الدرس : 07 - سورة لقمان - تفسير الآيات 7 -13 ، من وصايا سيدنا لقمان - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 07 - سورة لقمان - تفسير الآيات 7 -13 ، من وصايا سيدنا لقمان


1991-06-28

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، لا زلنا في سورة لقمان، وفي الدرس السابع من هذه السورة، والحديث عن سيدنا لقمان الحكيم وهو يعظ ابنه، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾

وقفة قصيرة على عتبةِ باب الحكمة:

 قبل أن نتابع موعظة سيدنا لقمان لابنه نقف وقفةً صغيرةً أو قصيرةً عند الحكمة..

 

﴿ وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾

 

1 – من تعريفات الحكمة:

 الحقيقة من بعض التعاريف التي تعرَّف بها الحكمة: أنها تجارب إنسانيَّة مكثَّفة في كلمات، فإذا استقى الإنسان الحكمة من تجاربه قد يدفع ثمنها باهظاً، بعد أن تقع الطامَّة الكبرى يقول: يا ليتني لم أفعل هذا، نعم هذه الحقيقة كانت غائبةً عني، أما حينما يؤمن الإنسان بالله عزَّ وجل، ويؤمن بكتابه، ويأتي كتابه، وهو كلام الله عزَّ وجل من عند الخبير، من عند الصانع، يقول له: افعل ولا تفعل، فكأنه أخذ الحكمة المطلقة في الوقت المناسب، وقبل فوات الأوان، ومن دون أن يدفع ثمنها باهظاً، وهناك أناسٌ يتقدَّمون في السن، وفي آخر حياتهم يكتشفون حقائق دقيقةً جداً، ولكن لم يبقَ في حياتهم وقتٌ للاستفادة من هذه التجارب، والفرق بين المؤمن وغير المؤمن، هو أن المؤمن حينما آمن بالله عزَّ وجل، وآمن بالحقِّ من عنده، وآمن بهذا القرآن، كان هذا القرآن توجيهات حكيمة، صحيحة، فيها حقٌ صِرْف..

﴿ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ﴾

 ( سورة فصلت: من الآية 42 )

2 – من الحكمة معرفة الحقيقة قبل فوات الأوان:

 لذلك طبَّقها في وقتٍ مبكِّر، وقطف ثمارها، واستفاد منها، وسَعِدَ في دُنياه وأخراه، أما الذي يبتعد عن كلام الله، ويبتعد عن الحق الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يبتعد عن مجالس العلم، ويتحرَّك في الحياة من دون توجيه خالقه، ومن دون منهج، سوف يكتشف بعض الحقائق، ولكن أغلب الظن أنه يكتشفها بعد فوات الأوان، أو بعد أن يدفع ثمنها باهظاً.
 مثلاً: هناك إنسان رأى في الأرض ما يشبه قُنبلة، يا ترى هل هي قنبلة، أم ليست قنبلة، لقد اقترب منها ليفحصها، فإذا انفجرت بين يديه، في أقلّ من ثانيةٍ واحدة عرف أنها قنبلة، ولكن بعد فوات الأوان، وبعد أن أطاحت به، فهذا مثل رهيب جداً، ولكن الحياة الدنيا فيها ما يشبه هذا المثل، أي أنه يتحرَّك على هواه، يتحرَّك بدافعٍ من شهوته، ومن مصلحته، فبعد فوات الأوان، وبعد أن يدفع سعادته الزوجيَّة ثمناً، وبعد أن يدفع ماله كلَّه ثمناً لأخطائه في البيع والشراء، يكتشف حقيقة، ولكن بعد فوات الأوان، فالبطولة كُلَّها أن تعرف الحق في الوقت المناسب، أن تستفيد من الحق، أن تستثمره، وأن تنتفع به، وأن تقطف ثماره في الدنيا، فالحقيقة التي لا ريب فيها هو أن كل إنسانٍ كائناً من كان إذا جاءه الموت عرف الحقيقة، والدليل:

﴿ فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾

 ( سورة ق22)

 وهل من إنسانٍ أكثر من فرعون كفراً ‍؟! وأكثر منه كبرا‌ ؟ واستعلاءً وادِّعاءً ؟ لقد ادَّعى أنه إله، فقال:

﴿ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى ﴾

 ( سورة النازعات 24)

 هكذا قال، ومع ذلك حينما أدركه الغرق قال:

﴿ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ﴾

 (سورة يونس 90)

 إذاً: ذا نستنبط ؟ أن الحقيقة لابدَّ من أن تُعرف في وقتٍ ما، من هو المؤمن ؟ ومن هو السعيد ؟ والذكي ؟ والموَفَّق ؟ من هو الفالح ؟ والمتفوِّق ؟ والفائز ؟ إنه الذي عرف الحقيقة في الوقت المناسب، في مُقتبل العمر، لأنه إذا عرف الحقيقة في مقتبل العمر شكَّل حياته وفق الحق، واختار صنعةً تتناسب مع مبدئه، وحرفةً يوظِّفها في سبيل آخرته، وزوجةً تعينه على أمر دينه، اختار كل الخيارات التي هي مُتَاحَةٌ أمامه وفق معرفته بالحق، إذاً شكَّل حياتَهُ إن صحَّ التعبير، في عمله، وزواجه، وعلاقاته، وإقامته، وتحرُّكاته، وتصرُّفاته وفق الحق سعد وأسعد، سعد بالحق وسعد به من ارتبط به، ومن تعلَّق به، ومن عامله، وشاركه، وتعامل معه.
 إذاً: أردت من هذه المقدِّمة أن هناك أشخاصاً في خريف عمرهم يكشفون الحقيقة، ولكن بعد فوات الأوان، يقول لك: فلان عاركته الأيَّام، فلان أمضى حياته في هذا المجال فاكتشف هذه الحقيقة، لكنَّك إذا آمنت بالله عزَّ وجل خالق الكون، والخالق هو الصانع، وعنده الحق الصرف، والحقيقة التي لا ريب فيها..

﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

 ( سورة فاطر 14)

 هل من خبيرٍ أكثر خبرةً من الله عزَّ وجل ؟ هو الصانع، والخالق، يقول لك: افعل ولا تفعل، غضَّ بصرك، واجعل دخلك حلالاً أبارك لك فيه، حَدِّد علاقتك مع الناس وفق الشرع تأمن شرَّهم.
 إذاً: نحن لا نريد حكمةً نستقيها في خريف العمر، وبعد فوات الأوان، وبعد أن ندفع الثمن باهظاً، بعد أن ندفع كل شيء.
 قرأت كتاباً مرَّة لأحد المفكَّرين الغربيين وعنوان الكتاب " الإنسان ذلك المجهول "، ومحور هذا الكتاب أن الغرب أن ضيَّع الحياة الصحيحة التي ينبغي أن يحياها الإنسان، فالغرب يحيا حياةً ماديَّةً عالية المستوى ؛ ولكن على حساب قيمه ومبادئه، بعد أن ضيَّع أثمن ما في الحياة عرف الحقيقة.
 حينما أثبت الله عزَّ وجل لأهل الدنيا أنهم يعلمون، قال:

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) ﴾

 (سورة الروم 2-7)

 حينما أثبت الله لهم العلم بالدنيا أثبت لهم العلم بظاهرها، صورها، وطلاءها الخارجي، وزيفها لا حقيقتها، لذلك قال بعضهم: " مساكين أهل الدنيا، جاءوا إليها وخرجوا منها ولم يعرفوا أجمل ما فيها، إنها معرفة الله عزَّ وجل، إنها طاعته، إنها الأُنْسُ به "، فلذلك:

 

﴿ وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾

 أتمنَّى حكمةً تأتيني من كتاب الله، وأتمنى حكمةً أعرفها في مقتبل العمر، كي أُشَكِّلَ حياتي وَفْقَهَا، لا أتمنى حكمةً تأتيني بعد فوات الأوان، تأتيني وأنا على فراش الموت، تأتيني والنَدَمُ يعتصر قلبي، هذه لا قيمة لها، لأنها جاءت متأخِّرةً، فإذا عرف الطالب هذا البحث قبل أن يدخل الامتحان، وكان هذا البحث سؤال الامتحان شيء، وإذا دخل الامتحان، وما عرف الإجابة، وبعد أن خرج من الامتحان فتح الكتاب، وقرأ البحث وفهمه، ما قيمة هذا الفهم ؟ بعد فوات الأوان، إذ فَهِمَه بعد الرسوب.
 إذاً:

 

 

﴿ وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾

 

بعض حِكَمِ لقمان الحكيم:

 الحقيقة من قَبيل أن الله عزَّ وجل حينما وصف لقمان بالحكمة، أو بأنه قد أوتي الحكمة، فلاشكَّ أن هذا الإنسان الحكيم له حِكَمٌ كثيرة، تناقلتها بعض الكتب، ولذلك أردت أن أقرأ عليكم بعض الحِكَم التي نُسِبَت إلى سيدنا لقمان الحكيم..

الحكمة الأولى:

 قال:
 << يا بني، إنك منذ أن سقطت إلى الدنيا استدبرتها، واستقبلت الآخرة، فدارٌ أنت إليها تسير أقرب إليكَ من دارٍ أنت عنها متباعد >>.

 

1ـ المغزى من الحكمة: الإنسان قريب إلى الموت:

 هذا الإنسان نزل من بطن أمِّه إلى الدنيا، الآن هو يقترب من الآخرة، ويتباعد عن الدنيا، فالدار التي يتجه إليها أقرب إليه من الدار التي يبتعد عنها، إنك إن ركبت مركبةً، وتوجَّهت بها إلى حلب، لو قطعت عن دمشق كيلو مترا واحداً، ما دامت هذه المركبة متحرِّكة، وما دامت متَّجهة إلى حلب، فحلب مع حركة المركبة الثابتة أقرب إليكَ من دمشق، لأنك تتباعد عن دمشق، ومع مُضي الزمن تتباعد، ومع مضي الزمن تقترب، فهذه حكمةٌ بالغة، إذاً: العاقل هو الذي يعمل للآخرة، ولدارٍ هو إليها متَّجه، لا يعمل في دارٍ هو عنها مُنصرف، شتَّان بين هذا وبين ذاك العاقل.

الحكمة الثانية:

 << يا بني جالس العلماء، وزاحمهم بركبتيك، ولا تجادلهم فيمنعوك >>.

 

المغزى الأول: فوائد مجالسة العلماء:

 لماذا ؟ هم أشخاصً عاديون ولكن الله امتنَّ عليهم بمعرفة الحقيقة، فإذا عرفت الحقيقة وأخذتها عنهم بالدليل، ليس بعد النبي عليه الصلاة والسلام إنسان يحقُّ له أن يقول: خذ الحقَّ مني، من أنت ؟ بل إنه يقول لك: أنقل لك الحق عن رسول الله، أنقل لك ما في كتاب الله، فقيمة العالِم من أنه أمينٌ على شرع الله، ينقل لك ما في الكتاب والسُنَّة بأمانةٍ بالغة، أما أن يعطيك شيئاً من عنده فلا:

 

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا ﴾

 ( سورة المائدة: من الآية 3 )

المغزى الثاني: لا للإضافة على الإسلام ولا للحذف منه:

 من أجل أن يبقى الإسلام كما بدأ، لا يجوز أن يضاف إليه شيء ولا أن يُحْذَف منه شيء، ولا أن يؤوَّل إلى وفق ما أراد الله عزَّ وجل، لا إضافة، ولا حذف، ولا تأويل، يبقى الإسلام كما هو ويستمرُّ كما أراد الله عزَّ وجل، فإذا أُضيفت عليه أشياء ليست منه، كما قال عليه الصلاة والسلام:

((مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ))

[مسلم عن السيدة عائشة ]

 كل ما ليس من هذا الشرع مردودٌ عليه، وهذا الكتاب، وهذه السنَّة..
 << يا بني جالس العلماء، وزاحمهم بركبتيك، ولا تجادلهم فيمنعوك >>.

المغزى الثالث: لا لمجادلة العلماء:

 لا تسألهم سؤال المُتَعَنِّت، لا تسألهم سؤال الفاحص، أحدهم قال: " يا بني، نحن إلى أدبك أحوج منا إلى علمك "، الإنسان بالأدب يبلغ ما يريد، وبغير الأدب يُحْرَم ما يريد، هذا من مواعظ سيدنا لقمان..

