الدرس : 01 - سورة لقمان - تفسير الآيات 1 - 3 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 01 - سورة لقمان - تفسير الآيات 1 - 3


1991-05-10

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الأول من سورة لُقمان:

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ الم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (2) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (3) ﴾

الكون طريق لمعرفة الله، والقرآن سبيل لعبادته:

 أيها الإخوة، أولاً: كما تعلمون أن الكون كلَّه في كفَّة، وأن كتاب الله في كفَّة، والدليل أن الله عزَّ وجل يقول:

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾

 ( سورة فاطر: من الآية 1 )

 وفي آيةٍ ثانية يقول:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾

 ( سورة الكهف1 )

 الكون طريقٌ لمعرفة الله، والكتاب طريقٌ لعبادته، هذا الإله الذي خلق الكون له أمرٌ، ونهيٌ، وتوضيحٌ، وتعريفٌ، وتبيينٌ، وتفصيلٌ كلُّه في القرآن، لذلك ليس في حياة الإنسان كلها شيءٌ أهم ولا أعظم من أن يفهم كلام الله، لأنه خطاب الله لهذا الإنسان، فالله هو الذي خلق المجرَّات، خلق السماوات، خلق الأرض، خلق الموت والحياة، خلق الحيوان والنبات، خلق الشفاء والأمراض، الذي خلق كل شيء، والذي بيده كل شيء، والذي إليه مصير كل شيء هذا كلامه ؛ فيه توضيح وتعريف، وتبيين وتنبيه، وتحذير وتبشير، ووَعد ووعيد، وتطمين وتخويف.

 

ليس شيء يعلو على كتاب الله:

 إذاً: ليس في حياة الإنسان كلها كتابٌ يعلو على هذا الكتاب، أو ليس في حياة الإنسان كلِّها اهتمامٌ يجب أن يزيد على اهتمامه بهذا الكتاب، لأن الإنسان كائن من أعلى الكائنات، مخلوق أول، الله عزَّ وجل أودع فيه من عجائب الكون..

 

 

أتحسبُ أنَّكَ جُرْمٌ صغير  وفيك انطوى العَالَم الأكبرُ
***

 

العقل:

 الحديث عن عقل الإنسان لا ينتهي في سنوات، فالعقل البشري أعظم ما في الكون، بل إن العقل البشري على عظمته عاجزٌ عن فهم ذاته، فالجانب العقلي في الإنسان، هل تغيَّر وضعُ الحيوانات كلها منذ أن خُلِقَت وحتَّى الآن ؟ هيَ هي.

 

1 – مجال العقل الاجتهادُ الدنيوي:

 أما الإنسان فحينما استخدم العقل لا في معرفة الله ؛ ولكن في حياته الدنيا، في تطوير حياته، أين سَكَن ؟ وماذا ركب ؟ وكيف اتصل ؟ وكيف صعد إلى أعلى السماوات ؟ كيف وطأت قدمه على القمر ؟ وكيف غاص في أعماق البحار ؟ وكيف نقل الصورة ونقل الصوت ؟ وكيف اخترع هذه الأجهزة.

 

 

2 – مساهمة العقل في الإنجازات الحضارية:

 فمن ركب طائرةً مثلاً ثلاثمائة راكبٍ يركبون، يأكلون ويشربون وهم في أطباق السماء، هذا أحد إنجازات العقل الذي أودعه الله فينا، فالإنسان عنده عقل، فهو طاقة خطيرة جداً إن وجِّهَت فعلت المعجزات، وإن وجِّهَت نحو الشر فعلت الكوارث، والحديث عن الأسلحة الحديثة، والكيماويَّة، والقنبلة العنقودية، والقنبلة الذكيَّة، وأشعَّة الليزر، ليست عنا ببعيد، هذا كله من إنجاز العقل حينما أراد أن يدمِّر أخاه الإنسان، فأعظم ما في الكون هو هذا العقل الذي أودعه الله في الإنسان، إما أن يرفعه إلى أعلى عليين ؛ وإما أن يهبط به إلى أسفل سافلين.
 الحديث عن العقل بمعنى الفكر، عن إمكاناته، عن طاقاته، فمكان الذاكرة لا يزيد على حبَّة العدس، هذا المكان يختزن أكثر من سبعين مليار صورة في عمر يزيد على ستين عاما، وتستدعيها متى تشاء، فهي مُبرمجة، مؤرشفة ـ باللغة الحديثة ـ يمكن أن تختزن هذه الصورة في مكان بعيد لا تحتاجها، أو في مكان قريب، تقول: هذا الوجه ألمحه، وهذا الصوت أعرفه، وهذه الرائحة شممتها، وهذه الأكلة أكلتها..

 

 

أتحسبُ أنَّكَ جرْمٌ صغير  وفيك انطوى العَالَم الأكبرُ
***

 أنت الكائن الأول، أنت المخلوق الأول، المخلوق المكرَّم، فالحديث عن عقلك لا ينتهي، وكل ما تراه عينك في هذه الأرض من إنجازات تسمى حضارية، هي ثمرة من ثمار العقل حينما توجَّه إلى الدنيا، أما إذا توجَّه هذا العقل إلى معرفة الله.
 إن عقل الإنسان فيما يبدو أسعد بعض البشريَّة، أسعد الأغنياء، أجهز، يقول لك: وأنا في السيارة أبعث رسالة مصوُّرة إلى أي مكان في العالَم، بواسطة جهاز نقل الصور في السيارة، وأنا أتصل، فهذا العقل البشري أسعد بعض الناس، أو أسعد الأغنياء، ولكن إذا اتجه هذا العقل إلى معرفة الله سَعِدَ صاحبه إلى أبدِ الآبدين.

