الدرس : 17 - سورة القصص - تفسير الآيات 79 - 83 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 17 - سورة القصص - تفسير الآيات 79 - 83


1990-09-14

 الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس السابع عشر من سورة القصص، وصلنا في الدرس الماضي إلى أواخر قصَّة قارون، وكيف أن الذين يُريدون الحياة الدنيا حينما نظروا إليه وهْوَ في زينته، قال بعض العلماء: " كان في أبهى زينة، وفي أكمل زينة، وكان قصده أن يعلوَ في الأرض على بقية خلق الله عزَّ وجل ".

﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾

 ( سورة القصص: من الآية 79)

موازين النظرِ عند أهلِ الدنيا:

 الحقيقة أن الله سبحانه وتعالى حينما يَقُصُّ علينا بعض القصص، من خلال القصة يضع الله سبحانه وتعالى الموازين، ومن خلال القصة يُقَرِّر بعض القواعد، فهذا ميزانٌ لكل إنسان، أي إذا نظر الإنسان إلى أهل الدنيا، إلى قصورهم، إلى بيوتهم، إلى طعامهم، إلى شرابهم، إلى مَرْكَبَاتِهِم، إلى لباسهم، إلى زينتهم، إلى نُزُهاتهم، إلى رحلاتهم، إلى أعراسهم، إلى أفراحهم، إلى أتراحهم، إذا نظر الإنسان إلى أهل الدنيا، وذابت نفسه شوقاً ليكون مثلهم فهذه علامةٌ خطيرة إنَّه من أهل الدنيا.
 قال لي بعضهم، وقد قفل من الحج، قال لي كلمةً منذ خمس سنوات تقريباً، ولا أنسى هذه الكلمة قال: " ليس في الناس من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني ".
 أي أن من علامة المؤمن الصادق أنه يقول لك بكل حرفٍ من حروف هذه الكلمة: ليس في الأرض من هو أسعد مني، وقد يكون ذا دخلٍ متوسط، أو أقلَّ مما يحتاج:

﴿ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾

موازين النظرِ عند أهلِ العلمِ:

 هناك رؤيةٌ أُخرى، الرؤية اختلفت:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ﴾

 ( سورة القصص)

 قبل أن أنتقل إلى هذه الآية الثانية، هناك معنى في الآية الأولى لم أذكره في الدرس الماضي:

﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾

كيف جمعتم المال، وكيف استمتعتم به ؟!

 هؤلاء الذين قالوا هذا القول هل سألوا أنفسهم كيف جُمِعَ هذا المال ؟ وكيف استطاع صاحبه أن يستمتع به ؟
 يبدو أن الإنسان لو عُرِضَ عليه طريقة جمع المال، وكيف أنه جُمِعَ على حساب الآخرين، اقْتُطِعَ من لقمة عيشهم، أُخذ من تعبهم وعرقهم، فإنّ صاحب الضمير الحر لا يقبل أن يكون ذا مالٍ وفير إذا جمع هذا المال بطريقةٍ غير مشروعة، والإنسان لا يرضى أن يعيش على أنقاض الناس، ولا أن يغنى على فقرهم، ولا أن يعيش على موتهم، ولا أن يبني مجده على أنقاضهم.
 إنّ الإنسان إذا رأى غنياً يَرْفُلُ في أثواب الغنى، ورأى بحبوحته وإنفاقه للمال العجيب فيجب أن يسأل سؤالاً آخر: كيف جُمع هذا المال ؟ قد يجمع بالغصب والاحتيال والقهر، قد يجمع بطريقةٍ لا ترضي الشرع، ولا ترضي الضمير الحر.

 

هذا ما ينجرُّ عن كسب المال الحرام:

 

1 – المتشبِّع بالمال الحرام مآلُه الشحُّ والبخلُ:

 الشيء الآخر، أن كل من يجمع المال بطريقةٍ غير مشروعة يكسب بعده الشُحُّ، وهناك علاقةٌ وطيدةٌ بين الإثراء وبين الشح، قد يبدو لك هذا غريباً، كلما رفع الإنسان مستوى إنفاقه كلما أصبح شحيحاً، لأنه في سبيل الحفاظ على هذا المستوى المرتفع لابدَّ من أن يمنع الحقوق، لابدّ من أن يَغْصِب الأموال، لابدّ من أن يحتال، لابد من أن يُنافق، إذاً الإنفاق الكبير له مضاعفاتٌ كبيرة، أولى هذه المضاعفات: أنه يُكْسِبُ صاحبه الشُح.

