحزاننا، وكسب أموالنا وإنفاقها، وكل نشاطاتنا، يجب أن تقع وفق الكتاب والسنة.
 الإسراف مثلاً، هل سمعت ما قلته اليوم في الخطبة:

﴿ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾

 ( سورة الأنعام 141)

 إذا أسرفت في كل شيء فالله لا يحبك، هذا مال، هناك من هو في أشد الحاجة إليه، إن أعطيت ما فاض عنك إلى فقير ارتقيت عند الله عز وجل، أنت كل واشرب، لكن من غير إسراف ولا مخيلة، أنفق، ولكن وفق الأصول.

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾

 ( سورة الفرقان67)

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (22) ﴾

وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى

 هذه الآية دقيقة جداً.

 

1 – ما هي العروة الوثقى:

 الإنسان أحياناً يتمسك بعروة، هذه العروة ليست وثقى تنخلع بيده، فق يتمسك الإنسان بشيء، فإذا بهذا الشيء ينفلت ويهوي، إذاً: هذه العروة غير وثقى، أحياناً تربط مقطورة بقاطرة، فهذه الحلقة الثخينة جداً في مؤخرة السيارة هي عروة، لكن بلغني أن هناك معامل في أوربا متخصصة في صناعة هذه العُرَى، لأنه يًجرّ بها مقطورة، وزنها عشرون طنًّا، فإن لم تكن وثقى تدهورت المقطورة، إذاً: هناك معامل لا تصنع إلا هذه العروة، وهي متخصصة في صناعتها من أصلب المعادن، ومن أشد أنواع الخلائط متانة وقساوة.
 فالعروة الوثقى، هي الشيء الذي تتمسك به، فإن لم يكن هذا الشيء متيناً انفلت بيدك وهويت معه، أما ما هو الشيء الذي إذا فعلته كأنك تمسكت بعروة وثقى تنجيك إلى يوم القيامة وإلى الأبد ؟ قال:

 

 

﴿ وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾

 

من التمسك بالعروة الوثقى: وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ

 أحياناً يطيع الإنسان الله عز وجل، لكن وجهته إلى الدنيا، الآية دقيقة جداً، العبرة أن تطيع الله، وأن تتجه إليه، هذا يسمونه أن تكون ربانياً، هناك شخص شهواني، وشخص رباني، معنى رباني أن تحسن العلاقة مع الله إلى أقصى درجة عن طريق الإقبال عليه، والعبادة في بعض تعريفها غاية الخضوع مع غاية الحب، مع غاية الرضا، مع غاية الاستسلام، طاعة وحب، ورضا واستسلام، وتفويض وتسليم، وإقبال وصبر وشكر..
 إذاً:

 

﴿ وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ ﴾

 

معنى: وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ

 يعني يقبل عليه بكل وجهته، بكل إمكاناته، بكل طاقاته، بكل أوقاته، بكل استعداداته.

 

﴿ وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ ﴾

 

 إذا كانت الأم في حديقة، وابنها يلعب، تجد هذه الأم مع ابنها، تحدثها فنقول لك: والله ما انتبهت، تشعر أنها ليست معك، إذا كان لك أخت أو قريبة تشعر أنها ليست معك، هي متجهة إلى ابنها، هذه صورة من الصور الاتجاه، أحياناً تكون عين الإنسان على ساعة، على عداد يملأ البنزين، وهو غالٍ، ومعه مبلغ محدود، فإذا غفل يطالب بأكثر مما معه، فتجد عينه على العداد، لو أنك تكلمت تجده ليس معك، إسلام الوجه الاهتمام الشديد، الإقبال، الانصراف بالكلية، الاهتمام.

﴿ وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ ﴾

 عرف الله فأقبل عليه، عرف أن الله كل شيء، وليس غيره كل شيء، فلان ليس على شيء، أيْ أنه ما عرف الله عز وجل، لأنك إذا عرفت الله عز وجل عرفت كل شيء، ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء.
 إذا عرفت الله عز وجل، إذا عرفت أنه الحقيقة الوحيدة في الكون، الحقيقة الدين أن الله هو الحقيقة الكبرى، وكل شيء يقرب إليه فهو مشروع، وكل شيء يبعد عنه فهو غير مشروع، ملخص دينك: إلهي أنت مقصودي، ورضاك مطلوبي، فأي شيء يقربني إليك فأنا متمسك به، وأي شيء يبعدني عنك فأنا مبتعد عنه، هذا هو المؤمن.

