الدرس : 26 - سورة البقرة - تفسير الآيات55-61، نِعم الله على بني إسرائيل ، المصائب - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 26 - سورة البقرة - تفسير الآيات55-61، نِعم الله على بني إسرائيل ، المصائب


1999-02-05

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون مع الدرس السادس والعشرين من دروس سورة البقرة.

لا تحتمل طبيعة الإنسان أن ترى الله عز وجل في الدنيا:

 مع الآية الخامسة والخمسين، وهي قوله تعالى:

﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ﴾

 قال المفسِّرون: هؤلاء هم السبعون الذين اختارهم موسى معه في المناجاة، حينما رأوا بعض المعجزات طلبوا من موسى عليه السلام أن يروا الله جهرةً، والشيء الثابت هو أن الله سبحانه وتعالى هذه سُنَنَه لا تدركه الأبصار في الدنيا، في الدنيا لا يستطيع الإنسان أن يرى الله جهرةً، ما رآه لا رسولٌ، ولا نبي، ولا صدِّيقٌ، ولا ولي، لأن طاقة الإنسان لا تحتمل رؤية الله عزَّ وجل، عندما قال سيدنا موسى:

﴿ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً (143) ﴾

( سورة الأعراف: " 143 " )

 إذا كان تجلِّي الله عزَّ وجل للجبل جعله دكَّاً فهل يحتمل الإنسان ؟ لا تحتمل طبيعة الإنسان أن ترى الله، لكن في الآخرة:

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) ﴾

( سورة القيامة )

(( كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا ))

[البخاري مسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه ]

 هناك أحاديث كثيرة جداً عن أن الإنسان إذا رأى الله عزَّ وجل يوم القيامة وهو في الجنة يبقى في نشوة الرؤية خمسين ألف عام.

 

زيادة على الجنَّة يسمح الله تعالى للمؤمنين يوم القيامة أن يروا وجهه الكريم:

 رؤية وجه الله الكريم هي المعنيَّة بقوله تعالى :

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾

(سورة يونس: " 26 " )

 زيادة على الجنَّة يسمح الله لهم أن يروا وجهه الكريم، فعند أهل السُنَّة والجماعة لا يُرى الله جل جلاله في الدنيا ؛ ولكن النصوص الثابتة، وعلى رأسها القرآن، ومن بعدها السُّنة تؤكِّد أن المؤمن يرى ربَّه جهاراً وعياناً يوم القيامة كما يرى الإنسان البدر في الدنيا، والجزاء الذي ينتظر المؤمن يفوق حدَّ الخيال:

﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) ﴾

( سورة السجدة )

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 قال تعالى:

﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55)﴾

 يروي بعض المفسِّرين: أنَّهم صعقوا، ولكن الله امتنَّ عليهم أنه أحياهم من جديد بعد أن صعقوا ليتابعوا مسيرتهم مع سيدنا موسى.

 

الإنسان يرى في الدنيا آثار اسم الجَميل في مخلوقاته :

 قال تعالى:

﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)﴾

 لو أردنا أن نتوسَّع قليلاً، الاتصال بالله عزَّ وجل هو قمَّة السعادة في الدنيا، ولكنه اتصال على نحوٍ أراده الله، اتصال إقبال، اتصال توجُّه، اتصال مناجاة، اتصال استغفار، اتصال استعانة، اتصال إنابة، اتصال دعاء، هذا الاتصال المسموح في الدنيا، ولكن يوم القيامة هناك اتصال مباشر، هناك رؤية، فإذا كنت تستمتع أيها الأخ الكريم في الدنيا برؤية جبلٍ أخضر فيه مَسْحَةٌ من جمال الله، أو رؤية جنَّةٍ خضراء، أو رؤية بحرٍ ساكن بزرقةٍ تُحَيِّر الألباب، أو رؤية وجه طفلٍ صبوح فيه من الجاذبيَّة والتألُّق ما لا يوصَف، هذه كلُّها مخلوقاتٌ أخذت من جمال الله مسحات، فكيف لو أتيح للإنسان المؤمن يوم القيامة أن يرى أصل الجمال ؟ أنت ترى في الدنيا آثار اسم الجَميل في مخلوقاته، ألم تر في باقة وردٍ تناسب الألوان، الروائح الشذيَّة، الأزهار تمثِّل جانباً من جمال الله، المناظر الطبيعيَّة الخلاَّبة تمثِّل منظراً من جمال الله عزَّ وجل، الوجوه الصَبوحة تمثِّل مظهراً من جمال الله عزَّ وجل، هذا الجمال الذي أودعه الله في الدنيا لحكمةٍ تربويَّة، لأنه إذا حدَّثنا عن جمال الآخرة وعن الجنَّات التي تجري من تحتها الأنهار، وعن الحور العين، والأولاد المُخَلَّدين، وعن الطعام الطيِّب، وعن الفواكه التي بين أيديهم، وعن هذا اللقاء الطيِّب بين المؤمنين على سررٍ متقابلين، وعن رؤية وجه الله الكريم، إذا حدَّثنا ربنا عن هذا الجمال، وعن هذا الكمال، وعن هذا النعيم المُقيم في الجنَّة، فلولا هذه المرتكزات الجماليَّة في الدنيا لما فهم الإنسان معنى الجمال، ما فهم الإنسان معنى جنَّاتٍ تجري من تحتها الأنهار ، فالجمال في الدنيا جمال ابتلاء، يعطي الله إنساناً جمالاً، وقد يعطيه جمالاً أقل، وقد يعطيه دمامة أحياناً، فالدنيا دار ابتلاء، قد تجد إنساناً في قمِّة الصلة بالله وليس له وجهٌ صَبوح، هذا شيء موجود، قد تجد إنساناً في أعلى درجة من الكمال وليس له شكلٌ يلفت النظر.

