الدرس : 18 - سورة القصص - تفسير الآيات 84 - 88 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 18 - سورة القصص - تفسير الآيات 84 - 88


1990-09-21

 الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الثامن عشر والأخير من سورة القصص، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى التعقيب الكريم الذي جاء بعد قِصَّة قارون، وهو قوله تعالى:

﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾

 ( سورة القصص)

فاعلُ الخير سعيد بعمله:

 قالوا: فاعل الخير خيرٌ من الخير، أي مهما كان عمل الخير عظيماً فلا بدَّ من أن تطويه الأيام، ولا بدَّ من أن ينتهي بعد نهاية العالم، ولكن فاعل الخير سيسعد به إلى الأبد، لذلك فاعل الخير خيرٌ من الخير، وفاعل الشر شرٌ من الشر، مهما كان هذا العمل خطيراً ؛ الذي ألقى قنبلةً على مدينة في اليابان فأبادت ثلاثمائة ألف رجل في ثانيةٍ واحدة، هذا العمل بعد مضي مئة عام نسيه الناس، ولكن الذي فعله شرٌ هو شر من الشر، وسيشقى به إلى أبد الآبدين.
 الشيء الخطير أنَّك أخطر ما في الكون، مهما كان عملك طيباً فأنت أطيب منه، مهما كان عملك خيراً فأنت خيرٌ منه، ومهما يكن العمل سيِّئاً فالذي فعله أسوأ من الشر، فاعل الخير خيرٌ من الخير، وفاعل الشر شرٌ من الشر.
 يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا مَنْ﴾

 ( سورة القصص: من الآية 84)

من المعاني المستنبطة من قوله: مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا

 أي أنه مهما كانت هذه الحسنة عظيمةً، مهما كان حجم هذا العمل كبيراً، فله عند الله عزَّ وجل من السعادة الأبدية، ومن التقلُّب في جنَّات النعيم ما هو خيرٌ من هذا الخير، حتى إن بعضهم يقول: " من أطعم لقمةً ابتغاء وجه الله عزَّ وجل جاء يوم القيامة يراها كجبل أحد ".

 

(( يا عليُّ، لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس))

 

[ الجامع الصغير عن أبي رافع بسند فيه ضعف]

(( فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ))

[ مسند أحمد عن سهل بن سعد ]

 خيرٌ لك من الدنيا وما فيها لأن الله شكور.
 إذاً:

﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾

 أي فعلت صالحاً، بذلت من وقتك الثمين، بذلت من خبرتك الغالية، بذلت جاهك من أجل ضعيف، بذلت مالك الذي حَصَّلته بعرق جبينك من أجل إطعام بطنٍ جائع:

﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾

 فَوَّتّ على نفسك دُنيا عريضة، خشية الله عزَّ وجل، جاءك عرضٌ مُغْرٍ، لكنك أردت مرضاة الله عزَّ وجل، ففاتك ربحٌ كبير:

﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾

 من أتعب نفسه في سبيل أهله، وأولاده، ومن حوله:

 

﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾

 

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾

 ( سورة البقرة: من الآية 245)

 إذا فعلت الصَّالحات فكأنك أقرضت الله عزَّ وجل، إذا فرَّجت عن مكروب، إذا واسيت محزوناً، إذا أعنت فقيراً، إذا طمأنت خائفاً، إذا بذلت معروفاً، إذا أدَّيت نصيحةً، إذا أمرت بمعروفٍ، إذا نهيت عن منكرٍ، إذا أدخلت الفرح على قلوب الصغار، إذا جَبَرْتَ خاطر زوجتك.

﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾

 يقول هذا الكلام خالق الكون، يقول هذا الكلام ربُّ العالمين، إذا قال لك إنسان: أنا أعطيك مبلغاً كبيراً، وحجمه كله مئة ليرة، وكل ما يملك مئة ليرة، فكلمة كبير مما يملك مئة ليرة لها معنى، إذا قال لك إنسان، وهو يملك مئة ألف: لك عندي مبلغٌ كبير، كلمة كبير من الإنسان الثاني لها معنى آخر، إذا قال لك غنيٌ كبير: لك عندي مبلغٌ كبير، لها معنى ثالث، فإذا قال لك ملك الملوك: لك عندي خيرٌ كثير، فالملك ماذا يعطي ؟ يعطي قلم رصاص ؟ إذا أراد أن يقدِّم الملك هدية فماذا يقدم ؟ ممحاة صغيرة ؟ قلم رصاص ؟ مئة ليرة ؟ كتاباً صغيراً ؟ أم يقدِّم لك بيتاً مثلاً، أو مركبةً فارهةً، أو منصباً رفيعاً ؟ فالعطاء يتناسب مع المعطي، فعندما ربنا عزَّ وجل يقول لك:

 

﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾

 أنت كمؤمن هذا كلام الله عزَّ وجل، ماذا تفهم من كلمة:

 

﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾

 دللت إنساناً على الله عزَّ وجل، أتعبت نفسك من أجله، بذلت وقتك الثمين، كم سهرت من ليالٍ من أجله ؟ كم بذلت من مالٍ تأليفاً لقلبه ؟ إلى أن عرف الله، واستقام على أمره:

 

 مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا

﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

 ( سورة السجدة)

 أنت تعامل خالق الكون، ولا تعامل إنساناً عادياً، شحيحاً، حريصاً، لئيماً، بخيلاً، ينسى المعروف، يجحد، إنك تعامل خالق الكون..

﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ﴾

 ( سورة المدثر)

﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾

 هذا الصحابي الذي عَيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام القائد الثالث في معركة مؤتة، والذي مات أخوان له فيها، سيدنا زيد، وسيدنا جعفر، فلما جاء دوره في رفع الراية، ورأى نفسه على وشك الموت المحقق، يبدو أنه تردد فقال:

 

يا نفـس إلا تـقتلي تموتي  هذا حمام الموت قد صليت
إن تفعـلي فعلهما رضيت  و إن توليت فقد شـقـيت
***

 قِسْتُ زمن هذين البيتين، فإذا هما ثلاثون ثانية، أي أنه تردد ثلاثين ثانية، أَحْجَم ثلاثين ثانية.
 النبي عليه الصلاة والسلام وهو في المدينة المنورة مع أصحابه قال:

 

((أخذ الراية أخوكم زيد، فقاتل بها حتى قُتِل، وإني لأرى مقامه في الجنة، ثم أخذ الراية أخوكم جعفر، فقاتل بها حتى قتل، وإني لأرى مقامه في الجنة ))

 ثم سكت، فلما سكت خاف أصحاب النبي على صاحبهم عبد الله بن رواحة فقالوا: يا رسول الله، ما فعل عبد الله " ؟ قال:

((ثم أخذها عبد الله، وقاتل بها حتى قُتِل، وإني لأرى في مقامه ازوراراً عن صاحبيه ))

 هبط درجة.
 لو أن إنساناً أعطاك محلاً، وكنت صانعاً، فأصبحت تاجراً، زوجك ابنته، أعطاك بيتاً كبيراً، أعطاك مركبةً، خلال أعوام قليلة صرت إنساناً شهيراً غنياً وجيهاً، رأيته في الطريق يمشي وأنت معك سيَّارة، قال لك: يا فلان أوصلني إلى البيت، أنت ماذا فعلت ؟ سكت ثلاثين ثانية، ثم قلت له: تفضَّل، هذا السكوت في حقك جريمة مع هذا الإنسان، فربنا عزَّ وجل إذا دعاك لفعل الخيرات تتردد ؟! هل يوجد تردد هنا ؟ من علامة المؤمن أنه إذا دُعي إلى الخير ألقى بنفسه عليه، طُرِقَ بابك، هذا السائل ساقه الله إليك لينظر ماذا تفعل ؟.
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ:

 

(( يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ، يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي ؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي))

 

[ مسلم ]

 الحديث معروف عندكم، فأنا أرى أن المؤمن الصادق أكبر همِّه في الحياة الدنيا أن يعمل عملاً صالحاً يُرضي الله عزَّ وجل، يا رب، هل أنت راضٍ عني ؟ هل خدمت عبادك كما تريد ؟ هل أنا في موضع رضاك يا رب ؟

﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾

 له خيرٌ منها في الدنيا.

 

(( ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوَّضه خيراً منه في دينه ودنياه))

 

[ ورد في الأثر]

 إذا أنفقت، عبدي أَنفق أُنفق عليك، إذا أعنت فستجد من يُعينك، إذا نصرت فهناك من يَنْصُرك، إذا واسيت فهناك من يواسيك، إذا ذكرت الله عزَّ وجل في ملأٍ من الناس ذكرك الله في ملأٍ خيرٌ منهم، يأتي اسمك عطراً جداً في ملأٍ خيرٍ من هؤلاء، أنت تحدَّثت أمام شخصين أو ثلاثة عن الله عزَّ وجل، وأثنيت عليه، وعلى أسمائه الحسنى، وصفاته الفُضْلى، فجاء اسمك في مجمعٍ كبير، وجاء من يذكرك بخير.

﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾

 أنت تعامل خالق الكون، تعامل أكرم الأكرمين، تعامل من بيده ملكوت السماوات والأرض، إنَّه من يقول للشيء: كن فيكون، الأمراض كلها بيده، الجراثيم كلها بيده، عضلة القلب، وصمام القلب، والشريان التاجي، والضغط العام، وعمل الكُليتين، وعمل الكبد، وعمل الرئتين، والأعصاب، كلها بيده، وأهلك بيده، وأولادك بيده، خصومك بيده، وأعداؤك بيده، والعالم كله بيده، يقول لك:

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾

 ( سورة البقرة: من الآية 245)

 فأنت الآن إذا رأيت بيتاً، وأنت ساكن في بيت، تقول: أنا أشتريه، وأبيعه فأربح مئة ألف، هذا أرخص من سعره بمئة ألف، فكيف إذا قيل لك، ادفع ليرةً، وخذ مليوناً، ومعك هذه الليرة وتبخل فيها ؟! هذا رقم قليل، نسبة قليلة، ادفع صدقةً، وخذ جنةً عرضها السماوات إلى الأبد، أتبخل ؟ قال تعالى:

﴿مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾

 ( سورة محمد: من الآية 38)

 لذلك:

﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

 (سورة الكهف: من الآية 29)

﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾

 (سورة الروم)

﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾

 هذا كرم الله عزَّ وجل وهذه عدالته..

﴿فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

 ( سورة القصص)

 هنا سؤال:

﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾

﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾

 مُفْرَد..

﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾

 عشرة أمثال، عشرون مثلاً، سبعون مثلاً، سبعمئة.

﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

 ( سورة البقرة)

وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

 لكن:

﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾

 جاءت السيِّئات جمع وهنا مفرد، فلمَ لم يقل الله عزَّ وجل: من جاء بالحسنة فله خيرٌ منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا بها..
 مثلاً:

﴿فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾

 ربنا عَدَلَ عن الضمير إلى الاسم الظاهر، تأكيداً على أن هذا الذي يعمل السيِّئات عَمِلَها عن قصدٍ وتصميم وبنيَّة الاستمرار، عملها قاصداً مريداً، ونوى الاستمرار عليها:

﴿فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾

 جاءت متكررة، عملها مرةً بعد مرة، أَكَّد عليها، أرادها، صمم عليها، لم يَتُبِ منها، أعادها.

﴿إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

 ( سورة القصص)

 الآن انتهت قصة قارون مع التعقيبين الذين جعلاها قواعد ثابتة لكل من يقرأ القرآن.

 

في نهاية السورة ملخَّصاتٌ هامةٌ:

 

معنى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ

 الآن جاءت نهاية السورة، ويجب أن تعلموا أيها الإخوة، أن السورة الكريمة تأتي في نهايتها مُلَخَّصاتٌ مكثفةٌ جداً، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ﴾

 أي يا محمَّد..

﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾

 (القصص: من الآية 85)

المعنى الأول:

 إن الذي فرض عليك هذا القرآن أن تقرأه، وهذا القرآن أن تتدبره، وهذا القرآن أن تتلوه، وهذا القرآن أن تُبَلّغه، لرادُّك إلى مقامٍ عظيم لا يعلمه إلا الله..
 عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْوَسِيلَةُ ؟ قَالَ: أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ لَا يَنَالُهَا إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ))

 

[ الترمذي]

 إذا دعوت إلى الله، أمرت بالمعروف، نهيت عن المنكر، دَلَلت الناس إلى الله عزَّ وجل، حببتهم إلى الله، بيَّنت لهم، فصَّلت لهم، أقنعتهم، ضربت لهم الأمثال، أخذت بيدهم، تَحَمَّلت أسئلتهم، تحمَّلت أحياناً تجاوزهم، إلى أن وَصَلْتَهم بربهم فاستقاموا على أمره، وسعدوا بقربه، إن الذي فرض عليك القرآن أمرك أن تدعو إلى الله، أن تتلو عليهم القرآن، أن تبينه لهم لرَادُّك إلى معاد.
 أحياناً نرسل إنساناً إلى مهمة صعبة، لكن حينما يعود يكون له استقبالٌ عظيم، وجائزةٌ عظيمة، ومرتبةٌ عظيمة، ومقامٌ كريم، واحتفالٌ كبير، وأوسمةٌ، وما إلى ذلك، الإنسان أحياناً يرسل إنساناً إلى مهمة صعبة خطرة، فإذا عاد من مهمته ناجحاً كان له التكريم الذي لا حدود له.
 المعنى الأول لهذه الآية: إن الذي فرض عليك القرآن أمرك أن تتلوه، أمرك أن تُبَلِّغه، أمرك أن تُبَيِّنه، أمرك أن تدعو إلى خالق الكون:

﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾

 إلى معادٍ كريم، إلى مقامٍ كريم، إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض، هذا هو المعنى الأول.
 إذاً: نحن كمؤمنين قياساً على هذا المعنى، إذا دعوت إلى الله هل تعرف مكانك عند الله عزَّ وجل ؟ هل تعلم ماذا ينتظرك من خيرٍ عظيم ؟ ماذا يعد الله لك من مقامٍ كريم، ماذا يُخَبَّأ لك من سعادةٍ أبدية، أنت مؤمن جاء في آخر الزمان، في الثمانينات، في السبعينات، أردت بإخلاصٍ شديد أن تهدي الناس إلى الله، أن تُرْشِدَهم إلى ربِّهم، أن تقرِّبهم من خالقهم، أن تَصِلَهُم بمن خلقهم، هل تعلم ماذا أُخْفِيَ لك ؟ ماذا خُبِّئ لك ؟ ماذا ينتظرك من إكرامٍ وسعادةٍ ؟ لأن القرآن الكريم إذا خوطب به النبي عليه الصلاة والسلام، فالمؤمنون مخاطبون بالآيات نفسها على قدر إيمانهم، فإذا قال الله عزَّ وجل للنبي عليه الصلاة والسلام:

﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

 ( سورة الطور: من الآية 48 )

 معنى ذلك أن كل مؤمنٍ له من هذه الآية نصيبٌ على قدر إيمانه، إذا قال الله عزَّ وجل:

﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ﴾

 يا محمَّد..

﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾

 أي وأنت أيها الأخ الكريم، أيها المؤمن، إذا حضرت مجلس علم، واستوعبت الآيات، وتأثَّرت بها، فأردت أن تنقلها إلى لآخرين ؛ إلى جيرانك، إلى إخوانك، إلى أصدقائك، إلى أهلك، إلى أولادك، إلى زملائك، إلى من تُحِبُّه، بينت لهم بجهدٍ جهيد، وفَصَّلت لهم، ودعوتهم إلى هذا المجلس، ودعوتهم إلى معرفة الله:

﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾

 لك عند الله عودةٌ مشرفة، هناك عودة مُبَجَّلة، عودة موَقَّرة، عودة مُسْعدة، هذا المعنى الأول.