 

 

(( إن الله لما خلق العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أشرف منك، فبك آخذ، وبك أعطي ))

 

[ ورد في بعض الآثار، راجع كشف الخفاء]

 الحديث عن العقل ذو شجون، المعرفة الإنسانيَّة، أنواع العلوم التطبيقيَّة والمحضة، هذا الذي تراه عينك في كل موضوع آلاف المراجع، آلاف المصادر، علماء، بحوث، تجارب، هذا العقل، هذه الطاقة الهائلة صُرِفَت إلى الدنيا، فكانت هذه ثمراتها، فلو صُرِفَت إلى الآخرة فما تكون ثمارها ؟ سعادة أبدية.

 

سعادة النفس وشقاؤها سرٌّ من أسرار الخَلق:

 وهذه النفس البشريَّة، وما فيها من مشاعر، من أحاسيس، كيف تغضب، كيف ترضى، كيف تسعد، كيف تشقى، كيف تخجل، كيف ينشأ فيها الصراع، عالَم قائم بذاته، عِلم النَفْس لازال في البدايات، لازال يحبو، علم النفس، ولقد ألَّف رجل كتاباً وسمَّاه.. الإنسان ذلك المجهول.. لا تزال هذه النفس ذات طبيعةٍ مجهولة.
 امرأةٌ في بلدٍ أوروبي، وهي في المطبخ ترى ابنها قد دُهِس، وهو في باريس، تصف الحادث وصفاً دقيقاً، رأته بعينها، وبعد أيامٍ جاء نعشه إلى البيت مع تقريرٍ تفصيلي بالحادث كما رأته هي، كيف ؟ لا أحد يدري، سَمُّوا هذه الظاهرة التخاطر النفسي، سيدنا عمر وهو على المنبر رأى سارية خلف الجبل في بلاد فارس، فقطع الخطبة وقال: << يا ساريةُ الجبلَ الجَبلَ>>، سيدنا سارية قال: << أسمع صوت أمير المؤمنين يحذِّرنا الجبل >>، فسِّروا ذلك ! لا نعرف، لا يوجد تفسير، الحادثة وقعت، لكن ما تفسيرها ؟ الله أعلم، لا تزال النفس في غموض شديد جداً.

 

 

وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ !!!

 أما الروح فلا نعلم عنها شيئاً، ولكن آثارها واضحةٌ جداً، الإنسان يفكِّر، يحل معادلة، يحل مسألة، يخطِّط، يؤسس بفكره، يهيِّئ كلمة، يتذكَّر، يتصوَّر، يتخيَّل، يراجع موضوعاً، يأكل فيه الغدد اللعابيَّة، المريء، المعدة، الأمعاء، البنكرياس، الغدد الدرقية، النخاميَّة، الكبد، العضلات، القلب، فأعقد آلة في الكون هو الإنسان، لو قُطِعَ عنه إمداد الله عزَّ وجل، أو سُحِبَتْ منه الروح، يضع أهله له لوحين من الثلج في نفس اليوم لكي لا تفوح رائحته، الدنيا شديدة الحرارة ستفوح رائحته، لا نستطيع، قبل دقيقتين كان مصدر حيويَّة في البيت، كان في البيت يتكلَّم، ويمزح، ويضحك، ويعطي أوامر، ويستقبل ضيوفاً، ويصدر توجيهات، والناس بين يديه خاضعون، ما الذي حدث بعد ذلك ؟ صار يحتاج إلى لوحين من الثلج، هذه هي الروح..

 

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الرُّوحِ قُلْ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا ﴾

 (85 سورة الإسراء )

 لا نعلم شيئاً عن الروح، بالروح الكبد يقوم بخمسة آلاف وظيفة، فإذا انسحبت الروح يصير ( كيلو سوداء ) ثمنه ثمانون، أو تسعون أو مئتا ليرة.
 بالروح ترى العين ثمانمئة ألف لون أخضر مع التفريق بين الدرجات، بين درجتين، بدون روح توضع العين، أو عين الدواب توضع في القمامة، فليس لها استعمال إطلاقاً، بالروح هذا الدماغ يخترع يكتشف، يُحَلل، يركِّب، من دون روح يصبح نخاعاً ثمنه كذا، من دون روح.

 

جسم الإنسان سرٌّ أيضًا:

 جسم الإنسان كما قلت لكم سابقاً: فيه حديد يصنِّع مسمار واحد، وفيه كلس يطلي بيت دجاج، وفيه مواد تصنِّع لوح صابون، وبالمئة سبعون من وزنه ماء، فالإنسان كمواد لا يزيد ثمنه على خمس وعشرين ليرة.
 أمّا أنْ يأتي إنسان كالأنبياء العظام يقلبون وجه التاريخ، يبثّون الفضيلة، والهدى في الأرض، فهل هناك إنسان وحده في ربع قرن يفعل كما فعل النبي، حيث عمَّ الإسلام في الخافقين، فالإنسان عظيم ؛ أما الإنسان الخاسر فهو الذي لا يعرف قيمة نفسه، هو الذي يعيش على هامش الحياة، هو الذي يأتي ويقول: نعيش لنأكل، هذا مستوى منخفض جداً، هناك مستوى أعلى يقول: نأكل لنعيش، وهذا مستوى فيه جهل، أما المؤمن فيقول: نعيش لنعرف الله، ولنعمل عملاً صالحاً يسعدنا إلى الأبد.
 هذا الإنسان روحه سِر، نفسه سرّ، جسمه لا يزال الطب في بحوث جبَّارة، ولم يتقدَّم إلا إلى القليل، لا زال القلب سراً، الأعصاب سر.

