الدرس : 15 - سورة القصص - تفسير الآيتان 76 - 77 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 15 - سورة القصص - تفسير الآيتان 76 - 77


1990-08-31

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

لماذا لم يفرَز القرآن على حسب الموضوعات ؟

 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الخامس عشر من سورة القصص، وصلنا في الدرس الماضي في سورة القصص إلى قصة قارون، والحقيقة أن بين آيات القرآن الكريم اتصالاً، وارتباطاً، وتسلسلاً، وقد يسأل سائل: لمَ لا تكون آيات الإخباريات في فصل، والكونيات في فصل، والقصص في فصل، وما شاكل ذلك ؟ لِمَ لا يُفْرَزُ القرآن فرزاً موضوعياً إن صَحَّ التعبير ؟
 الحقيقة هذا القرآن كتاب هدايةٍ وإرشاد، وربنا سبحانه وتعالى هو الحكيم الخبير، يأتيك بآيةٍ كونية تنبهر لها، ويأتيك بخبرٍ من التاريخ فتتَّعِظُ به، ويأتيك بقصةٍ فتتأثر بها، فمن خبرٍ إلى قصةٍ إلى آيةٍ إلى مشهدٍ إلى إنذارٍ إلى بشارةٍ، فتنوُّع الموضوعات يسير مع النفس البشرية، ولذلك فتنظيم آيات القرآن تنظيمٌ نفسي، لأنه في الأصل كتاب هدايةٍ وإرشاد، فلذلك جاءت قصة قارون.

 

علاقة قصة قارون بسورة الأحزاب:

 ولكن ما علاقتها بالسورة ؟ لها ارتباطان بالسورة.
 الارتباط الأول هو أن الله سبحانه وتعالى في مطلع السورة حدَّثنا عن فرعون، وفرعون يُمَثِّل القوة الآمرة الناهية، إذا طغت وبغت فمصيرها هو الهلاك، والقوة الثانية التي تأخذ بالأبصار هي قوة المال يمَثِّلها قارون، فقوة الملك والسلطان يمثلها فرعون، وقوة المال والعلم يمثلها قارون، قال:

 

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾

 ( سورة القصص: الآية 78 )

 إذاً: قد يُعْطي الله الملك لمن لا يحبه، وقد يعطيه لمن يحبه، فسيدنا سليمان آتاه الله الملك، وقد يُعطي المال لمن لا يحبه.. مثل قارون، وقد يعطي المال لمن يحبه.. سيدنا ابن عوف، وسيدنا عثمان، صحابةٌ كرام أجلاء أعطاهم الله المال، فإذا كان المال يُعطى لمن يحب ولمن لا يحب، والقوة تعطى لمن يحب ولمن لا يحب، إذاً لا علاقة لها بالحب والبُغْض، مادامت القوة تعطى لمن يحب الله عزّ وجل ولمن لا يحب، أعطاها لسليمان، وهو يحبه نبيٌّ كريم، وأعطاها لفرعون وهو لا يحبه، والمال أعطاه لقارون وهو لا يحبه، وأعطاه لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وهو يحبه، فإذا كان الشيء يُعْطى أولا يعطى، إذاً لا علاقة له بالحب والبغض، ولذلك: إذا كان أحد الناس قد آتاه الله المال فلا يذهَبَنَّ به الظن إلى أن هذا المال الذي آتاه الله عزّ وجل دليل حب الله له، لا.. فهذا استنباط غلط، استنباط غير صحيح والأدلة قطعية، وإذا جعل الله الإنسان قوياً لا يذهَبَنَّ به الظن إلى أن الله يحبه، قد يحبه وقد لا يحبه، يحب الله عبده إذا عبده، ويبغضه إذا عصاه، هذا هو المقياس، فحب الله وبغضه هو في الطاعة والمعصية، لذلك:
 سُئِلَ الإمام الجنيد: " من ولي الله ؟ أهو الذي يطير في الهواء ؟ قال: لا، قالوا: أهو الذي يمشي على وجه الماء ؟ قال: لا.. الولي كل الولي الذي تجده عند الأمر والنهي "، أن يجدك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك.
 هذه أول علاقة، وقد انتهت قصة فرعون بالغرق، وانتهت قصة قارون بالخَسْفِ، فإذا كان الله عزّ وجل يعطي المال لمن يحب ولمن لا يحب، ويعطي القوة لمن يحب ولمن لا يحب، فما الشيء الذي لا يعطيه إلا لمن يحب ؟