﴿ وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ ﴾

لا تسليم للوجه إلا بعد معرفة الله:

 ولكنك لن تستطيع أن تسلم وجهك إلى الله عز وجل إلا إذا عرفته، أحياناً تدخل إلى جهة لك مصلحة مع المدير العام، تجد ثلاثة مع بعضهم، يا ترى مَن المدير العام ؟ تنتقي أطول واحد، أوجه واحد، تلتفت إليه باهتمام، تخاطبه، يقول لك: ليس لي علاقة، حدِّثْ فلانا، فتنصرف عنه فوراً وتلقائياً إلى صاحب القرار، فالمشكلة يجب أن تعرف الله، إذا عرفت أن الله بيده كل شيء أسلمت وجهك إلى الله، فإذا ظننت أن زيداً وعبيداً أو فلاناً يملكون أشياء كثيرة كيف تتجه إلى الله عز وجل، إذاً: لن تسلم وجهك إلى الله إلا إذا وحدته، واعلم أن الدين كله توحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، إذا عرفت أن الأمر كله بيد الله ارتحت وأَرَحت، قال:

 

﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾

 

ما هو الإحسان ؟

 العلماء حملوا هذه الكلمة الطاعة والإحسان، الأولى حالة قلبية نفسية، عرف الله فأقبل عليه، الحالة الثانية سلوكه أساسه الطاعة والإحسان، إذا عرفت فاتجهت وأطعت وأحسنت، هذا الإنسان:

 

﴿ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ﴾

 

َقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى

 أي أمسكت بقارب النجاة، أمسكت بحبل الأمان، وصلت إلى مخرج الأمان، وصلت إلى المبتغى، وصلت إلى الطمأنينة، وصلت إلى السلام، والله يدعو إلى دار السلام، من منّا لا يتوق إلى السلام ؟! أن يعيش حياة معافى في جسمه، موفقاً في زواجه، مستمتعاً بأولاده الأبرار، له مكانته الاجتماعية، يحبه الله ورسوله، يرى إذا توفاه الله له عند شيء هكذا.

 

﴿ وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ ﴾

 

 تعرفه فتقبل عليه، وتطيعه وتحسن إلى خلقه، قال:

﴿ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾

وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ

 في الدنيا الباطل له جولات، إن الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البرّ والفاجر، والآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك عادل، فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار.
 الآية الكريمة:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾

 (سورة الملك2)

 لماذا قدم الله الموت على الحياة ؟ إنه سؤال دقيق، قدم الموت على الحياة لأن الحياة فيها خيارات كثيرة، لو أن إنساناً دخل العام الدراسي يستطيع أن يدرس أو لا يدرس، يداوم أو لا يداوم، أمامه خيارات كثيرة لكن إذا جاء الامتحان أمامه خياران فقط: إما أنه محضر أو غير محضر، إذا كان غير محضّر فهو مفضوح راسب، أو أنه محضّر فهو ناجح، فكلما ضاق الاختيار كان الأمر أخطر، فربنا عز وجل قدم الموت على الحياة لأن الموت فيه حالتان فقط: نجاة، أو خزي إلى الأبد.
 في هذه الآية التالية يبين الله عز وجل رحمة النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ ﴾

 

من رحمة الله بخَلقه: وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ

 كان عليه الصلاة والسلام يتألم أشد الألم حينما يرى الإنسان قد كفر، لأنه صلى الله عليه وسلم أرحم الخلق بالخلق، الله سبحانه وتعالى يسري عنه ويقول له: يا محمد:

 

﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ﴾

 

 هذا اختيارهم، أنا خيرتهم.

﴿ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾

 الله سبحانه وتعالى أرحم، لكن هكذا طبيعة الاختيار، هكذا طبيعة التكليف.

