الدرس : 08 - سورة لقمان - تفسير الآيتان 17 - 18 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 08 - سورة لقمان - تفسير الآيتان 17 - 18


1991-07-05

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثامن من سورة لقمان، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ(19)﴾

ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب:

 أيها الإخوة، هناك قاعدةٌ أصولية، وهي أن: " ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ".
 إن قلتُ لإنسان: كن طبيباً، وآمرك أن تكون طبيباً، فمن ضِمْنِ هذا الأمر أن تنال الثانوية بدرجاتٍ عالية، ومن ضمن هذا الأمر أن تنتسب إلى كلية الطب، لأنك لن تكون طبيباً إلا إذا دخلت كلية الطب، ولن تدخل كلية الطب ما لم تحمل الشهادة الثانوية، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهذه قاعدة أصولية.

 

1 – لا صلاة إلا بالإيمان والإحسان والاستقامة:

 ربنا عزَّ وجل حينما أمرنا أن نصلي لا يمكن أن تصلي إلا إذا كنت مستقيماً محسناً، ولا يمكن أن تستقيم، ولا يمكن أن تحسن إلا إذا عرفت الله، وآمنت باليوم الآخر، إذاً معرفة الله عزَّ وجل، والإيمان باليوم الآخر، والاستقامة، والعمل الصالح من لوازم الصلاة، فإذا أمرك الله عزَّ وجل بالصلاة فمن لوازم الصلاة أن تعرفه، وأن تعرف من تصلي له، وأن تأتمر بأمره وأن تنتهي عما عنه نهى، وأن تقدِّم شيئاً يسمح لك أن تُقْبِلَ عليه وهو العمل الصالح، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

 

 

2 – الأمر بالصلاة مقرون بإقامتها دائمًا:

 مِن هنا جاء الأمر بالصلاة مقترناً في أكثر الآيات مع إقامة الصلاة، كإقامة البناء، فهناك مراحل كثيرة تسبق الصلاة منها ؛ ما هو من طرف الصلاة العمل الصالح، ومنها أن تأتمر بما أمر، وأن تنتهي عما عنه نهى وزجر، ومنها ما هو بعيدٌ عن الصلاة أن تعرف الله عزَّ وجل، لذلك أحب أن أؤكد لكم وهذا كلامٌ دقيقٌ جداً: أن العلم والعمل وحده هو الطريق الوحيد الموصل إلى الله، إذا عرفت الله عرفت ما عنده من ثواب أو من عقاب، وعرفت أن الأمر كله بيده، وتوجهت إليه، وإذا عرفت أنه هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وإذا رأيت الله في كل شيء، وأنه ما من شيءٍ يقع إلا بأمر الله وبإذن الله، وما من عملٍ يُنَفَّذُ إلا بتوفيق الله، وإذا رأيت هذه الرؤية، فهي وتلك المعرفة وهذا العلم حملك على أن تطيع الله، وأن تفعل الصالحات تقرباً إليه، فالآن يمكنك أن تصلي.

 

 

3 – فصل الاستقامة عن الصلاة تضييع للدين:

 ولذلك حينما فصل الناس الصلاة عن استقامتهم، وعن أعمالهم الصالحة، وحينما فصلوا العمل عن معرفة الله، ضاع الدين وضاع الناس في متاهات الصلوات الشكلية الجوفاء، ولم تقدم لهم شيئاً ذا بال، وقاموا إلى الصلاة وهم كُسالى، ورأوها عبئاً، وقالوا بلسان حالهم: أرحنا منها، ولم يقولوا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( أَرِحْنَا بِهَا ))

 

[ أبو داود عن سالم بن أبي الجعد ]

منزلة الصلاة في الإسلام:

1 – الصلاة عماد الدين:

 الشيء العجيب أن في السنة المطهرة أحاديث كثيرةً جداً عن الصلاة، يكفي أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( الصلاة عماد الدين، فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين ))

 

[الجامع الصغير عن عمر ]

 وقد يسأل سائل: هذه الصلاة التي يصليها عامة الناس، هل هي عماد الدين ؟ فهذه من أقامها فقد أقام الدين ؟ وهذه من هدمها فقد هدم الدين ؟!! بالتأكيد لا، لأن هذه الصلاة التي يرافقها الكذب، والغش، والمعاصي، والفواحش، هذه بالتأكيد ليست صلاةً أرادها الله عزَّ وجل، لأن الصلاة التي أرادها الله عزَّ وجل تنهى عن الفحشاء والمنكر، والتي هي نورٌ في قلب المؤمن يريه الحق حقاً والباطل باطلاً، والصلاة التي أرادها الله عزَّ وجل طَهور، فإذا اجتمع في قلب مصلٍ حقدٌ وحسدٌ وكبرٌ واستعلاءٌ، أن يتكلم المصلي كلاماً فاحشاً بذيئاً، وأن يأخذ المُصلي ما ليس له، فهذا شيء مستحيل.

 

2 – الصحابة أقاموا الصلاة ففتحوا البلاد:

 قد يسأل سائل: ما السِرُّ بأن أصحاب النبي عليه رضوان الله كانوا قلةً قليلة، ومع ذلك فتحوا الآفاق، والبلاد شرقاً وغرباً، ونحن نَعُدُّ ألفاً وزيادة من الملايين، قبل سنوات ألف مليون، والآن سمعت أن المسلمين يبلغون ألفاً ومئتي مليون، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

 

(( خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِائَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلافٍ، وَلا يُغْلَبُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ ))

 

[ مسند أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ]

 من حيث العدد لن يغلب في حديثٍ صحيح..