الحكمة الثالثة:

 << وخذ من الدنيا بلاغاً ولا ترفضها فتكون عالةً على الناس >>.
 النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

((إن الله تعالى إذا أحب عبدا جعل رزقه كفافا))

[ كنز العمال عن علي ]

المغزى الأول: الكفاف لا العفاف:

 ليس معنى الكفاف أن تكون فقيراً، ولكن معنى الكفاف أن تكون مكتفياً، فالنبي دعا لمن يحبُّه أن يرزقه كفافاً.
 قال: << يا بني، خذ من الدنيا بلاغاً ـ أي الكفاف ـ ولا ترفضها فتكون عالةً على الناس، ولا تدخل فيها دخولاً يضرُّ بآخرتك >>.

المغزى الثاني: لا لأعمال تضيِّع الآخرة:

 فهناك أعمال إذا أقدمت عليها ضيَّعت آخرتك، وهناك شبهات، وهناك مزالق، وتُرُّهات، وانحرافات، فإذا دخلت في مداخل الدنيا دفعت الثمن باهظاً من آخرتك..
 << يا بني، ولا تدخل فيها دخولاً يضرُّ بآخرتك، وصم صوماً يقطع شهوتك، ولا تصم صياماً يمنعك من الصلاة، فإن الصلاة أحبُّ إلى الله من الصيام، يا بني، إن الدنيا بحرٌ عميق قد هلك فيها عالَمٌ كثير، فاجعل سفينتك فيها الإيمان، واجعل شراعها التوكُّل، واجعل زادك فيها تقوى الله، فإن نجوت فبرحمة الله، وإن هلكت فبذنوبك >>.
 هذه من حِكَمِ سيدنا لقمان كما تناقلتها بعض الكتب، وقد يسأل سائل ما مدى صحَّة هذه الحِكَمْ ؟ الجواب: خذ الحكمة ولا يهمٌّك من أي مكانٍ خرجت، حِكَم تتفق مع كتاب الله عزَّ وجل ومع شرع النبي عليه الصلاة والسلام.

الحكمة الرابعة:

 << يا بني إن تأدَّبت صغيراً انتفعت به كبيراً >>.

 

المغزى: تربية في الصغر ثمرات في الكبَر:

 الذي يرعى نفسه وهو صغير يقطف ثمار تربيته وهو كبير، ومن لم تكن له بدايةٌ محرقة لم تكن له نهايةٌ مشرقة..

الحكمة الخامسة:

 

المغزى: أهمية العلم:

 << يا بني من اهتمَّ بالأدب تكلَّف علمه، ومن تكلَّف علمه اشتدَّ له طلبه، ومن اشتدَّ له طلبه أدرك منفعته، فاتخذه عادة >>.
 فمثلاً هؤلاء الذين لا يحبُّهم الله عزَّ وجل ماذا أعطاهم ؟

 

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾

[ سورة القصص 76]

 وفرعون آتاه الله المُلك، والأنبياء ماذا آتاهم الله عزَّ وجل ؟ آتاهم العلم والحكمة، فإذا جمعت إلى المال العلم والحكمة فقد حصَّلت من الدنيا طرفيها، فما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا ؛ وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل، كما يقولون.. فإذا آتى الله عزَّ وجل الإنسان مالاً، فلا ينبغي أن يقنع به بل يجب أن يبحث عن العلم، لأن بالعلم حياة القلب، وسعادةً إلى الأبد..

الحكمة السادسة:

 << يا بني خَفِ الله عزَّ وجل خوفاً لو أتيت القيامة بِبِرِّ الثقلين خفت أن يعذِّبك الله، وارجُ الله رجاء لو وافيت القيامة بإثم الثقلين رجوت أن يغفر لك الله>>.

 

المغزى الأول: أهمية الجمع بين الخوف والرجاء:

 هذا كلام دقيق، أي يجب أن يجمع المؤمن بين الرجاء وبين الخوف، فالرجاء إذا تفاقم، وإذا نما نمواً غير طبيعي على حساب الخوف، وقع في المعاصي وهو يطمع برحمة الله، وقد تلتقي مع إنسان تراه مقيماً على معاصٍ كثيرة ومع ذلك يرجو رحمة الله، فهذه سذاجة، وغباء، وتفاؤل أبله..

 

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

 ( سورة الحجر 92-93)

 قد تلتقي بإنسان يحرص على طاعة الله عزَّ وجل وهو شبه يائسٍ من رحمة الله، هذه أيضاً حالة مَرَضِيَّة، هناك حالتان مَرَضيتان: أن تخاف خوفاً يحملك على اليأس من رحمة الله، وأن ترجو رجاء ساذجاً يجعلك تقع في المعاصي، ولا تبالي بها، فهذا رجاءٌ مَرَضي، وذاك خوفٌ مَرَضي، أما الرجاء السَوِيّ والخوف السوي أن تجمع بينهما معاً، أن يأتلف عندك الرجاء والخوف، فالمؤمنون يعبدون الله خوفاً وطمعاً، رَغَبَاً ورَهَبَاً، ولا سيما أن الله عزَّ وجل إذا رأى العبد يتساهل في طاعته، ويُعَلِّقُ آمالاً كبيرةً على رحمته، يضيِّق عليه، يريه جانب القوَّة، ويريه شدَّةً، وضيقاً، يلوح له شبح مصيبةٍ، فيعود العبد عن رجائه الساذج، ويرجع إلى طاعته المُثلى، فإذا بالغ في الطاعة، وجاءته الوساوس، وحملته على اليأس، يريه الله بعض إكرامه، إذاً: الله سبحانه وتعالى إذا نما عندك الخوف على حساب الرجاء طمأنك، وإذا نما عندك الرجاء على حساب الخوف خوَّفك، من أجل أن تكون حالتك السويَّة أن تجمع بين الرجاء والخوف، لابدَّ من أن ترجو الله عزَّ وجل ـ نرجو رحمتك ونخشى عذابك ـ هذا الدعاء، هذا ما قاله سيدنا عمر: << لو أن الله أنزل أنه معذِّبٌ واحداً لخفت أن أكون أنا، ولو أنه أنزل أنه راحمٌ واحداً لرجوت أن أكون أنا >>.
 << يا بني، خفِ الله عزَّ وجل خوفاً لو أتيت يوم القيامة ببرِّ الثقلين خفتَ أن يعذِّبك >>.