 

الجمال في الدنيا موزَّع توزيع ابتلاء :

 تروي كتب التاريخ عن أحد التابعين الكبار وهو الأحنف بن قيس أنه كان قصير القامة، أسمر اللون، غائر العَيْنَين، ناتئ الوجنتين، أحنف الرِجل، مائل الذقن، ليس شيءٌ من قبح المَنْظَر إلا هو آخذٌ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيد قومه، إذا غضبَ غضب لغضبته مئة ألف سيف لا يسألونه فيمَ غضب.
 الجمال في الدنيا موزَّع توزيع ابتلاء، قد تجد امرأةً صالحةً مؤمنةً تقيَّةً طاهرةً عفيفةً بوضع جمالي دون الوَسَط، وقد يكون هذه المرأة في الجنَّة في أعلى عليين، هذه نقطة مهمَّة جداً أن الله سبحانه وتعالى وزَّع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء ـ والدنيا مؤقَّتة ـ وسوف توزَّع هذه الحظوظ في الآخرة توزيع جزاء، دقِّق في قوله تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ (21) ﴾

( سورة الإسراء: "21" )

 إنسان يعمل أستاذ في الجامعة وإنسان يعمل أستاذاً في التعليم الابتدائي في قرية، مسافةٌ كبيرةٌ جداً بين الوظيفتين، إنسان يعمل رئيس أركان الجيش وجندي في خدمةٍ إلزاميَّةٍ في مكانٍ صعبٍ باردٍ موحش، طبيب جراَّح وممرِّض ناشئ مثلاً، مدير مؤسَّسة وحاجب، ورئيس غرفة تجارة وبائع متجوِّل:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ (21) ﴾

( سورة الإسراء: "21" )

 لكن:

﴿ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (21) ﴾

( سورة الإسراء: "21" )

الحظوظ موزَّعة توزيع ابتلاء والعبرة أن تنجح في مادَّة امتحانك مع الله:

 قال تعالى:

﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55)﴾

(سورة الإسراء )

 مرتبة الدنيا لا تعني شيئاً وقد تعني العكس، لأن المترفين في ثماني آيات كُفَّار:

﴿ وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (33)﴾

(سورة المؤمنون: " 33 " )

 الدنيا لها وضع خاص، قد تجد:

((كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ ))

[مسلم والترمذي عن أبي هريرة]

 وقال:

﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ (55) ﴾

(سورة التوبة: " 55 " )

 الدنيا دار ابتلاء وليست دار استقرار، ليست دار جزاء، الحظوظ موزَّعة توزيع ابتلاء، هناك غني وفقير، هناك جميل ودميم، وهناك ذكي وأقل ذكاء، هناك صحيح ومريض، هذه الحظوظ موزَّعة توزيع ابتلاء، العبرة أن تنجح في مادَّة امتحانك مع الله، هذه هي العبرة.

 

مادَّة امتحانك مع الله ما أنت فيه من إيجابيَّات ومن حظوظ مُنِحْتَ إيَّاها أو حُرِمْتَ منها:

 الفتاة التي وهبها الله مسحةً من الجمال، نجاحها في أن تكون لزوجها فقط، وأن تكون متواضعةً لزوجها، وأن تكون ذات تَبَعُلٍ جيدٍ لزوجها وأولادها، أما إذا مْنَحْت المرأة بعض الجمال وتطلعت إلى عملٍ في الحقل الفني كي يستمتع بجمالها كل الناس، هذه رسبت وتلك نجحت، وقد تكون امرأةٌ ذات جمالٍ متوسِّط، أو أقلَّ من وسط ؛ لكنَّها صائمةٌ مصليَّةٌ، تائبةٌ عابدةٌ، راكعةٌ ساجدةٌ، تحسن تبعُّل زوجها وأولادها، هذه نجحت في امتحان الجمال المتوسِّط، هذا من حيث الجمال .
 من حيث المال، الغني له امتحان مع الله والفقير له امتحان، القوي له امتحان والضعيف له امتحان، الصحيح له امتحان والمريض له امتحان، مادَّة امتحانك مع الله وما أنت فيه، مادَّة امتحانك مع الله ما أنت فيه من إيجابيَّات، من حظوظ مُنِحْتَ إيَّاها، وما حُرِمْتَ منه مادَّة امتحانك مع الله:

﴿ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) ﴾

(سورة الدخان )

 حقيقة الحياة الدنيا أن الدنيا دار ابتلاء لا دار استواء ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، الرخاء مؤقَّت والشقاء مؤقَّت، كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى كلما دخل دار الخلافة يتلو دائماً آية من كتاب الله وكأنها [آية الشِعَار إن صحّ التعبير]، وهي قوله تعالى:

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207) ﴾

(سورة الشعراء )

الغفلة وطول الأمل من أشدِّ الأمراض خطورةً على المؤمن:

 قد تملك، قد تصل إلى أعلى منصب في العالَم وتستمتع به أشدَّ الاستمتاع، الدنيا كلُّها بين يديك، كل مالها، ونسائها، وطعامها، وشرابها، وقصورها، ومُتَعِها بين يديك، ولكن قد تأتي ساعةٌ تخفق جميع العمليَّات ولا بد من لقاء الله عزَّ وجل، فبمَ تلقى الله عزَّ وجل ؟

(( يا بشير لا صدقة ولا جهاد فبم تدخل الجنة ؟ ))

[أحمد عن بشير بن الخصاصية]

 هذا الموت الذي قُهِرَ الإنسان به ـ سبحان من قهر عباده بالموت ـ كل مخلوقٍ يموت ؛ صحيح ومريض، قوي وضعيف، ملك ونبي، مُجرم، فقير وغني، كل مخلوقٍ يموت ولا يبقى إلا ذو العزَّة والجبروت، و:

الليل مهما طال فلا بدَّ من طلوع الفجر
والعمر مهما طال فلا بدَّ من نزول القبر
***

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلةٍ حدباء محمولُ
فإذا حملت إلى القبـور جنازةً فاعـلم بأنَّك بعدهـا محمولُ
***

 أيها الأخوة كلام دقيق، الإنسان حينما يُدْهَش، أو حينما يندم يكون قد استعمل عقله استعمالاً غير صحيح، هل الموت مفاجأة ؟ أبداً، الموت مصير كل حي، ما الفرق بين المؤمن وغير المؤمن ؟ المؤمن يستعدُّ له طوال حياته، طوال حياته يستعد له فإذا جاء الموت لا يُفاجأ، ولا يندم على ما فعل، يقول سيدنا علي : " والله لو علمت أن غداً أجلي ما قدرت أن أزيد في عملي "، وصل إلى أعلى درجة، فأنت حينما تفاجأ بشيء، أو حينما تندم على شيء، معنى ذلك أن العقل لم يستعمل بشكل جيِّد، أهل الدنيا في غفلة، أكبر مرض يصيب الناس الغفلة عن الله، يعيش وقته، إذا مال الناس إلى الشهوات يميل معهم، مال الناس إلى متعٍ رخيصة يميل معهم، وضعوا الصحون يضعها، ألبسوا نساءهم هذه الأزياء يفعل كما يفعلون، هذا الإنسان الذي يعيش لحظته بلا تفكير ويغفل عن هذه الساعة التي لا بد منها ؛ ساعة المصير، هذا إنسانٌ أحمق، إنسان غافل:

﴿ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205) ﴾

(سورة الأعراف )

 الغفلة وطول الأمل من أشدِّ الأمراض خطورةً على المؤمن.

النعمة الأولى التي أنعم الله بها على بني إسرائيل أنه بعثهم من بعد موتهم :

 إذاً وصلنا في موضوع الحظوظ إلى أنها موزَّعةٌ في الدنيا توزيع ابتلاء، وسوف توزَّع في الآخرة توزيع جزاء.

﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) ﴾

 يعد الله عزَّ وجل لبني إسرائيل النِعَمَ التي أنعم بها عليهم ويذكرهم بها، من هذه النِعَم ؛ النعمة الأولى ـ في هذا الدرس طبعاً ـ أنه بعثهم من بعد موتهم، الله تعالى لا يدمِّر من أول خطأ ولا يُهلك من أول خطأ إنه يعفو.

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ (53)﴾

(سورة الزمر: " 53" )

 الإنسان قد لا يغفر، قد يُخطئ الإنسان مع ملك فيقطع رأسه، هذا شأن ملوك الأرض، ولكن شأن ملك الملوك ليس كذلك:

﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ (52) ﴾

(سورة البقرة: " 52 " )

 وقال:

﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ (56) ﴾

 يُروى أن رجلاً سيق إلى سيدنا عمر متلبّساً بسرقة فقال: " والله يا أمير المؤمنين إنها أول مرَّةٍ أفعلها في حياتي " ، قال له: " كذبت إن الله لا يفضح من أول مرَّة "، فكانت المرَّة الثامنة، فالله عزَّ وجل يعطي مهلة، هناك خطأ، هناك معصية، هناك تقصير يعطي مهلة إلى أن يُصِر على ذنبه .

 

ربنا عزَّ وجل عفوٌ كريم يعفو ويسامح ولكن حينما يصرُّ العبد على خطئه يأتي الردُّ الإلهي:

 حدَّثني رجل فقال لي: لي أبٌ باعه طويل في تجارة المواشي والأغنام، والسمن والصوف، فلمَّا أراد أن يتقاعد من عمله باختياره وكَّلني أن أكون مكانه في هذا العمل، وكنت شاباً جاهلاً، ركبت السيارة، وذهبت إلى البادية لأشتري الصوف، ومعي ميزان ضخم، أردت أن أحتال على هذا الإنسان البدوي الساذج، كان كلَّما وزن جَرَّة أقول له رقماً فيه كسور، ثلاثة وعشرين كيلو وثمانمئة غرام، طرب هذا البدوي لهذا الوزن الدقيق علماً أنه حذف عشرة كيلو، طرب هذا البدوي لهذا الوزن الدقيق، لكنه شعر بِحِسِّه العام عندما انتهى الوزن أن هذه الكميَّة ثمنها خمسة وعشرين ألفاً، فوجد أن ثمنها أربعون ألفاً، فقال له باللغة البدوية: " ترى برقبتك إذا لعبت عليَّ "، قال لي: بعدما غادرت هذا المكان شعرت بخوف، بخطأ، هل أرجع لأطلب السماح منه، أمضي، ماذا أفعل ؟ قال لي: بقيت في صراع مع نفسي من مكان شراء الصوف إلى مكان بعد الضمير تقريباً، قال لي: خطر في نفسي، خاطر داخلي، بالتعبير الدارج: " حط بالخرج "، قال لي: ما أتممت هذا الخاطر إلا رأيت نفسي وسط بركةٍ من الدماء، انقلبت السيارة، وتناثرت البضاعة، وسال السمن من أوعيته، وأنا وسط الدماء ‍‍!! هذا معنى قوله تعالى:

﴿ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)﴾

(سورة الزخرف )

 ما دام الإنسان بين الخوف والرجاء، والاستغفار والتردُّد، فهناك بحبوحة، أما إذا اتخذ قراراً قطعياً يأتي الرد الإلهي .
 المعنى الذي نستنبطه من هذا أن ربنا عزَّ وجل عفوٌ كريم، يعفو ويسامح، ويعطي فرصة للاستغفار، ولكن حينما يصرُّ العبد على خطئه يأتي الردُّ الإلهي، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) ﴾

إذا قننّ الله لا عن عجز ولا عن تعذيب ولا عن بُخل ولكن عن تأديب فقط:

 من النِعَم التي امتنَّ الله بها على بني إسرائيل:

 

﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ (57) ﴾

 شمس الصحراء لا تُحتمل، كانت تسير معهم غيمة أينما ساروا، يقال أحياناً: "إذا أحبَّ الله قوماً أمطرهم ليلاً وأطلع عليهم الشمس نهاراً " ، تأتي أحياناً نسمات لطيفة في الصيف تلغي مكيِّفات ثمنها ألف مليون يقول: كم متراً غرفتك ؟ أنت تحسبها، أربعة بثلاثة باثنين ونصف، يقول لك: إذاً تحتاج لاثنين طن ليتم التكييف الجيد، ثمن الطن مئة ألف وهذه الغرفة لا يتم تكيفها بطن واحد، تأتي نسمات لطيفة من عند الله عزَّ وجل تلغي عمل المُكَيِّفات كلها، أحياناً نستورد أعلافاً بألوف الملايين، موسم مطير واحد يغني عن كل هذا الاستيراد، قد نستورد بألوف الملايين قمحاً لنأكله، موسم مطير واحد يُغني عن كل هذا الاستيراد، فالله إذا أعطى أدهش، وهو على كل شيء قدير.
 كلام دقيق جداً، إذا قننّ الله لا عن عجز، ولا عن تعذيب، ولا عن بُخل ؛ ولكن عن تأديب فقط، قرأت مرَّة بالأخبار أنه: في ليلة مطيرة واحدة نزل في رأس الخيمة مئتان وخمسة وعشرون ميليمتراً، أي تعادل أمطار دمشق طول العام، يوجد حتى الآن أربعون ميليمتراً من أصل مئة وعشرة في السنة الماضية، الموسم مئتان واثنا عشر، أربعون ميليمتراً، وإذا لم يكرمنا الله عزَّ وجل بأمطار قد تجد الينابيع كلُّها جافَّة ونضطر أن نشتري الماء شراء:

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30) ﴾

(سورة الملك )

 هو الله عزَّ وجل، هذا أول درس .

 

من نعم الله أن تجد الهواء تستنشقه والماء العذب الفرات تشربه :

 الدرس الثاني:

 

﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)﴾

 من نعم الله أن تجد الهواء تستنشقه، أن تجد الهواء غير الملوَّث تستنشقه، وأن تجد الماء العَذْبَ الفُرات تشربه، استوردت دولة مجاورة ماءً من العدو، فباعها ماء المجاري ـ الماء المالح ـ وحدثت تسمُّمات، وامتلأت المستشفيات بالمصابين، وبيعت قارورة الماء الصالح للشرب بمئةٍ وخمسين ليرة، فأنت حينما تفتح الصنبور في البيت، وتشرب كأس ماء صافٍ، هذه نعمةٌ لا تُقدَّر بثمن، لكن الإنسان لا يعبأ بالشيء المتوافر، استعاذ النبي من هذه الحالة، كان عليه الصلاة والسلام يقول: " يا رب أرني نعمك بكثرتها لا بزوالها ".
 تذكر نعمة الله حينما تفتح صنبور الماء، وتشرب ماءً عذباً فراتاً، سكنت في الحج في بيت في مكَّة المكرَّمة، وفي أثناء دخولي إلى البيت وجدت مستودعاً للمياه في مدخل البناء، لم يعجبني وضع الماء، قيل لي: هذا للاستعمال المنزلي فقط ولكن لا بد أن تشتري ماءً للشرب، ثمن القارورة ثلاثة ريالات، أي حوالي ثلاثين ليرة، يشربها العطشان مرَّة واحدة، إنك تفتح الصنبور، فتشرب أول كأس، وثاني كأس، وثالث كأس، ورابع كأس، يجب أن نعرف نعمة الله علينا، هذا الماء له ثمن باهظ وحينما تتعطَّل محطَّات التَحْلِيَة يُحْمَل الماء إلى البيوت حَمْلاً هذه من نعم الله العُظمى، هناك ماء وهواء وطعام ومعك قوت يومك.