(( وَلا يُغْلَبُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ ))

 لأنهم أضاعوا الصلاة، والله عزَّ وجل يقول:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾

 ( سورة مريم 59)

3 – ليس كلُّ مُصلٍّ مقيمًا للصلاة:

 ومن باب التقريب، إنسان يحمل أعلى شهادة في الطب، بورد مثلاً، هذا ممتلئٌ علماً، وخبرةً، ويتقن اللغة الأجنبية كإتقانه العربية، ويفهم دقائق اختصاصه، وله تجارب غنية جداً، وذكاءٌ كبير، واطلاعٌ واسع، وشكله الخارجي أنه يرتدي ثوباً أبيض اللون، ويضع على عينيه نظَّارتين، وعلى أذنه سَمَّاعة، فإذا جاء إنسانٌ جاهل، وارتدى ثوباً أبيض اللون، ووضع على عينه نظارة، وفي أذنيه سماعة فهل صار طبيباً، وهل هذا هو الطب ؟ أن ترتدي هذا الثوب الأبيض، وأن تضع السماعة على أذنيك، وأن تضع ورقةً بيضاء على الطاولة ؟
 هناك فرقٌ كبير بين المصلي حقيقةً، وبين الذي فكر في الكون حتى استقرت في نفسه حقيقة وجود الله، وحقيقة أسمائه الحسنى، وحقيقة كماله، وحقيقة وحدانيته، واستقر في نفسه أن الإنسان خُلِقَ ليسعد في الأبد، إذاً استقر في ذهنه أحقية اليوم الآخر، ثم بدأ يبحث عن أمر الله ؛ في مأكله، ومشربه، وزواجه، وعمله، وأخذه، وعطائه، وفي كل شؤون حياته، إلى أن طبق السنة النبوية تماماً وبدأ يجعل من طاقاته، من إمكاناته، من ذكائه، وخبراته، ووقته، وجهده، وماله، فكلها وظفها في طاعة الله، وتَقُرُّبَاً إلى الله عزَّ وجل، عندئذٍ وقف ليصلي فرأى الطريق إلى الله سالكةً، واستراح في الصلاة، وشعر أنه قريبٌ من الله عزَّ وجل، وأن هموماً قد انزاحت عن كاهله، فمن هنا قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( الصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، وسيدة القربات، وغرة الطاعات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسماوات ))

 

[ ورد في الأثر ]

4 – الصلاة فرض لا يسقط إلا بالموت:

 ومن هنا قال العلماء: الفرض الوحيد المتكرر الذي لا يسقطُ بحال، من أركان الإسلام أن تشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويكفي أن تشهد هذه الشهادة مرةً واحدة، من أركان الإسلام والحج على المستطيع، فقد تؤديه مرةً واحدة، وقد لا تؤديه أبداً وأنت مسلم، ومن أركان الإسلام الصيام، وقد يصاب الإنسان بمرضٍ يمنعه من الصيام، وقد يسافر فيؤجِّلَ الصيام إلى ما بعد السفر، والزكاة على المستطيع، إذاً: الحج قد يسقط، والصيام قد يسقط إلى حين، والزكاة قد تسقط، والشهادة تؤدَّى مرةً واحدة، أما الفرض العَيْنِيّ الذي يتكرر ولا يسقط بحالٍ هو الصلاة، لذلك لا يستطيع الإنسان أن لا يصلي ولو كان في ساحة الحرب، ولو هُدِّدَ بالقتل إن لم يصل، عليه أن يصلي صلاة الخائف، وصلاة الخائف تقصر نوعاً لا كَمَّاً، لك أن تصلي بأية طريقةٍ تشاء، وأنت مستلقٍ على السرير، وأنت واقف، في أي وضعية، إذا هددت بالقتل إن صليت فهناك صلاة الخائف، ومعنى ذلك أن الدين كله قائمٌ على الصلاة، من ترك الصلاة جحوداً بحقها فقد كفر، فقد كفر، والذي أشعر به أن آيات الصلاة في أكثرها قالت:

﴿ وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ﴾

 ( سورة طه 14)

 أقم البناء ؛ شراء الأرض، وتخطيطها، وترحيل الأتربة، وهدم الأنقاض، وترحيلها، وحفر الأساسات، وبناءها، وبناء الطابق الأول، والثاني، والكسوة الداخلية والخارجية، تأمين الماء والكهرباء، هذا كله منطوٍ في كلمة إقامة البناء، فإقامة الصلاة تستلزم معرفة الله، لمن تُصلي ؟ تقول: الله أكبر، هل عرفته أكبر ؟ فهذا الذي يتذوَّقه المؤمن من قوله تعالى:

﴿ وَأَقِمْ الصَّلاةَ ﴾

 ماذا قال الله عزَّ وجل عن هؤلاء الذين يصلون ويراءون ؟ ما قال: فويلٌ للذين يقيمون الصلاة، بل قال:

﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7) ﴾

 ( سورة الماعون 4-7)

 إذاً: نرجع إلى القاعدة الأصولية وهي أنه: " ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب "، فإذا أمرك الله عزَّ وجل بنص القرآن الكريم أمراً قطعي الدلالة، أمرك أن تصلي، أو أمرك أن تقيم الصلاة، فابحث عن موجبات الصلاة، عما لا تتم الصلاة إلا به ؛ معرفةٌ بالله عزَّ وجل واستقامة على أمره، وتقربٌ إليه، عندئذٍ ترى الطريق عند الله سالكاً.

 

كيف تتمّ معرفة الله عزوجل حتى تكون مقيما للصلاة ؟

 قد يسأل سائل: كيف تتم معرفة الله ؟ الله عزَّ وجل لا تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، إذاً السبيل الوحيد إلى معرفة الله أن تستعمل العقل الذي هو مناطُ التكليف، والله عزَّ وجل الكون كله تجسيدٌ إن صح التعبير، أو مظهرٌ لوجوده، ومظهرٌ لوحدانيته، ولكماله، فأسماء الله كلها لها متعلَّقات ؛ قدرته ظاهرةٌ في خلقه، ورحمته ظاهرةٌ في خلقه، ولطفه، ووحدانيته، وكماله كل ذلك ظاهرٌ في خلقه.
 إذاً: كل أسمائه الحسنى، وكل صفاته الفضلى إنما هي مبثوثةٌ في خلقه وفي الكون، إذاً يكفي أن تنظر إلى الكون، إلى خلقك، إلى طعامك، وشرابك، وما تحتك، وما فوقك، وعن يمينك، وشمالك، يكفي أن تنظر، وأقرب شيءٍ إليك جسدك.