المغزى الثاني: إيّاكم والغرور:

 ذلك فالإنسان إذا عمل الصالحات، واستقام على أمر الله، وأجرى الله على يده الخير، فهناك مزلقٌ خطير ربَّما وقع فيه، وهذا المَزْلَق هو أن يَغْتَرَّ بطاعته، وأن يستعلي بها، وأن يعلو بها على خلق الله عزَّ وجل، عندئذٍ يقع في ذنبٍ أَشَدَّ من المعصية وهو العُجب، قال عليه الصلاة والسلام:

(( لو لم تكونوا تذنبون لخفت عليكم ما هو أكبر من ذلك: العجب، العجبَ ))

[ الجامع الصغير عن أنس]

 فربَّ معصيةٍ أورثت ذلاً وانكساراً، خيرٌ من طاعةٍ أورثت عِزَّاً واستكباراً، فإذا غلب عندك الرجاء على حساب الخوف خوَّفك الله، وإذا غلب عندك الخوف على حساب الرجاء طمأنك الله، والله هو المُربي، هو ربُّ العالمين، كما أنه يربي جسدك بالطعام والشراب، يربي نفسك بتقليبك بين الخوف والرجاء، فكن حكيماً، لا تطمع على حساب الخوف، ولا تخف على حساب الطمع، كن بين الخوف والرجاء، وبين الرَغَبِ والرَهَبِ.

الحكمة السابعة:

 قال ابنه له: << يا أبتِ، كيف أطيق هذا ؟ وإنما لي قلبٌ واحد >>، لي قلبٌ واحد يتَّسع لشيءٍ واحد، رجاءٍ أو خوفٍ، فكيف أجمع بين الخوف والرجاء ؟ فقال له:
 << يا بني، لو استُخْرِجَ قلب المؤمن لوُجِدَ فيه نورَان، نور الخوف ونور الرجاء، ولو وُزِنا لما رجح أحدهما على الآخر بمثقال ذرَّة ـ الآن كلام دقيق جداً ـ فمن يؤمن بالله يصدِّق ما قال الله عزَّ وجل، ومن يصدِّق ما قال الله عزَّ وجل يفعل ما أمر الله عزَّ وجل، ومن لم يفعل ما أمر الله به لم يصدِّق كلامه، ومن لم يصدِّق كلامه لم يؤمن به >>.

 

المغزى: الإيمان بالله يقتضي الإيمان بكلامه، والمبادرة إلى طاعته:

 إنها مقدِّمةٌ تفضي إلى نتيجة إفضاءً حتمياً، آمنت بالله، فمن لوازم إيمانك بالله أن تؤمن بكلامه، وإذا آمنت بكلامه على أنه كلام الحق، فمن لوازم إيمانك بكلامه أن تبادر إلى طاعته، فلمجرَّد أن تعصي الله عزَّ وجل فهذا يشير على أنَّك لم تؤمن بكلامه، وعدم إيمانك بكلامه هو عدم إيمانك به.
 << فمن يؤمن بالله إيماناً صادقاً يعمل لله خالصاً ناصحاً، ومن يعمل لله خالصاً ناصحاً فقد آمن بالله صادقاً، ومن أطاع الله خافه، ومن خافه فقد أحبَّه، ومن أحبَّه فقد اتبع أمره، ومن اتَّبع أمره استوجب جنَّته ومرضاته، ومن لم يتَّبع رضوان الله فقد هان عليه سخطه، فنعوذ بالله من سخط الله >>.
 هذه بعض الحِكَمْ المتناثرة التي نُسِبَت إلى سيدنا لقمان الحكيم.

الحكمة الثامنة:

 من الحكم الأخرى التي نُسِبَت إليه:
 << يا بني، لا تركن إلى الدنيا، ولو أُتيت فيها مالاً كثيراً وجاهاً عريضاً فإنها زائلة >>.
 وكما قال سيدنا علي: << يا بني، ما خيرٌ بعده النار بخير، وما شرٌ بعده الجنَّة بشر، وكل نعيمٍ دون الجنَّة محقور، وكل بلاءٍ دون النار عافية >>.
 قال: << يا بني، لا تركن إلى الدنيا، ولا تشغل قلبك بها، فما خلق الله خلقاً هو أهون عليه منها >>.
والدليل:
 << ألا ترى أنه لم يجعل نعيمها ثواباً للمطيعين ؟ ولم يجعل بلاءها عقوبةً للعاصين ؟ >>.

 

المغزى الأول: الدنيا زائلة فلا تشتغلوا بها:

 هذا النبي العظيم سيد الخلق وحبيب الحق، ماذا أوتي من الدنيا ؟ لم يؤتَ منها شيئاً، كان إذا صلَّى قيام الليل أبعدت السيِّدة عائشة رجليها، لأن غرفته من الضيق حيث لا تتسع لصلاته ونوم زوجته، هذا بيت النبي، دخل عليه رجل أصابته رعدة، فقال له:

(( هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ ))

[ سنن بن ماجه عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ]

 دخل عليه عمر فرآه مضطجعاً على حصير، وقد أثَّر في خدِّه الشريف، فبكى عمر فقال النبي:

(( يا عمر لمَ تبكي ؟ ))قال: رسول الله ينام على الحصير، وكسرى ملِك الفرس ينام على الحرير ؟! قال:

(( يا عمر، إنما هي نبوَّةٌ وليست ملكاً ))

[ ابن ماجه عن عمر ]

 أنا لست بملك، هذه النبوة هكذا.
 إذاً: النبي عليه الصلاة والسلام كان أسوةً حسنة.
 قال لقمان الحكيم: << فما خلَق الله خلقاً هو أهون عليه منها، ألا ترى أنه لم يجعل نعيمها ثواب المُطيعين، ولم يجعل بلاءها عقوبةً للعاصين ؟ >>.
 قال سيدنا علي: << فلينظر ناظرٌ بعقله أن الله أكرم محمَّداً أم أهانه حين زوى عنه الدنيا، فإن قال: أهانه فقد كذب، وإن قال: أكرمه فلقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا >>.