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾

 ( سورة القصص: الآية 14 )

 إذا عرفت الله عزّ وجل، وعرفت منهجه، والطريق الصحيح، ولماذا أنت في الدنيا، وسرَّ وجودك، ومهمَّتك في الدنيا، وسِرْتَ في الطريق الصحيح، وجاءت حركتك اليومية مطابقةً لهدفك في الحياة فأنت ممن يحبهم الله عزّ وجل، لأن نعمة الإيمان لا تعدِلُها نعمة:
 إن الله يعطي الصحة، والذكاء، والمال، والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين.

 

قصة قارون:

 القصة:

 

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾

 ( سورة القصص: الآية 76 )

1 – مَن هو قارون ؟

 هو من قوم موسى، وموسى نبيٌّ كريم، نبيٌّ من أُولي العزم، وقيل: إنه ابن عمه، وقيل: إنه على صلةٍ معه شديدة:

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾

 إذاً: هناك استنباطٌ دقيق هو: أن الإنسان لو عاش مع رسول الله عليه الصلاة والسلام ولم يَسِرْ على منهجه فهذا لا ينفعه شيئاً:

﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾

 ( سورة المسد )

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ:

﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾

(( يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ سَلِينِي بِمَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا ))

[ البخاري ]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( مَا مِنْ رَجُلٍ يَسْلُكُ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا إِلَّا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقَ الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ))

 

[ أبو داود ]

 عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ:

 

(( لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلَّغٍ يَبْلُغُهُ أَوْعَى لَهُ مِنْ سَامِعٍ ))

 

[ ابن ماجه ]

إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾

 كان منهم:

﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾

1 – معنى: فَبَغَى عَلَيْهِمْ

 معنى بغى عليهم أي خرج عن منهجهم، وطريقتهم، وجادَّة الصواب، وبغى بمعنى طغى، وأخذ ما ليس له، واعتدى، وتجاوز، وانحرف..

﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾

2 – لماذا بَغَى عَلَيْهِمْ ؟

 وقد يسأل سائل: لماذا بغى عليهم ؟ هنا المشكلة، المشكلة هي الغنى، ولذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام استعاذ بالله من الغنى المُطْغي.
 هناك شيء خطير جداً وهو الغنى المُطْغِي، فما الغنى المُطْغِي ؟ إذا نما مالُك بأسرع مما ينمو إيمانك يَخْتَلُّ التوازن، المال كثير، والمغريات كثيرة، فأين أسهر هذا اليوم ؟ معي مالٌ وفير، وهذا المال إذا نما ولم يُنْم معه الإيمان بالسرعة نفسها فإن الخطر هو اختلال التوازن، والطغيان، والفسق، والغرور، والانحراف جاثم، والخطر قائم، فربنا سبحانه وتعالى كأنَّه في هذه القصة أشار إلى الغنى المُطْغِي، أي من دون علمٍ بالله عزّ وجل يحمل الغنى صاحبه على الفجور، والفسق، والعدوان، وأن يفعل كل شيء:

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾

وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ

 ليس عنده كنزٌ واحد، بل كنوز، والكنز يُعَبَّر به عن المال الوفير، وكلكم يعلم أن كل مالٍ مهما كَبُر إذا دفعت زكاته فليس بكنز، هكذا قال عليه الصلاة والسلام، وأن كل مالٍ مهما قلّ إذا لم تُدفع زكاته فهو كنز، والكنز كما تعلمون:

﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾

 ( سورة التوبة )

﴿وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾

 كلمة:

﴿ وَآتَيْنَاهُ ﴾

 أي أن هذا الكنز لم يُحَصِّله بذكائه، ولا بعلمه، ولا بخبرته، ولا بإمكاناته كما يزعمون، الإنسان إذا قال: أنا هذا حَصَّلته بخبرتي، أو بعلمي، أو بتدبيري، أو بقوَّتي، أو بجاهي، أو بسُلطاني، أو بسهري الليل الطويل، أو بكدي وتعبي، أو بعرق جبيني، فهذه كلُّها كلمات الشرك، ماذا قال الله عزّ وجل ؟ قال:

﴿وَآَتَيْنَاهُ﴾

 إذاً زعمه باطل:

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾

 ( سورة القصص: الآية 78 )

 الله عزّ وجل يعطي ويمنع، يرفع ويخفِض، يبْسِط ويقبض، ويُعِز ويُذِل:

 

مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ

 

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ﴾

 معنى ناء بالحمل، أي حمله بتعبٍ شديد، أي حملَهُ وقد انحنى ظهره، وكاد لا يستطيع، فناء بالحمل أي ثَقُلَ عليه الحمل.
 مفاتيح كنوزه، أي مفاتيح خزائنه، وصناديقه التي يودع فيها المال.
 لو أن عصبةً، والعصبة كما تعلمون من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: من عشرة إلى عشرين، وقيل: أربعون، على كلٍ أصَحُّ الأقوال أن القرآن الكريم وصف إخوة يوسف بأنهم عصبة، والعصبة عشرة أو تسعة، وما شاكل ذلك، إذاً: عشرة رجالٍ أَشِدَّاء، أقوياء، مَفْتولو العضلات، لو أرادوا أن يحملوا مفاتيح كنوزه لكان هذا الحِمْلُ عليهم ثقيلاً، فكم هي كنوزه ؟
يروى أن بعض أغنياء اليهود واسمه روتشيلد كان يضع سبائك الذهب في غرفةٍ كبيرة، وكثيراً ما اقترضت منه الحكومة، دخل مرةً إلى غرفة سبائكه الذهبية فأُغْلِقُ عليه الباب خطأً، والباب لا يفتح إلا من الخارج، فبقي أياماً، وكان لكثرة أسفاره وتَنَقُّلاته اعتاد أهله أنه يغيب فجأةً، وينتقل من بلد إلى بلد، فظنوه مسافراً، إلى أن ألوى به الجوع، فجرح أصبعه، وكتب على جدار هذه الغرفة: " أغنى رجل في العالم يموت جوعاً ".
 ولذلك الذي يظُنُّ أن المال هو كل شيء هو في ضلالٍ كبير، تمُرُّ الأيام والسنون فإذا بريق المال يضعف، ويكتشف الرجل حقيقةً، ولكن بعد فوات الأوان ؛ أن المال ليس كل شيء، ولكنه شيء، فإذا جاء ملَك الموت يكتشف الرجل أن المال ليس بشيء إطلاقاً، إذاً:

﴿وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾

 مفاتحه جمع مَفْتَح، والمفتح هو المفتاح، مفتاح، مفاتيح، مَفْتَح، مَفاتِح:

﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾

 رجال أشداء، أقوياء..

﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ﴾

إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ

1 ـ بماذا يكون فرحُ المؤمنِ ؟

 هنا موطن الشاهد، يا أخي الكريم... ما الذي يُفْرِحُك ؟ وما الذي يملأ قلبك سروراً وغبطةً ؟ ويجعلك تطيرُ فرحاً ؟ ويجعلك في انبساط ؟ أهو المال ؟ فإذاً أنت من أهل الدنيا، أم هي معرفة الله عزّ وجل ؟ إذاً أنت من أهل الآخرة، قال بعض العلماء: " انظر ما الذي يفرحك ؛ أن تأخذ أم أن تعطي ؟ إذا كان الذي يفرحك أن تأخذ فأنت من أهل الدنيا، أما إذا كان فرحك بأن تعطي فأنت من أهل الآخرة "، هذا مقياس دقيق جداً:

﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ﴾

 لا تفرح بهذا المال، لأن هذه الدنيا كما قال النبي الكريم:

 

(( دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء ))

 

[ ورد في الأثر ]

 الرخاء مؤَقَّت، والشقاء مؤَقَّت، وقد جعلها الله دار بلوى، وليست دار استقرار، ولا دار مقام، ولا مَحَطَّ الرحال، ولا نهاية الآمال، إنها ممر وليست مقراً..