 

﴿ قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾

 ( سورة عبس 17)

 ما الذي جعله يكفر ؟

﴿ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ﴾

 ( سورة عبس 18-19 )

 إنها نطفة لا ترى بالعين، ففي اللقاء الواحد يخرج من الرجل ثلاثمائة مليون حوين مَنوي، وواحدٌ من هذه الثلاثمائة مليون هو الذي يُلَقِّحُ البويضة، ومن يُصَدِّق أن على هذا الحوين معلومات مبرمجة بأزمان معينة تزيد على خمسة آلاف مليون معلومة، والرقم دقيق جداً تأكدت منه إلى أقصى درجة، حيث إنّ خمسة آلاف مليون أمر مودعة في هذا الحوين الذي لا يرى بالعين، كيف لقَّح هذا الحوين البويضة ؟ وكيف فتح له الباب، ثم أغلق ؟ وكيف مُنِعَ من الدخول آلاف مئات الألوف، بل عشرات الألوف، دخل هذا الحوين القوي إلى البويضة، وكيف تلقّحت هذه الخلية الأنثوية الأولى ؟ وكيف انقسمت إلى عشرة آلاف جزيء، وهي في طريقها إلى الرحم ؟ وإذا قرأت علم الأجنة، أو قرأت المبادئ الأولى لعلم الأجنة وجدت العجب العجاب..

﴿ قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ(23)﴾

 ( سورة عبس 17-23)

 ماذا ينتظر ؟

 

إلى متى أنت باللذات مشغول  وأنت عن كل ما قدمت مسؤول ؟
إلى متى ؟!!
***

 

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  هذا لعمري في المقال بديعُ
لو كان حبك صادقاً لأطعتـه  إن المحب لمن يحب يطيعُ
***

 الذي أراه أنك إذا تأمَّلت في خَلْقِكَ، وفي طعامك، وشرابك، وفي المخلوقات من حولك، وفي الجبال، والبحار، وفي الأطيار، والأسماك، فلابدَّ من أن تعود من هذه الجولة وقد خشع قلبك، ورأيت نفسك صغيراً جداً أمام عظمة الله عزَّ وجل، وعندئذٍ لا تملك إلا أن تبادر إلى طاعته، وإلى نفع عباده، وخدمة مخلوقاته، فإذا كنت عارفاً به، مستقيماً على أمره، محسناً إلى خلقه، استقبلك الله عزَّ وجل في الصلاة، وأقبل عليك، وتجلّى على قلبك، وملأ قلبك نوراً، وملأ حياتك حبوراً، وجعلك من المقربين المنعمين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
 ألا ترى معي أن أحيانا، وفي ساعات صفائك، وعقب أعمالك الصالحة، والتضحيات، والبذل، والعطاء، ألم تقف مرةً بين يدي الله عزَّ وجل فتنهمر دموعك، ويخشع قلبك، وتتمنى أن تدوم الصلاة ساعات طويلة ؟ إذا كنت صَلَّيْتَ هذه الصلاة فهذه هي الصلاة، التي أمرنا الله بها، والتي نرقى بها.

﴿ وَأَقِمْ الصَّلاةَ لِذِكْرِي ﴾

 ( سورة طه 14)

﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾

 ( سورة العلق 19)

﴿ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾

 ( سورة النساء: من الآية 43 )

 فإذا تلوت القرآن في الصلاة فربما شعرت كأنك تسمع القرآن أول مرة، وكأنه نزل من تَوِّهِ على النبي عليه الصلاة والسلام، هذه هي الصلاة، فالصلاة ميزان، من وّفَّى استوفى، من وفى الاستقامة حقها استوفى من الصلاة ثمراتها، فخالقٌ عظيم، وربٌ كريم، إنه خالق السماوات والأرض يأمرك أن تقف بين يديه، هل وأنت ساهٍ ولاهٍ، وأن تنحني وتنحني، وأن تقعد وتسلم، وانتهى كل شيء، أهذا أمر الله عزَّ وجل ؟ هذه الذات الكاملة، وهذا الرب الكريم، وهذا الإله العظيم هذا أمره ؟ أترضى لمخلوقٍ أن تؤدي أمره أداءً شكلياً ؟ أترضى من ابنك إذا أمرته أن يدرس أن يقعد وراء المنضدة، وأن يفتح كتاباً، ويقلبه أمامك، وعينه نحوك، ولا يقرأ شيئاً ؟ أترضى منه هذا ؟ ألا تتهمه بالنفاق إذا فعل هذا ؟ فكيف ترضى أن تؤدي هذه العبادة العظيمة أداءً شكلياً، أداءً أجوف ؟ لكن أنَّى للمنحرف أن يقف بين يدي الله عزَّ وجل، وأنى للمذنب أن يقبل على الله ؟ وللمسيء إلى خلقه أن يتجلى الله على قلبه ؟ هذا القلب بيت الرب، والله عزَّ وجل أغنى الأغنياء عن الشرك، إذا كان في القلب شرك فالله عزَّ وجل يَدَعك وشأنك، فأن يستحق قلبك أن يتجلَّى الله عليه في الصلاة، أن يستحق قلبك أن يمتلئ نوراً من الله عزَّ وجل في الصلاة، لابدَّ من أن يكون طاهراً، فالقلب بيت الرب، ومنظر الرب، فيا عبدي طهرت منظر الخلق سنين أفلا طَهَّرْتَ منظري ساعة ؟ لذلك كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( الصلاة عماد الدين، فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين ))

 

[الجامع الصغير عن عمر ]

الصلاة عماد الدين:

 العماد في اللغة، الخيام كما تعرفونها لها عمودٌ كبير في وسطها، فالخيمة الدائرية لها عمودٌ كبير، ما قيمة هذه الخيمة بلا عمود ؟ إنها قماش ملقى على الأرض، فهل تصلح هذه الخيمة أن تُسْكَن ؟ وهل يُجْلَسُ فيها ؟ وهل تستعمل كخيمة بلا عمود ؟ فهذه الصلاة إذا كان الدين خيمةً فالصلاة عماد الدين أو عمودها، فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، فأنت لا حظ مُخَيَّماً حينما يُزْمِعُ أصحابه الرحيل يبدءون بسحب الأعمدة، وحينما يسحب عمود الخيمة تتداعى على الأرض، وتصبح قماشاً بعضه فوق بعض وانتهى الأمر، تشبيهٌ نبويٌ رائعٌ جداً:

 

(( الصلاة عماد الدين، فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين ))

