الدرس : 05 - سورة لقمان - تفسير الآيات 13 - 15 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 05 - سورة لقمان - تفسير الآيات 13 - 15


1991-06-07

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ

 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الخامس من سورة لقمان، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

 

﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ(13)﴾

 نقف عند كلمة:

 

 

﴿ وَإِذْ قَالَ ﴾

 

1 – كيف تستخدم البيان والكلام ؟

 أي أن هذا البيان الذي علَّمه الله الإنسان، هذه الميزة التي خَصَّه الله بها، كيف يستخدمها ؟ كما أن الإنسان بالبيان يرقى إلى الواحد الديَّان، كذلك بالبيان، واللغة، والكلام يهوي إلى أسفل سافلين..

(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ ))

[سنن الترمذي عن أبي هريرة ]

 هناك كلمة كفر، وكلمة فسق، وكلمة عصيان، وكلمة استهزاء، وكلمة جحود، وكلام تطاول، وكلمة تحدٍّ، هناك معاصٍ يرتكبها اللسان لا تُعَدُّ ولا تحصى، كما أن الإنسان باللسان يرقى إلى أعلى عليين، كذلك الإنسان باللسان يهوي إلى أسفل سافلين.
 إذاً: الخصائص النفيسة التي خصَّ الله الإنسان بها خصائص حياديَّة يمكن أن تستخدم في الحق، ويمكن أن تستخدم في الباطل، وهل نشر الكفر إلا عن طريق اللغة، والبيان، والخطابات، والتأليف، والنشرات وما إلى ذلك ؟ هل نشر الضلال إلا عن طريق اللغة ؟ هل نشر الفتن، هل تحريض الناس على ارتكاب المعاصي إلا عن طريق اللغة ؟ وهل دعوة الأنبياء إلا عن طريق اللغة ؟ الهدى يتمُّ عن طريق اللغة ؛ والإضلال يتمُّ عن طريق اللغة، إذاً: هذا البيان الذي خصَّ الله به الإنسان كيف يستخدمه ؟

 

2 – استخدام لقمان الحكيم اللغة لبيان الحق:

 سيدنا لقمان استخدمه في بيان الحق، فأنت حينما تشعر أن الله أعطاك هذا اللسان، أعطاك هذه العين لترى بها عورات المسلمين ؛ أم لترى بها ملكوت السماوات والأرض ؟ أعطاك هذه الأذن لتستمع بها إلى الغناء والباطل والغيبة والنميمة ؛ أم لتستمع بها إلى الحق، أعطاك هذه اليد لتبطش بها ؛ أم لتعين بها الضعيف ؟ أي أن كل شيءٍ أعطاك الله إياه يمكن أن يوظَّف للحق كما يمكن أن يوظَّف للباطل، هذا هو الاختيار، سيدنا لقمان وظَّف اللغة، وظَّف البيان، وظَّف القول لنشر الحق..

 

 

﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ ﴾

 

3 – إِنَّ وَلَدَ الرَّجُلِ مِنْ كَسْبِهِ:

 بالمناسبة الإنسان الذي لا يَمُتُّ إليك بصلة إن هديته، وإن لم تهده فهناك من يهديه، أما ابنك ليس له إلا أنت، فأن تهدي ابنك هذا عملٌ عظيم، لقول النبي عليه الصلاة والتسليم:

 

(( إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَ الرَّجُلِ مِنْ كَسْبِهِ ))

 

[ النسائي عن عائشة ]

 لأنه جزءٌ منك، ولأنه امتدادٌ لك، ولأنه صدقةٌ جارية، طبعاً..

 

(( إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَةٍ: إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))

 

[ مسلم عن أبي هريرة ]

 المؤمن يسأل الله عزَّ وجل ذُرِّيَةً صالحة..

﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُن ﴾

 (سورة الفرقان25)

 تقرُّ به العين.
 إذاً:

 

﴿ وَإِذْ قَالَ ﴾

 هذا البيان الذي خصَّ الله به الإنسان، كيف يستخدمه ؟ تعلَّمت اللغة، تعلَّمت القراءة والكتابة لتقرأ ماذا ؟ لتقرأ قصصاً ماجنة ؛ أم لتقرأ كتاب الله ؟ لتقرأ موضوعاً يزيدك علماً وقرباً ؛ أم لتقرأ موضوعاً يزيدك بعداً وانحرافاً ؟ هذه اللغة، فاللغة عاملٌ حيادي، إما أن ترقى بها إلى أعلى عليين ؛ وإما أن تهوي بها إلى أسفل سافلين، فربنا عزَّ وجل يبين كيف أن الهداية تتمُّ عن طريق البيان، والحوار، والسؤال، والجواب، والتعليق، والاستيضاح..

 

 

﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ ﴾

 

وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ

1 – منزلة الموعظة:

 كلمة الوعظ لها الآن في هذا العصر وقع غير مَرْضِي عنه، يقول لك: أخي كفاك مواعظ، إياك أن تعظ الناس، فكلمة وعظ ليست كلمةً محبَّبة، ما السبب ؟ الحقيقة وأنا أقول لكم: إن أتفه عملٍ ـ دقِّقوا في كلامي ـ إنَّ أتفه عملٍ تفعله في حياتك أن تعظ الناس، أتفه عمل، وقد تستغربون، وإن أعظم عملٍ تفعله في حياتك أن تعظ الناس، أعظم عمل لا يرقى إليه عمل، ولا يسمو فوقه عمل، ولا يطمح إنسانٌ أن يصل إليه أن تكون واعظاً، وأتفه عملٍ هو أن تكون واعظاً، كيف ذلك ؟
هذا الكلام فيه تناقض، والحقيقة إذا كان الوعظ عملية قراءة كتاب، وحفظ بعض المعلومات، وإلقائها على الناس، وجذب وجوه الناس إليك، والله هذا أتفه عمل، لأنه سهل لا يكلِّف شيئاً ؛ بل يجلب نفعاً، وميزاتٍ، ووجاهةً، وهكذا قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَيُجَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، وَيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ جَهَنَّمَ ))