 

(( قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عُقْبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عِوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي ))

 إذاً لا تفرح ربنا عزّ وجل قال:

 

﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾

 ( سورة يونس: الآية 58)

2 ـ الغنى ليس معيار زائدا على الإيمان:

 المؤمن يفرح برضوان الله، أي إذا شعرت أن الله يحِبُّك، وأن الله راضٍ عنك حُقَّ لك أن تفرح، وكذلك إذا اصطلحت مع الله، وإذا أزلت هذه المعصية، وإذا قدر الله على يديك عملاً صالحاً، وإذا هديت إنساناً إلى طاعة الله، فهذا هو الفرح الحقيقي، إذا فهمت آيةً من كتاب الله حُقَ لك أن تفرح، إذا فهمت سنة النبي، وإذا وقفت على دقائق سيرة النبي، أما إذا كان فرحك بالمال، فهذا الذي يفرح بالمال.. طبعاً المعدوم إذا جاءه المال ليمسك رمقه فهذا فرح طبيعي، أما بعد أن يقضي الإنسان كل حاجاته، فإذا كان همه الأول أن يُكَدِّس الأموال، وأن يجمعها فهو من زمرة قارون، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنَّه يُحْشَر مع قارون، فهذه القصة قصة أصحاب الأموال ممن هم بعيدون عن الله عزّ وجل.
لا تقل لي: هذا الرجل غني إذا كان مؤمناً، فهذا مؤمن فقط، لا يضاف على الإيمان كلمة واحدة، لأنَّك إذا رأيت غنياً مؤمناً فإنك تشتهي الغنى منه من تواضعه، وسخائه، وحُبِّه للناس، ورأفته بهم، إنفاقه من ماله عليهم، لا تقل لي: غني مؤمن، قل لي: مؤمن فقط، كلمة مؤمن غني لا معنى لها، مؤمن أي متواضع، يعرف الله عزّ وجل، فإذا تحدثنا عن الغنى فالغنى مرافق للبعد عن الله عزّ وجل، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( إِذَا أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ، وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ، وَلا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ ))

 

[ سنن الترمذي ]

 الغني غير المؤمن يُشِعِرُكَ بالحرمان، وأنه لا قيمة لك، فقيمتك عنده بقدر ما تملك من مال، ولهذا قال سيدنا عمر: <<من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط، ومن جلس إلى غنيٍ فتضعضع له ذهب ثلثا دينه، وشرف المؤمن قيامُه بالليل، وعِزُّه استغناؤه عن الناس، ولا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، وابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير >>.

﴿قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾

 ( سورة القصص )

لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ

 وطبعاً هذا الفرح المُقَيد بالمال، فالله عزّ وجل لا يحبك أن تفرح بالدنيا لأنها زائلة، وخلقك للآخرة، ولعطاءٍ كبير، فإذا فرحت بهذا النزرِ اليسير فأنت لا تعلم شيئاً، وربنا عزّ وجل يقول:

 

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

 

 ( سورة النساء: الآية 77 )

﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

 ( سورة التوبة )

 ولذلك: قل لي ماذا يُفْرحك أقل لك من أنت.
 راقب نفسك تماماً، ما الذي يملأ قلبك فرحاً ؟ أن يكون الله راضياً عنك أم أن يكون جيبك ملآن ؟ وما الذي يفرحك ؟ أهذه الأوراق المُكَدَّسة في خزانتك، أم هذه الأعمال الصالحة المُسَجَّلة في صحيفتك ؟ أيفرحك أن تكون سبباً في هداية مخلوق، أو أن تكون سبباً في حرمان أُناسٍ كثيرين ؟ خلصتهم الصفقة، فما الذي يفرحك ؟

﴿قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾

لماذا يعطي الله المال للإنسان ؟ وَابْـتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ

 ولكن الآن جاء الشيء الخطير جداً، لماذا يعطي الله المال للإنسان ؟ ولماذا يعطيه الصحة ؟ والعلم ؟ والخبرة ؟ وقوة الإقناع ؟ والجاه ؟ والقوة والسلطان ؟ فإذا آتى الله الإنسان شيئاً فلماذا يؤتيه إيَّاه ؟ وهنا جاء الجواب:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾

 ( سورة القصص: الآية 77 )