المغزى الثاني: الدنيا ليست مقياسا:

 الذي أتمنَّى أن يكون واضحاً عند كل إخوتنا هو: أن الدنيا ليست مقياساً أبداً، قد يؤتي الله عبداً الدنيا، وهذا فضلٌ كبير، ونعمةٌ كبيرة، ويجب أن يذوب شكراً، ولكن لا ينبغي أن يتَّخذ الدنيا مقياساً لمحبَّة الله عزَّ وجل..

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ ﴾

 أهل الكفر والعصيان..

﴿ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

 ( سورة الأنعام: الآية 44 )

المغزى الثالث: إذا جاءتك الدنيا وكنت مطيعا فاشكر الله:

 إذا جاءتك فاشكر الله عليها، فقد ترى إنساناً آتاه الله مالاً وفيراً وهو مقيمٌ على المعاصي، فبسذاجةٍ تقول: أخي أعطاه الله، بيته كالجنَّة، إنه فوق الريح، رأى ليلة القدر، هذا كله كلام فارغ، فالغنى والفقر كما قال سيدنا علي: << الغنى والفقر بعد العرض على الله >>.
 هناك الغنى والفقر، لكن إذا كنت مؤمناً، وآتاك الله الدنيا، وأنفقت من مالها الحلال، واللهِ هناك من يغبطك، سيدنا عبد الرحمن بن عوف سمع أن السيدة عائشة قالت: << أخشى أن يؤخِّره ماله عن دخول الجنَّة، أو أنه يدخل الجنَّة حبواً >>.  أي زحفاً لكثرة ماله، فبَلَغته هذه المقالة فتبسَّم، وقال: << والله لأدخلنَّها خبباً ـ أيْ ركضاً ـ وما ذنبي إذا كنت أنفق مائة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء ؟ >>.

المغزى الرابع: نِعْم المالُ الحلال للعبد الصالح:

 حينما جاء عبد الرحمن بن عوف مهاجراً إلى المدينة لم يكن معه دينارٌ واحد، أحد أصحاب رسول الله كان قد آخاه، قال: << هذا مالي، خذ نصفه، ودونك بيتي، دونك بستاني، دونك مالي >>، أجابه إجابةً لا أروع ولا أجمل منها، تقطر عفَّةً، وإباءً، وعزَّةً، قال: << يا أخي بارك الله لك في مالك، ولكن دلَّني على السوق >>.
 هذا الموقف موقف نموذجي، والأنصار وقفوا أرقى موقف، قدَّموا كل ما عندهم للمهاجرين، فأعطوهم نصف أملاكهم، والمهاجرون وقفوا أكمل موقف، تعفَّفوا عن مالهم، وعملوا بالتجارة، قال: << يا أخي بارك الله لك في مالك، دُلَّني على السوق >>.

دعاء عظيمٌ:


 بالمناسبة، الدعاء النبوي الشريف: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ:

 

(( اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ، اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ، اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ ))

 

[ الترمذي ]

 أيْ: يا رب إنِّي أحبُّ المال، فإذا آتيتني المال فاجعله وسيلةً للتقرّب إليك، واجعلني أنفق هذا المال في طاعتك، وأمسح به بكاء البائسين، وأرقى عندك إلى أعلى عليين، واجعله مسخَّراً لخدمة خلقك، وعوناً للضعفاء والمساكين، وشفاءً للمرضى، واجعله مأوىً لمن ليس له مأوى.. وإن زويت عني المال.. فهذا الوقت الذي أبذله في كسبه، وفي حسابه، وفي استثماره، اجعله في طاعتك يا رب، هذا الدعاء رائع جداً:

 

(( اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ، اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ، اللَّهُمَّ وَمَا زَوَيْتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ ))

 

[ سنن الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الأَنْصَارِيِّ]

 قد يتزوَّج الرجل امرأةً، ولم تكن في طموحه، وعُقِدَ العقد، وأنجب منها أولاداً، فزوى الله عنك ما تحب، هذا الفراغ الذي نشأ من أن هذا الشيء زوي عنك، اجعله في طاعتك يا رب، جاءتك امرأةٌ كما تُحِب اجعل هذا الزواج عوناً لي على طاعتك، واجعل هذه الزوجة معواناً لي على طاعتك، يا رب، اجعلها تذكرني إن نسيت، وتنصحني إن غَفَلت، اشتريت مركبةً سخِّرها للحق، وكن خير من يستغلَّ هذه المركبة في طاعة الله عزَّ وجل، واشتريت بيتاً، واشتريت دُكَّانا، وعملت في مصلحةٍ، واشتغلت في حرفةٍ، وعملت في الطب، أو في الهندسة، أو كنت محامياً، فاجعل مهنتك موظَّفةً في طاعة ربِّك.
 والله أيها الإخوة الأكارم، الله عزَّ وجل حينما خلقنا في الدنيا خلقنا لنعمل صالحاً، ولذلك أبواب العمل الصالح لا تعدُّ ولا تحصى، وأنت في بيتك ؛ الأبوَّة المثاليَّة عملٌ صالح، والزواج المِثالي عملٌ صالح، وأنت بين جيرانك فجيرانك مادَّةٌ لعملٍ صالح، وأنت في دكَّانك زبائنك مادةٌ لعملٍ صالح، وفي عيادتك مرضاك مادةٌ لعملٍ صالح، وفي مكتبك الموَكِّلون مادةٌ لعملٍ صالح، كيفما تحرَّكت، وأنت في معملك عمالك مادةٌ لعملٍ صالح، فكيفما سرت بإمكانك أن تعمل صالحاً.
 هذا العامِل الذي جعله الله تحت يديك، وجعلك تعطيه أجراً بإمكانك أن تسعده، وأن تكرمه، وأن تنصحه، وأن تأمره بالمعروف وأن تنهاه عن المنكر، ما دام الله عزَّ وجل قد جعل هذا الإنسان تحت يدك، فاستغلَّ هذه الناحية وخذ بيده إلى الله، فأصحاب المعامل وأصحاب المتاجر وأصحاب المزارع والمُعَلِّمون والمدرِّسون والأطبَّاء والصيادلة، كل حرفةٍ هناك من هم دونك، وقد أناطهم الله بك، بإمكانك أن تحسن إليهم، وأن تنصفهم، وأن تنصحهم، وأن تأخذ بيدهم، وأن تفتح قلوبهم بإحسانك قبل أن تفتح عقولهم بلسانك..