 

2 – المتشبِّع بالمال الحرام كثير المعاصي:

 شيءٌ آخر، الإنفاق الكبير يحتاج إلى مالٍ وفير، وهذا المال الوفير في سبيل الحفاظ على مستواه ربما حَمَلَ الإنسان نفسه على معصية الله عزَّ وجل، إذاً:

 

﴿ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾

رؤيةُ المؤمن لكاسب المال الحرام:

 أنت أيها الأخُ الكريم، ألك رؤيةٌ تخالف بها رؤية عامَّة الناس ؟ قد يرى الإنسان هذا العمل صواباً، وهذا الكسب ذكياً، وهذا الإنفاق رفعةً، وهذا الحِرْصَ ذكاءً، هل لك رؤيةٌ أخرى تخالف بها رؤية عامة الناس ؟ وفي الحديث عَن عَبْد اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ وَنَحْنُ عِنْدَهُ:

 

(( طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، فَقِيلَ: مَنْ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: أُنَاسٌ صَالِحُونَ فِي أُنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ))

 

[ أحمد ]

 ينبغي أن تكون للمؤمن رؤيةٌ خاصة به نابعةٌ من كتاب الله، نابعةٌ من سنة رسول الله، يجب أن تكون له رؤية وله قِيَم، من رؤيته الخاصة، ومن قيمه الإيمانية يأخذ مواقف أخرى، غير المواقف التي يألفها الناس جميعاً:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾

( سورة القصص: من الآية 80)

وقفات تأملية مع قوله: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العلْمَ

1 – العلم قوةٌ:

 

 أوتوا العلم.. وهذا أكبر عطاء، في أول السورة مرّ بكم كيف أن رمز القوة، وهو فرعون دَمَّرَهُ الله عزّ وجل، وهذا الثاني قارون هو رمز المال أيضاً دَمَّرَهُ الله عزّ وجل، بقي العلم، الذي يبقى هو العلم، لأن العلم كما قال الإمام عليٌ كرم الله وجهه: << العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، مات خُزَّان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة >>.

 

2 – فكِّرْ قبل أن تقول: يا ليتني مثل فلان !!!:

 إذاً: قبل أن تقول: يا ليت لي مثل فُلان، يا ليت لي مثل عِلاَّن، يا ليتني أملك هذا الرقم، يا ليت لي هذا الرَصيد، يا ليتني أملك هذا البيت الفخم، وهذه الحديقة الغَنَّاء، وتلك المزرعة الرائعة، وهذه المركبة الفاخرة، قبل أن تقول هذا الكلام أيرضيك أن تكسب المال مثلما يكسب هؤلاء ؟ أيرضيك أن تُحاسب على كل درهمٍ كسبته يوم القيامة ؟ أم تحب أن تكون ناجياً يوم القيامة ؟ لذلك القضية أخطر من أن يتمنى الإنسان أن يكون ذا مالٍ عريض:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ﴾

3 – السعادة بالفوز يوم القيامة:

 أقول لكم مرةً ثانية، والمعنى ذكرته كثيراً هو: أنك إذا قرأت كتاب الله عزّ وجل، وتلوت قوله تعالى:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

 ( سورة الأحزاب)

 إذا شعرت أن زيداً أو عبيداً، وقد آتاه الله المال الوفير، إذا شعرت أن هذا الإنسان قد أعطاه الله، وحرمك فأنت لم تقرأ قوله تعالى، أنت لست في مستوى الآية، طفلٌ صغير يقرؤها، البطولة أن تكون في مستواها، أي إذا قال الله عزّ وجل يصف المؤمنين:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

 ( سورة الأحزاب)

 يجب أن يكون هذا شُعُورُك، هذا إحساسك، هذا ارتباطك:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

 يجب أن تقول: ليس في الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني.. لأن المال عرضٌ حاضر يأكل منه البَرُّ والفاجر، والآخرة وعدٌ صادق يحكم فيه مَلِكٌ عادل.

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾

4 – رؤية العالِم رؤيةٌ خاصة:

 أي إذا كنت من طلبة العلم، إذا آتاك الله العلم يجب أن تملك رؤيةً تختلف عن رؤيةِ الآخرين، كيف ؟
 أحياناً يكسب الإنسان مالاً حرام فيُثْنِي عليه كل هؤلاء الضَّالون، المُكَذِّبون، الشاردون، التائهون، يرونه ذكياً بهذا القِسم، يرونه حكيماً، يرونه بالعبارة الدارجة: (شاطراً، فهي شطارة)، ولكن أهل الإيمان يَرَوْنَهُ غبياً، يرونه أحمق، يرونه بعيداً، يرونه مطروداً، يرونه ملعوناً، فالبطولة لا أن يكون المال بين يديك، البطولة أن تكون في رضوان الله عزّ وجل، وهؤلاء الذين كان المال بين أيديهم بالأُلوف المُؤلَّفة فقدوه في ساعات، والله سبحانه وتعالى إذا أعطى أدهش، وإذا حاسب فَتَّش.. كما يقولون، كما أن الله سبحانه وتعالى قادرٌ على أن يعطيك المال الوفير بجهدٍ يسير قادرٌ أيضاً على أن يَسْلُبَكَ هذا المال كله في ثوانٍ معدودات:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾

 

 فهذا الذي استوقفني هذه المرة أن الذين أوتوا العلم لهم رؤية خاصة، لهم قيمٌ خاصة، لهم أحكامٌ خاصة، لهم تقييمٌ خاص، لهم وصفٌ خاص، إن لم تكن صارخاً في إيمانك فلست بمؤمنٍ، كلمة صارخ، الألوان لها موجات، أشد موجات الألوان طولاً اللَّون الأصفر، لذلك في المطارات يَصْبِغون كلَّ المركبات بهذا اللون لتكون هذه المركبة ذات لونٍ صارخ كي تتقيها الطائرة في أثناء الهبوط والإقلاع.