 

[ من سنن ابن ماجة عن أبي هريرة ]

2 – حقيقة الموعظة بين الواعظ والموعوظ:

 إنه سهلٌ جداً أن تعظ الناس، ولا يعرف الشوق إلا من يُكابده، فأن تقول للناس: ادفعوا أموالكم، أنفقوا، والله هذا سهل، أما حينما تنفق أنت، تعرف معنى الإنفاق، الإنفاق يحتاج إلى جهد، هذا المال مُحَبَّب، والله عزَّ وجل قال:

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾

 (سورة آل عمران)

 المال محبَّب، الله عزَّ أودع حبَّ المال في قلوب البشر، فإنفاق المال يحتاج إلى مخالفة لطبيعة النفس، هنا التكليف، فالحقيقة أن يقول الإنسان للناس: أنفقوا أموالكم، فالقضيَّة سهلة جداً لا تكلِّفه إلا حركات في فمه، وإخراج حروف على نحو معيَّن، قال الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام، فالموعظة على مستوى أن تقرأ شيئاً، وأن تلقيه على أسماع الناس عمليةٌ في منتهى البساطة والسهولة، بل إنها أتفه عملٍ تفعله، يبدو أن الناس حينما رأوا من يعظهم، وهو ليس في مستوى وعظه، وحينما رأوا أن هناك من يحترف الدين، أو من يرتزق بالدين، أو من يُنَصِّبُ نفسه واعظاً، وهو ليس في مستوى الوعظ، هذه الممارسات الخاطئة، وهذه الأعمال التي ينفر منها الناس، هي السبب في أن كلمة وعظ ليست محبَّبَةً عند الناس، ولكن الأنبياء وعظوا، أنفقوا من مالهم ثم تكلموا.

 

قصة وعبرة:

 

 هناك قصَّة معروفة عندكم: عبدٌ له سيِّد، ولهذا السيِّد شَيْخ، وكان هذا الشيخ يأتي دار تلميذه من حينٍ إلى آخر، فيرى هذا العبد احتفال سيده الكبير بشيخه، فخطر في باله أن يسأله أن يأمر سيده أن يعتقه، ففعل، فقال هذا الشيخ: أفعل إن شاء الله، ومضى أسبوعٍ تلو أسبوعٍ تلو أسبوعٍ، ولم يحدث شيء، فزاره مرَّةً ثانية، أعاد عليه الطَلَبَ مرة ثانية فقال: أفعل إن شاء الله، ومضى شهرٍ تلو شهرٍ تلو شهرٍ، ولم يحدث شيء، وزاره مرَّةً ثالثة، وأعاد عليه الكرَّة، وقال له الشيخ: أفعل إن شاء الله، وبعد أسبوعين استدعاه سيده، وأعتقه بناءً على توصية شيخه.
 دار سؤالٌ كبير في ذهن هذا العبد: ما دام هذا التوجيه لا يكلِّف الشيخ إلا كلمةً يقولها لسيده، فَلِمَ لمْ يقلها منذ أشهر طويلة ؟ التقى به، وسأله هذا السؤال، قال له: يا ولدي، لقد كلَّفتني شيئاً كبيراً، لقد اقتصدت من نفقتي مبلغاً أعتقت به عبداً، وبعدئذٍ أمرت سيدك أن يعتقك.
 هذه قصَّةٌ لها مغزى كبير، أي أنك إذا طبَّقت وأخلصت يجعل الله في كلامك سراً، والتطبيق بلا إخلاص غير مقبول، والإخلاص من دون تطبيق لا يكون أساساً، لو طبَّقت أمر الله عزَّ وجل، وأخلصت في تطبيقه، يجعل الله في كلامك روحانيّةً وسرَّاً تهفو القلوب إليها، هكذا قال عليه الصلاة والسلام:

(( ما أخلص عبدٌ لله إلا جعل قلوب المؤمنين تهفو إليه بالمودَّة والرحمة ))

[ ورد في الأثر ]

كلمات تغيَّر مفهومها بمرور الزمن:

1 – كلمة (الموعظة )من الكلمات التي تغيَّرت نظرة الناس إليها:

 إذاً: وعظ ـ وإن كان كلمة قاسية ـ فهو من أتفه الأعمال التي يفعلها الإنسان، إذا كان هو في واد ووعظه في واد، يأمر بما لا يأتمر، ينهى عما عنه لا ينتهي، يدعو الناس إلى شيء وهو بعيدٌ عنه، يأمرهم بشيء ولا يسبقهم إليه، ما سرُّ عظمة الأنبياء ؟ يمكن أن نجمِّع هذا السر في كلمةٍ واحدة: أنهم قالوا بألسنتهم ما فعلوه في حياتهم، ليس في حياة الأنبياء ازدواجيَّة، ليس في حياة الأنبياء اثنينيَّة، ليس في حياة الأنبياء ظاهرٌ وباطن، خلوةٌ وجلوة، حياة الأنبياء كلٌ موحَّد، والمؤمن كذلك ؛ ما في قلبه على لسانه، ما في لسانه في قلبه، سرُّه كعلانيَّته، سريرته كظاهره، وحينما يكون هناك وعَّاظ كلامهم في واد وعملهم في واد، يرتزقون بالوعظ، ويطلبون الدنيا منه، عندئذٍ تسقط هذه الكلمة ( الوعظ )و يراها بعض الناس في الحَضيض، لكن ربنا عزَّ وجل قال:

﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا﴾

 (سورة النساء63)

 وكذلك:

﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ﴾

 فالوعظ يستطيعه كل من أوتي لساناً وأثراً من عِلْمٍ، كمن أوتي شيئاً من علمٍ، قرأ كتاباً في التفسير، قرأ كتاباً في الحديث، قرأ كتاباً في الفقه، سمع بعض القصص، أي إنسان اطلع على بعض المعلومات، وله لسان طليق بإمكانه أن يعظ الناس، ولكن هذا الإنسان لا يُجْرِي الله الخير على يديه، لأنه ليس صادقاً، وليس مخلصاً، أما إذا كنت مطبِّقاً لما تقول، صادقاً فيما تقول، مخلصاً فيما تقول، عندئذٍ يصبح الوعظ أعلى عملٍ، وأشرف عملٍ، وأغلى عملٍ يفعله الإنسان، عندئذٍ تأخذ كلمة الوعظ بريقاً.
 أضرب لكم بعض الأمثلة:

 

2 – كلمة (جرثومة ):

 هناك كلمات كان لها بريق، ثمَّ خبا بريقها بسبب نوع استعمالها، فمثلاً: كلمة جرثومة هي أصل الشيء، يأتي شاعر إلى خليفةٍ عظيم، فيمدحه بقصيدةٍ ويقول له:

 

 

أنت جرثومة الدينِ  والإسـلامِ والحسبِ
***

 يقول: أنت أصل الدين، وأنت أصل الإسلام، أما حينما اكتشفت كائنات حيَّة لا تُرى بالعين، وهي أصل الأمراض، سميت جراثيم، فإذا قلت لإنسان الآن صديقٌ لك في معمل أو في وظيفة: أنت جرثومة هذه الدائرة، إنها ذنب، فانظروا كيف أن هذه الكلمة حينما كانت تستعمل بطريقةٍ معيَّنة كان لها بريق، وعندما استعمِلَت بطريقةٍ أخرى خبا بريقها.

 

 

3 – كلمة (عصابة ):

 كلمة وعظ، كلمة عصابة..

 

 

(( اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ ))

 

[ مسلم ]

 هذا دعاء النبي، والعصابة: الجماعة، أما حينما استخدمنا كلمة العصابة لقطَّاع الطرق والمجرمين فقد أصبح لهذه الكلمة معنىً آخر، فالكلمة كالكائن الحي كما يقول علماء اللغة: تولد، وتنمو، وتصبح شابَّةً، وتشيخ، وتموت، الكلمة كائن حي، هكذا عرَّفها علماء اللغة، فكلمة الوعظ الآن مرفوضة، فإذا أردت أن تعلِّق تعليقاً ساخراً على كلام تقول: لا تَعِظْنَا، لكن ربنا عزَّ وجل يقول:

 

﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ ﴾

 إذا وجد صدق، إنسان امتلأ علماً، وامتلأ حباً لله، وامتلأ انضباطاً بأوامره، وامتلأ استقامةً على أمره، هذا إذا أراد أن ينشر الحق، أن ينشر الفضيلة، أن يدعو إلى الله عزَّ وجل، هذا أشرف عمل، أما إنسان فارغ، لكن أراد أن يتَّخذ من الوعظ رزقاً، ودنيا، ومكسباً رخيصاً، هذا الإنسان له شأنٌ آخر، هذا تعليقٌ طفيف على كلمة:

 

 

﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾

 

يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ

1 – التوحيد من أصول الدين:

 كنت قبل أشهر ضربت مثلاً لأوضِّح فيه معنى الشرك، الحقيقة الإسلام فيه أصول، وله فروع، من أصول الإسلام التوحيد، وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد، وما من مشكلةٍ نُعاني منها إلا بسبب نقص في توحيدنا، متاعب الإنسان، مشكلاته النفسيَّة كلها بسبب الشِرك..

﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنْ الْمُعَذَّبِينَ﴾

 (سورة الشعراء213)

 الأمر كله بيد الله..

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْه﴾

 (سورة هود)

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) ﴾

 (سورة هود56)

2 – التوحيد من أصول الدين:

 حينما يشرك الإنسان، حينما ينسب لزيدٍ أو لعُبَيْدٍ فعلاً، حينما يظنُّ أن فلاناً بإمكانه أن يفعل كذا وكذا، حينما يُعِّلق آماله على زيد أو عبيد، على فلان أو علان فقد أشرك، والحقيقة كما قال بعض العلماء: نهاية العلم التوحيد، ونهاية العمل التقوى، فأرقى عمل أن تطيع الله عزَّ وجل، وأرقى علم أن توَحِّد، فليس عجباً أن يكثِّف الله عزَّ وجل فحوى دعوة الأنبياء كلِّهم بالتوحيد..

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِي﴾

 (سورة الأنبياء25)

3 – الدين كلُّه توحيد:

 فإذا أردت أن أضغط لك الدين كلَّه بكلمتين أقول لك: وحِّد واعبد، آمن بأنه لا إله إلا الله، آمن بالله خالقاً، ورباً، ومسيراً، وآمن به، وبوحدانيَّته، وبكماله، آمن بوجوده، وبوحدانيَّته، وبكماله، آمن بأسمائه الحسنى وصفاته الفُضلى، إذا آمنت ووحدت فقد بلغت قمَّة العلم، لأن فحوى دعوة الأنبياء كلِّهم هو التوحيد، والعمل لا يصلح إلا بالعبادة.

 

4 – ما هي العبادة ؟

 العبادة كما تعرفون طاعةٌ طوعيَّة، فأنت في أرقى مستوياتك حينما تطيع الله عزَّ وجل في كامل أوامره، وتنتهي عن كل ما نهى عنه، العبادة كما تُعرَّفُ دائماً: طاعةٌ طوعيَّةٌ ممزوجةٌ بمحبَّةٍ قلبيَّة..

 

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾

 أي مائلاً..

﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾

 (سورة الروم 30)

 طاعةٌ طوعيَّةٌ، ممزوجةٌ بمحبَّةٍ قلبيَّةٍ، تسبقها معرفةٌ يقينيةٌ، تفضي إلى سعادةٍ أبديَّة.
 يقول لقمان الحكيم لابنه وهو يعظه:

 

﴿ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾

 

مثالٌ واقعي لبيان الشرك:

 ضربت مثلاً مراراً وسأعيده ثانياً: إنسان مهمَّته أن يصل إلى حلب، وهناك سيأخذ مبلغاً كبيراً في وقتٍ محدَّد، توجَّه إلى محطَّة القطار، فإذا ركب القطار الذاهب إلى حلب، ولو ارتكب آلاف الأخطاء، أو عشرات، أو مئات، فقد يدفع ثمن بطاقةٍ في الدرجة الأولى، ويجلس في الدرجة الثالثة، ولكنَّه يصل، وقد يتضوُّر جوعاً، وفي القطار مركبة تبيع بعض الأطعمة وهو لا يدري، وقد يركب في مقعدٍ معاكسٍ لاتجاه القطار فيصاب بالدوار، يحدث هذا لكنه يصل، وقد، وقد...وقد يقبع في مقطورةٍ فيها شباب يصيحون، ويمزحون، وهو في سن غير هذا السن فينزعج، وقد يركب في مركبة فيها طفل صغير كثير البكاء وينزعج، وقد، وقد... لكن هناك خطأً إذا ارتكبه لا يغتفر، وهو: أن يتجه إلى مقطورةٍ واقفةٍ لا علاقة لها بالقطار المتوجِّه إلى حلب، فكل هذه الأغلاط تُصَحَّح وتنتهي، والقطار يصل.
 إذا آمن الإنسان بالله عزَّ وجل، آمن به خالقاً، آمن به رباً، آمن به إلهاً، آمن بوجوده، وآمن بوحدانيَّته، وآمن بكماله، فكَّر في الكون فعرفه، قرأ القرآن فعرفه، تأمَّل في الحوادث فعرفه، المؤمن مذنب توَّاب، كل بني آدم خَطَّاء، لكن إذا ادعى أن مع الله إلهاً آخر فهذه مشكلة كبيرة، إذا اتجهت إلى جهةٍ لا تملك لك نفعاً ولا ضراً، لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً، فلأن لا تملك لك من باب أولى، هنا المشكلة أن تعقد آمالك على زيد..

 

قصة في التوحيد من حياة السلف:

 

 ثمة قصَّة معروفة عندكم، عندما جاء توجيه من أحد خلفاء بني أميَّة لوالي البصرة، وكان عنده الحسن البصري رضي الله عنه، يبدو أن هذا التوجيه مخالفٌ لبعض القواعد الدينيَّة، وقع هذا الوالي في حيرة، ماذا يفعل ؟ أمرٌ جاء من أعلى، فإن نفَّذه وقع في إثم، وإن لم ينفِّذه وقع في سخط السلطان، سأل الإمام الحسن البصري وقال: ماذا أفعل ؟ قال الحسن البصري كلمةً: " إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله ".
 أي مخلوق إذا أطعته، وأسخطت الله عزَّ وجل، هذا المخلوق لا يمنعك من الله، ولكنك إذا أرضيت الله عزَّ وجل، ولم تبالِ بسخط هذا المخلوق، الله عزَّ وجل يمنعك منه، هذا هو التوحيد.
 إذاً:

﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ﴾

خطورة الشرك:

 إيَّاك والشرك..

﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾

 (سورة النساء 48)

1 – خطورة الشرك الخفي:

 طبعاً على مستوى العالَم الإسلامي ليس هناك شركٌ جَلِي، ليس هناك صنمٌ يُعْبَد، لا، ولكن هناك شركٌ خفي، وقد ورد في بعض الأحاديث:

 

((إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَقُولُ: يَعْبُدُونَ شَمْسًا، وَلا قَمَرًا، وَلا وَثَنًا، وَلَكِنْ أَعْمَالا لِغَيْرِ اللَّهِ، وَشَهْوَةً خَفِيَّةً ))

 

[سنن ابن ماجة عن شداد بن أوس ]

(( الشرك أخفى في قلب ابن آدم من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة، وأدناه أن تبغض على عدلٍ، وأن تحبَّ على جورٍ ))

[تخريج أحاديث الإحياء ]

 أن تحبَّ إنساناً ليس كما يجب أن يكون، تحبه لمصلحةٍ، فهذا أحد أنواع الشراك، وأن تغضب لنصيحةٍ وُجِّهَت إليك ثأراً لمكانتك، فهذا أحد أنواع الشرك، وإما أن تجعل من نفسك ومن شهواتك إلهً، وهكذا قال الله عزَّ وجل، الآية الكريمة هي:

 

﴿ أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾

 

 (سورة الفرقان 43)

2 – الأخذ بالأسباب والتوكل على الله:

 إما أن تجعل من أهوائك آلهةً تعبدها، وإما أن تجعل من بعض الناس آلهةً ترضيهم بسخط الله، فكيف تدعو فلاناً إله ؟ هذا شيء قد يكون له جواب، حينما تعلِّق عليه الآمال، وحينما ترجو رضاه، وتخاف من سخطه، على حساب طاعتك لله عزَّ وجل، وعلى حساب دينك، فهذا هو الشرك، وقد يكون هذا الشرك شركاً جلياً، فلذلك الشيخ محي الدين رضي الله عنه، له تعريف دقيق يقول فيه: " إذا أخذت بالأسباب واعتمدت عليها فهذا شركٌ خفي ".
 مثلاً: أجريت مراجعة لمركبتك، وقال لك المختص: حالتُها جيِّدة جداً، فقلت: لن يحدث معي شيءٌ في هذا السفر، هذا شرك، لأنك أخذت بالأسباب، واعتمدت عليها، المؤمن يأخذ بالأسباب ويعتمد على الله، إن لم يأخذ بالأسباب فقد عصى، وإن أخذ بالأسباب، واعتمد عليها فقد أشرك، وخلطٌ دقيقٌ جداً بين أن تأخذ بالأسباب وتعتمد عليها، وبين أن لا تأخذ بالأسباب، في الأولى أشركت، وفي الثانية عصيت، المؤمن يأخذ بالأسباب، ويتوكَّل على ربِّ الأرباب، في اللحظة التي تقول فيها: أنا ؛ مُعْتَدَّاً بنفسك، مُعْتَدَّاً بعلمك، مُعْتَدَّاً بمالك، مُعْتَدَّاً بصحَّتك، مُعْتَدَّاً بقوَّتك، فقد أشركت، وإذا أشرك الإنسان سقط من السماء إلى الأرض.