الحكمة التاسعة:

 هذا الرجل الحكيم سيدنا لقمان سُئل مرَّةً: ما الذي أجمعت عليه في حكمتك ؟ فقال: << لا أتكلَّف ما قد كُفِيُته، ولا أضيِّع ما وليِّته >>.

 

المغزى: لا لتكلُّف المضمون ولا لتضييع المأمور به:

 إنه كلامٌ في منتهى الدقَّة، فأنت مكلَّفٌ بشيء ومضمونٌ لك شيء، فالذي كُلِّفت به يجب أن تسعى إليه، والذي ضُمِنَ لك يجب أن ترتاح منه، حال الناس اليوم عكس هذه الحقيقة، الذي ضُمِنَ لهم يتناحرون من أجله، ويتقاتلون، ويتنافسون، يبيعون دينهم، ويبيعون وكل شيءٍ من أجله، الذي ضُمِنَ لهم، والذي كُلِّفوا به يَدَعونه للأقدار، وللزمان، حتى يشاء الله، ويأذن، فالآن لا يوجد إذن من الله، فالله خلقه، ولم يأذن له بالهدى، ولكن بأي شيء أذِنَ لك ؟ هذا كلام ليس له معنى.
 فلذلك: << لا أتكلَّف ما قد كُفِيُته، ولا أضيِّع ما وليِّته >>، هذه حكمةٌ بالغة من حِكَمِ لقمان الحكيم.

الحكمة العاشرة:

 ومن هذه الحِكَم: << يا بني، إن تكُ في شكٍ من الموت فارفع عن نفسك النوم >>.

 

المغزى الأول: النوم موتةٌ صغرى:

 الله جعل النوم يشبه الموت والدليل أن الله عزَّ وجل يقول:

﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ﴾

 ( سورة الزمر: من الآية 42 )

 حينما ينام الإنسان توقَّف التكليف، وتوقَّف الاختيار، والوعي، والعقل، وكل شيء، والله عزَّ وجل استردَّ هذه الأمانة، إذ أعطاك نفسك أمانةً في النهار، واستردَّها في الليل.

﴿ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ ﴾

 ( سورة الزمر: من الآية 42)

المغزى الثاني: النوم لا يُلغى، والموتُ لا يُدفَع:

 أنت في النوم كالميِّت تماماً، فإذا كنت في شكٍ من الموت فارفع عن نفسك النوم، هل بالإمكان أن تُلْغِيَ النوم من حياتك ؟ لا تقدر، ولن تستطيع..
 << وإن كنت في شكٍ من البعث فارفع عن نفسك الانتباه >>.
 هل تستطيع إذا نمت ألا تستيقظ ؟ لا تقدر إلا إن تفتح عينك، ثلاثة أيام ولم تنم، تنام عشر ساعات أو اثنتي عشرة ساعة، وتفتِّح عينك، وتتمطَّى، فاستيقظت، إذن تفضَّل، فالله بعثك بعد الموت، هذا كلامٌ بليغٌ جداً: قال:
 << يا بني، إن تكن في شكٍ من الموت فارفع عن نفسك النوم، ولن تستطيع، وإن كنت في شكٍ من البعث فارفع عن نفسك الانتباه، ولن تستطيع، فإنك إن فكَّرت في هذا علمت أن نفسك بيد غيرك، وإنما النوم بمنزلة الموت، وإنما اليقظة بمنزلة البعثِ بعد الموت >>.

الحكمة الحادية عشرة:

 << يا بني لا تنشر بَزَّكَ إلا عند باغيه >>.
 البَز: الثيابُ، لا تنشرها إلا عند الشاري، أحياناً يحضر شخص، ويسأل سؤالاً للبائع، فالبائع بالحاسَّة السادسة يشعر أنه لن يشتري، فلا يتكلَّف أن ينزل له بضاعة، ويقول: عندما تريد الشراء فتعال.
 يقول هذا الواعظ الحكيم سيدنا لقمان: << لا تنشر بزَّك إلا عند باغيه >>.

 

المغزى الأول: وضعُ الشيء في موضعه:

 أنت تحمل الحكمة، فهذه الحكمة إذا أعطيتها غير أهلها فقد ظلمتها، وإن منعتها أهلها فقد ظلمتهم..

﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى﴾

 ( سورة الأعلى 9)

(( التكبر على المتكبر صدقة ))

[كشف الخفاء ]

المغزى الثاني: التكبُّر مرفوض:

 التكبُّر مرفوض، لكن إذا وجدت إنساناً مستعلياً، مستكبراً، عنيداً، محارباً للحق، فالتكبُّر على هذا المتكبِّر صدقة، أحد أصحاب النبي عليه رضوان الله، وعلى النبي الصلاة والسلام، مشى قبيل المعركة بفرسه مشية خُيَلاء، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( إنَّ الله يكره هذه المشية إلا في هذا الموطن ))

[ ورد في الأثر ]

المغزى الثالث: إنْ شكوت لمخلوق فاشكُ لمؤمن:

 إنّ الإنسان المؤمن إذا ألمَّت به مُلِمَّة، أو نزلت به نازلة، فلا ينبغي أن يشكو ملمَّته ومصيبته لغير الله، وإن شكاها، وإن كان لابدَّ من أن يشكو فليشكُ للمؤمن، لأنه من شكا إلى كافر فكأنما اشتكى على الله، ومن شكا إلى مؤمن فكأنَّما اشتكى إلى الله، فالمؤمن يدعوك إلى الصبر، ويهوِّن عليك هذه المصيبة، ويذكِّرك برحمة الله، ويذِّكرك بالآخرة، يذِّكرك بأن وراء هذه المصيبة تيسيراً كبيراً..

 

﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾

 ( سورة الشرح 5)

 لا يشمت بك، الدعاء الشهير:

 

(( اللهمَّ إنَّا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الخوف إلا منك، ومن الذل إلا لك، ونعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء ))

 

[ ورد في الأثر ]

الحكمة الثانية عشرة:

 قال: << وكما ليس بين الكبش والذئب خُلَّة، كذلك ليس بين البارِّ والفاجر خُلَّة >>.

المغزى الأول: لا خير للمؤمن في الكافر:

 إيَّاك أن تظن أن هذا الفاجر الكافر الفاسق فيه خير لك، أو يحبُّك، أو يمكن أن يقدِّم لك شيئاً، يجب أن تقطع أملك من الناس، من الناس عامَّة ومن أهل الدنيا والفسق والفجور والعصيان خاصَّة، لأن هناك تضاداً قديماً بين أهل الحق وبين أهل الباطل، لا تُعَلِّق عليهم الآمال.