 

5 – المؤمن متميِّز في كل جوانب الحياة:

 

 أضرب على ذلك مثلاً: المؤمن يجب أن يكون صارخاً في أخلاقه، في رؤيته، في عِفَّتِهِ عن المحارم، في عفته عن المَطامِع، في زهده، في قناعته، في رضاه بأمر الله ونهيه، في رِضَاهُ بقضائه وقدره، في أخلاقه، في أمانته، في استقامته، في وفائه، في تواضعه، في عِزَّته، لعلك تعرف المؤمن من أنه يُصَلِّي ويصوم.. " من شاء صام ومن شاء صلى "
 يجب أن تعرفه في التعامل معه، يجب أن تعرفه من خلال صنعته، من خلال مِهْنَته، من خلال طِبِّه، من خلال عطائه، من خلال أخذه، المؤمن صارخ، لذلك يقولون: " ألسنه الخلق أقلام الحق ".
 أي يجب أن يُثْني الناس جميعاً على هذا المؤمن، لأن أخلاقه ظاهرة، عندما سأل النجاشي سيدنا جعفر عن النبي الكريم اللهم صل عليه قال له:

 

(( كنا قوماً أهل جاهلية ؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار... حتى بعث الله فينا رجلاً ـ دققوا ـ نعرف أمانته وصدقه وعفافَه ونسبه))

[ أحمد عن أم سلمة ]

 وأنت أيها الأخ الكريم، إذا أردت أن تدعو إلى الله عزّ وجل يجب أن يرى الناس أمانتك رأي العين، ويجب أن يرى الناس صدقك وعِفَّتك، هذه أشياء لابدّ منها.
 إذاً:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ﴾

ما علاقة الصابرين بسياق الآية ؟

 ما علاقة الصابرين بسياق الآية ؟ أي لا تستطيع أن تملك هذه الرؤية، أن ترى رؤية خلاف رؤية عامَّة الناس، أن ترى الشيء الثمين عند الناس قبيحاً، وأن ترى القبيح جميلاً، أن تُؤْثِر الفقر على كسب المال الحرام، هذا الشيء يحتاج إلى رؤية صحيحة وإلى صبر، أي إذا فَكَّرت في الكون، وعرفت الله عزّ وجل، واستقمت على أمره صابراً، صبرت عن الشهوات، وصبرت على الطاعات، وصبرت على المصائب، إلى أن نَمَت هذه المعرفة في نفسك عندئذٍ تملك هذه الرؤية الصادقة، فأن تمتلك رؤية خاصة، تمتلك رؤية صحيحة نابعة من كتاب الله، أن تمتلك منظومة قيم تُقَيِّم بها الأشياء، أن يكون لك موقف مغاير لِعَامَّةِ الناس، ودهمائهم الناس وسوقتهم، هذا يحتاج إلى جهدٍ كبير، وإلى صبرٍ طويل، يجب أن تكون صابراً:

﴿وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ﴾

هؤلاء هم الصابرون:

 الذين صبروا عن الشهوات، والذين صبروا عن المُغْريات، والذين صبروا للضغوط، قد يأتيك ضغطٌ شديد وأنت في فاقةٍ شديدة، ويأتيك مالٌ وفير بطريقةٍ غير مشروعة، الصابر يصبر على دخله المحدود ولا يرضى هذا المبلغ الذي فيه شُبُهَة، عندئذِ يُقْبِل على الله عزّ وجل، ويتَجَلَّى الله على قلبه، ويملك الرؤية الصحيحة، والنظر الثاقب، والقيمة الصحيحة، عندئذٍ تنطبق عليه هذه الآية، أي أن تملك رؤيةً صحيحة تُقَيِّم بها الأشياء على خلاف عامة الناس ودَهْمَائهم وسوقَتِهم، أن تتميز عن الناس برؤية توافق رؤية القرآن الكريم، هذا يحتاج إلى صبر، يحتاج إلى جهد، لذلك:

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾

 ( سورة العنكبوت: من الآية 69)

﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

 ( سورة الفرقان)

 على من تعود الهاء في (به)؟ على القرآن الكريم، أي احضر مجالس العلم، افهم كلام الله عزّ وجل، هذا نور الله عزّ وجل، هذه مائدة الله عزّ وجل، هذا الكلام نورٌ من الله سمَّاه الله نوراً، وسمَّاه ذكراً، وسمَّاه قرآناً، وسمَّاه كتاباً، وسمَّاه فُرْقاناً، وهناك أسماء كثيرة للقرآن الكريم، فُرْقان تُفَرِّق به بين الحق والباطل، نور يهديك سواء السبيل، إذاً لابدّ من أن تصبر على فهم كتاب الله، لابدّ من أن تصبر على مدارسته، لابدّ من تأتي إلى الجامعة، جامعة المُسلمين هو المسجد، ليس في التاريخ العلمي أن طالباً نال الشهادات العُلا وهو في بيته، لابدّ من أن يطرُق أبواب الجامعة، وإذا أردت أن تعرف كلام الله، أن تعرف أمره ونهيه، أن تعرف الحلال والحرام، أن تعرف سرَّ وجودك، غاية خلقك، وجهة سيرك، إذا أردت أن تعرف مهمتك في الحياة لابدّ من أن تحضر مجالس العلم كي تفهم كلام الله، كي تسعى إلى تطبيقه، إذاً:

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾

 العلم يؤتى ولا يأتي..

﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾

 ( سورة القصص: من الآية 80)

وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَن وَعَمِلَ صَالِحًا

 

 أي إذا آمنت بالله، وعملت صالحاً، الدين كلمتان: آمن وعمل صالحاً.

 

الجانب الاعتقادي والسلوكي في الدين:

 هناك جانب اعتقادي، وجانب سلوكي، الاعتقادي هو الإيمان بالله، وما يتبعه من إيمان باليوم الآخر، والملائكة، والأنبياء، والكُتُب، والقضاء والقدر خيره وشرِّه من الله تعالى، هذا الجانب الاعتقادي، الجانب السلوكي أن تستثمر هذا الإيمان في طاعة الله عزّ وجل، أي أنت بالكون تعرفه وبالشرع تعبده، إذاً أنت أمام اعتقادٍ وسلوك، اتصالٍ بالخالق وإحسانٍ إلى المخلوق:

﴿وَيْلَكُمْ﴾

 ويحكم.. يا طول هلاككم، ويلكم لا تستعجلوا، لا تقعوا في خطأٍ كبير، لا تَتِيهوا عن جادَّة الصواب:

﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ﴾

 لحكمةٍ أرادها الله عزّ وجل أن الإنسان خُلِق عجولا:

﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً﴾

 ( سورة الإسراء)

 يُحِبُّ المكسب السريع، يحب المتعة القريبة، يحب المال الذي يأخذه بطريقةٍ سهلة، يحب أن يأكل ويشرب، يحب أن يعلوَ في الأرض، هذه العَجَلة في الإنسان سبب رُقِيِّه، لأن الإيمان والرقي أن تؤثر الآخرة على العاجلة، والهدف البعيد على الهدف القريب، والمكسب المُتَأَخِّر الحلال عن المكسب المُسْتَعجل الحرام، هنا البطولة لا أن تكون كالناس، عامة الناس يستهويهم المكسب السريع، المكاسب الآنية، يعيش الإنسان التائه لوقته للحظته:

﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ﴾

 

 طبعاً هناك مجالات للاستمتاع في الحياة كثيرة، ولكن أن تتعرف إلى الله عزّ وجل يحتاج هذا إلى صبر، أن تفكِّر في الكون، أن تتلوَ كلام الله عزّ وجل، أن تفهم أبعاده، أن تفهم السُنة، أن تكون مطبقاً لها هذا يحتاج إلى جهدٍ كبير.

 

هذا ما حدث لقارون في آخر المطاف، ويحدث لأشباه قارون:

 ما الذي حصل ؟ الله عزّ وجل قال:

﴿فَخَسَفْنَا بِهِ﴾

 ( سورة القصص: من الآية 81)

 أي أن الأرض ابتلعته، توجد قرية في المغرب اسمها أغادير، هذه من أجمل الأماكن السياحية على شاطئ الأطلسي، وفيها من الفسق والفجور ما لا يحصيه إنسان، أُصيبت بزلزال، فيها فندق من أشهر الفنادق في العالم، هناك أسماء لامعة للفنادق في العالم، وهذا الفندق يَعُدُّ من الطوابق ثلاثين طابقا، وكيف أن الأرض انشقَّت وابتلعته، ولكن ليكون هذا الحدث عبرةً للناس لم يبق منه على سطح الأرض إلا الطابق الأخير، رقم الثلاثين، وعليه اللوحة الكبيرة التي تُعْلن عن اسمه، وكأن هذه اللوحة شاهدةٌ لهذا القبر الكبير، إذاً: أن تبتلع الأرض شيئاً شيء فهذا مألوف، فربنا عزّ وجل قال:

﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾

فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ

 

 ممتلكاته، هذه الكنوز التي لا يقوى على حملها أولو القوة، هذه الكنوز، وما فيها، وما حولها أصبحت تحت الأرض.