 

3 – ما هو الجهل ؟

 فما هو الجهل ؟ الجهل كل شيءٍ خلاف الواقع، يعرِّفون العلم بأنه: علاقةٌ ثابتةٌ مقطوعٌ بصحَّتها، يؤيِّدها الواقع، عليها دليل، فإن لم تكن هذه العلاقة ثابتةً، فليست علماً، إن لم يكن مقطوعاً بصحَّتها، هي إذاً شكٌ، أو وهمٌ، أو ظن، إن لم يكن عليها دليل فهي تقليد، إن لم تكن مطابقةً للواقع فهي جهل، كل شيءٍ يخالف الواقع فهو جهلٌ، إذاً أنت حينما تتجه إلى إنسان معلِّقَاً عليه الآمال، وهذا الإنسان ضعيف، فلو أن الله عزَّ وجل جَمَّدَ ذرَّةً من دمائه في بعض شرايين دماغه لفقد ذاكرته، في مكان آخر أصبح مشلولاً، في مكان ثالث أصبح أعمىً، في مكان رابع اختلَّ توازنه العقلي، إذاً: هذا الذي تعتمد عليه هو بيد الله عزَّ وجل، فقوامه، وملكاته وأجهزته وأعضاؤه كلها بيد الله، فإذا اتجهت إلى مخلوق، وتركت الخالق فهذا جهل، لأن الواقع خلاف ذلك.. هناك آية أبلغ:

 

﴿ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا ﴾

 (سورة الأعراف 188)

 إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فلأن لا يملك للآخرين نفعاً ولا ضراً من باب أولى.

 

بين الهدى البياني والهدى التوفيقي:

 لو قال لك إنسان: أريد أن يلتقي بك ابني كي تهديه إلى الله، وكأنه يظن أن كلمة منك تكفي لهدايته، فقلت له: والله أنا ابني ليس كما أريد، ما معنى هذا الكلام ؟ معناه لو كان بالإمكان أن أصنع الهُدى في نفس إنسان لفعلت هذا مع ابني، ولكن الله يهدي من يشاء..

 

﴿ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ﴾

 (سورة القصص56)

 إنك لا تستطيع أن تخلق أثر الهدى في النفس الإنسانية، ولكن:

﴿ وإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

 (سورة الشورى52)

 مجمل هذا الكلام بمعنى أنك من حيث التبليغ تهدي إلى صراطٍ مستقيم، أما من حيث إحداث الأثر فهذا ليس بيدك، لأن الإنسان مخيَّر.

 

﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾

 

الشرك ظلمٌ عظيم:

 ظلمٌ لمن ؟ ظلمٌ لصاحبه، فإذا أشرك الإنسان، وأمضى حياته متجهاً إلى غير الله، وانقضت حياته، وجاءت الحياة الأبديَّة كان خاسرًا، لذلك في القول المأثور: " إن الميت حينما يوضع في قبره يقول الله عزَّ وجل له:

(( عبدي، رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق معك إلا أنا، وأنا الحيُّ الذي لا يموت))

 إذا أمضى الإنسان كل حياته مع الناس، زيد وعَبيد، وفلان، والجهة الفلانيَّة، وحقَّق نتائج كبيرة جداً، ارتقى إلى أعلى المراتب، وحَصَّل أكبر الأموال، فجاء ملك الموت..

 

﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾

 كل شيءٍ حصَّله يفقده في ثانيةٍ واحدة، فالبطولة ليس أن تعيش في الدنيا مرفوع المَقَام، ولا كثير المال ؛ البطولة أن تلقى الله عزَّ وجل وهو راضٍ عنك، أن تعرفه في الدنيا كي تسعد بهذه المعرفة في الآخرة، أما إذا أمضيت الحياة الدنيا في الشِرك، فأنَّى لك أن تستطيع أن تسعد بالله في الآخرة ؟!

 

 

﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾

 

 إذا كان العظيم قال عن شيء إنه: عظيم، فما قولك ؟
 مثلاً: لو قال لك طفلٌ صغير: أنا معي مبلغٌ كبير، كم تُقَدِّره ؟ طفل في صف أول ابتدائي، قال لك: أنا معي مبلغ كبير، أي خمس ليرات، عشر، خمس عشرة، مئة، أما إذا قال لك إنسان تاجر كبير جداً: أنا معي مبلغ كبير، فكلمة كبير إذا قالها طفل فلها معنىً، وإذا قالها طفل لها معنىً آخر، تقول: له مئتا عمود، أي مئتا مليون، أنت لا تعرف مقدارها، كلمة عظيم من غني تختلف عنها من طفل، فإذا قال ربنا عزَّ وجل:

﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾

 إذا قال العظيم عن الشرك: إنه شيءٌ عظيم، فكم هي عظمة الشرك ؟ فالشرك كل سعادتك بهذه المدينة، وكل المشكلات تُحلُّ إذا وصلت لهذه المدينة، واتجهت إلى مقطورةٍ لا علاقة لها بالقطار الذاهب إلى المدينة، هذا هو الشرك، المركبة واقفة، أما هي فإنها فخمة من الداخل، لَفَتَ نظرك فخامتها، لفت نظرك مقاعدها، لفت نظرك جُدرانها، لفت نظرك أناقتها، لكنها واقفة، وأنت كل مشكلتك بالوصول إلى المدينة، فإذا اتجهت إلى مركبةٍ لها علاقة بالقطار، وصلت، وقد ترتكب في هذه السفرة عشرات الأغلاط كلها مغفورة، أما الغلط الذي لا يغتفر أن تتجه إلى مركبةٍ لا علاقة لها بالقطار، وإذا توجَّه الإنسان إلى إنسانٍ آخر، أو إلى جهةٍ، أو إلى جماعةٍ، أو إلى أي شيء، واعتقد به القوَّة والغنى، وأنه يعطي ويمنع، ويرفع ويخفض، ويعز ويذل، وهو ليس كذلك، فهذا جهل..

﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾

 لذلك ما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد، اسمع آية التوحيد..

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) ﴾

 (سورة هود 56)

 من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام الجامعة المانعة الموجزة البليغة أنه قال:

 

(( وَأُوتِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ ))

 

[ صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

لا خوف للعبد إلا من الذنب والمعصية:

(( لا يخافنَّ العبد إلا ذنبه، ولا يرجونَّ إلا ربَّه ))

[ كنز العمال موقوفا عن علي ]

 أية جهةٍ مهما كانت مُخيفة لا ينبغي أن تخاف منها، لماذا ؟ لأنها بيد الله الذي:

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ﴾

 (سورة الأعراف)

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

 (سورة الزمر62)

 خَلَقَ مخلوقات قويَّة، وخلق مخلوقات لها وضع مخيف، ولكن الله عزَّ وجال مالِكُها، فالمؤمن لا يخاف إلا من الله، يا موسى خف ثلاثاً، خفني، وخف نفسك، وخف من لا يخافني، أي لا تأمن له.

(( لا يخافنَّ العبد إلا ذنبه، ولا يرجونَّ إلا ربَّه ))

 الشيء الذي ينبغي أن تخاف منه هو أن تُخْطِئ، أن تنحرف، أن تأكل حقوق الآخرين، أن تطغى عليهم، أن تبغي، أن تتجاوز الحد، من هذا فَخَفْ، لأن الله عزَّ وجل بالمرصاد، أما جهةٌ قويَّةٌ مخيفةٌ فهي بيد الله..

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) ﴾

 (سورة هود 56)

 هذا معنى:

﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾

﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾

وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ

1 – المجانسة بين المعطوف والمعطوف عليه:

 الآن عندنا ملاحظة: أن الله سبحانه وتعالى حينما يعطف شيئاً على شيء، العطف يقتضي التجانس، أو المقاربة، فأنت مثلاً لا تقول: والله اشتريت أرضاً وملعقةً، لا يتناسبان، تقول: اشتريت أرضاً وحانوتاً، اشتريت بيتاً ومركبةً، اشتريت كتاباً ودفتراً، اشتريت ملعقةً وشوكةً، العطف يقتضي التقارب.

 

2 – بر الوالدين معطوف على طاعة الله:

 فربنا عزَّ وجل رفع برَّ الوالدين حينما عَطَفَهُ على طاعته..

 

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

 (سورة الإسراء)

 وهذه الباء لها تفسير لطيف جداً أنتم تعرفونه، كلمة أحسن في اللغة يرتبط بها إلى، لا الباء، فعل أحسن يتعدَّى بـ (إلى )، أما ربنا عزَّ وجل فعدَّاه هنا بالباء، والباء من معانيها الإلصاق، لأن الإحسان إلى الوالدين لا يُقْبَل إلا منك بالذات مباشرةً، فإنسان في بحبوبحة، عنده سائق، يقول للسائق: خذ والدي إلى نزهةٍ، هذا غير مقبول، خذ لوالدي هذه الفاكهة، لا، يجب أن تقدِّم الفاكهة بذاتك لوالديك، يجب أن تأخذه إلى النزهة بنفسك، لأن الإحسان إلى الوالدين لا يُقْبَل إلا من الابن بالذَّات، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

 ربنا عزَّ وجل رفع برَّ الوالدين حينما عطفه على عبادة الله عزَّ وجل..

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾

 (سورة الإسراء)

 وهنا:

 

﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ﴾

 

3 – طاعة الوالدين بين الطاعة والطبع:

 إذا كان الله عزَّ وجل هو الخالق، فوالداك السبب في وجودك، السبب الذي جعله الله، لأن الله المسبِّب وهما السبب، طبعاً هناك شيءٌ آخر هو: أن الله سبحانه وتعالى أودع في قلب الأمَّهات والآباء حبَّاً لأولادهم، وهذا سرُّ الخَلق، أنت تجد الأم، أيَّةَ أم في قلبها من الرحمة بابنها الشيء الذي لا يوصف، لذلك أي شيءٍ موجود طبع الإنسان لم يكلف به أغفله، أما التكليف جاء ليُطالبك بما ليس في طبعك، كيف ؟ من طبعك أن تقبض المال، التكليف أمرك أن تنفقه، من طبعك أن تنام، التكليف أمرك أن تستيقظ، من طبعك أن تتحدَّث عن قصص الناس لأن هذا شيءٌ مسلٍ، التكليف أمرك أن تضبط لسانك، من طبعك أن ترى هذه الأم، وقد كبرت سنُّها أصبحتْ عبئاً عليك، وأن تلتفت إلى زوجتك، التكليف أمرك أن تعتني بأمِّك..  يا رسول الله من أعظم الرجال في حقِّ المرأة فقال: " زوجها "، فلمَّا سُئل: من أعظم النساء في حقِّ الرجل قال: "أمُّه..