 

[الجامع الصغير عن عمر ]

(( الصلاة طهور ))

[ ورد في الأثر ]

 إنّ المصلي طاهر النَفْس، لا يغشّ أحداً، لا يكذب، ولا يتلاعب، ولا يحتال، ولا يخدع، ولا يسئ في كلامه، إنه مصلٍ، طاهر، أي إنه إنسان متصل بالله، ومكارم الأخلاق كلها مخزونةٌ عند الله تعالى، فإذا أحب الله عبداً من خلال الصلاة منحه خلقاً حسناً، فهذا كلام قطعي، كل أخلاقك، وكل كمالك، وحلمك، ورحمتك، وإنصافك، ولطفك إنما تشتقه من الصلاة، فبقدر اتصالك بالله عزَّ وجل تأخذ من كماله.
 إن كان لك اتصال بهذا المُجَمَّع الأساسي للكهرباء، فبقدر ما تأخذ من هذا المُجَمَّع تكون قوة التيار عندك، فإذا كان عندك آخذ ضعيف جداً بثمانين فولطاً، مائة وعشرة، مائتين وعشرون، كلما علا قطر الآخذ اشتدت قوة التيار، وهكذا.
 فلذلك الوقفة الآن عند:

 

﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ ﴾

 

هل أنت في مستوى وقفتك في الصلاة ؟

 قبل أن تقف مع الناس في المسجد، وتستمع إلى الإمام يتلو آيات القرآن الكريم، هل أنت في مثل هذه الوقفة ؟ هل أنت في مستوى هذه الوقفة ؟ لا يمكن أن أقول لك: إن لم تكن كذلك فلا تصلِّ، ولكن أقول لك: صلِّ الصلاة فرضاً، ولكن حاول أن ترفع مستوى صلاتك، ورفع مستوى الصلاة برفع مستوى العلم، وكلما ازددت علماً ازددت قُرباً، وكلما ازددت بذلاً ازددت قرباً.

 

احرصْ على يومك قبل أن يفوتك:

 شيئان احرص عليهما كل يوم كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( إذا أتى علي يوم لا أزداد فيه علما يقربني إلى الله تعالى فلا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم ))

 

[الجامع الصغير عن عائشة بسند فيه مقال ]

(( ولا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله قرباً ))

 علماً وقرباً، العلم معرفة، والقرب بذل، ولذلك إذا مضى هذا اليوم، ولم تزدد علماً، أو لم تزدد قرباً بعمل صالح فَابْكِ على هذا اليوم، بل إن اليوم يقول لك: " يا ابن آدم، أنا خلقٌ جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني، فإني لا أعود إلى يوم القيامة ".
 بل إن أخطر ما تملكه هو الزمن، إنك زمن، أو إن رأس مالك هو الزمن، أو إن أخطر ما تملكه هو الزمن، فإما أن تنفقه إنفاقا استهلاكياً سخيفاً، وإما أن تنفقه إنفاقاً استثمارياً، فإذا حرصت على معرفة الله عزَّ وجل، وعلى حضور مجالس العلم، وعلى فهْمِ كتاب الله، وعلى فهْمَِ أمر الله ونهيه، وعلى فهم السُنَّةَ المطهرة، وعلى أن تقف على سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، إذا حرصت على طلب العلم، فطلب العلم يجعلك من طُلاب العلم، وطلاب العلم أغلب الظن إذا كانوا صادقين يطبقون علمهم، فإذا طلبت العلم، وتعلَّمت العلم، وطبقت العلم، صار الطريق إلى الله سالكاً، فإذا اتصلت بالله عزَّ وجل لك أن تقول مع من يقول: " يا رب، ماذا فَقَد من وجدك ؟ والله ما فَقَد شيئاً، وماذا وجد من فَقَدك ؟ والله ما وجد شيئاً.
 ملخّص الملخص أن ترى الله في كل شيء، وأن تسعى إليه في كل شيء، وهؤلاء التائهون، الشاردون، البعيدون، هؤلاء ما أتعسهم، وما أشد خسارتهم حينما يأتيهم ملك الموت..

﴿ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾

 ( سورة الطور 45)

لا تأخذ من الدنيا شيئًا إلى قبرك:

 هناك أخبار تأتي للإنسان كالصاعقة، فإذا اكتشفت فجأةً أن هذا البيت الوحيد الذي لا تملك غيره، قد بعته بعملةٍ مُزَيَّفَة، وأن هذه العملة المزيفة فضلاً عن أنها لا قيمة لها سوف تحاسب عليها حساباً كبيراً، أليس هذا الخبر صاعقاً، إذا اكتشفت فجأةً أن هذا البيت الذي اشتريته ليس للذي باعك إياه، وأن الذي يملكه شخص آخر، وأن هذا المبلغ الذي دفعته له ذهب هباء، أليس هذا الخبر صاعقاً ؟ فإذا كشف الإنسان في لحظة ما أن كل عمله في الدنيا لا قيمة له، وأن كل سعيه قد ذهب أدراج الرياح، وأن الله عزَّ وجل جعل من عمله هباءً منثوراً، وأنه قادمٌ على حياةٍ أبدية لا يملك مالاً للتداول فيها.
إذا ذهبت إلى بلدٍ غربي فإنّ أول شيءٍ تفكر به أن تشتري عملة ذلك البلد، فإذا كنت مُزْمِعاً أن تسافر إلى الدار الآخرة ألا ينبغي أن تفكِّر ما العملة الرائجة هناك ؟ إنها العمل الصالح، لذلك: << يا قييس، إن لك قريناً يدفن معك وهو حي، وتدفن معه وأنت ميت، فإن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك، ألا وهو عملك >>.
 يخرج الرجل من البيت، والبيت أملاك غير منقولة، ومحله، وله أهل، وأولاد، وأقرباء، وأصحاب، هؤلاء يمشون معه، ولكنهم جميعاً يقفون عند شفير القبر، أما الوحيد الذي سينزل في هذا القبر فهو الميت، يرفع غطاء النعش، ويؤذن المؤذن، ويحمل، ويوضع في هذه الحفرة، شيءٌ واحد يدخل معك في القبر، إنه عملك، لذلك قالوا:

 

والقبر صندوق العمل
***

 صندوق عملك هو قبرك، لذلك قالوا:

 

 

الدنيا ساعـة  فاجعلها طاعة
والنفس طماعة  عودها القناعة
***

 هذه المعاني المستنبطة من قوله تعالى:

 

 

﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ﴾

 أما:

 

 

 

﴿ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

 

 

منزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

1 – السعيدُ يُسعِد غيرَه:

 فليس القصد أن تكون وحدك سعيداً، أنت إنسان في مجتمع، فإذا سَعِدَ المجتمع سعدت معه، وإذا شقي المجتمع شقيت معه، ولذلك فأنت مأمورٌ أن تأمر بالمعروف، وأن تنهى عن المنكر، وهذه عبادة عَدَّهَا بعضهم كالصلاة والصيام..