 

هؤلاء أشباه قارون:

 والآن باخرةٌ من أشهر بواخر العالم حينما صُنِعَت في بريطانية على ما أذكر طُبِعَت نشرةٌ لها، في هذه النشرة كُتِب: "هذه الباخرة لا يستطيع القدر أن يُغْرِقَها " اسمها التيتانيك أقلعت في عام ألفٍ وتسعمئة واثني عشر من لندن، أو من ميناء بريطاني إلى بوسطن، لشدَّة إتقانها صنعت من جدارين، حيث لو أن جداراً تَخَرَّب فالثاني يمنع وصول الماء، لذلك لم تصنع لهذه الباخرة قوارب نجاة، وقد ركب هذه الباخرة أثرياء أوروبا، قَدَّر بعض المختصِّين أن الحِلي التي تزينت بها النساء بمئات الملايين بل بألوف الملايين، وفي أول رحلةٍ لها وفي عرض البحر ارتطمت بجبلٍ ثلجي شطرها شطرين، وما أغاثها أحد لظنه أن هذه الباخرة لن تغرق، ومات جميع ركابها، وقبل سنوات فيما أذكر عثروا على حطامها في قاع المحيط، وهناك من يقَدِّر الثروات الموجودة في قِيعان المحيطات بألوف ألوف الملايين، باخرة مَحَمّلة بالذهب غرقت:

﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾

 هذا شيء مألوف جداً، ربنا عزّ وجل إذا أعطى أدهش، وإذا سلب الإنسان ماله فهذا شيءٌ لا يحتمل.
فهذا قارون، أحياناً المال يُسْلَب من دون خسف، بل بطريقة أخرى، بطريقة جديدة، ربنا يتحفنا باستمرار بطرائق جديدة لسلب المال:

﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾

 ( سورة القصص)

اعملْ عملاً لا تندم عليه !!!

 يا أيها الإخوة الأكارم... أنا أقول: البطولة، وهذه الكلمة أستعملها كثيراً، البطولة أن تعمل عملاً لا تندم عليه، هذه هي البطولة، البطولة أن تضحك أخيراً، لا أن تضحك أولاً، هناك إنسان يأتيه المال كثيراً، فيضحك ويرقص ويمشي فوق الأرض، ولكن يجب أن نرى مصير هذا المال، ومصير صاحبه، فهذه الحقيقة دعها في ذهنك، البطولة أن تضحك أخيراً، فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً:

﴿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) ﴾

 (سورة المؤمنون)

 هناك آية أخرى:

﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴾

 ( سورة المطففين)

البطولة أن تضحك في الأخير:

 

 ما هي البطولة ؟ أن تكون آخر الضاحكين، لا أوَّلهم: " ألا يا رُبّ نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا جائعةٍ عاريةٍ يوم القيامة، ألا يا رُبَّ نفسٍ جائعةٍ عاريةٍ في الدنيا طاعمةٍ ناعمةٍ يوم القيامة ".
 البطولة أن تضحك أخيراً، والبطولة أن تعمل عملاً لا تَنْدَم عليه، والبطولة أن تكون في خريف العمر مؤمناً تَتَمَتَّع بصحَّتك، وبعقلك: " من تعلَّم القرآن متَّعه الله بعقله حتى يموت ".
 أعود وأقول مرات كثيرة وأعني ما أقول: من نشأ على طاعة الله عزّ وجل، هذا الشاب الذي نشأ في طاعة الله هذا له مستقبل باهر، له شيخوخة من أعظم الشيخوخات، فإذا عرف الإنسانُ الله في شبابه يزداد وقاراً، و حلماً، وعلماً، ومكانةً، واستمتاعاً بكلِّ حواسِّه في شيخوخته، البطولة أن تفكِّر لهذا الأمد البعيد، البطولة إذا أردت إنفاذ أمرٍ تَدَبَّر عواقبه.
 فهذا قارون بتقييم الأذكياء كان أحمق، لماذا ؟ لأنه بدأ حياته مستمتعاً وانتهى مدَمَّراً، وكل إنسان لا يفكر في خالق الكون، ولا في أمره، ولا في نهيه، ولا يحَدِّث نفسه بطاعة الله عزّ وجل، ولا يفكر في نهايته ومصيره والدار الآخرة هو كقارون، يعيش لحظته، يعيش وقته، المال بين يديه لابدّ من أن يستمتع به، إذاً:

 

﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾

مَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ

 الإنسان في الدنيا أحياناً له أعوان، له أنصار، له أقرباء، له أهل حي، له أحفاد، له زُمَلاء، أحيناً يكون له علاقة مع جماعة مؤمنة، مع جماعة غير مؤمنة، أي له انتماءاته هؤلاء يناصرونه على الحق أو على الباطل بشكل أو بآخر، ولكن إذا أراد الله بإنسانٍ شيئاً أبعد الناس كلَّهم عنه، أبعدهم عنه جميعاً، حتى إن أقرب الناس إليه يتخلَّى عنه:

﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾

 ( سورة الحج: من الآية 18)

 أعرف إنساناً كسب المال حراماً، وكان كسبه لهذا المال على حساب صحَّة الآخرين، وعلى حساب لقمة عيشهم، وأشاد بناءً فخماً جداً في أحد أحياء دمشق يُعَدُّ البناء الأول، في سنٍ ليست متقدمة مرض مرضاً عضالاً، فكانوا يأتون له بالطعام، وكلما سأل عن زوجته، لم تستجب له زوجته، من حين لآخر كل عشرة أيام تأتيه زوجته لتلقي على مسامعه أقسى العبارات، ثم ضاقوا به ذرعاً فنقلوه إلى حيٍ آخر في قبوٍ من أقبية الأبنية، وبقي على هذا ثماني سنوات.
قبل أن تكسب المال بطريقةٍ مشروعة أو غير مشروعة، قبل أن يكون مالُك على حساب فقر الآخرين فكِّر في قارون..

﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾

 ( سورة القصص: من آية 81)

 أي إذا أراد الله عزَّ وجل بقومٍ سوءً فلا مردَّ له..

﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

 ( سورة فاطر)

 إذا أراد ربنا عزَّ وجل سلبَ إنسانٍ شيئاً فلن يستطيع أحد في الأرض كلها أن يحول بين الله وبين هذا الأمر أو هذا القدر..

﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾

 ( سورة القصص)

 

 حينما كان في قوَّته وفي أوجه، وفي بحبوحته ما استقام على أمر الله حتى يكون في منجاةٍ من عذاب الله، ما فكر في الله عزَّ وجل، لذلك الحديث الشريف:

 

(( تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ...))

[ أحمد عن ابن عباس ]

 وأنت في بحبوحة، وأنت معافى في جسمك، وأنت في صحتك التامَّة، وأنت في أوج حياتك عندك زوجة وأولاد، وأنت في أمن ودعة واستقرار، في هذا الوضع اعرف الله عزَّ وجل، حتى تستحق أن ينجِيَك الله عزَّ وجل إذا جاءتك الشدة، وأن تنطبق عليك الآية الكريمة:

﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 ( سورة الأنبياء: من الآية 88)

﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾

 

 لم يستطع أن يمنع عن نفسه هذا العقاب، والذين كانوا معه تَخَلَّوا عنه في لمح البصر، وهكذا.

 

عقابُ ظالمٍ واحدٍ ردعٌ لغيره:

 هناك من يسأل: أن هذا الإنسان الظالم الغني الذي حصل ماله بطريق غير مشروع، وربنا عزَّ وجل بطش به، أليس هناك آخرون مثله ؟ فلماذا لم يبطش بهم الله سبحانه وتعالى ؟
 الجواب: أن الله سبحانه وتعالى إذا عاقب الظالم في الدنيا لا يعاقب جميع الظالمين، بل عقاب الله لهذا الظالم عقابٌ يُسَمَّى رَدْعِيّ ليردع به بقيَّة الظالمين في كسب المال، وإذا كافأ المحسن مكافأةٌ تشجيعية، الجزاء تشجيعي، والعقاب رَدْعي، ولكن الحساب الدقيق يوم القيامة:

﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

 ( سورة آل عمران: من آية 185)

 لأن الله عزَّ وجل من حكمته وسنته..

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾

 ( سورة الأنعام: من الآية 44)

 أبواب، وليس باباً واحداً ؛ باب الأموال، وباب المُتَع، والشهوات، والبيوت، والمزارع، أبواب كل شيء:

﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

( سورةالانعام)

 هذه سُنَّة الله مع عباده، فإذا ربنا عزَّ وجل عاقب أُناساً دون آخرين، ما الإجابة ؟ عاقب هؤلاء ليردع هؤلاء، فإذا تاب هؤلاء نجوا، وإلا سيأتيهم الدور..

﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾

 ( سورة الإسراء)

﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ﴾

 وهذا الشيء بين أيديكم وتحت سمعكم وبصركم:

﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً ﴾

 ( سورة الإسراء)

﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴾

 ( سورة القصص: آية 82)

وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ

 ( وَيْ ) من ألفاظ التَعَجُّب، إذاً هذا البطش الذي كان بقارون هذه آثاره الطيِّبة، آثاره الطيبة أنه رَدَعَ هؤلاء الذين تمنوا مكانه بالأمس، فلذلك: العاقل من اتعظ بغيره، والشقي لا يتعظُ إلا بنفسه، من علامات الشقاء الإنسان لا يتعظ إلا بنفسه:

﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾

 ( سورة القصص: من الآية 82)

 

 يُعْطي ويمنع، هو المعطي وهو المانع، وهو القابض وهو الباسط، وهو الرافع وهو الخافض، وهو المُعِزُّ وهو المذل، وهو النافع وهو الضار، لا إله إلا هو، الأمر كله بيده، له الخلق والأمر، إليه يرجع الأمر كله، هذا هو التوحيد، كلما ازداد توحيدك ازدادت استقامتك، وازدادت راحتك، وازدادت مكانتك.

 

: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ

 الآن التعقيب الرائع تلك هذه الـ ( تِ ) اسم إشارة، واللام للبعد والكاف للخطاب، تلك، قال علماء التفسير: الله عزَّ وجل أشار إليها عن بعد تعظيماً لها، أي أن هذه الدار الآخرة العظيمة التي خُلقتم من أجلها أنتم أيها البشر، هذه الدار الأبدية السَرْمَدِيَّة، لا قلق، ولا مرض، ولا خوف، ولا حزن، ولا فقر، ولا مُشاحنة، ولا كبر..