 

المغزى الثاني: الخير كله في الزهد فيما عند الناس:

 الإمام الحسن البصري كان من الكبار التابعين، بلغ من المجد ما لم يبلغه أحد، سُئل مرَّةً: " يا إمام بمَ نلت هذا المقام ؟ "، فقال: " باستغنائي عن مال الناس، وحاجتهم إلى علمي ".
 أحياناً تجد بعض من ينتمون إلى هذا العلم الشريف، يقبلون على من يزهد في علمهم طمعاً بدنياهم، فهم يطمعون في دنياهم، وهؤلاء الأغنياء والأقوياء يزهدون في علمهم، وقديماً كان العكس، كان هؤلاء الأقوياء والأغنياء يقبلون على علمهم، وهؤلاء العُلماء يزهدون في مالهم، فقال: " باستغنائي عن مال الناس، وحاجتهم إلى علمي "، وهذا ما قاله الإمام الحسن البصري.

 

 

الحكمة الثالثة عشرة:

 

 << من يحبُّ المراء يُشتم >>.

المغزى الأول: لا مشاحنة في الإسلام:

 أيْ الذي عنده رغبة في المشاحنة.. فالنبي عليه الصلاة والسلام له كلمة بليغة جداً قبل أن يموت، وقف خطيباً وقال:

 

(( يا أيها الناس، إني قد دنا مني حقوق من بين أظهركم، فمن كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه، ألا ومن كنت قد شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه، ومن كنت أخذت له مالا فهذا مالي فليستقد منه، لا يقولن رجل: إني أخشى الشحناء من قِبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا وإن الشحناء ليست من طبيعتي، ولا من شأني، ألا وإن أحبَّكم إلى من أخذ حقا إن كان له، أو حللني فلقيت الله وأنا طيب النفس، ألا وإني لا أرى ذلك مغنيا عني حتى أقوم فيكم مرارا، ثم نزل فصلى الظهر، ثم عاد إلى المنبر، فعاد لمقالته في الشحناء أو غيرها ))

 

[ مجمع الزوائد ]

 ومن صفات الجهلاء، الشحناء، والمِراء، والمماحكة، والجدل، والكلام الطويل.

 

(( إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ))

 

[ من صحيح البخاري عن المغيرة بن شعبة]

 << من يحبُّ المراء يشتم، ومن يدخل مَدخل السوء يُتَّهم >>.

 

المغزى الثاني: إيَّاكم ومواطن التهمة:

 وسيدنا رسول الله اللهمَّ صلِّ عليه كان معتكفاً في المسجد، فجاءته زوجته بطعام، فكره أن تعود وحدها إلى البيت فرجع معها، في الطريق فرأى صحابيين، فقال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( عَلَى رِسْلِكُمَا، قَالا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا ))

 

[ صحيح البخاري عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ]

المغزى الثالث: البيان يطرد الشيطان:

 عَوِّد نفسك أن توضِّح كل شيء، فلو كنت طاهراً لا يكفي، ولو كنت نظيفاً، ولو كنت حَسَن النيَّة، فالناس لا يعرفونك، فإن عرفت نفسك فهذه معرفةٌ داخليَّةٌ لا قيمة لها، اعمل عملاً له تفسيرٌ واحد، ابتعد عن الشبهات، ولا تقف مواقف التهمة، ثم تلوم الناس إذا اتهموك، ففرضاً لو كنت في محلٍ تجاري، وجاءت أختك إلى المحل، ورحَّبت بها، يجب أن تعلم إخوانك أن هذه أختي، لأنهم يتساءلون: كيف يرحِّب بها هذا الترحيب ؟ لم نعهده بهذه الأخلاق ؟ قل: هذه أختي، مثلاً، وهذا مثل لأن التعليم حرف، والتقليد ألف، والنبي علَّمنا بهذه الطريقة، قال لهما:

(( على رسلكما، هذه زوجتي ))

 في قبض الثمن، والدفع اكتب وصلاً إيصالاً، ووضِّح أن هذا المبلغ لفلان، وهذا لفلان، أنت واثق من نفسك، وبريء، ونيتك حسنة، ونظيف، فكل ذلك لا يكفي، فيجب أن تعلم الناس بذلك..

 

(( رَحِمَ الله امرأً جبَّ المغيبة عن نفسه ))

 

الحكمة الرابعة عشرة:

 << ومن يقارن قرين السوء لا يسلم، ومن لم يملك لسانه يندم، يا بُنَيّ صاحب مئةً ولا تعاد واحداً >>.

المغزى الأول: نتائج العداوة وخيمة على صاحبها:

 حينما يُعادي الإنسان تهزّ أعصابه، ويستهلك حياته استهلاكه رخيصاً، وهناك أشخاص يتحاكمون في المحاكم، تجد أن الفريقين استهلكا حياتهما النفسيَّة وأعصابهما سنواتٍ طويلة، حيث إن النصر لأحدهما لا قيمة له، مهما كان الحكم بعد هذه السنوات الثماني لأنك استهلكت نفسك، وأورثت قلبك الحقد، ودخلت في البُغض، والكيد.
 لذلك: << يا بني، صاحب مئة، ولا تعادِ واحداً >>.
 أحد الأشخاص عرض على سيدنا أبي بكر قضيَّةً، فسيدنا أبو بكر أراد أن يأخذ رأي عمر فقال: " اذهبوا إلى عمر وخذوا رأيه " فسيدنا عمر رفض هذا الموضوع، ويبدو أنه واتخذ موقفاً في الرفض، فاغتاظ هؤلاء، وعادوا إلى الصديق، وقالوا: " يا خليفة رسول الله، الخليفة أنتَ أم هو ؟ " أرادوا أن يوغروا صدره عليه، قال: " هو إذا شاء.. مثل بعضها نحن واحد لا تَفْرِق بيننا.. "
 وهناك مواقف ذكيَّة جداً، أنت عندما تترفَّع عن الدنيا فالله عزَّ وجل يؤتيك الحكمة، وكم من مصيبة مدمِّرةٍ أساسها كلمة ! وأساسها استفزاز واحد، تجد أسرة قد دُمِرَت من كلمة حمقاء قالتها الزوجة، والزوج في غفلةٍ عن الله عزَّ وجل، فأخذته العزَّة فطلَّقها، وكم من شراكةٍ فُصِمَت لكلمةٍ قالها أحد الشركاء فاستفزَّ بها شريكه !