 

﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ﴾

 الأم مفضَّلة على الأب، قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أُمُّكَ، ثُمَّ أَبُوكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ، أَدْنَاكَ ))

 

[ صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ ﴾

َمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ

ما هو الوهن ؟

 الوهن هو الضعف، ما معنى وهن على وهن ؟ هذه تشبه ظلٌ ظليل، أي أن الضعف يتنامى، كلمَّا كبر حجم الجنين ازدادت حاجته إلى الغذاء، والجنين إما أن يأتيه الغذاء، وإما أن يأخذ من أمِّه الغذاء، أي أنه يحتاج إلى كلس، فإما أن تشرب أمُّه الحليب بكميَّاتٍ جيِّدة حتَّى تؤمِّن له هذا الكلس، إما إذا قصَّرت فالجنين يأخذ الكلس من عظامها ومن أسنانها، ف إذا أهمل الإنسان تغذية زوجته الحامل يدفع الثمن باهظاً، كان بثمن حليب صار بطب الأسنان، لأن الجنين يأخذ من كلس أمِّه إن لم يكن في غذائها ما يكفيه، هذا معنى:

 

﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ ﴾

 

 كلَّما كبر حجم الجنين ازدادت حاجته، وأخذ من جسمها، من قوَّتها، من حيويَّتها، من أعضائها..

وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ

1 – مدة الرضاع عامان كاملان:

﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ﴾

﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَة﴾

 (سورة البقرة)

 فتمام الرضاعة حولان كاملان، وفي آية أخرى:

﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾

 (سورة الأحقاف)

1 – أقلُّ مدة الحمل ستة أشهر:

 استنبط العلماء من هاتين الآيتين أنه: يمكن للحمل أن يكون في ستة أشهر، هذا حدُّه الأدنى، فإذا ولدت زوجة من حملها في ستَّة أشهر فهذا ابنه في نظر الشرع، لأنه أدنى حد للحمل ستَّة أشهر من موازنة الآيتين ببعضهما..

 

﴿ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي ﴾

 

أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ

1 – مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ:

 هنا المشكلة..

 

﴿ وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾

 

 قال عليه الصلاة والسلام:

((مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ ))

[ من سنن الترمذي عن أبي سعيد ]

 هناك نمط غير مقبول، نمط أَرْعَن، أنه إذا جاء لإنسان خير من إنسان يقول: هذا سخَّره الله لي، هو ليس له فضل، أنا أشكر الله عزَّ وجل، هذا الموقف غير إسلامي، وغير شرعي، ومخالف للسُنَّة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

((مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ ))

 الدليل: إذا جاءك معروف من خلال مخلوق ليس مخيَّراً، أي مسيَّراً، فأحياناً يحدث شيء في عالَم الطبيعة، يُساق لك خير لا من طرف إنسان مخيَّر، بل من طرف حيوان أعجمي، طبعاً الشكر وحده لله عزَّ وجل، لكن إذا جاءك خير من طرف إنسان مخيَّر، فالله عزَّ وجل هو الأصل في هذا المعروف، هو الذي سمح له أن ينفعك، وهو الذي ألهمه أن ينفعك، هو ألهمه وسَمَحَ له، هو الذي جعل هذا المعروف يتَّجه إليكَ.
 إذاً: الله عزَّ وجل هو أصل هذا المعروف، إذاً الشكر لله أولاً، لكن هذا الإنسان المخلوق، المخيَّر، وباختياره أراد أن ينفعك، ألا يستحقُّ أن تشكره ؟ فلذلك المؤمن لا ينسى المعروف، بل إن من أخلاق المؤمن أنه إذا فعل معروفاً مع الآخرين نسيه وكأنه لم يفعله، أما إذا فعل الآخرون معه معروفاً ذكره حتَّى فلا ينساه، هذا شأن المؤمن، والنبي عليه الصلاة والسلام أكَّد على هذا المعنى، وربنا عزَّ وجل يقول:

 

﴿وَلا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾

 (سورة البقرة)

 فبائع مثلاً يقول للمشتري: أخي رزقي على الله، هذا المشتري اشترى من عندك كميَّة ضخمة، يحتاج إلى مؤانسة، إلى ملاطفة، هذا الموقف المتعجرف المنسوب إلى توحيد موهوم، هذا موقف غير إسلامي، وهذه الآية تؤكِّد ذلك:

 

﴿ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ﴾

 

2 – الشكر لله وللوالدين:

 لأنني سُقْتُ لك هذا الخير عن طريق والديك، هما قضيا وقتاً طويلاً في رعايتك، في حملك، في تغذيتك، في تربيتك، في تنميتك، إذاً يجب أن يتَّجه شكرك لله أولاً ثمَّ لوالديك اللذين كانا سبب وجودك، واللذين كانا ممرَّ فضل الله عزَّ وجل إليك..

 

﴿ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾

 

 لماذا يجب أن تشكر الله عزَّ وجل ؟ لأنه إليه المصير، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن.

3 – موقف المسلم من الوالدين غير المسلمَين:

 الآن عندنا مشكلة أخرى هي: أن هذا الأب الذي أعطاه الله هذه المكانة، ورفع الإحسان إليه حينما عطف الإحسان إليه على عبادته، هذا الأب قد يكون ضالاً، وقد يكون كافراً، وقد يكون عاصياً، وقد يكون فاسقاً، فما موقف الابن البار من أبٍ منحرف ؟ جاء الجواب:

 

﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ﴾

 

لا طاعة للوالدين في الشرك والمعصية:

 هنا معنى الشرك أي على أن تطيعهما وتعصيني: طلقها يا ابني، طلقها لم أحبها، الزوجة جيدة ممتازة، من أجل أن أرضي نزوة أبي أطلِّق زوجتي، فهنا الشرك بمعنى أن تطيع والديك على حساب طاعتك لله، أمرك أبوك أن تتعامل مع الناس في تجارتك تعاملاً ربويَّاً يقول: برضاي عليكَ افعل كذا، فإذا كنت مجاملاً، وأطعت الأب، وعصيت الرب، فقد وقعت في شركٍ عظيم، جعلته إلهاً يُطاع من دون الله، مع أنه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق.. أم سيدنا سعد قالت له: " إما أن تكفر بمحمَّد، وإما أدع الطعام حتَّى أموت "، فأجابها سيدنا سعد ببرودة، وقال لها: " يا أمي، لو أن لكِ مائة نفسٍ فخرجت واحدةً وَاحدةً، ما كفرت بمحمَّد، فكلي إن شئتِ أو لا تأكلي "، وبعد هذا أكلت..