 

نعمة الهدى والصحَّة والكفاية هذه نعمٌ إذا توافرت فقد حيزت لك الدنيا بحذافيرها :

 أخواننا الكرام، كلمةٌ من القلب: حينما يمتنُّ الله على الإنسان بالهدى، حينما يعبد الإنسان الله ويعرف أن هناك جنَّةً، وأن هناك ناراً، وأن هناك حساباً، وأنه هو المخلوق الأول، حينما يعرف ربَّه، ويعرف نفسه، ويعرف سرَّ وجوده، وغاية وجوده، ويمتِّعه الله بالصحَّة، هو في نعمة لا تقدر بثمن ، فلو أن إنساناً يملك البلاد كلها، وأصابه مرض عُضال تراه يتمنَّى أن يعود مواطناً عادياًِ بأجر زهيد على أن يعافى من المرض، أليس كذلك ؟ فكل إنسان معافى هذه نعمةٌ لا تقدَّر بثمن، فنعمة الهدى، ونعمة الصحَّة، ونعمة الكفاية، هذه نعمٌ إذا توافرت فقد حيزت لك الدنيا بحذافيرها.
 هناك قصَّة قلتها على المنبر اليوم وهي تروى عن سيدنا عمر بن عبد العزيز، وتروى لملكٍ آخر، ملك سأل وزيره: " من الملك ؟ "، قال له: " أنت "، قال له: " لا، الملك رجلٌ لا نعرفه ولا يعرفنا، له بيتٌ يؤويه، وزوجة ترضيه، ورزقٌ يكفيه، لأنه إن عرفنا جَهِدَ في استرضائنا، وإن عرفناه جهدنا في إحراجه "، فكل إنسان عنده قوت يومه، وله مأوى، وله بيت، وله زوجة، وهو راضٍ عن الله هو ملكٌ من ملوك الدنيا، وأسعد أهل الأرض، والله عزَّ وجل إذا أعطى أدهش، قد يعطيك سكينةً يتمنَّاها الملوك .
 هناك كلمة لا أنساها: ملك اسمه إبراهيم بن الأدهم، ترك الملك زُهداً به وصار عارفاً بالله، لأنه كان ملكاً وصار عارفاً بالله أنا أصدِّقه وَحْدَهُ، قال: " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف " ، لأنه يعرف ما هم عليه الملوك، كان ملكاً وصار عارفاً بالله، فأي إنسان مؤمن يعرف الله يعرف منهجه، يعرف أن الله قد وعده الجنَّة، يعرف ما يجب وما لا يجب، ما ينبغي وما لا ينبغي، ما يجوز وما لا يجوز، مُنضبط، وَقَّافٌ عند حدود الله، له عملٌ طيِّب، أجرى الله عزَّ وجل على يده عملاً طيباً، هذا الإنسان أسعد أهل الدنيا ؛ ولو كان في التعتيم، ولو كان في الظلال، ولو لم يعرفه أحد، إذا دخل إلى مجلس هؤلاء الأتقياء الأخفياء:

((إن الله يحب الأبرار الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإذا حضروا لم يدعوا ولم يعرفوا .))

[ابن ماجه عن معاذ]

 أتقياء أخفياء هم عند الله في أعلى مرتبة.

 

النعمة الثانية التي أنعم الله بها على بني إسرائيل أنه ظلّل عليهم الغمام:

 امتن الله عزَّ وجل على بني إسرائيل بأن ظلل عليهم الغمام:

﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)﴾

 المعنى: هذه النِعَم التي أنعم الله بها عليهم، المَن والسلوى طعام نفيس جداً، لا مجال للحديث عنه لأنه لا يوجد منه الآن، طعام نفيس امتنَّ الله به على بني إسرائيل، وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى:

﴿ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ (57) ﴾

 إذا استمتع الإنسان بهذه النعم دون أن يشكر الله عليها لا يُعدُّ ظالماً لله ولكنه يظلم نفسه، قس على ذلك، أي إنسان الله أعطاه، تمتَّع بهذا العطاء، تمتَّع بصحَّة، تمتَّع بمال، تمتَّع بزوجة، تمتَّع بأولاد، تمتَّع بكل شيء، وعدَّ نفسه شاطراً وذكياً أنه وصل إلى شيء نفيس في الحياة ونسي الله فهو أكبر ظالم لنفسه لأنه لم يشكر، النبي عليه الصلاة والسلام كانت تَعْظُم عنده النعمة مهما دقَّت، إذا شرب كأس ماء، تعظم عنده النعمة مهما دقَّت، إذا أفرغ هذا الكأس، الطرق كلها سالكة، والأجهزة تعمل بانتظام، هذه نعمةٌ لا تقدَّر بثمن، إذا أكل هذه نعمةٌ لا تقدر بثمن، إذا خرج هذا الطعام نعمةٌ لا تقدَّر بثمن، إذا كانت الأجهزة تعمل بانتظام نعمة لا تقدر بثمن:

 

﴿ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) ﴾

 

لا يوجد في الدنيا حرمان ولكن يوجد تنظيم:

 لا زالت النِعَم تترا على بني إسرائيل:

﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً (58) ﴾

 متواضعين، باب بيت المَقْدِس:

﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ (58) ﴾

 أي يا رب اغفر لنا ذنوبنا، حُطَّ عنَّا خطايانا:

﴿ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ (58) ﴾

 للمذنبين:

﴿ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) ﴾

 إحساناً، فكل واشرب، وتزوَّج، وأسِّس عملاً، ونَل شهادة عُليا، وأنجب أولاداً وربِهِم، افعل ما تشاء من المباحات على شرط أن تعبد الله، أن تقف عند حدوده، أن تأتمر بأمره، أن تنتهي عما عنه نهى، أن تحبَّ الله ورسوله، لا يوجد في الدنيا حرمان ولكن يوجد تنظيم، كل الشهوات التي أودعها الله بالإنسان لها قنوات نظيفة، أية شهوةٍ أودِعَت في الإنسان لها قناةٌ نظيفةٌ تسري خلالها، فأنت حينما تعرف الله تفعل كل شيء لكن وَفْقَ منهجه.

 

المؤمن يتبع هوى نفسه وفق منهج الله أما الكافر فيتبع هوى نفسه بغير هدى من الله :

 ورد آية بهذا المعنى عن إتباع الهوى بغير هدىً من الله:

 

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50) ﴾

( سورة القصص )

 الكافر يتبع هوى نفسه من غير هدىً من الله، أما المؤمن فهو يتبع هوى نفسه وفق منهج الله، فالشهوات التي أودعها الله في الإنسان لها قنوات نظيفة:

﴿ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ (58) ﴾

 القرية هي بيت المقدس في أرجح الأقوال:

﴿ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً (58) ﴾

 خضوعاً لله، عندما فتح النبي الكريم مكَّة المكرَّمة دخلها خافض الرأس، حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عزَّ وجل:

﴿ وَقُولُوا حِطَّةٌ (58) ﴾

 يا رب حُطَّ عنا ذنوبنا:

﴿ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ (58) ﴾

 للمذنبين:

﴿ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) ﴾

ما أكثر من يُبَدِّل في القرآن قولاً غير الذي قاله الله عزَّ وجل :

 قال تعالى:

﴿ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) ﴾

 عندما يصير الدين شكلاً، فُلكلوراً، تقليداً، ورقصاً، أو يصير الدين دوراناً ومع ارتداء ثوب كبير، أو غناء، أو طرباً، أو احتفالات، أو إلقاء كلمات، أو مؤتمرات دون أن يُطَبَّق المنهج الإلهي، إذا أصبح الدين كذلك فهذه أمَّةٌ تودِّعَ منها:

﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ (59)﴾

 أهكذا ذَكَرَ أصحاب رسول الله ربَّهم وهم يرقصون ؟ أهكذا كانت ثيابهم ؟ قد يبلغ قطر ثوبه ثلاثة أمتار، أفَعَلوا هذا تطبيقاً لمنهج الله عزَّ وجل ؟

﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ (59)﴾

 تكاد تجد أكثر المعاصي مُغَطَّاة بفتاوى، لم يبق شيء من الدين، بقي فقط فلكلوراً، تُراثاً، يقول لك: التراث الإسلامي، الدين أقواس، تيجان، زخرفة إسلاميَّة، لوحات إسلاميَّة، قرآن مُزَخرف، مسجد مزخرف، شكل بدون مضمون، لا يوجد منهج مُطبَّق، المنهج غربي، التقاليد والعادات كلها غربيَّة ؛ في الطعام والشراب، والاختلاط، والفنون، والغناء، والأفلام، كله غربي، ولا يوجد شيء إسلامي إلا المسجد والزخارف وبعض الثياب، هذا لا يجوز:

﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ (59)﴾

 ما أكثر من يُبَدِّل في القرآن قولاً غير الذي قاله الله عزَّ وجل، علماً أن الدين توقيفي والشرائع منتهية.

 

الدين لا يقبل الزيادة لأن أية زيادةٍ فيه تُعدّ اتهاماً له بالنقص:

 قال تعالى:

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً (3)﴾

(سورة المائدة: " 3 ")

 الدين لا يقبل الزيادة لأن أية زيادةٍ فيه تُعدّ اتهاماً له بالنقص، والدين لا يقبل الحذف فأيُّ حذفٍ منه اتهامٌ له بالزيادة، هو دين الله عزَّ وجل، كمال مُطْلَق:

﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا (60)﴾

 أقول لكم كلمة: والله الذي لا إله إلا هو لو خرج أهل بلدةٍ إلى مكانٍ فسيح متذلِّلين خاضعين، يسألون الله السُقْيَا، والله الذي لا إله إلا هو من الثابت أن الله يُمْطِرُهم مطراً يملأ آبارهم، ليعرّفهم ربُّهم أن الذي تدعونه بيده المطر، هذا الشيء يحصل في العالم الإسلامي، الاستسقاء عبادة، صلاة الاستسقاء عبادة ولكنها لا تنجح بشكل فردي إلا أن تكون جماعيَّةً، يجب أن يخلع الناس كِبْرَهُم، يخلعوا عنجهيَّتهم، أن يخضعوا لله عزَّ وجل، أن يسألوه السقيا، فإذا سألوه السقيا بتواضعٍ وتذلُّل وتَخَشُّع أمدَّهم الله بالأمطار الغزيرة التي تملأ آبارهم، وتحيي أراضيهم، وتنقذ نباتاتهم من الجفاف.