 

﴿ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾

 

2 – إذا أردت أن تسعد فأسعِد الآخرين:

 إذا وصلت فأوصل غيرك، وإذا عرفت فعَرِّف غيرك، إذا سعدت فأسعد غيرك، وإذا اتصلت فأعن غيرك على الاتصال، فإذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين، وحينما تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر تصبح امرؤاً صالحاً في مجتمعٍ صالح، فقد يحدث أن بعض إخواننا، هو وأخوه، وأخوه، وأخوه، كلهم ديّنون، ورعون، مستقيمون، فهؤلاء الإخوة، ما دامت البيوت كلها مطبقٌ فيها الإسلام، هؤلاء يشعرون بسعادة، وليس هناك مُنَغِّصَات، أما إذا وُجد أخ واحد مستقيم، وأربعة إخوة منحرفون فإنه يعاني الأمرَّيْن، فهناك تداخلات، وقرابة، وأولاد، وأولاد عم، وتطلعات، فإذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر عاد الخير عليك، فإذا كان بإمكانك أن تهدي أخاك من أمك وأبيك، وبإمكانك أن تأتي به إلى المسجد، وأن تحمله على طاعة الله عزَّ وجل أصبحتما اثنين، فإذا جلبت الأخ الثالث أصبحتم ثلاثة، فإذا أمكنك أن تهدي إخوتك جميعاً أصبحتم كتلةً يُعْتَز بها، رأيت طاعة الله سهلةً، فلم يعد هناك موازانات، وتطلعات، وإفساد، انتهى الإفساد، وأصبحت البيوت كلها عامرةً بذكر الله، فإذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر فقد سعدتَ قبل الذين أمرتهم بالمعروف، وسعدت قبل الذين نهيتم عن المنكر، فإذا أكثرت المؤمنين مِن حولك سعدتَ بهم، وسعدوا بك، هذه عبادةٌ، عبادةٌ بكل معنى هذه الكلمة.

 

﴿ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾

 إذا اهتدى مؤمن إلى الله يقول: ما لي وللناس، دعهم في ضلالهم يا أخي، لهم رب يحاسبهم، هذا مؤمنٌ في الدرجة الدُنيا من الإيمان، لأن قلبه لم يمتلئ حباً لهم، ولم يمتلئ غيرةً عليهم، وشفقةً عليهم، بل كان هذا القلب بعيداً عن أن يكون رحيماً، فلذلك المؤمن الصادق يتحرَّق على هداية إخوته، وأقربائه، وجيرانه، وشركائه، وزملائه، ومن حوله، ومن دونه، ومن فوقه، لذلك دائماً ينطلق اللسان بذكر الله عزَّ وجل، أمرت أن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرةً..

 

 

﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

 

3 – لا تأخذك في الله لومةُ لائم:

 يجب أن لا تأخذك في الله لومة لائم، وألا تجامل، وألا تحابي، وألا تطلب السلامة على حساب هذا الأمر الإلهي..

 

﴿ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ﴾

 فلان حَدَّثَكَ عن أنه سيفعل كذا وكذا، وهذا الفعل مُحَرَّم، لا تبقَ صامتاً، ذكره قل له: يا أخي هذا العمل حرام لا يجوز، قل له: من ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى، أما أن تقول: ما لي وللناس.

 

 

4 – ترْكُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خشية منكر أكبر منه:

 إذا نتج عن أمرك بالمعروف، أو نهيك عن المنكر فتنة أشدُّ من فعل هذا المنكر، عندئذٍ قال العلماء: " في مثل هذه الحالة لا ينبغي أن تفعل ذلك، لأن سيدنا عمر يقول: << ليس بخيركم من عرف الخير، ولا من عرف الشر ؛ ولكن من عرف الشَرَّيْن، وفرَّق بينهما، واختار أهونهما >>.
 إذا أمرت بالمعروف، أو نهيت عن المنكر، ونتج عن هذا الأمر وذاك النهي فتنةٌ أشدُّ من المنكر الذي يقترف، فالأوْلى أن تسكت، ولذلك فالحكمة تقتضي أن تفعل ما ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، وبالقدر الذي ينبغي، وفي الوقت الذي ينبغي.

 

 

5 – وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمَن له ولاية على غيره:

 لكن أغلب الظن أن الأب وأولاده، والزوج وزوجته، وصاحب المعمل وعمَّاله، وصاحب المتجر وموظفيه، ومدير المؤسسة وموظفيه أيضاً، الله عزَّ وجل جعل أشخاصاً تحت رعايتك، وإشرافك، فأنت قيمٌ عليهم، أمرهم بيدك، هؤلاء الذين أناط الله بك مصالحهم ومقدّراتهم، فهؤلاء ينبغي أن تأمرهم بالمعروف، وأن تنهاهم عن المنكر، وأقرب مثل عندك محل تجاري عندك موظف، أخلاقه عالية ونشيط ومخلص لكنه لا يصلي، ألا ينبغي لك أن تأمره بصلاة ؟ وأن تشجعه عليها ؟ وتحضَّه على معرفة الله ؟ لأن هذا سيحاسبك، يقول لك: خدمتك ثلاثين عاماً ما ذكرتني مرة بالصلاة، لم تأمرني أن أصلي، ولم تدفعني إلى معرفة الله عزَّ وجل، واعتصرت مني قوَّتي، وألقيتني في جهالةٍ وفي ضلالة، إذاً:

 

 

﴿ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾

 ولا سيما من كان في حوزتك، وتحت إشرافك، ورعايتك، هؤلاء أولى الناس أن تأمرهم بالمعروف وأن تنهاهم عن المنكر.