 

﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ﴾

 

الحدود الشرعية لا مساومة فيها:

 في حياة المؤمن قضايا ليست خاضعةً للمساومة، الآن في المؤتمرات واللقاءات شروط مسبقة، مثلاً، هذا الموضوع لا يمكن أن يُدْرَجَ في جدول الأعمال، إذا أردتم اللقاء والمناقشة، احذفوا هذا الموضوع، وكذلك المؤمن إذا تناقش مع الآخرين هناك موضوعات ليست خاضعةً للمساومة أبداً، فيدعوك شريكك إلى معصية الله فتقول: يا أخي استحيت ولم أقدر، الله بعث لنا رزقا سوياً، هذا كلام فارغ، وليس له معنى أبداً، ضغط عليك والدك، أعطاك بيتاً، ضغط عليك والدك كي تعصي الله يقول لك: لا تفرِّق العائلة يا بني، الله يرضي عليك، نحن هكذا تربينا، فهل أنتم شرع ؟! عندنا شرع، فأحياناً يأتي للإنسان ضغوط من والديه لتطبيق شيء، أو لمخالفة الشرع..

 

﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ﴾

 

 معنى تشرك هنا بمعنى أن تعصيني، وأن تطيعهما، في مصلحة دنيويَّة..

﴿ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ﴾

مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ

 بعض المفسِّرين قالوا:

﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾

 أي أراد من نفي العلم نفي الوجود، أحياناً الإنسان يقول: فلان لا شيء، هو شيء، ووزنه خمسة وثمانون كيلوا، كيف لا شيء ؟ ولكن يقصد لا شيء، أي ليس له قيمة، أحياناً نعبِّر عن نفي الوجود بنفي العِلم، يقول لك: فلان، فيرد قائلاً: من هو فلان، لا أعرفه، هو يعرفه، ولكن لا يعرف له مكانةً..

 

يقولون هذا عندنا غير جائزٍ  فمن أنتمُ حتى يكون لكم عندُ
***

 أحياناً ننفي العلم بالشيء كي ننفي الشيء، أو ننفي قيمته، فربنا عزَّ وجل، إذا قال له أبوه: هذه تقاليد، والعادات، هكذا نشأنا، هكذا ربينا، هكذا نحن في بلدنا، هذا كلام ليس له معنى إطلاقاً..

 

 

﴿ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾

 

 يقول لك: في العرس يجب أن تدخل، وأن تصمد أمام الآخرين، أمام النساء، هكذا العادات، لكي لا يظنوا أن فيكَ عاهة يا بني، هذا خلاف الشرع، فهناك أمثلة كثيرة جداً ؛ من اختلاط، من أكل مال حرام، من احتفالات كلها لا ترضي الله عزَّ وجل، وهذه مشكلة يعانيها الشباب، إذا تاب شاب إلى الله توبة نصوحاً يعاني من أهله، يعاني من ضغوط اجتماعيَّة، من طرف الأهل، فإذا أراد أن لا يجري اختلاطاً في حياته الاجتماعيَّة يُتَّهم بالمجافاة، والعداوة، ويسيءُ الظن بإخوته، فتُفسَّر طاعته الله تفسيرات ما أنزل الله بها من سلطان، هنا:

﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ﴾

 لكن..

﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً ﴾

لكن مع ذلك: وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً

 صاحبهما في الدنيا مصاحبةً لا ينكرها الشرع، ولا ينكرها الكَرَم، هناك شخص إذا أعطاه أبوه توجيهاً خلاف الشرع يقول له: أنت لا تفهم، أنت كافر، أعوذ بالله، هذا جفاء، يمكن لك أن تعتذر عن تلبية طلب من والديك بأدبٍ جم، يمكن أن ترفض تنفيذ طلب لوالدك بمنتهى اللطف، هنا قوله تعالى:

 

﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾

 

 كن كريماً معهم، واسِهِم، قدِّم لهم الخدمات تلو الكلمات، ليِّن كلامك معهم، هذا كلُّه مطلوب، ولو كانوا على خلاف ما تريد، ليس هذا من شأنك، أدِّ الذي عليك واطلب من الله الذي لك، هذه قاعدة، لكن تقول لي: والله إنّ والدي جعلني أفعل كذا خلاف الشرع، هكذا أحب والدي، معنى هذا أنت صفر، أنت لا شيء، أين استقلاليتك ؟ أين إيمانك ؟ أين عزيمتك ؟ أين ورعك ؟ لكن أرجو الله عزَّ وجل أن يكون الآباء في المستوى المطلوب.

مشكلة معاكسة:

 هناك مشكلة معاكسة: الأب يأمر بالصلاح والابن لا يستجيب، هذه مشكلة ثانية، لكن توجد حالات معيَّنة كأن يأمر الأب بما لا يأمر به الله عزَّ وجل، والقاعدة: لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق..

 

﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

 

 الذي أعقب النهي الأول:

﴿ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ َ﴾

لا بدّ من مرجعية وطريق صحيحة: وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ

 فلابدَّ لك من مشربٍ صحيح.

 

(( ابن عمر، دينك، دينك، إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا ))

 

[ كنز العمال عن ابن عمر ]

 الإنسان الذي رجع إلى الله رجع، رجع إليه بأوامره ونواهيه، رجع إليه بعلمه، وأطاعه، هذا اتبع سبيله..

 

﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

 

المرجع والمصير إلى الله:

 أنبِّئكم بحقيقة أعمالكم، وأنبِّئكم بنتائج أعمالكم، أنت على صواب وأنت على خطأ، وهذه النتيجة كانت كذا وكذا..

﴿ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

 وفي درسٍ آخر إن شاء الله نتابع تفسير هذه الآيات بفضل الله وعونه.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018