 

عندما يستهدف الإنسان الدنيا وليس له رسالة في الحياة يملُّ كل شيء :

 قال تعالى:

﴿ وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)﴾

 كل واشرب من غير كِبْر، من غير غطرسة، من دون معاصي وآثام، تزوج من دون اختلاط، تزوج وحجِّب زوجتك، اجعل القرآن في بيتك، افعل الطاعات، الذي حصل:

﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ (61)﴾

 أفخر أنواع الطعام، توجد هنا لفتة دقيقة جداً، الإنسان إذا استهدف الدنيا يَمَلُّ منها، إذا استهدفها ونسي رسالته، لم يعد له هدف، يعيش ليأكل ويستمتع، يمل كل شيء، والدليل أن هؤلاء الشاردين في أوروبا وأمريكا ملّوا كل شيء، لذلك يوجد انحرافاتٌ خطيرة سببها المَلَل والسَأَم، ملوا المرأة فتوجَّهوا إلى الجنس المثلي، مُدن بأكملها، أكبر مدينة أو من المدن الجميلة جداً خمسة وسبعين بالمئة من بيوتها شاذُون، ذكور ذُكور، إناث إِناث، السبب هو الملل، أنت عندما تستهدف الدنيا وليس لك رسالة في الحياة تملُّ كل شيء، تبحث عن الجديد ولو كان قذراً، تبحث عن التجديد ولو كان انحطاطاً، تبحث عن التغيير ولو كان نحو الأسوأ، هذا شأن الإنسان.

 

صفات من ضُرِبَت عليهم الذِلَّة والمسكنة وباؤوا بغضبٍ من الله :

 لمؤمن هدفه الله عزَّ وجل لا يمل النعم التي بين يديه لأنها وسائل وليست غاية، النعم التي بين يديك تملُّها إن أصبحت غايات، وترتاح لها، وتستعين بها، ولا تَمَلُّها إذا جعلتها وسائل، فلذلك المَن والسلوى قال:

﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ (61) ﴾

 هؤلاء الذين ضُرِبَت عليهم الذِلَّة والمسكنة وباؤوا بغضبٍ من الله، كيف بهم إذا أصبحوا مستكبرين ؟ معنى ذلك أن هؤلاء الذين استكبروا عليهم أقل منهم، هؤلاء الذين ضُرِبَت عليهم الذلَّة والمسكنة وباؤوا بغضبٍ من الله يتجبَّرون على من هم أضعف منهم، هذا معنى مزعج جداً.

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61) ﴾

 هذه صفاتهم ؛ يعصون الله، يعتدون على حقوق الآخرين، يقتلون الأنبياء بغير حق، طبعاً لا يوجد قتل بالحق، هذا ليس قيداً احترازياً بل هذا قيد وصفي، أي دائماً وأبداً الذين يقتلون الأنبياء بغير حق، لأن الأنبياء دعاة إلى الله عزَّ وجل، هذه صفاتهم التي أنبأنا الله بها في القرآن الكريم.
 في درسٍ آخر إن شاء الله تعالى ننتقل إلى قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) ﴾

و الحمد لله رب العالمين
* * * *

مصائب الكفَّارِ ردعٌ وقصمٌ لكن مصائب المؤمنين دفعٌ ورفعٌ:

 سؤال هام عن المصائب:
 سائل يقول: تذكر في أحاديثك أن هناك مرضاً عُضالاً يُعَدُّ عقوبةً من الله ؟
 الجواب:
 أيها الأخوة إن كلامي دقيق جداً، المرض نفسه، مرض عضال يصيب إنساناً غير مؤمن فيكون عقاباً، ويصيب إنساناً مؤمناً فيكون ترقيةً إلى الله عزَّ وجل، هذا الشي ثابت، المؤمنون لهم مصائب، والكفَّار لهم مصائب، مصائب الكفَّارِ ردعٌ وقصمٌ، لكن مصائب المؤمنين دفعٌ ورفعٌ.
 حدَّثنا أخ طبيب كان بمستشفى، جاء مريض مصاب بورم خبيث يُشهدُ الله أنه مؤمن، قال لي: شيء يحيِّر العقول، كلما دخل إنسان لعيادته الكلمة الأولى له: أشهد أنني راضٍ عن الله، يا ربِّ لك الحمد .
 أقسم هذا الطبيب وهو من أخواننا الكرام وهو حيٌ يرزق: أنك إذا دخلت إلى غرفته وجدت وجهه كالنور، روائح طيِّبة، إذا قرع الجرس، يتهافت كل من الأطبَّاء والممرضين على خدمته، وبعد أربعة أو خمسة أيام توفّي بأجمل حالة، بطيب ورضى، ولحكمةٍ بالغةٍ بالغة أرادها الله، عَقب هذا المريض جاء مريضٌ آخر مصاب بنفس المرض، لم يترك نبياً إلا وسبَّه، طباع شرسة، روائح نتنة، ثم مات .
 إذا قلت لكم: مرض، فإني أقصد إنساناً متفَلِّتاً، عاصياً، يبيح الزنا والخمر، أنا أقصد هذا المرض لهذا الإنسان عقاب، والله لا تجد ولا شخصاً منا وعنده ضمانة أن لا يصاب بهذا المرض، قد يصاب ويكون بأعلى درجة عند الله عزَّ وجل، لي صديق أصيب بنفس المرض، تقول زوجته عنه: سنتان ولم تسمع منه إلا كلمة " الحمد لله "، اشتهت أن تسمع كلمة أنين منه، فلعل هذا المرض يكون سبباً لدخول الجنة.