 

المعنى الثاني:

 

﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾

 أي سيسألك عن أمانة التبليغ، هل بَلَّغت ؟ إنك إذا ذهبت إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام تقول: يا رسول الله، يا نبي الله، يا حبيب الله أشهد أنَّك أدَّيت الرسالة، وبلَّغت الأمانة، ونصحت الأمَّة، وكشفت الغُمَّة، ومحوت الظُلمة، وجاهدت في الله حقَّ الجهاد، وهديت العباد إلى سبيل الرشاد.
 أنك إذا دعوت إلى الله فقد صرت مسؤولاً، كلما فعلت شيئاً: يا عبدي، هكذا تقول للناس ؟ هل أنت في مستوى كلامك ؟ دعوتهم إلى الصدق، هل أنت صادق ؟ دعوتهم إلى غضِّ البصر، هل أنت غاضٌ لبصرك ؟ دعوتهم إلى الأمانة، هل أنت أمين ؟ دعوتهم إلى النُصْح، هل تنصح زبائنك ؟ ألا تستحي مني أن تدعو الناس إلى شيء وتخالفهم أنت ؟! فهذه مبدأ المسؤولية.

﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾

 سيحاسبك، سيرى ماذا فعلت ؟ هل كان سلوكك بمستوى دعوتك ؟ هل انفصلت دعوتك عن سلوكك ؟ هل كانت دعوتك في وادٍ وأنت في وادٍ ؟ هل طَبَّقت في بيتك ما أمرت به إخوانك ؟ هل كنت قدوةً صالحةً لهم ؟ هل سبقتهم إلى طريق الخَيْرات أم قَصَّرت عنهم ؟ أم جعلت الدعوة مهنةً وحرفةً تسترزق منها ؟:

﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾

 سيحاسبك، سيكشف عملك، فإذا قال الإنسان للناس: قال الله تعالى، فالقضية سهلة، لا تحتاج إلى قراءة وكتابة، لكن هناك المسؤولية، هل أنت في مستوى هذه الدعوة ؟ هل فعلت شيئاً خلاف ما تقول ؟ هل في شخصِيَّتك ازدواج ؟ هل لك مظهر ومخبأ ؟ هل لك ظاهر وباطن ؟ هل لك جلوةٌ وخلوة ؟ هل أنت في مستوى ما تقول ؟:

﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾

 انتبه قبل أن تقول، قبل أن تقول لابنك: يا بني كن صادقاً، فهل أنت صادقاً مع الناس ؟ تقول: والله اشتريتها بأغلى مما أبيعك إيَّاها، هل أنت في هذا الكلام صادق ؟ حينما تنصح ابنك أن يكون صادقاً، هل أنت صادقٌ مع الناس ؟ القضية خطيرة جداً، لذلك ألفٌ كَأُف، وواحدٌ كألف، لماذا صنع الأنبياء المعجزات ؟ لأنه ليس عندهم ازدواجية، فعلوا ما قالوا، الله عزَّ وجل لم يقل: لقد كان لكم في رسول الله عالمٌ شهير، ولا خطيبٌ بارع، قال:

﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

 ( سورة الأحزاب: من الآية 21)

 ربنا اختار الأسوة الحسنة، لم يقل: مؤلِّف، بَحَّاثة، علاَّمة، خطيب، لا، بل قال:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

 ما أمر الناس بشيء إلا كان سبَّاقاً له، وأنت إذا أردت أن تدعو إلى الله عزَّ وجل لا تفكر أن الناس أغبياء، الناس أذكى مما تظن، هم يراقبونَك، يضعونك تحت المِجْهَر، يُسَلِّطون عليك أشدَّ الأضواء، فإذا أردت أن تقول كلمةً فكن في مستواها، وإلا فالله عزَّ وجل سيحاسبك..

﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾

 هذا هو المعنى الثاني.

 

المعنى الثالث:

 تَروي كتب التفسير أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما خرج من مكة مهاجراً إلى المدينة، الله عزَّ وجل جعل في فطرة الإنسان أن يحب بلده، ووطنه:

 

﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾

 ( سورة النساء: من الآية 66)

 المعنى الثالث، أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما غادر مكة مهاجراً، ووصل الجحفة، تروي بعض كتب التفسير أن هذه الآية نزلت في هذا الموضع، أي يا محمد، لا تحزن، سوف تعود فاتحاً لمكة، أُخرجت منها في سبيل الله، وسوف تعود فاتحاً لها.
 وأنتم أيها الإخوة الأكارم يقابل هذه الآية قول النبي الكريم..

 

((ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عَوَّضه الله خيراً منه في دينه ودنياه))

 

[ ورد في الأثر]

 إيَّاك أن تظن أنك إذا تركت شيئاً لله ضاع عليك، لا والله لا بدَّ من أن يؤتيك الله خيراً منه في الدنيا والآخرة.
إن الذي فرض عليك القرآن، دعوت يا محمد إلى الله، فعاداك الناس، وتآمروا على إخراجك، وأخرجوك، لا بدَّ من أن تعود إليهم فاتحاً وظافراً، لا بدَّ من أن يُعِزَّك الله عزَّ وجل، لا بدَّ من أن يرفع قدرك، لا بدَّ من أن يذل أعدائك:

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) ﴾

 ( سورة الشرح)

 أحياناً يكون الشاب ناشئًا في تدين، فيعاديه إخوته، وأهله، وأبوه، والجيران، وبيت عمَّته، وبيت خالته، يقولون: انجذب، وتَمَشْيَخ، وصار عقله صغيرًا، وهم عندهم اختلاط، وسهرات، وحفلات، وانطلاقات، وهو جالس في غرفته وحيداً، خائف من أن يعصي الله، وصار منكمشًا على نفسه، لا بدَّ من أن يرفعه الله فوقهم، لكن:

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

 (سورة القصص)