 

 

﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾

 

6 – ضابط المعروف والمنكر شرعي لا مجال للعقل فيه:

 ما المعروف ؟ ما أمر الله به، وما المنكر ؟ ما نهى عنه، الحسن ما حَسَّنَهُ الشرع، والقبيح ما قَبَّحَهُ الشرع، وكل شيءٍ حسنه الشرع وأمر به فهو حسن، وهو المعروف، وكل شيءٍ نهى عنه الشرع فهو المنكر وهو القبيح، فلا ينبغي أن تكون لك قيَم أخرى، وأن تفعل أشياء تراها حسنة، وهي تخالف الشرع، والمؤمن الصادق قيمُهُ من قيَم كتابه، ومقاييس الفوز عنده هي مقاييس الفوز عند الله عزَّ وجل..

 

(( لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ))

 

[ البغوي في شرح السنة عن ابن عمرو]

 لا يوجد عنده مقاييس خاصة، فمثلاً: إنسان لا يصلي، فهو بعيد عن الدين، ومنكر للدين، تقول عنه: لبق، ولطيف، وأخلاقه عالية، وفهيم، وحذق، فأنت تطعن في الدين، إذا أثنيت عليه كل هذا الثناء وهو لا يصلي، وهو لا يهتم بالدين، فكأنك ألغيت الدين، ولم تعبأ به، إذاً: ينبغي لك تكون القيم التي تتعامل بها نابعةً من كتاب الله، لا أن تكون نابعة من مجتمعك، ولا من تقاليدك، ولا من عاداتك.

 

7 – من نتائج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معاداة الناس:

 لكنك إذا أمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر فالطريق في ذلك ليس محفوفاً بالورود ؛ ولكنه محفوفٌ بالأشواك، لأن الذي يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر يتصدى له أشخاصٌ شهوانيّون يتضررون من هذه الدعوة، إذاً: لابدَّ أن يناصبوها العِداء، وأن يقفوا عقباتٍ في طريق الدعوة إلى الله، لأنهم تضرروا ؛ في شهواتهم، و في مصالحهم، إذاً: لابدَّ من أن تؤذى، إذاً: جاء الأمر الإلهي الثالث:

 

 

﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ﴾

 

8 – لذلك: وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ

 أن تأمر بالمعروف، وأن تنهى عن المنكر، وأن تدعو الناس إلى الله، وأن تحضَّهم على طاعة الله، ثم تعيش هكذا بلا مشكلة، ولا معاداة، ولا معارضة، ولا نقد، ولا حسد، هذا مستحيل، ذلك أنّ سيدنا موسى قال في المناجاة: " يا رب، لا تُبقِ لي عدواً "، قال الله عزَّ وجل: " هذه ليست لي "، أليس هناك أعداء لله عزَّ وجل يناصبونه العِداء، ويهاجمون الأديان كُلها، ويقللون من شأن القرآن ؟ هؤلاء هم أعداء الله عزَّ وجل، إذاً: لابد‍َّ للحق من أن يعاديه الباطل، ولابدَّ لأهل الحق أن يقف أهل الباطل لهم عقباتٍ في طريقهم إلى الله عزَّ وجل، لذلك:

 

﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ﴾

 وأحيانا يتلقَّى الإنسان الضربات من أقرب الناس إليه، أحياناً زوجه تناصبه العداء إذا أراد أن يحملها على طاعة الله، وأحياناً أولاده، أو والده، أو شريكه، أو أقرباؤه وأسرته.

 

﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾

 ( سورة الزخرف 22 )

 يقول لك: نحن تربينا هكذا، لا يوجد عندنا هذا التستر، ستفرق الأسرة !! وأقرب الناس إليك، من يقول لك: إن أخذ الفائدة حرام ؟ هل من المعقول أن يترك المال هكذا من دون فائدة ؟! أدخلك في متاهات الربا، ولذلك لابدَّ من معارضة، ومن تجريح، وحَسَد، ووضع العصي بالعجلات.

 

﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾

 

إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ

1 ـ مِن العزم عدمُ التردُّدِ:

 أحياناً تتردد في أمور، مثلاً: نذهب إلى نزهة أو لا نذهب، نجد أماكن أو لا نجد، يا ترى النفقات كبيرة ؟ هل الآن وقتها أو ليس وقتها ؟ قضية النزهة قضية تأخذ وتُعْطِي، لكن لا سمح الله ولا قَدَّرَ إذا أصاب الإنسان مرض ولابدَّ من أن يجري عملية جراحية، وأن حياته متوقفة على إجراء هذه العملية، فهل هنا موازنات وتردد ؟ إن إجراء هذه العملية من عزم الأمور، من الأمور المقطوع بها التي لابدَّ من أن تفعل، فالإنسان أحياناً في قضايا له فيها خيار، لكن في قضايا كثيرة جداً ليس فيها له خيار، أن تقيم الصلاة، وأن تأمر بالمعروف، وأن تنهى عن المنكر، وأن تصبر على ما أصابك، إن هذا لمن عزم الأمور، بمعنى أنه لابدَّ من أن تصلي، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وهذا الأمر ليس أمراً اختيارياً، ولا احتمالياً، فهو لا يحتمل التردد، ولا أن تقول: افعل أو لا تفعل، لا، إن ذلك من الأمور التي يجب أن تعزم عليها، من الأمور المقطوع بصحَّتها، وبحتميتها، وبضرورتها، وبأنها طريقٌ إلى الله وحيدة، هذا معنى من عزم الأمور، عزمت عليه أن يفعل، أي شددت عليه أن يفعل.
 أحياناً يكون دخلُ الإنسان محدوداً جداً، لكن يصاب ابنه بمرض ـ وقد يقتضي هذا المرض أن ينفق عليه عشرات الألوف، بل مئات الألوف، تراه بإرادته يبيع بيته من أجل معالجة ابنه، لأن معالجة الابن من عزم الأمور، وأحياناً ينهدم حائط بالبيت بفعل الأمطار، فيصبح البيت مكشوفاً، ويضطر صاحبه أن يقترض من أية جهةٍ ليشيد هذا الجدار، ليس هناك أمرٌ مخيرٌ فيه، بل من عزم الأمور.