 

المصائب أنواع:

 المصائب أيها الأخوة أنواع ؛ مصيبة ردع، مصيبة قصم، هذا لغير المؤمن أما المؤمن رفع ودفع، فبعض الصحابة فقدوا أبصارهم، وبعض الصحابة جُرِحوا، النبي شُجَّت وجنته، كُسرت ثناياه، فإذا حكيت لكم عن مرض ـ والله هذا السؤال مهم جداً ـ فأنا ما قصدت أن المرض وحده مشكلة، لا، بل المشكلة أن يكون الإنسان شارداً عن الله، شارداً، غارقاً.
 تحدَّثت مرة عن إنسان يملك محلاً ضخماً جداً، يمارس الفحشاء فيه، ويعلق لافتة على باب المحل كتب فيها: نحن في الصلاة، احترق المحل، جدده، وعاد إلى معصيته ووقاحته، احترق مرة ثانية ؛ إذا احترق محل المؤمن فليست هناك أي مشكلة أبداً، فهناك حكمة بالغة من ذلك، هناك صحابي سُرِقَ ماله، فقال: " يا رب إن كان هذا الذي أخذه عن حاجة فبارك له فيه، وإن كان أخذه بطراً فاجعله آخر ذنوبه ".
 هل من الممكن أن يسرق مال المؤمن ويحترق محلّه ؟ ممكن، فهناك حكمة نحن لا نعرفها، يمرض مرضاً شديداً، والله هناك أمراض تصيب المؤمنين يرقون بها إلى أعلى عليين، أعرف أُناساً والله لا تؤثِّر فيه ولا مليون خطبة، أصابه مرض عضال وكان سبباً لعودته إلى الله عزَّ وجل، فأنا عندما أقول: مرض عضال، فلا أقصد أن كل واحد أصيب بمرض عضال معاقب، لا والله، فلا أحد منا يخلو من مرض، لا يوجد ضمانة عند إنسان أن لا يصاب بمرض، والمرض صار مشكلة كبيرة هذه الأيام، فأتمنى عليكم أن تنتبهوا للطعام، فهناك مواد بلاستيكيَّة، ومواد مسرطنة، ومبيدات، وأشياء كثيرة، فانتبه للطعام، نسبة المرض مرتفعة عشرين ضعفاً عن السابق، لا تمر جمعة إلا وأسمع عن عدة أشخاص ممن حولي أصيبوا بالأمراض.
 أنا لا أقصد أن كل إنسان أصيب بهذا المرض إذاً فهو معاقب، لا، فأنا أتحدَّث عن إنسان متفلِّت، ليس له منهج، يفعل الزنا جهاراً، يشرب الخمر، يتحدِّى الإله، هذا الإنسان مرضه بالطبع عقاب، أما إنسان مؤمن ؛ اسمعوا هذه الآية وهي خاصة بالمؤمنين :

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) ﴾

(سورة البقرة)

أشد الناس بلاءً الأنبياء :

 النبي سيد الخلق قال:

(( لقد أخفت في الله وما يخاف أحد ولقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة ومالي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال.))

[حماد بن سلمة عن أنس]

 دائماً أيها الأخوة الكلام له سياق ولِحاق وسِباق، ذكرت مرة قصة عن امرأة اعتدت على أخيها، اشترى معها بيتاً بالتمام والكمال والتساوي، ودفع كامل المبلغ، وكانت قويةً جداً، فأخرجته من البيت ظلماً وعدواناً، ولديه من الأولاد أربعة عشر ولداً، نصفهم يبيتون في بيت جدهم، والنصف الآخر عند بيت جدتهم، قال لي ابن أخيها: أصيبت عمتي بمرض خبيث، فقلت: والله هذا عقاب إلهي، وتوفيت بعد شهر، وورثها أخوها الوحيد، وعاد إلى البيت مع أولاده.
 هناك حالات واضحة، فهذه الحالة عقاب إلهي مثل الشمس، فهل كل مؤمن صار معه مرض كان عقاباً ؟ أعوذ بالله أن أقول هذا الكلام، فلا يوجد إنسان خال من مشكلة في حياته، الحديث الشريف :

(( إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِيَاءَ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ))

[أحمد مسلم عن أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ عَنْ عَمَّتِهِ فَاطِمَةَ ]

 أنا حينما أذكر إنساناً يعصي الله جهاراً، ينتهك حرمات الله، يتحدَّى الإله ويأتيه مرضٌ عضال هذا المرض في الأعم الأغلب هو عقاب من الله، أما المؤمن له حساب آخر، وهذان المريضان اللذان دخلا المستشفى بنفس المرض، واحد ارتقى بمرضه إلى أن أصبح في أعلى عليين ؛ والثاني هوى به إلى أسفل السافلين، فالعبرة حالتك مع الله عزَّ وجل.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018