 الحبل الآن مرخى، لا بدَّ من أن يرفعه الله فوقهم، لا بدَّ من أن يعزَّه، لا بدَّ من أن يُغْنِيه، لأنه آثر مرضاة الله عزَّ وجل، إن الله ليباهي الملائكة بالشاب المؤمن، يقول: انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي، طبعاً لأنك تخشى الله عزَّ وجل رفضت هذه النزهة المختلطة مع أهلك، ذهبوا إلى المكان الفلاني، وتناولوا أطيب الطعام، وشربوا أطيب الشراب، وضحكوا، ولعبوا، وتراشقوا بالثلج، وأنت جالس بالبيت تخشى أن تكون معهم، لا بدَّ من أن يرفعك الله عزَّ وجل، دُعيت إلى حفلةٍ إلى سهرةٍ، إلى دعوةٍ فيها ما لا يرضي الله فقلت: معاذ الله، إني أخاف الله رب العالمين، بدوت وكأنك جاهل، خائف، هم منطلقون، لا يهابون شيئاً.

 

﴿ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾

 

((ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوَّضه الله خيراً منه في دينه ودنياه))

[ ورد في الأثر]

 الله عزَّ وجل يحب المؤمن الواثق:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

 ( سورة آل عمران)

 لا تكن ضعيف النفس، أنت وليُّ الله عزَّ وجل:

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

 ( سورة يونس)

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾

 ( سورة فصلت)

 يحبك الله عزَّ وجل أن تَعْتَزَّ به، وأن تَثِقَ بنصره، وأن تثق بتوفيقه، وأن تثق بدفاعه عنك.

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 ( سورة الحج: من الآية 38)

 لذلك:

﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ﴾

 دعوت إلى القرآن، إلى رب القرآن، إلى ربِّ السماوات، والأرض، دعوت إليه فتآمر عليك قومك فأخرجوك، لا بدَّ من أن تعود إلى مكة، وهم مُطَأْطِئو الرؤوس.
 لما استعرض أبو سفيان جيش رسول الله قال: يا ابن أخي، ما أعقلك ! وما أحكمك ! وما أرحمك ! وما أوصلك ! قال:

(( ما تظنون أني فاعلٌ بكم ؟ ))

 والله الذي لا إله إلا هو أرواحهم جميعاً مُعَلَّقَةٌ بين شفتيه، عشرة آلاف سيفٍ متوهجٍ في ضوء الشمس، تنتظر هذه السيوف كلمةً من رسول الله.

(( ما تظنون أني فاعلٌ بكم ؟ ))

 هؤلاء الذين عذَّبوه، هؤلاء الذي عذَّبوا أصحابه، هؤلاء الذي أخرجوه، ائتمروا على قتله، قاطعوه، حاربوه، فعلوا به كل ما فعلوا..

﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾

 إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضعُ به آخرين، اقْرأهُ، أتْقِن تجويده، احْفظه، تَفَهَّم تفسيره، اعْمل به، هذه المعاني كلُّها مستفاده من قوله تعالى:

﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾

 كتاب الله كتابك المُقَرر، اجعله كتاب الحياة، اجعله كتاب العُمر، احرص على فهم آياته آيةً آية:

﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾

المعنى الرابع:

 جاء به ابن عبَّاس رضي الله عنه، قال: حينما قال الله:

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً(3)﴾

 ( سورة النصر)

 فهذا الصحابي الجليل فهم من هذه السورة نعي النبي عليه الصلاة والسلام، لماذا ؟ لأن الأنبياء أهدافهم الكبيرة تجعلهم إذا حققوا أهدافهم فلا شأن لهم بالحياة بعدها، أما عامَّة الناس، يعيش أحدُهم ليأكُل، أو يأكل ليعيش، ما دام الأكل موجوداً، والبيت موجوداً، وزوجة موجودة، فهذا هو المطلوبُ عنده، أما العظماء فأهدافهم كبيرةٌ جداً، فإذا حققوها فلا معنى لحياتهم بعدها، لذلك:

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2)﴾

 انتهت حياتك يا محَمَّد..

﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾

 هكذا فهم الصحابي الجليل ابن عبَّاس هذه السورة، وفَهِمَ هذه الآية أيضاً:

﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾

 فإذا رَدَّك إلى مكَّة، فتحت مكَّة، ودانت لك الجزيرة، انتهت مُهِمَّتُك، وهذا الذي حصل، بعد الفتح بزمنٍ يسير جاءت وفاة النبي عليه الصلاة والسلام.
 وبعضُهم قال:

﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾

 أي إلى الموت، أو إلى الحشر، أو إلى القيامة، أو إلى الجنة، وبعضُهم يَفْهم هذه الآية فهماً عملياً، أي إذا أراد أن يسافر، وتمنى على الله أن يرجع، لا أن يرجع في نعش، بل يرجع على قدميه يتلو هذه الآية:

﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾

 الإنسان يسافر فيرجع، أو لا يرجع..
 على كلٍ المعاني كلها:
 المعنى الأول:

 

 إذا دعوت إلى الله عن طريق هذا القرآن كما قال الله عزّ وجل:

﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

 ( سورة الفرقان)

 إذا جاهدت الناس في تعليم القرآن فإن الله عزّ وجل رادُّك إلى معاد لك مقامٌ كبير.
 المعنى الثاني:
 لك حسابٌ عسير، سيسألك هل كنت في مستوى هذا القرآن ؟ النبي عليه الصلاة والسلام كان قُرآناً يمشي، السيدة عائشة سُئِلَت عن خلقه فقالت:

(( كان خلقه القرآن))

[ مسلم ]