 

2 ـ الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من عزم الأمور:

 أنا أضرب أمثلة، ما معنى من عزم الأمور ؟ أنت في حياتك أشياء كثيرة تتردد بها، تقدم أو تحجم، توازن أفعل أو لا أفعل، لكن هناك أشياء كثيرة أيضاً حينما تقع ترى نفسك مندفعاً إلى فعلها دون تردد، أو سؤال، أو تريُّث، أو استشارة أبداً، التهبت الزائدة عند ابنه، وصاح من شدة الألم، وقال له الطبيب: لابدَّ من أن تجرى العملية اليوم، وانتهى الأمر، يقول لك: والله ليس معي مالٌ، فيستدين، يضع الذهب رهناً، فإجراء العملية لابنه مِن عزم الأمور، فلابدَّ من أن يفعلها، فيجب أن تَعُدَّ الصلاة ومقدمات الصلاة ؛ من عملٍ صالحٍ، من استقامةٍ على أمر الله، ومن معرفةٍ بالله من عزم الأمور، وأن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر من عزم الأمور، وأن تصبر على ما أصابك من عزم الأمور، فمستحيل أن تمضي حياة المؤمن من دون ابتلاء، قال تعالى:

 

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

 ( سورة المؤمنون 30)

 إذاً: لابدَّ من أن تبتلى، ومع الابتلاء لابدَّ من أن تصبر، ولابدَّ من أن تحتسب..

 

﴿ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ﴾

 

وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ للِنَّاسِ

 بعضهم قال: إذا دعوت إلى الله، إذا أمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، فلا ينبغي أن تستعلي على الناس، وأنت في هذه الطاعة، بل ينبغي لك أن تكون واحداً منهم، وأن تخفِض لهم جناحك، وأن تكون لهم لَيِّنَاً، أرحم بهم من أنفسهم، وأن تكون لهم كواحدٍ منهم..

 

﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً ﴾

 

1 – معنى تصعير الخد:

 تصعير الخد أن تميل خدك كبراً، واستعلاءً، وإعجاباً، واحتقاراً لمن دونك، كل هذه المعاني مستنبطة من:

 

﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ﴾

 

 أن تميل، أمال، يُمِيلُ، أن تميل رأسك كبراً، وتيهاً، وعجباً، واحتقاراً للآخرين، فأحياناً يفتخر الإنسان بنسبه، أو بشهاداته، أو بماله، أو بقوته، أو بوسامته، أو بذكائه، أو أنه وسيم جميل الطلعة، أو أنه ابن فلان فيفتخر بأبيه، أو بقوته، أو بماله، وتفوُّقه في هذه النواحي يحمله على أن يتكبَّر، مع أنّ الناس لا يحبون المتكبر، فإذا تكبرت عليهم انفضوا عنك، ونفروا منك، وانصرفوا إلى غيرك، فإذا أمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، فإياك أن تُصَعِّرَ خدك للناس، وإياك أن تمشي في الأرض مرحاً، وأن تفرح بالدنيا.

2 – إذا جاءتك الدنيا فلا تتكبّر على عباد الله:

 أحياناً تأتي الدنيا كما تشتهي، وفي حالات كثيرة تأتيك الدنيا كما تريد، ويزداد مالك، وتزداد قوتك، يزداد شأنك، ويتألَّق نجمك، وتلمع في سماء الدنيا، ويقبل الناس عليك معظِّمين مُبَجِّلين، هذا امتحانٌ خطير، وهذا مزلقٌ خطير، فإما أن تنجح وإما أن ترسب، حتى إنهم قالوا: ما من فاتحٍ على وجه الأرض إلا إذا دخل البلد المفتوح، دخله متغطرساً، مختالاً، متكبراً، إلا النبي عليه الصلاة والسلام، حينما دخل مكة كادت ذُؤابة عمامته تلامس عنق بعيره، تواضعاً لله عزَّ وجل.
 فهل لديك إمكانية وأنت في ساعات تألُّقَك، وفي ساعة نجاحك، وارتفاع شأنك، أن تكون في أعلى درجات العبودية لله عزَّ وجل ؟

 

3 – عليك تعظيمُ النعمة مهما دقَّتْ:

 سيدنا عمر جاءه رسولٌ في أذربيجان، وأذربيجان الآن تابعة للاتحاد السوفياتي، وقد كانت ولايةً تابعةً لسيدنا عمر، والعاصمة كانت المدينة، وليست موسكو، بل المدينة، جاءه رسول من أذربيجان، فكرِه هذا الرسول أن يطرق بيته ليلاً فتوجه إلى المسجد، فسمع بكاءً ومناجاةً، يقول هذا الرجل الذي يناجي ربه: << رب، هل قبلت توبتي فأُهنِّئَ نفسي، أم رددتها فأعزِّيها ؟، قال له: من أنت يا رجل ؟، قال له: أنا عمر، فهذا الذي كره الذي يطرق بيته ليلاً هو في المسجد يصلي، قال: يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل ؟ قال: إنني إن نمت ليلي كله أضعت نفسي أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي، وانطلقا بعد الفجر إلى البيت، قال: يا أم كلثوم، ما عندكِ من طعام ؟، قالت له: والله ما عندنا إلا خبزٌ وملح، خبزٌ وملح فقط في بيت أمير المؤمنين، فقال: هاتِه، أكل خبزاً وملحاً، ودعا الدعاء التالي فقال: الحمد لله الذي أطعمنا، فأشبعنا، وأسقانا فأروانا >>.
 وأنت تأكل سلطة، ولبناً، وفاصولياء، وأرزا، وراءها تفاح، وحليب وجزر، وبعد ذلك والله الأكلات طيبات، قلت: الحمد لله، هذا الكلام فقط ؟! سيدنا عمر أكل خبزاً وملحاً، وقال: الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا، وسقانا فأروانا، هكذا المؤمن، حتى مر بالأثر، إن شاء الله أذكرها لكم بالتفصيل، أن الإنسان إذا شرب كأس ماء، شربه على ثلاث دفعات، وفي كل دفعةٍ قال: بسم الله الرحمن الرحيم، فلما انتهى من الدفعة الأولى قال: الحمد لله رب العالمين، والمرة الثانية والثالثة هكذا، قال: ما دام هذا الماء في جوفك لن تحدَّثه نفسه بمعصية الله عزَّ وجل، أديت حق النعمة، هذا كأس الماء.
 قيل لملِكٍ عظيم: يا أمير المؤمنين، بكم تشتري هذا الكأس من الماء إذا منع منك ؟ قال: بنصف ملكي ـ قرأت قصةً عن باخرةً غرقت في عرض المحيط، أحد قوارب النجاة، أكبر قارب نجاة كان فيه حوالي سبعون إنساناً، وفي هذا القارب مستودع للماء لا يكفي لإنسانين، فوزع الماء بملعقة الشاي، فكل واحد باليوم له ملعقة شاي من الماء، هل تصدقون أن ركاب هذا المركب قتل بعضهم بعضاً، ولم يصل إلى الشاطئ إلا اثنان، من أجل شربة ماء، من أجل أن يشرب ملعقتين من الماء بدلاً من ملعقة ـ قال له: يا أمير المؤمنين، بكم تشتري هذا الكأس إذا منع منك ؟ قال له: بنصف ملكي، قال: فإذا منع إخراجه، قال: بنصف ملكي الآخر، قال له: ملكك يساوي كأس ماء.
 إذا شرب الإنسان الماء، وكانت الكليتان سليمتين، والحالب والمثانة، وكله يعمل بانتظام، أليست هذه نعمة كبرى ؟ لذلك:

 

 

﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾

 

 كن متواضعاً.
 آيةً واحدة: إذاً إذا دعوت إلى الله، أو أمرت بالمعروف، أو نهيت عن المنكر، أو في أية حالةٍ من حالاتك..

﴿ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ﴾

 إياك أن تستعلي عليهم، وإياك أن تخاطبهم من فوق، وأن تكون متعجرفاً، وأن تشعر أنك فوق الناس.

﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ ﴾

وَلاَ تَمْشِ فِي الأرْضِ مَرَحًا

 إياك أن تستخفك الدنيا، أن تفرح بها، وبمالها، وزينتها، ومباهجها، فلا تنس أن البيت الذي جهدت في بنائه، وفي كسوته، وفي تزيينه، وفي تأثيثه لن يبقيك أحدٌ فيه ساعةٌ بعد الموت، ولن يسمح لك أن تدفن فيه، يقول لك: في المقبرة، اشتريته، وجهدت في بنائه، وتزيينه، وتأثيثه، وأقرب الناس إليك إكرامهم لك سرعة ترحيلك من هذا البيت، فعلامَ الفرح ؟

 

﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾

 

إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ

 يجب أن تفرح لا بالدنيا، ولكن بطاعة الله، يجب أن تفرح إذا أجرى الله الخير على يديك، وإذا سمح الله لك أن ينطلق لسانك في تعريف الناس بالله عزَّ وجل، وإذا جعلك الله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، وباباً له، بهذا فافرح..

﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾

 ( سورة يونس: من الآية 58 )

 أما أن تفرح بالدنيا ! فليس لك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت، والباقي ليس لك.
 آخر آية:

 

﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ﴾

 

القصدُ في المشي تسطيرُ الأهداف:

 معنى القصدُ في المشي:

 مرة جاء أحد علماء مصر الكبار إلى مجلس الشيخ بدر الدين رحمه الله تعالى، طبعاً الذي جاء شيخ الأزهر، جلس جلسة تَنِمُّ عن اعتزازه بعلمه ومكانته، هكذا سمعت القصة، بدأ الشيخ يتحدَّث، كلما حَدَّثَ حديثاً وفَسَّرَهُ، وتعمَّق في شرحه، هذا الضيف بدأ يغَيِّر من جلسته، إلى أن انتهى المجلس وهو جالسٌ على ركبتيه وهو لا يدري، إذاً: كلما عرفت هذا الذي يتكلم تتأدب معه، إذا دخلت على إنسان يحتل منصباً رفيعاً، لاحظ نفسك، تجلس جِلْسَةً فيها أدب، لا تعبث بما على المنضدة، ولا تقرأ جريدة أمامه، ولا تُمسك المسبحة، إذا كنت أمام شخص مهم، تجلس بأدب، واحترام، تنظر إليه، وتتطامن في جلستك، هذا مع إنسان، فكيف إذا عرفت الواحد الديان ؟ إذاً المتكبر المختال لا يعرف الله عزَّ وجل، لو عرف الله لتأدب معه حتى في جلسته، ومشيته، ومَنْطِقِهِ، وكلامه، إذاً:

﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ﴾

 المعنى الأول:

 اقصد أي كن معتدلاً بين الكبر ومَيل الخد والتذلل، أيضاً هناك مشية لا يحبها الله عزَّ وجل، أن تمشي خانعاً ذليلاً خافض الرأس، وأن تتمسح بالناس، وأن تذل نفسك لهم، هذا أيضاً مرفوض، المؤمن عزيز، لا ينبغي له أن يذل نفسه، <<متى أمَتَّ علينا ديننا >> ؟ قالها سيدنا عمر لأحد الأشخاص، قال له: متى ؟ لله العزة، إذًا بين التذلل المَقيت والكبر المقيت، ودائماً الفضيلة وضعٌ وسطٌ بين نقيصَتَين، الكبر نقيصة، والخنوع نقيصة..

﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ ﴾

 كن معتدلاً في مشيك.

 المعنى الثاني:

 ورد في بعض التفاسير: أي واقصد في مشيك رضاء لله عزَّ وجل، ففي مشيك إلى دكانك، وإلى عيادتك، وإلى معملك، وإلى أهل بيتك، وإلى زيد، وإلى عُبيد، كل حركةٍ من حركاتك، اقصد بها رضاء الله عزَّ وجل، هذا ورد في بعض التفاسير.

﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ﴾

 فارتفاع الصوت ليس فضيلةً، فالعربة الفارغة لها ضجيج، فإن كانت مُحَمَّلَةً ليس لها ضجيج، والشيء الفارغ له صَدى، وكل الآلات الموسيقية مجوَّفة من الداخل فارغة، وما دامت فارغة لها ضجيج.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018