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً﴾

 ( سورة القصص: من الآية 83)

نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ﴾

 لمن ؟

﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ﴾

 قال بعض العلماء: فرعون يُمَثِّل العلوَّ في الأرض وقارون يُمَثِّل الفساد..

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾

 ( سورة القصص)

 

 إذاً: هذا بعض التفاسير، أما ما هو العلو ؟ الآن العلو هو أن الإنسان إذا أراد عن طريق طعامه وشرابه وثيابه وبيته ومركبته أن يظهر أمام الناس بشكلٍ يستعلي عليهم، أي إذا استخدمت أي شيء لوظيفته فأنت لا تبغي علواً في الأرض، أما إذا استخدمته كي تستعلي به على الناس.

 

نكتة لطيفة من الآية:

 

 والآية دقيقة جداً، أن الله سبحانه وتعالى يتوَعَّد لا على العلو في الأرض، ولكن على ماذا ؟ على إرادته..

 

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ﴾

 لا يستعلون في الأرض ؟ لا.. لا..

﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ﴾

 شيء خطير جداً، الوعيد ليس على الاستعلاء في الأرض ولا على الفساد، بل على إرادة العلوِّ والفساد، في الآية مشابهة في سورة النور يقول الله عزَّ وجل:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 ( سورة النور: من الآية 19)

 أي أنك لو سمعت قصةً عن مؤمن قد تكون غير صحيحة، ولكنك ارتحت إليها، لم تقل شيئاً، لم تنقلها، لكنك ارتحت لأنه وقع في هذه المشكلة، الوعيد لا على أن تشيع الفاحشة بين الناس، أن تشيع فيهم هذا الخبر ؟ لا.. الوعيد على أنك أردت أن تشيع هذه الفاحشة، على رغبتك..

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾

 ( سورة النور: من الآية 19)

 هناك آية ثانية:

﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾

 ( سورة هود: من الآية 113)

 ليس النهي أن تكون مع الظالمين ؟ لا.. ولكن أن تركن إليهم، أن ترتاح إليهم، أن تنسجم معهم، أن تستأنس بوجودهم غير أن تعينهم..

﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾

 ( سورة هود: من الآية 113)

 

 ثلاث آيات دقيقات جداً، أنت منهيٌ عن أن تَرْكَنَ إليهم، فكيف بأن تُعِينهم ؟ فكيف بأن تساعدهم ؟ لذلك: من أعان ظالماً سَلَّطه الله عليه، عقاباً له، ومن أعان ظالماً ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبٌ على جبينه: آيسٌ من رحمة الله.
 أنت منهيٌ لا على أن تعين الظالم، منهيٌ على ألا تركن إليه، لا تركن إليه، لأنه ظالم، ومنهيٌ عن أن تحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، يكفي أن تُحب، أن ترتاح نفسك، لأن هذا المؤمن وقع في مشكلة يقول: الحمد لله، ولو قلتها في نفسك، وهذه علامة النفاق:

 

﴿ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ ﴾

 ( سورة التوبة: الآية 50)

 هذه علامة النفاق، لمُجَرَّد أن تفرح بأن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا فقد وضعت نفسك في خندق المنافقين، ولمجرد أن تركن للذين ظلموا، لم تتكلم كلمة، ولم تعنهم، ولكنك ترتاح لهم، تأنس بوجودهم، تحبهم، لك معهم علاقاتٌ حَميمة فقد وقعت في مخالفة الآية.
 والآن:

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا﴾

 لو أن الله عزَّ وجل قال: للذين لا يستعلون ولا يفسدون، ليست هكذا الآية:

﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً﴾

 أي يجب ألا تريد، لو أن إنساناً أراد، ولم يتمكن وقع في المعصية، لو أراد، قال الإمام علي كرم الله وجهه قال: << لو أردت أن يكون لك شراك نعلٍ تباهي به أخاك فأنت ممن تعنيهم هذه الآية >>.
 يا ليت، لو كان عندي بيت، يأتي إلى عندي أصدقائي لأريهم أربعمئة متر، وليس عندك إلا مئة متر، أنت لم تفعل شيئاً إطلاقاً، لكن تَمَنَّيت أن تستعلي على الناس، على التمني:

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً﴾

مِن صورِ العلوِّ في الأرض:

 العلو: ممكن أن تطعم الناس، أما لو أردت بهذا الإطعام أن تستعلي عليهم، دخلت في الآية، يمكن أن تسكن بيتاً، أما إذا أردت من هذا البيت أن تستعلي به على الناس فقد دخلت في هذه الآية.
 يمكن أن تكون تاجراً، أما إذا جلست في مجلس تتحدَّث عن حجم تجارتك، وعن نجاحاتك، وعن، وعن من أجل أن تستعلي عليهم فقد دخلت في الآية.
 يمكن أن ترتدي ثياباً نظيفةً أنيقةً جميلةً، أما أن تريد بها أن تزهو على الناس فقد دخلت في الآية، شيء خطير جداً.