 فهل أنت في مستوى القرآن ؟ أنت مُطَبِّقٌ للقرآن ؟ وهذا المعنى الثاني.
 المعنى الثالث:
 إذا تركت شيئاً لله عّوَّضك الله خيراً منه في دينك ودنياك.
 المعنى الرابع:
 أن الإنسان إذا حقق أهدافه الكبرى انتهت مهمته في الحياة، أي أنت لك مهمة في الحياة، قبل أيام خطر في بالي مثل:
الجامعات المتقدِّمة جداً التي فيها أموال طائلة تُبْذَل من أجلها إمكانيات هائلة، فيها حدائق غَنَّاء، فيها ملاعب، فيها مسابح، فيها مطاعم من الدرجة الأولى الخدمة فيها ذاتية، وفيها أماكن للنوم راقية جداً، طبعاً وفيها قاعات تدريس، وفيها مكتبات، ومخابر، إذا انتسب طالب لهذه الجامعة أعجبه مسبحها، وأعجبه ملعبها، وأعجبته حديقتها، وأعجبه الطعام فيها، وأعجبته غرفته، فصار يمضي وقته بين النوم في غرفته، وبين اللعب في الملعب، والسباحة في المسبح، والتنَزُّه في الحديقة، وهكذا، من ملعبها، إلى مسبحها، إلى حديقتها، إلى الطعام، إلى النوم، يومٌ إِثْرَ يوم، وأسبوع إثر أسبوع، وشهر إثر شهر، ثم ماذا ؟ نسي أخطر ما في الجامعة، نسي الدراسة، نسي قاعات التدريس، نسي المُطالعة، نسي التهيئة للامتحان، نسي نيل الشهادة، والله الذي لا إله إلا هو مع أن هذا مثلٌ غريب لكنه أيضاً غير بعيد عن الحقيقة.
 أي أن هذا الذي يلهو في الدنيا ؛ يأكل، ويشرب، وينام، ويعمل، ويحَصِّل الأموال، ويسافر، ويعود، وينسى لماذا هو في الدنيا ؟ لماذا خلقه الله عزّ وجل ؟ إنه في خسارةٍ كبيرة، إذاً: أنت لك مهمة هل عرفتها ؟

﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

 ( سورة القصص)

قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ

 أجمل دعاء سمعته مرة من رجل قال لي: الحمد لله على وجود الله، الله يعرف المهتدي من الضال، والمُحِق من المُبطل، والصادق من الكاذب، والمخلص من المنافق، الله يعرف، أي إذا توهَّم الناس أنك غير صادق، وأنت عند الله صادق فلا تثريب عليك، إذا اتهمك الناس بأنك غير عالم، وأنت عند الله عالم فلا تثريب عليك، إذا اتهمك الناس بأنك غيرُ مخلص، وأنت مخلص فلا يهُمُّك الأمر، لأن علاقتك مع الله عزّ وجل.
 لكن لو كان معك كيلو معدن، وقد استطعت بذكاءٍ كبير أن توهم الناس بأنه ذهب فصدَّقوك، فأنت الخاسر، هذا الذي معك حديد، وإذا كان معك كيلو ذهب، وظنّوا أنه حديد أو معدن رخيص فأنت الرابح، علاقتك مع الله فقط..
 ـ من عرف نفسه ما ضَرَّتْهُ مقالة الناس به.
 ـ كُن مع الله ولا تُبالِ.
 ـ كن مع الله ترَ الله معك.
 قال سيدنا عمر لرسول قائد الجيش الذي جاء يبشِّره بالنصر: " من الذين قتلوا في القادسية يا فلان ؟ قال: مات خلقٌ كثير، قال له: من هم ؟ قال: إنك لا تعرفهم، فبكى سيدنا عمر، وقال: << وما ضَرَّهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم>>.
 من أنا ؟ فإذا عرف الله انتهى الأمر، إذا عرف نيتك وإخلاصك، وصدقك واستقامتك، وتَحَرِّيك للحق، لِيَقُل الناس عنك ما شاؤوا، وكلامهم لا وزن، له لا قيمة له، كما قال النبي الكريم:

 

(( ابتغوا الرفعة عند الله))

 

[ الجامع الصغير عن ابن عمر بسند ضعيف ]

 العبرة أن تكون في رضوان الله، أن تكون صادقاً مع الله، أن تكون مُخْلِصاً مع الله، أن تكون عند الأمر والنهي، أن تكون في طاعة الله..

 

ليس من يقطع طرقاً بطلاً  إنما من يتـقي الله البـطل
***

 قال أحد العلماء الكبار في العصور السابقة، ويبدو أنه لسببٍ من غيرةٍ، أو عداوةٍ، أو حسدٍ، رَوَّج عنه بعض خصومه ما رَوَّجوا، فقال له واحد ذات مرة: والله يا سيدي، إني أُشْفِقُ عليك مما يُقال عنك، فقال: هل قلتُ أنا عنهم شيئاً ؟ قال: لا والله، قال: إذاً عليهم فأشفق.
 عليهم وليس عليّ، أنا لم أخالف أمر الله إطلاقاً، هل قلت عنهم شيئاً ؟ قال: لا، قال: إذاً عليهم فأشفق، فإذا كنت مع الله فلا تُبالِ، إن الله لا يتخلَّى عنك، ولا يُسْلِمُك لأحد، ولا يفضحك، لأنه هو الولي الحميد:

 

﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾

 أحياناً يكون الضال طليق اللسان، قوي الحجة، عنده قوة تأثير، وهيمنة على الناس، والمُحِق أحياناً يكون قاصراً، فيتوهَّم الناس أن الحق مع فلان، النبي قال هذا، قال:

 

((لعل أحدكم ألْحَنُ بحُجَّتِهِ من الآخر))

 

[ البخاري ]

 جاء خصمان إلى النبي، واحد طليق اللسان قوي الحجة، حلف، وجاء بأدلة أن الحق معه، قال:

(( فإذا قضيت له بشيء، فإنما أقضي له بقطعةٍ من نار))

 انظر إلى هذا الحديث، أي إذا نجوت من النبي فإنك لا تنجوَ من الله عزّ وجل.
 مثلاً: يقول لك: أنا تزوجت زواجاً شرعياً، بإيجاب، وقبول، وشاهدي عدل، ومهر، ولا يوجد أي مخالفة شرعية، ولكن في نيَّتي أن أطلقها بعد أن أنتهي من الدراسة في هذا البلد، قد تنجوَ من القضاء الإسلامي، لأن العقد شرعي فعلاً، الزواج شرعي، إيجاب، قبول، هناك ولي، شاهدا عدل، مهر، لا توجد أي مشكلة، لكن لست على التأبيد، في نيَّتك أن تطلقها، هل تنجوَ من الله عزّ وجل ؟ لا تنجو، الله عزّ وجل له أمر تكليفي، وله أمر تكويني.
 مثلاً: أمرنا بقطع يدِ السارق، هذا أمر تكليفي، وربنا أحياناً يقطع يدَ السارق بأمر تكويني، أي بحادث، فإذا لم تقطع اليد بأمرٍ تكليفي، فإذا عُطِّل هذا الأمر أو لم يُطبق، قد تُقْطَع هذه اليد بأمرٍ تكويني، إذا نجوت من تدمير المال، أو من إتلاف المال بأمرٍ تكليفي، فإنك لا تنجو من أمرٍ تكويني.
 إذا امتنعت عن دفع الزكاة قد يأتي أمرٌ تكويني فيأكل الأخضر واليابس، ودليل إخلاص النبي عليه الصلاة والسلام:

﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾

 ( سورة القصص: من الآية 86)

مَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّك

 أي أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يعلم أنه سيكون نبياً، دليل إخلاصه أنه لم يكن يعلم، لو أنه يعلم لكان مُفْتَرياً، لم يطلبها، ولا فكر بها، ولا خطرت في باله:

﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ ﴾

 لو أن هذه الدعوة النبوية ليست من عند الله عزّ وجل لعرف النبي ما يفعل، لكن لأن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يعلم إطلاقاً أنه نبي، وأنه رسول، وأن كتاباً سَيَتَنَزَّلَ عليه، هذا يؤكِّد إخلاصه لله عزّ وجل، ربنا عزّ وجل قال:

﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾

 حتى إن قوله تعالى:

﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى (7) ﴾

 (سورة الضحى)

 ما هو الضلال في حَقِّ النبي ؟ النبي رأى قومه منحرفين، ضائعين، شاردين، تائهين، جاهلين، وليس عنده الوسيلة كي يهديهم، كان في حيرةٍ شديدة من أمره، ماذا يفعل؟ فلما جاءه الوحي:

﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾

 ( سورة الحجر: من الآية 94)

 هذا هو معنى الضلال، أي أنه لم يكن يعرف ما الطريق إلا هدايتهم، فالله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾

فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِّلْكَافِرِينَ

 الآن ما معنى إلا رحمةً من ربك ؟ أي حينما ألقي إليك هذا الكتاب كان إلقاؤه برحمةٍ من ربك، أراد أن يرحمك ويرحم أمتك:

﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ ﴾

 (سورة القصص)

المعنى الأول:

 أي لا تكونن معيناً لهم، أي أنَّك لا تفعل هذا، وهذا نهيٌّ المقصود منه أُمَّته بالتبعية، لذلك، من أعان ظالماً سَلَّطه الله عليه، ومن أعان ظالماً ولو بشطر كلمة، فإذا كان لك صديقٌ موظف، وسوف يوقِّع عقوبة بحق موظف صغير، وأنت شعرت أن هذا الموظف مظلوم، قال لك: ما هو قولك ؟ لم تقل له شيئاً، ولكن هززت له برأسك، فأنت قد أعنته على هذا الظلم، من أعان ظالماً ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبٌ على جبينه آيسٌ من رحمة الله، إذاً:

﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ ﴾

المعنى الثاني:

 لا تكونن ظهيراً لهم، أي لا تكونن بين ظَهْرَانِيِهِم، من أقام في بلد المشركين فقد برئت منه ذمة الله.
 أنت ساكن في بلدك الإسلامي، توجد مجالس علم، وتوجد مساجد، لك أهل، لك دخل مقبول ويكفيك، ولكن أنت طموح، فذهبت إلى بلدٍ ترتكب فيه فاحشة الزنا على قارعة الطريق، أينما تحوَّلت فالمعاصي من كل جانب، من أقام مع المشركين فقد برئت منه ذمة الله، وأغلب الظن أن هذا الذي يعتَدّ بنفسه، ويقيم في بلد الكفر أغلب الظن أنه بعد مدةٍ ليست بالقليلة يصبح منهم، يقول لك: يا أخي، والله انجرفت والتيار قوي، أربعون محطة تعمل أربعا وعشرين ساعة باستمرار، شيء مغرٍ، طبعاً من أقام مع المشركين برئت منه ذمَّة الله، قال العلماء:

﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ ﴾

 بمعنى لا تُقِمْ معهم.