 

المغزى الثاني: الحِلم سيد الأخلاق:

 الحكمة أن تكون حكيماً، والحكمة أن تكون حليماً، وواسع الأفق، وبعيد النظر، ورحب الصدر، كاد الحليم أن يكون نبياً، دائماً الإنسان في كل قضيَّة وخاصةً إذا كان في القضيَّة استفزاز، وتحطيم لأعصابه، يقول هذه الكلمة وأنا ناصحٌ له: "سوف أتَّخذ قراراً بعد أسبوع "، ففي اليوم الثاني يخف هذا الغضب، وفي الثالث يقول: والله فلان معه حق، وأنا أغضبته سابقاً، وفي اليوم الرابع يقول: والله الحق معه، وتجد نفسك بعد سبعة أيام أخذت موقفاً في منتهى الحكمة والإنصاف، ولذلك ليحذر كل إنسان أن يتَّخذ قراراً في ساعة الغضب، لأن الإنسان إذا غضب فليس إنساناً، انتقل إلى صنف آخر من المخلوقات، وإذا أحب إنسان أن يراقب نفسه وهو غضبان ليقف أمام المرآة وهو غضبان، يكره نفسه كراهيَّةً لا حدود لها، ولذلك كاد الحليم أن يكون نبياً، والحلم سَيِّدُ الأخلاق.

 

 

الحكمة الخامسة عشرة:

 

 << يا بني كن عبداً للأخيار، ولا تكن ولداً للأشرار، يا بني أدي الأمانة تسلم، كن أميناً فإن الله لا يحبُّ الخائنين>>.
 هناك آية قرآنيَّة تقول:

 

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾

 (سورة يوسف 52)

المغزى الأول: إيّاكم والخيانة:

 أي أن أية خيانةٍ على وجه الأرض لا يباركها الله عزَّ وجل، ولو خُنْتَ كافراً، ولمجرَّد الخيانة فهي عملٌ قبيح، وهناك شخص أعلم منك كن مخلصاً له، أنت مسلم، فهكذا المسلم..

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾

 الإخلاص يرفع قيمة الإنسان، والخيانة تحطُّ من قدره.
 << يا بني، لا تُرِ الناس أنك تخشى الله وقلبك فاجر >>.
 ومن حكمه أيضاً ولا ننسى أن الدرس عن الحكمة.

 

﴿ وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾

 

 هذه كّلُّها من حكم سيدنا لقمان..
 << يا بني، إن الناس قد جمعوا قبلك لأولادهم، فلم يبقَ ما جمعوا، ولم يبقَ من جَمَعوا له >>.
 ألم يقل الله عزَّ وجل في حديث قدسي يوم القيامة لعبدين، قال للأول:

(( عبدي آتيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ ))

 ليس في الآخرة كذب وتدجيل ـ قال:

((يا رب، لم أنفق منه شيئاً على أحدٍ مخافة الفقر على أولادي من بعدي.. ))

 هذا لسان حاله.. قال:

((ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوَّة المتين، إنَّ الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم.. ))

 وسأل آخر.. قال:

((أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ قال: يا رب، أنفقته على كل محتاجٍ ومسكين لثقتي بأنك خيرٌ حافظاً، وأنت أرحم الراحمين، قال: يا عبدي، أنا الحافظ لأولادك من بعدك ))

قصص وعبرة:

العبرة: احفظ الله يحفظك:

 والله أعرف رجلاً سمعت قصَّته، وهي قصَّةٌ واقعيَّةٌ لا تكاد تصدَّق لهولها، هذا إنسان جمع مالاً كثيراً، ومات وترك المال، وكل همِّه في الحياة أن يكون أولاده في بحبوحةٍ من بعد وفاته، وهؤلاء الأولاد بقدرة قادر عقدوا صفقةً كبيرةً جداً مع تاجرٍ في اليمن، وكيف أن هذا التاجر استجرَّ منهم بضاعةً بمئات الألوف ؛ بل بعشرات الملايين، وكيف أن هذا التاجر لم يدفع لهم شيئاً، وكل شيءٍ وقَّعه لهم كان حبراً على ورق، وبعد زمنٍ قصير من الزمن بيع المعمل، وبيع المحل التجاري، والبيوت بيعت، وعاد أولاده فقراء.
 وكم من إنسانٍ عاش في طاعة الله، واتكل على الله، وخَلَّف لأولاده إيماناً وسمعةً طيِّبة فأغناهم الله من بعده !.. قال له: "أنا الحافظ لأولادك من بعدك"..
 إنّ أكبر شيء تقدَّمه لأولادك أن تجعلهم مؤمنين، لأنك إذا جعلتهم كذلك استحقوا الإكرام من الله عزَّ وجل في حياتك وبعد وفاتك، وإن لم تهدهم إلى سبيل الله عزَّ وجل استحقوا العقاب والدمار في حياتك وبعد وفاتك.
 من أغرب القصص التي لا تكاد تصدَّق، أن آخر سلاطين بني عثمان عمل ابنه حمالاً في بيروت، في هذه المدينة، إذاً: أنا الحافظ لأولادك من بعدك..
 << بني، إن الناس قد جمعوا قبلك لأولادهم، فلم يبقَ ما جمعوا ولم يبقَ من جُمِعوا له >>..
 لذلك أندم الناس يوم القيامة غنيٌ دخل ورثته بماله الجنَّة، ودخل هو بماله النار، هو جمعه من حرام فاستحق النار، وهم ورثوه حلالاً، وأنفقوه في طاعة، الله فدخلوا به الجنَّة، وأندم الناس عالمٌ يوم القيامة دخل الناس بعلمه الجنَّة، ودخل هو بعلمه النار، فهو لم يطبَّق ما قاله، والذين استمعوا له طبَّقوا ما قاله.
 << وإنما أنت عبدٌ مستأجَر، قد أُمرت بعملٍ، ووعدت عليه أجراً، فأوفِ عملك واستوفِ أجرك >>.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018