 

 

طبيعة الموت سِرّ:

 لا تزال طبيعة الموت سرَّاً، فما هو الموت ؟ توقُّف القلب ؟ لا، الآن يوصلون الأوعية عن طريق قلب صناعي، الدم يجري في الجسم إلى ما شاء الله، والإنسان مَيِّت، ليس توقُّف القلب هو الموت، يا ترى توقُّف نشاط الدماغ ؟ ربَّما، فكلمة (ما الموت ؟ ) إلى الآن غير معروفة.
 فما هو المنام ؟ الإنسان ينام في غرفة قميئة مظلمة، يرى نفسه في جنان مع أحبابه، يقوم من الفراش وهو من أسعد الناس، فما الذي حدث ؟ قد ينام رجلان في غرفةٍ واحدة، فيرى إنسان نفسه مع الثعابين، ومع الوحوش، ومع أعدائه، وقد وقع من على سطحٍ، وقد دهسته سيارة، وقد نُقِلَ إلى مكانٍ بعيد، وقد مات ابنه فيبكي في الليل، وإنسان آخر يرى نفسه من أسعد الناس، وهو نائم، فما هو النوم ؟ ما هو الحُلُم ؟ ما تفسير هذه الأحلام ؟

 

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا ﴾

 ( سورة الإسراء (8 ))

لا بد للإنسان من كتاب ومنهج:

 فإذا تحرَّك الإنسان من دون علم سيغلط، وسيتحرَّك حركة عشوائيَّة، وسيأخذ ما ليس له، وسيطغى، وسيعتدي، إذاً لابدَّ من منهج، لابدَّ من كتاب، لابدَّ من توجيه، لابدَّ من افعل ولا تفعل، لابدَّ من هذا الشيء حلال وهذا حرام، هذا يجوز وهذا لا يجوز، هذا ينبغي وهذا لا ينبغي، هذا يُرضي الله وهذا لا يرضي الله.
 إن الإنسان بلا كتاب لا يساوي شيئا، والدليل أن الله سبحانه وتعالى قال:

﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) ﴾

 ( سورة الرحمن1-4 )

عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ

 يا رب، أيعقل أن تعلِّم الإنسان القرآن قبل أن تخلقه ؟ لا، يخلقه ويعلِّمه، ولكن قدَّم القرآن على خلق الإنسان، لأن حياة الإنسان من دون قرآنٍ لا معنى لها، حياة حيوانيَّة، حياة عشوائيَّة، تخبُّط، تحرُّك أعمى نشاط فارغ، نشاط غير هادف، إذاً لا شيء في الحياة كلها يعلو على فهم كلام الله، فحينما تأتي إلى مجلس علمٍ لتفهم كلام الله إياك أن تتوهَّم أنك استهلكت الوقت، إنَّك تفعل المهمَّة التي من أجلها خُلِقْتَ، إياك أن تتوهَّم أنك حينما تترك العمل فتأتي إلى حضور هذا الدرس، لا، هذا هو العمل الأول، هذا هو العمل الذي لا يعلو عليه عمل، أن تفهم منهجك، كلام الخالق، أي كتابٍ على وجه الأرض فيه الحق وفيه الباطل، فيه الخطأ والصواب، فيه الجيد والسيئ، فيه الصحيح وغير الصحيح، فيه الصالح والطالح، كتاب فيه انسجام وكتاب فيه تناقض، فيه بحث وافٍ وبحث غير وافٍ، فيه معالجة عميقة ومعالجة سطحيَّة، هذا شأن كتب البشر، لكنك إذا أقبلت على كتاب الله لا ريب فيه، لا خلل، لا نقص لا سطحية، لا بساطة، لا تناقض، لا انحراف، لا مبالغة، لا تصغير، لا تهويل..

﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾

 ( سورة البقرة 2 )

 كيف أن الكون كاملٌ في خلقه، كيف أن الله عزَّ وجل يقول:

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾

 ( 88 سورة النمل )

 إذا رأيت عظمة الخالق في خلقه فهذا كلامه، ففي هذا الكلام من العظمة والدقَّة والوضوح والنفع والخير بقدر ما في هذا الكون من إتقان، هذا كلامه، فلذلك الذي دعاني لهذه المقدِّمة أن الله عزَّ وجل يقول:

 

﴿ تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾

 

تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ

 هذا الكتاب حكيم ؛ حكيم في حجمه، لو أن هذا القرآن سبعة آلاف صفحة، لو أن فيه تفصيلات دقيقة جداً لَمَلّت النَفس، لو أن فيه موضوعات مبوَّبة، تقول: هذا الموضوع لا تتفاعل نفسي معه، إنه منسَّق تنسيقا من عند الخالق ؛ فيه آياتٌ كونيَّة، آياتٌ توجيهيَّة، آياتٌ فيها بُشرى، آياتٌ فيه إنذار، صورٌ من أهل الجنَّة، صور من أهل النار، تشريعٌ حكيم، أخبارٌ صادقة، حديثٌ عن المستقبل، موضوعات يأخذ بعضها برقاب بعض، كلها من أجل أن تتعرَّف النفس إلى ربِّها، كل هذه الموضوعات من أجل أن تأخذ بيدك إلى الله.
 لذلك لا شيء في حياتك كتأسيس عمل، وتأسيس مشروع، وإقدام على زواج، وتحضير لشهادة عُليا، لا شيء في حياتك يعلو على أن تفهم كتاب الله لأنه منهجك، والإنسان بلا منهج لا معنى له، وليته لا معنى له بدون كتاب، ولكنه سوف يخطئ، وسوف يتجاوز، وسوف يقتحم، وسوف يطغى، وسوف يبغي، أما إذا عرف حدوده، عرف حدَّه فوقف عنده، عرف التوحيد، عرف معنى لا إله إلا الله، عرف معنى خَلْقِهِ في هذه الدنيا، عرف سرَّ وجوده.
 فيا أيها الإخوة الأكارم، كلَّما تاقت نفسي إلى موضوعٍ آخر غير القرآن الكريم لا أجد موضوعاً أجدى، ولا أنفع، ولا أقوى، ولا أقوم من كلام الله عزَّ وجل، كلام خالق الكون، قال:

 

﴿ تِلْكَ ﴾

 

القرآن معجزة إلى قيام الساعة:

 وهذا من رحمة الله بنا، أن الأنبياء جميعاًَ أتوا بمعجزاتٍ حسيَّة، فالعصا صارت أفعى، هذه من رآها ؟ رآها نفرٌ قليل، وأصبحت خبراً يروى، سيدنا عيسى أحيا الميِّت، ولكن من رآه فعل هذا ؟ نفرٌ محدود، ثم أصبح خبراً يصدَّق أو لا يُصدَّق، بحسب إيمان الإنسان، لكن النبي عليه الصلاة والسلام جاء بمعجزةٍ هي بين أيدينا، منذ أن جاء وإلى قيام الساعة، هذه المعجزة بين أيدينا، اقرأ وتأمَّل، اقرأ ودقِّق، اقرأ وتدبَّر، هل في الأرض كلها كتابٌ يمضي على نزوله من السماء خمسة عشر قرناً، والعلوم تقدَّمت في هذه الحقبة تقدُّماً مذهلاً.

 

موافقة العقل والفطرة للقرآن:

 إن بعض العلماء يقول: " إن التقدُّم العلمي كله للبشريَّة منذ أن وجِدَت وإلى قبل خمسين عاماً في كفَّة، ومن خمسين عاما وحتى الآن في كفَّة ثانية "، ومع ذلك لم يظهر لا في علم الفلك، ولا في علم الطب، ولا في علم الجيولوجيا، ولا في علم النبات، ولا في علم الحيوان، حقيقةٌ علميَّةٌ قطعيَّةٌ تتصادم مع آيةٍ قرآنيَّة، هذا لأنه كلام خالق الكون.
 دائماً وأبداً أقول لكم: هذا الخالق العظيم، الكون خلقه، والقرآن كلامه، والحوادث أفعاله، والعقل مقياسه أودعه فينا، والفطرة أيضاً خَصِيصَةٌ خصَّ الإنسان بها، فيجب أن يلتقي الكون مع القرآن مع العقل مع الفطرة مع الحوادث، هذا الانسجام لابدَّ منه، ما يفعله الله موجود في القرآن، وما في القرآن يفعله الله، وما يفعله الله وما في القرآن يقرُّه العقل، وما يقرُّه العقل ترتاح له الفطرة، فالحوادث والخلق والكتاب والعقل والفطرة من أصلٍ واحد، من عند الله..

 

 

﴿ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾

 

معنى: الحكيم:

1 – موضوعات القرآن تامة عددا:

 ومعنى حكيم، مثل قريب.. هذه الثريَّا، يمكن أن يكون ارتفاعها بعشرات الأماكن، بدءاً من السقف وحتى الأرض، لو كانت على الأرض فهذا المكان ليس حكيماً، لأن الثريا أخذت مساحةً منه، وآذت العيون، لو ارتفعت قليلاً لما أمكن السير تحتها، لو ارتفعت قليلاً لسار من تحتها القصير، ولارتطم بها الطويل، لو كانت في السقف لبَعُدَ نورها، هناك مئة احتمال، وعلى مستوى السنتيمترات ألف احتمال، لكن في هذا المكان تقول: في هذا المكان حكيم، فالممكن متعدِّد، أما هذا المكان فهو الراجِّح، ولا راجح بلا مُرَجِّح، معنى هذا أن هناك جهةٌ حكيمةٌ قدَّرت هذا، فكما أن خلق الله فيه حكمةٍ بالغة، كذلك كلامه فيه حكمةٍ بالغة، أي أن مجموع الموضوعات التي عالجها القرآن الكريم مجموعٌ تام، يغطي كل شؤون حياة الإنسان.