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾

 ( سورة الأحزاب 72)

 قال عن هؤلاء الكفار، دققوا في هذه الآية:

 

﴿ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ﴾

 

إنما الدنيا متاع قليل زائل:

 قد تجد له بناء فخماً جداً، بستاناً، مركبة فاخرة، رصيداً في المصرف كبيراً جداً، أموالاً تأتيه كالأنهار، إياك أن تقول هنيئاً له، إن قلتها مرة واحدة فأنت لا تعرف الله، كما قالوا:

﴿ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ(80)﴾

 (سورة القصص80)

 ربنا عز وجل قال:

 

﴿ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾

 

ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ

 إذا كنت متيقنا أن إنساناً أركبوه أفخم مركبة وساقوه إلى الشنق، هل تقول له هنيئاً لك ؟ أو تقول في نفسك: هنيئا ًله على هذه المركبة الفخمة ؟ إذا تيقنت أن هذا الإنسان الذي يركب المركبة الفخمة الوثيرة القوية الأنيقة الحديثة الصنع.. إذا تيقنت أنه يساق بهذه المركبة إلى الإعدام أتقول في نفسك: هنيئاً له على هذه المركبة الفخمة ؟! يا ليتني مكانه ؟! أعوذ بالله، معنى ذلك تعرف شيئاً، قال:

 

﴿ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ﴾

 

 أنت ساكن في بيت صغير، وهو في بيت أربعمائة متر، خمسمائة متر، وله سيارتان أو ثلاث، ومزارع، ومقاصف، ومسابح، هل تقول له: هيئاً له، الله أعطاه ؟ لا، مادام بعيداً عن الدين متنكباً للحق فهو كما قال تعالى:

﴿ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾

 فالله عز وجل قال في آيات أخرى:

﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198) ﴾

 ( سورة آل عمران 196-198)

 إذا كان لك صديق، لك جار، لك رفيق في الدراسة تفوق في الدنيا، وارتفع وجاءه دخل وفير غيّر حياته كلها، وزها على الناس بما عنده، وأنت في وضع أقلّ بكثير، أنت عرفت الله، واستقمت على أمره، وهو غارق في المعاصي، بمجرد أن تقول: هنيئاً له، لقد أعطاه الله وحرمني فأنت بالتأكيد لا تعرف الله، قال الله عز وجل:

﴿ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾

 ( سورة الأحزاب 71)

﴿ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (24) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25) ﴾

لماذا يُحمَد الله على كل شيء ؟ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ

 كيف ذلك ؟ لماذا الحمد لله ؟ لأن هذا الدين الذي اعتنقته أنت وسرت فيه هو دين الإنسانية كلها، دين الفطرة، دين الحق، دين العلم، دين الواقع، دين الله، فحتى المعرضون والمنافقون والملحدون والكفار إذا سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن: الله، إذاً: أنت مع الحق، مع دين الفطرة، أنت مع الدين الذي يقره كل مخلوق، أنت لم تأت بدين خاص غير معترف به، غير معروف، أنت مع الدين الصحيح الذي لو سألت أعداءه: من خلق السماوات والأرض ليقولن: الله، لذلك قال الحمد لله أي احمد ربك يا محمد على أن هذا الدين دين الفطرة، دين الواقع، دين العلم، دين العقل.

﴿ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: مُلكا وترُّفًا ومصيرا:

 لله، هذه اللام لام الملك، وإذا نسب الشيء ملكاً إلى الله عز وجل فهو يملكه، ويتصرف به، وإليه مصيره، وهذه الصفات الثلاث أعلى صفات الملك، قد تملك، ولا تنتفع من ملكك، إنسان مؤجر بيتاً، ومسجل له بالطابو له، لكن لا ينتفع به، وقد تنتفع بشيء، ولا تملكه، وقد تنتفع به وتملكه، ولكن مصيره ليس إليك، صدر قرار استملاك، ذهب منك، أما الملك التام فأنْ تملك الشيء، وأن تكون يدك مطلقة في التصرف فيه، وأن يكون مصيره إليك.
 إذا نسب الشيء إلى الله ملكاً:

 

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

 

 كل الكون يملكه الله ملكاً، تصرفاً، مصيراً.

﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾

إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ

 لكنه غني عنّا، ومع ذلك نحمده، أحياناً تجد شخصاً غنياً عنك، لكن لأنه غني عنك يحتقرك، لأنه غني عنك يحرمك، لأنه غني عنك يحاسبك حساباً عسيراً، لأنه غني عنك يتغطرس عليك، لأنه غني عنك تجده مستكبراً، لأنه غني عنك يستخف بك، لكن ربنا عز وجل:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

 (سورة الأعراف 180)

 غني عنك، ومع أن الله غني عنك فإنك تحمده على كمالاته، وهو غني حميد.

 

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾

 

 وكلمة:

﴿ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾

 تعني أنه وحده غني، ووحده حميد، وكل كمال في الأرض مشتق من كمال الله عز وجل.
 في الدرس القادم إن شاء الله تعالى نكمل قوله تعالى:

﴿ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018