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً﴾

 لمُجَرَّد أن تستخدم الشيء لا لوظيفته، ولكن لتستعلي به على الناس دخلت في الآية، هذا في الطعام والشراب، واللباس، والزينة، والمركبة، والمصنع، والمعمل، والتجارة، والسياحة.
 يمكن أن تأخذ أهلك إلى مكانٍ ما، تروِّح عن أنفسهم، أما أن تعود في المجالس لتقول كيف استمتعت في المكان الفلاني، وكم أنفقت، وكم فعلت، دخلت الآية..

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

 ( سورة القصص)

 العلو أن تكون أعلى من الناس، النبي عليه الصلاة والسلام سيد الخلق، وحبيب الحق، كانوا في سفر، وأرادوا أن يأكلوا فقال أحدهم: علي ذبح الشاة، وقال الثاني: عليّ سلخها وقال الثالث: علي طبخها، قال النبي الكريم:

((عليّ جمع الحطب ))

 قالوا: نكفيك ذلك، قال:

(( لا.. أعرف ذلك لكن الله يكره أن يرى عبده متميِّزاً على أقرانه ))

 قوله تعالى:

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ﴾

العلو ردٌّ للحق واحتقارٌ للناس:

 

 النبي عليه الصلاة والسلام سُئِلَ عن الكبر.. فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً ؟! قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ))

 ( صحيح مسلم)

 بالتعريف الدقيق:

(( بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ))

 معنى بطر الحق، أي رد الحق، أن ترى نفسك فوق هذا الشرع، أنت لست مقتنعاً بهذا الحكم الشرعي، لست مقتنعاً بهذه الآية، إذا رأيت نفسك لا تنصاع لأمر الله عزَّ وجل، ولا لحكْمِهِ فأنت متكبر.
 لمجرد أن ترى نفسك فوق السنة، النبي عليه الصلاة والسلام من سُنَّته أن تَلْعَق الإناء، أنت تركت طعام بالإناء من أجل أن تزهو أمام الناس.
 لمجرد أن ترد السنة، أو القرآن، أو الشرع، أو الحق فأنت متكَبِّر، بل كافر، فالكبر بطر الحق، وغمط الناس، غمط الناس أن تحتقرهم، أن تزدريهم، أن لا ترى إلا نفسك، أن تهمل من حولك، لكن التواضع قبول الحق، وإنصاف الناس، فالعلو في الأرض من معانيه الكبر، والكبر بطر الحق وغمط الناس، ولا فساداً، كما شرحنا قبل درسين، لمجرد أن تشعر الآخرين أنهم محرومون وأنت الذي تملك كل شيء، قال:

(( إني أعلم ذلك، ولكني أكره أن أتميَّز عليكم، لأن الله يحب من عبده أن يراه متميزاً على أقرانه ))

 هذا الفساد، العلو أن تُشْعِرَه بالحرمان، أن تغتصب ماله فساد، أن تحمله على المُنْكَرات فساد، أن تُزَيِّن له الدنيا فساد.

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً﴾

 وهذه الآية الأخيرة تُزَيِّن القصَّة كلها، كأنها تاجٌ لها:

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

 ( سورة القصص)

تاج القصة: عاقبةُ للمتَّقِينَ

 الأمور تجري، والحياة تتحرك، وأشخاص يصعدون، وأشخاص يهبطون، وهذا يغتني، وهذا يفتقر، وهذا يمرض، وهذا يَصِحّ وفي النهاية:

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

 أي أن المُتَّقي هو الفائز، المتقي هو الناجي، المتقي هو السعيد، المتقي هو الفالح، المتقي هو الذَكِيّ، المتقي هو الذي يسير في طريقٍ سالكة، فإذا مشى إنسان في طريق غير سالكة، ثمَّ فوجئ فهذا هو شأن الكافر، يسير في طريق عريضة جداً، ولكنها غير نافذة، أما المؤمن فلو أن الطريق الذي يسير فيه ضيقةٌ، لكنها سالكة إلى الجنة، لذلك أقل مؤمن على وجه الأرض أذكى من أكبر كافر، لأن الطريق سالكة إلى الجنة:

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾

 هاتان الكلمتان في هذه الآية تكفي كل مؤمن:

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

 أي أن الباطل مهما جال وصال فالعاقبة للمتقين، هذا الكافر مهما ارتفع فالعاقبة للمتقين، هذا المؤمن مهما ضعف فالعاقبة للمتقين، هذا المستقيم مهما افتقر العاقبة له، هذا العاصي مهما اغتنى فالويل له، إذاً:

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

 فهذه السورة، أو هذه القصة تَصْلُح لكل إنسان، عندما ربنا عزَّ وجل حدَّثنا عن فرعون وحدثنا عن قارون فقال:

﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ﴾

 كفرعون..

﴿وَلَا فَسَاداً﴾

 كقارون..

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

 أي للمؤمنين الذين أوتوا العلم، وصبروا على طلب العلم، وحضروا مجالس العلم، وأرادوا أن يعرفوا سرَّ وجودهم، وحكمة حركتهم، ووجهتهم حتى يفلحوا ويسعدوا.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018