 

2– موضوعات القرآن كاملة نوعا:

 إن طريقة معالجة أي موضوع طريقةٌ كاملة وافية، لا فيها اختصار مخل، ولا فيها إطناب ممل، كتابٌ حكيم، طريقة عرض القصص فيها حكمة بالغة، طريقة إيراد الأوامر والنواهي فيها حكمة بالغة، طريقة تحريم الخمر بالتدريج فيها حكمة بالغة، سكوته عن أشياء فيه حكمةٍ بالغة، تفصيله في أشياء فيه حكمةٍ باللغة، إيجازه في أشياء فيه حكمةٍ بالغة، تجاوزه عن أشياء فيه حكمةٍ بالغة، لو أن هناك وقتاً طويلاً، لو تناولت القصص القرآنيَّة، والآيات الكونيَّة، ولكن لماذا اختار ربنا عزَّ وجل هذه الآيات الكونيَّة من بين آلاف ملايين الآيات ؟ لحكمةٍ بالغة، لماذا عرض علينا هذه القصَّة بهذه الطريقة ؟ لحكمةٍ بالغة، لماذا جاءت الأوامر هكذا ؟ لحكمةٍ بالغة..

 

 

﴿ تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾

 

 فكِّر، تدبَّر، تشعر أن هذا الكلام كلام خالق الكون، وأن هذا الكلام يحتاج منك كل وقتك، وكل جُهدك، وكل طاقتك، وكل قلبك، وكل اهتمامك، قال هذا الكتاب:

﴿ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾

هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ

1 – معنى الهدى:

 ما معنى كلمة هدى ؟ أخي هديته إلى البيت، معنى هديته أي هناك إنسان يدل إنسانا، هناك جهتان، كلمة هدى فيها جهتان.
 مثلاً إذا قلنا: تجارة، كلمة تجارة كلمة واحدة ؛ ولكن من مقتضياتها بضاعة، وشراء، ومبيع، وربح، حينما تقول: تجارة، أي اشترينا سلعةً، وبعناها بسعرٍ أعلى، وربحنا فارق السعرين، أليس كذلك ؟ الآن إذا قلت: هدىً، كلمة هدى تعني أن جهةً دلَّت جهةً، لا يكفي جهتان، جهةً دلَّت جهةً هذا كلام ناقص، ما إتمامه ؟ على ماذا دلَّت ؟ جهة دلَّت جهة على شيء، أي أن الدلالة الموصلة إلى المطلوب، فكلمة هدى تعني أن خالق الكون دلَّ المخلوق على هدفٍ يُسْعِدُهُ، خالق الكون دلَّ مخلوقاته على هدفٍ ثابتٍ يسعدهم في دنياهم وفي أخراهم، هذا هو الهدى.

 

2 – الخالق هو الذي يدل خلقه على الخير:

 ولكن الذي يَدُل، من هي الجهة المؤهَّلةٌ أن تدلَّ الخلق ؟ فهل يصح لإنسان أن يهدي إنساناً في معزل عن هدى الله عزَّ وجل ؟ لا يصح، الإنسان جاهل، وعاجز، وأُفُقُه محدود، وعلمه محدود، له مصالح، فمثلاً لو قلت لإنسان لا دين له: دُلَّني على قماشة مناسبة، يدلَّك على الكاسدة، لأنه يريد أن يصرِّفها، هل يصح لإنسان في معزل عن كتاب الله أن يهدي الناس ؟ فهل هناك هدى أرضي، الجواب: لا، فلا توجد جهة في الأرض بإمكانها أن تهدي لأنها عاجزة، لأنها محدودة، لأن آفاقها محدودة، لأنها ليست خبيرة بطبيعة النفس البشريَّة، لأن لها مصالح، لأن لها قضايا، لأنها طرف، إذاً لا يمكن للهدى إلا أن يكون سماوياً.

 

 

3 – محدودية المخلوق تدل على محدودية أساليبه وأهدافه:

 وحينما كان الهدى أرضياً رأيتم بأعينكم كيف يتصارع الناس، ويتقاتلون، وهذه الأهداف التي بقيت سنوات وسنوات أصبحت أهدافاً غير صحيحة، وتلاشت بعد سبعين عاماً، فإذا اخترع الإنسان لنفسه هدى، إذا اخترع أهدافاً، إذا رسم الإنسان أهدافاً، وسار نحوها فهناك مغالطة كبيرة، قد يكتشف بعد قرون أنه كان واهماً، وأن هذا الكلام مخالفٌ لطبيعة النفس البشريَّة، قد يكتشف بعد فوات الأوان، وبعد أن يدفع الثمن باهظاً، وبعد أن يدفع الغالي والرخيص يكشف أنه كان واهماً، وأنه كان مخطئاً، وأنه كان جاهلاً، وأحداث التاريخ بين أيديكم، هؤلاء الذين ابتعدوا عن الله وقالوا: لا إله، ووضعوا أهدافاً أرضيَّة وساروا نحوها، بعد سبعين عاماً رأوا أن هذه الأهداف غير صحيحة، وأنها باطلة، وأنها تشقي، ولا تسعد، أليس كذلك ؟

 

 

4 – وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ

 إذاً: الهدى لا يمكن إلا أن يكون من الله، لماذا ؟ لأن الله عزَّ وجل يقول:

 

﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

 ( سورة فاطر 14 )

 لو أن عندك آلة غالية الثمن، أو عقلاً إلكترونياً، جهازاً معقداً جداً صنعته أرقى شركة، أيعقل أن تذهب إلى بائع الخضار في حَيِّك تقول له: تعالَ أخبرني عن طريقة عمله، أو عن طريقة صيانته، لا، مع احترامنا الشديد لأي إنسان، لكن هذا الإنسان ليس مؤهلاً أن يعرف دقائق هذا الجهاز.

﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾

 ( سورة الفرقان14 )

 أنت في شؤونك لا يمكن أن ترجع لإنسان ما، وتقول له: دلني ماذا أفعل ؟ هذا الذي تسأله لا يعرف شيئاً، هذا إنسان مثلك، يجب أن تسأل خالق الكون، يجب أن تسأل الصانع، يجب أن تسأل الخبير، يجب أن تسأل المُصَمِّم، فأحياناً إذا كانت السيارة غالية جداً، يقول لك: أخذتها على مركز الصيانة الذي أسسته الشركة الصانعة، لها فرع، لأن فيها خبرة، إذا كان الإنسان مركبته غالية عليه يأخذها إلى الخبير، إلى الجهة الصانعة يسألُها، وإذا كان جسمه فيه خلل يسأل عن أحسن طبيب، عن أحسن اختصاص، عن اختصاصه، وعن شهاداته، وعن خبراته، وعن تجاربه، وعن عمر تجاربه، فهذه النفس تسلمها لمخلوق، تسلمها لكتاب تقرأه، تسلمها لجهةٍ في الأرض تخطط لك.

﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾

 ( سورة الفرقان14 )

 هذا الكتاب هدىً، معنى هدىً أن هناك جهة تَهْدِي، وجهة تُهْدَى، وهدف، هذا الهدف إذا كان من وضع الخالق فهو هدف ثابت، ليس فيه مفاجآت، وأنا أؤكد لكم أن أي إنسان يضع لنفسه هدفاً، هو يضعه، أو يسمح لإنسان آخر، أو لجماعة، أو لجهة أن تضع له هدفاً، ويسير نحوه، لابدَّ من أن يصعق في مرحلةٍ من مراحل حياته حينما يكتشف أن هذا الهدف باطل، وأن هذا الهدف غير مسعد، وأن هذا الهدف لا يوصل، وأن هذا الهدف كان سخيفاً، وكان قميئاً، وليس يليق بالإنسان أن يسعى إليه، أما إذا طلب الإنسان من الله عزَّ وجل أن يضع له الهدف، فالله عزوجل قال لك:

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)﴾

 ( سورة لعصر 1-3)

 يا عبدي، افعل ما شئت، فأنت في خسارة، لأنك وقت، والوقت يمضي، لأنك بضعة أيام، ولابدَّ من أن تمضي، افعل ما شئت، فأي عملٍ لا يتصل بإيمانك بي، وبعملك الصالح، وبالدعوة إلي، وبصبرك على أمري فهذا عملٌ خاسر.
 يمكن أن تتملك أكبر شركة في العالم، وأنت في خُسر، يمكن أن تصل إلى أعلى منصب في العالم وأنت في خُسر، يقول لك: حصل اضطراب بنظم القلب، وكان قد سَيَّر الجيوش، حَرَّك ثلاثين دولة، ثم أصابه اضطراب بنظم القلب، لآن إنسان ضعيف.

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾

 فهدى..
 الملخص: ليس في الأرض كلها جهةٌ تستطيع أن تهدي، لأنها لا تستطيع، لأن مقوماتها لا تمكِّنها من ذلك، أو لأنها لا تريد، لو استطاعت لا تريد، لكن خالقك هو الذي يهديك، فلذلك:

﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾

 ( سورة الكهف 28)

﴿ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾

 ( سورة لقمان: من الآية 15)

اتبَّعوا سبيل الله ولا تتبعوا سبل الناس:

 ارجع إلى من أناب إلي، اتبع سبيل من عَرَّفَكَ بهذا الكتاب، لا يوجد إنسان في الأرض يحق له أن يقول لك: هذا من عندي، من أنت ؟ أنت مثلي عبدٌ لعبد، لا يحقُّ لإنسان إلا أن يقول لك: قال الله عزَّ وجل، أنا عبد، إلا أن يقول لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا حديث صحيح، قاله النبي فقط، أما أن يقول لك إنسان: هذه من عندي خذها، فمن أنت ؟ هذه ضعها برقبتي ؟ من أنت، هذه بذمتي، وبرقبتي، وضعها في الخُرْج، ولا تسأل، وأنا أقول لك هكذا، من أنت ؟

 

قصص من حرص السلف على عدم اتباع أقوال الرجال المخالفة للشرع:

 

1 – مع الفاروق عمر بن الخطاب:

 ألم يقل سيدنا عمر لأحد ولاته عندما جاءته رسالة منه يقول فيها: << إن أناساً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم، لست أقدر على استخراجه منهم إلا أن أمسهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت >>، قال له سيدنا عمر: << يا سبحان الله ! أتستأذنني في تعذيب بشر ـ من أنا ؟ ـ وهل أنا لك حصنٌ من عذاب الله ؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله، من أنا حتى تستأذنني في تعذيب بشر ؟ قال له: " أقم عليهم البينة ـ أليس معك دليل، إثبات قطعي، حجة، مستمسك ـ أقم عليهم البينة، فإن قامت فخذهم بالبينة، فإن لم تَقُم البينة عليهم فادعهم للإقرار ـ للاعتراف ـ فإن أقروا فخذهم بإقرارهم، فإن لم يقروا فادعهم لحلف اليمين، فإن حلفوا فأطلق سراحهم >> ـ فليس هناك سوى هذه الثلاث قنوات مسموح بها، إمَّا البينة، أو الحلف، أو الإقرار، أو حلف اليمين ـ وايم الله لأن يلقوا الله بخياناتهم أهون من أن ألقى الله بدمائهم>>.