 

المعنى الثالث:

 قال بعضهم: هذه أمرٌ بالهجرة، لماذا هاجر النبي ؟ من هذه الآية:

 

﴿ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ (86) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آَيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ ﴾

 ( سورة القصص: من الآية 87)

وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ َلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

 اُدعُ إلى معرفة ربك، وادعُ إلى طاعة ربك، وادعُ إلى عبادة ربك:

﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

 ( سورة القصص)

 كن خالصَ الطاعة، وخالص الوجهة، وخالص النية.
 أحياناً الإنسان يكون مطيعاً لله، لكن الوجهة لغير الله عزّ وجل، كأن يلهو بعمله، وبشغله، أحياناً يكون مطيعاً لله، وله وجهة إلى الله، مطيع وله وجهة، وخالص النية:

﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ﴾

 ( سورة القصص: من الآية 88)

وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ

 ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطلٌ، أيُّ جهةٍ تدعوها مع الله فهي باطلة:

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾

 ( سورة القصص: آية " 88 ")

 لماذا لا تدعُ مع الله إلهاً آخر ؟ لأنه لا إله إلا هو، هذه دعوة باطلة، هذا تزييف للحقيقة، هذا وهم، هذا جهل، هذا تصوُّر كاذب:

﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ﴾

 لأنَّه:

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾

 ( سورة القصص)

كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ

المعنى الأول:

 من معاني هذه الآية: أي أن أي عمل في الدنيا مهما بدا عظيماً، أخي هذه البناية فيها مئة واثنا عشر طابقًا، بُنِيت من الحديد الصرف، فيها ثلاثون مصعداً، هذا المعمل يغطي العالم بإنتاجه، أُقيم نفقٌ تحت البحر بين فرنسا وإنكلترا، شيء جميل، بني أطول جسرٍ في العالم، هذه أجمل، وصلنا إلى القمر، قال: كل شيء هالك إلا ما ابتغي به وجه الله، هذا معنى من معانِ هذه الآية:

﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾

 تأتي يوم القيامة:

﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) ﴾

 ( سورة التكوير)

﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ(4)﴾

 ( سورة الانفطار)

 مهما كان العمل عظيماً، والبناء شامخا، والجسر طويلا، والتقنيات عظيمة، وإنجازات، اكتشفنا الفيروس الفلاني، عملنا كذا، وصلنا إلى أعماق البحار، وصلنا إلى الفضاء، أرسلنا مركبة إلى المشتري، بقيت ست سنوات تسير بسرعة ثلاثين ألف كيلو في الساعة، قال:

﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾

 أي ما ابتُغي به وجه الله، الأنبياء أعمالهم خالدة، وغيرهم أعمالهم بائدة، خالدة وبائدة، هذا المعنى الأول:

﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾

المعنى الثاني:

 كل شيءٌ هالكٌ مستقبلاً:

﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ﴾

 ( سورة يونس: من الآية 24)

 في كل منظر للمدن الغربية ؛ الحدائق، وناطحات السحاب، والشوارع، والنظافة، والترتيب، والجسور، والحدائق العامة، وحدائق الحيوان، والمتاحف، والأبنية، والأدراج المتحركة:

﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً﴾

 ما هذه الخراب ؟ كان هنا مدينة اسمها باريس:

﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً﴾

 هذه قيام الساعة..

﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾

 ( سورة يونس: من الآية 24)

 إذاً:

﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾

 مستقبلاً.

 

المعنى الثالث:

 الإنسان وجوده غير ذاتي، فهو في حكم الهالك، إذا كان عندك آلة متحرِّكة كهرباؤها من عندك، أنت في أي لحظة تضغط على الزر فتوقفها، هل لها أن تفتخر بحركتها؟

 

﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾

 هالك لأن وجوده غير ذاتي، لولا أن الله تجلَّى عليه لما كان، كن فيكون، زُل فيزول، فإما أنه هالكٌ مستقبلاً، أو أنه الآن هالك.
 الإنسان استيقظ الصبح، ولا علة فيه، الله شاء لك ذلك، إذا كانت زوجته نائمة بجواره، فجسَّته فرأته شديد البرودة، فاستيقظت فرأته ميتاً، مَسَّت يدها يده في أثناء الليل فشعرت ببرودة في يده، فاستيقظت فإذا هو ميت، فإذا استيقظ أحدنا صباحاً يرى، ويسمع، حركته صحيحة، أجهزته وأعضاؤه، معنى هذا أن الله سمح له أن يستيقظ، أنت في الأساس هالك، والنائم ميت:

﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ﴾

 ( سورة الأنعام: من الآية 60)

 إذاً:

﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾

 ما معنى شيء ؟ كل شيء أي كل موجود مهما بدا تافهاً، الشيء تعني الموجود:

﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾

لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

 لم يقل: الحُكْمُ له، بل قال:

﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾

 لو قال: الحكم له، ولغيره، أما له فقصراً وحصراً، هو الحاكم، الأمر أمره، القرار قراره، الفعل فعله، التنفيذ تنفيذه:

﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾

 وأما أنتم فأنتم مُخَيَّرون:

﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾

 ( سورة القصص)

 وسوف يحاسبكم:

﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ﴾

 وحده.
 ما هو الشرك ؟ أن ترى الحكم بيدِ غير الله، أن ترى أن فلاناً ينفعك، بإمكانه أن ينفعك، بإمكانه أن يَضُرَّك:

 

﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾

 حصراً، وقصراً:

 

﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾

 لتحاسبوا عن أعمالكم صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018