 

2 – مع الحسن البصري:

 سيدنا الحسن البصري كان عند أحد ولاة بني أمية، كان والياً ليزيد، جاءه توجيه من يزيد فيه انحراف، أو فيه مخالفة لأمر الله عزَّ وجل، فالوالي احتار، وعنده الحسن البصري، قال له: " ماذا أفعل ؟ "، والله قال له كلمة تكتب بماء الذهب، قال له: " إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله ".

 

 

لا أحدَ يردُّ عنك قضاء الله:

 إذا أطعت الله عزَّ وجل فإنه يحميك من يزيد، ولكن إذا أطعت يزيد وعصيت الله فإن يزيد لا يستطيع أن يحميك من الله.
 فهذه اجعلها في أعماقك، أي إنسان، زوجتك، لو أطعتها في معصية لا تستطيع أن ترد عنك مرضاً عُضالاً، هي تبكي فقط، صديقك، شريكك، أعلم منك، لو أطعته في معصية هؤلاء جميعاً لا يستطيعون أن يردوا عنك شيئاً أراده الله، قال عليه الصلاة والسلام لابن عباس:

 

(( وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ))

[ سنن الترمذي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ]

من كمال التوحيد العلاقة مع الله وحده:

 روعة الإيمان أن علاقتك مع جهة واحدة، مساكين أهل الدنيا، متمزقون، علاقته مع فلان وفلان، إذا أرضى فلاناً يغضب فلان، يقول: يجب أن أزوره، ولا يراني، إن زار فلانا، وعلم فلان يغضب مني، إن قدم نحو زيد يغضب عُبيد، إن أعطى فلاناً يغضب عِلاَّن، هناك تمزق، أما المؤمن فعلاقته مع جهةٍ واحدة..
 عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ قَالَتْ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

 

(( مَنْ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ، وَمَنْ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ ))

 

[الترمذي]

 هذا هو التوحيد، فأقول لك بصراحة: العلم كله في التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، التوحيد أن ترى الله في كل شيئاً، وأن لا ترى معه شيء، أن تراه في كل شيء ؛ في كل تصرُّف، في هطول الأمطار، في شُح السماء، وفي إقبال الدنيا، وفي إدبارها، في الصحة، في المرض، في القوة، في الضعف، في الالتقاء، في التفرُّق، أن ترى الله في كل شيء، وأن لا ترى معه شيئاً، هذا هو التوحيد.

 

﴿ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾

 

البداية بالهدى والنهاية بالرحمة:

 الهدى البداية، فإذا وصلنا إلى نتيجة لا يمكن لجهةٍ في الأرض أن تقدم لك الهدى، الهدى من خصائص الله عزَّ وجل، من خصائص الصانع، الخالق، المُصَمِّم..

﴿يَا أََيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ ﴾

 لماذا ؟

﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾

 ( سورة البقرة: من الآية 21 )

 لأنه هو الخالق، لا توجد جهة تستحق العبادة.
 المناسبة وليس في الكون كله جهة تستحق أن تهبها حياةً، ولا أن تهبها عمرك، ولا أن تهبها قوَّتك، ولا أن تهبها شبابك، ولا أن تهبها علمك، إلا الله عزَّ وجل، هو أهل التقوى وأهل المغفرة، فهل من المعقول لإنسان يقدم كل حياته لإنسان ؟! هذا الإنسان ماذا يفعل معه ؟ لا أملك لكم ضراً ولا نفعاً، فالهدى الدلالة، فما هي النهاية ؟ البداية الانتساب للجامعة، النهاية طبيب، البداية فتح محل تجاري، النهاية أصبحت غنياً، نريد النتائج..

 

﴿ وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾

 

 البداية الهدى والنهاية الرحمة، فإذا سرت على دلالة الله عزَّ وجل تجلَّى الله عليك بالرحمة، فأسعدك في الدنيا والآخرة، فأنت منتهى آمالك، منتهى مطالبك، تحب وجودك، وسلامة وجودك، واستمرار وجودك، وكمال وجود، هذه رحمةٌ الله عزَّ وجل تحتاج إلى هدى.

المراقبة سبيلٌ للهدى:

 يجب أن تعلم علم اليقين أن أية حركة تتحركها هي في علم الله تعالى.
 مثلاً لو فرضنا إنساناً يتناول الطعام في بيته، وفي قميصه زر مقطوع، لا يهمه ذلك، أو كان جالساً جلسة غير نظامية، أما لو كان في عقد قران، ويُصوّر تراه يعتدل على الفور، لا يفتح فمه في أثناء التصوير، بل يغلقه، لماذا ؟ لأن هذه مسجلة عليه، يعرضونه، لماذا فلان جالس هذه الجلسة، لا، هذه الجلسة ليست جيدة، فإذا حضرت عقد قران تصحح وضعك، يقول لك: يصورونني، يجب أن تعلم أن أي حركة، وأي سكنة، وأي موقف، وأي غضب، وأي رضا، وأي إعطاء، وأي منع، وأي تساهل، وأي تفلُّت، وأي انضباط كله مسجل إلى الأبد..

﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾

 ( سورة الإسراء14 )

 جاءوا بجهاز تصوير راداري لمخالفات السير، جاءوا به حديثاً، ووضعوه بطريق المطار، ضبطوا سائقا بمخالفة سرعة زائدة، فأحبوا أن يمتحنوه، أنك أنت كنت في المطار يوم كذا وكنت، مخالفاً السرعة، الله يصلحه ويهديه، حلف بدينه، بربه، لم يكن بالمطار إطلاقاً، تفضل الصورة، أليست هذه السيارة ملكك، هذه التاريخ عليها مع الصورة، فسكت.
 هكذا الآخرة، إنها كشريط مسجل بالصورة والصوت، ألم تفعل كذا ؟ ألم تقف هذا الموقف ؟ ألم تنظر إلى فلانة من ثقب الباب ؟ عليك تصوير، ولا تدري بنفسك، أنت تتصور، ألم تفعل كذا ؟ ألم تُضِف الماء للحليب داخل بيتك ؟ ألم تقل كذا وأنت في هذا ليس صادقاً ؟ فأين أنت ذاهب ؟ كله مسجل، لذلك الإيمان أن ترى أن الله معك، الإيمان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك، هذا الإيمان، تحت المراقبة.
 والله إذا عرف الإنسان نفسه أنه مراقب تجده يأخذ احتياطات بالغة جداً، فإذا كان في طريق يقول لك: هذا لا أريد أن أمشي فيه، فأي شيء تجده قد أخذ احتياطا بالغا، إذا راقبك إنسان تجد أنك ضابط للسانك، و ضابط حركاتك، وسكناتك، وكلماتك، وهاتفك ضبطته كله، فكيف لو راقبك الواحد الديان ؟ فأنت تحت المراقبة، في بيتك، مع أولادك، مع زوجتك، وأنت تأكل، أكلت اللحم وحدك، ألا يراك الله ؟ يا ترى أطعمت من حولك بالعدل ؟ كنت موضوعياً ؟.
 فكلمة هدى إذا عرفت أن الله يطلع عليك استقمت، فإذا استقمت جاء التجلي، شعرت بسعادة، شعرت بسرور، شعرت برقي أنك إنسان كريم على الله عزَّ وجل، مخلوق مكرَّم، مخلوق عالي المقام، جالس لمهمة خطيرة جداً، جاء الله بك إلى الدنيا كي تتعرف إليه، كي تهدي خلقه، تجد عملك موظَّف لله، مصلحتك، فلا يوجد عندك أخذ ما ليس لك، لا، فهذه مصلحتك بخدمة المسلمين، تربح وتعيش، لكن الهدف الأول أن تخدم المسلمين، وأن تنفق على نفسك أهلك.
 الطبيب لخدمة المسلمين، والمهندس، والمدرس، والبائع، والصانع، والعامل، دخلت بيتك، هذا البيت ليس للمتعة، لهداية الزوجة والأولاد والبنات، هؤلاء خلفاؤك من بعدك، هؤلاء عملك الصالح، هؤلاء استمرارٌ لك بعد مماتك، فإذا خلف الرجلُ ابنا متفوقا في العلم الديني مثلاً، إذا كنت قد تركت أثراً كبيراً، فأنت تعيش في زمن دقيق جداً، كل شيء مسجل عليك، فإياك أن تضِّيع ساعةً، أو دقيقةً، أو ثانيةً، هدىً، البداية الهدى، والنهاية الرحمة.
 إنّ كلمة رحمة فيها كل شيء، تبدأ من الطمأنينة إلى الاستقرار النفسي، والشعور بالسعادة والشعور بالقرب من الله عزَّ وجل، والشعور بالتفوق والفلاح..

 

 

﴿ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾

 

 

الإحسان:

مجالات الإحسان:

 هل أنت محسن ؟ أيضاً كلمة جامعة مانعة، أحسنت في إيمانك، أحسنت في عقيدتك، أحسنت في استقامتك، أحسنت في خدمتك، أحسنت في مهنتك، أحسنت في أُبوَّتك، أحسنت في أخوَّتك، أحسنت في بنوَّتك، أحسنت مع جيرانك، أحسنت مع زبائنك، أحسنت مع نفسك، أحسنت مع الحيوان حينما ذبحته، هل جعلت السكين حاداً، قال له: هلا حجبتها عن أختها ؟ أحسنت مع الحشرات حينما قتلتهم، عذبتهم أم قتلتهم قتلاً سريعاً، أحسنت مع الطبيعة، هل لوَّثت البيئة، فالمحسن لو قام بنزهة وأكل، يجمع الفضلات في كيس، ويأخذها معه، أما أن يرمي القشور ويمشي فإنه ليس محسنًا !! كلها محلات جميلة، كلها بقايا طعام وقشور، هذا العمل ليس إحساناً، كلمة محسن بدءاً من عقيدتك، مروراً بعبادتك، واستقامتك، وعملك الصالح، ومهنتك، وبيتك.

﴿ هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018