 كلّ شيءٍ آتاك الله إياه إنما آتاك إيَّاه لهدفٍ واحد هو: أن تستثمره، لا أن تستهلكه، وهذا درسنا كله، إن آتاك الله مالاً فعليك أن تستثمره في العمل الصالح، ومعونة الضعفاء، وإطعام الجِياع، وإيواء المُشَرَّدين، وتزويج الشباب، وتأمين حاجات الضعاف والمساكين، وهكذا، وسيدنا أبو ذر الغفاري قال: << حبذا المال أصون به عرضي، وأتَقَرَّب به إلى ربي>>.
 المال قوة كبيرة جداً، أن تكون ذا مالٍ وفير، وبإمكانك أن تدخل إلى قلوب الآلاف من الناس، هذا بإقراضه، وهذا بالإحسان إليه، وهذا بمعونته، وهذا يأتي معك إلى المسجد، وهذا يتوب على يديك، وهذا يُقْبِلُ معك على الله عزّ وجل، وهذا تأخذ بيده، عن طريق المال:
 " يا داود، ذَكِّر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جُبِلَتْ على حُبِّ من أحسن إليها، وبُغْضِ من أساء إليها ".
 وقد تُلَبِّي حاجة إنسانٍ فتفيده بهذه الحاجة أضعاف ما تفيده بمحاضراتك الفَصيحة والبليغة، والإنسان عبد الإحسان، وأصحاب الأموال والله الذي لا إله إلا هو أمامهم أبوابٌ للعمل الصالح لا يعلمها إلا الله، إنها أبوابٌ مفتحةٌ على مصاريعِها..

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾

عمومُ قولِه: آتَاكَ اللَّهُ

 الآية عامة، مطلقة، آتاك الله علماً فابتغِ به الدار الآخرة، وآتاك الله شأناً فانصر به الضعفاء، واطلب به الدار الآخرة، وآتاك الله قوة إقناع، ولساناً طليقاً فانصر به المظلومين، وابتغ به الدار الآخرة، وآتاك الله قوةً فابتغِ بها الدار الآخرة، آتاك الله خبرةً فارجُ بها الدار الآخرة، وآتاك الله علماً فاطلب به الدار الآخرة:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾

 فأنت الذي معك إما أن تستثمره، وهذا هو العقل، وإما أن تستهلكه.
 مثلاً: لو معك عشر ليرات، كل ليرة يمكن أن تجلب لك مليوناً بطريقة معينة، فذهبت، واشتريت بهذه الليرات طعاماً وأكلته، هذه خسارة كبيرة جداً، فهذه الورقات العشر يمكن أن تجلب لك عشرة ملايين بطريقةٍ أو بأُخرى، أنت استهلكتها ولم تستثمرها، فالمال ينبغي أن تستثمره في إنفاقه في سبيل الله، أما إذا أنفقته على التَرَفِ، والسَرَفِ، والرفاهية، والانغماس في الملَذَّات فقد استهلكته، هذا إذا كان مباحاً، أي إذا لم يوجد معاصٍ، إذا أنفته في المباحات فقد استهلكته، أما إذا أنفقته في الأعمال الصالحة فقد استثمرته:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾

وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا

1 – مفهومٌ شائع غير صحيح:

 إن معظم الناس يفهمون هذه الآية على غير ما أراد الله، إذا دَخَلْتَ إلى بيتٍ، ورأيت صاحبه قد عُنِيَ به عناية، قال لك: أخي، الله عزّ وجل قال:

﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾

 وإذا انغمس الإنسان في الطعام والشراب وبعض المَلَذَّات يقول لك: الله عزّ وجل قال:

﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾

2 – المعنى الصحيح للآية:

 مع أن هذه الآية من أَدَقِّ الآيات، أي يا أيها الإنسان، أنت لماذا جئت إلى الدنيا ؟ من أجل العمل الصالح، نصيبك من الدنيا هو العمل الصالح، وكل شيءٍ آخر لا قيمة له، لأنه زائل، فإذا أرسلنا طالباً إلى دولة أجنبية له مهمةٌ واحدة، وهي أن يدرس، فلو أنه أمضى هذا الوقت في المتنزَّهات، والأماكن اللطيفة، واللقاءات، والسهرات، والندوات، وبعض الملاهي، والحفلات، والحدائق، وفي النوم، والراحة، والاستجمام، والسباحة، والرياضة، فماذا يفعل ؟ يعمل شيئاً خلاف مُهِمَّته، وخلاف نصيبه من هذا البلد، نصيبه من هذه البلدة أن يأتي بشهادةٍ عُليا، وأن يحمل دكتوراه، فأية حركةٍ، وأي نشاطٍ، وأي تصرفٍ، وأي سلوكٍ لا يتصل بمهمته فهو مضيعةٌ وخسارةٌ وحمق:

﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾

 أيها الإنسان، كما قال الله عزّ وجل:

 

(( عبدي، خلقتُ لك السماوات والأرض من أجلك فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحَقِّي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك، عبدي خلقت لك السماوات والأرض ولم أعيَ بخلقهن أفيعييني رغيفٌ أسوقه لك كلَّ حين، لي عليك فريضة، ولك عليَّ رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزَّتي وجلالي، إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلِطَنَّ عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرِّية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أُبالي، وكنت عندي مذموماً، أنت تريد وأنا أريد فإذا سَلَّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلِّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تُريد، ثم لا يكون إلا ما أريد ))

 

[ ورد في الأثر القدسي ]

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾

 ( سورة القصص: الآية 77 )

هذا الذي قُلْتُه خطبة: " يا بِشر، لا صدقة ولا جهاد، فبمَ تلقى الله إذاً " ؟

3 – سؤال خطير: بماذا تلقى الله عزوجل ؟

 والله الذي لا إله إلا هو ما من سؤالٍ أَخْطَرُ من هذا السؤال، بمَ ألقى الله عزّ وجل ؟ فما العمل الذي هَيَّأته للقبر لساعة الفِراق ؟:

﴿ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (35) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) ﴾

 ( سورة القيامة )

 فالذين يدرسون، ويتعبون، ثم يحصلون على الشهادات هؤلاء المساكين يأخذون هذه الشهادات ليفتخروا بها، أو ليكسبوا بها المال فقط، لا.. وأنت تَعَلَّمت علماً ينبغي أن توَظِّف هذا العلم للدعوة إلى الله عزَّ وجل، أنت أصبحت طبيباً، فيجب أن تستغل طِبَّك في هداية الخلق والإحسان إليهم، وأصبحت تاجراً، فيجب أن تبذل هذا المال في تقوية معنوِيَّات المؤمنين، وإشعارهم أنَّهم في رعاية الأغنياء وحفظهم، لا، هم منبوذون، بل هناك من يرعاهم.
 يا أيها الإخوة الأكارم، هذه الآية تكفي، والله الذي لا إله إلا هو لو لم يكن في كتاب الله غيرها لكفت.

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾

 ( سورة القصص: الآية 77 )

 شهاداتك، زواجك، ابتغِ به الدار الآخرة، وهذه الزوجة اطلب بزواجها الدار الآخرة، وبيتك اجعله بيت ذكرٍ وقرآنٍ، ودعوة إلى الله عزَّ وجل، وهذه غرفة الضيوف يجب أن تشهد لك يوم القيامة كم من سهرةٍ فيها ذُكِرَ الله، أم كم من سهرةٍ لُعِبَ فيها الشطرنج، أم بالنرد، أم بالحفلات، أم بالمزاح، أم بالغيبة، غرفة الضيوف ابتغِ فيها الدار الآخرة، وكذلك غرفة الجلوس، وغرفة الطعام الفقراء والمساكين على أطيب الطعام، شَرُّ الطعام طعام الولائم، لأن الأغنياء يُدْعَون إلى هذا الطعام والفقراء محرمون منه، فاسعدْ بهذه الغرفة غرفة الطعام، وكذلك بهذه المركبة، انتقل بها إلى المسجد، واجعلها في خدمة أهل الحق، يركب معك المؤمنون أصحاب البيوت البعيدة، فوَظِّف هذه المركبة في خدمة أهل الإيمان، ابتغِ بها الدار الآخرة، هذا الثوب الجديد الذي اشتريته اطلب به الدار الآخرة، وانو به أن تكون ذا مظهرٍ حسن مقبول عند الناس، أنت مؤمن تُمَثِّل هذا الدين العظيم، كُنْ بهيئةٍ حسنة، كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ، فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ، وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ، حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِي النَّاسِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ ))

 

[ أبو داود عن أبي الدرداء ]

 فابتغِ بهذا البيت الدار الآخرة، وإذا اشتريت كتباً فاطلب بها الدار الآخرة اقرأها، وافهمها، وادع إلى الله بها، وهذه آيتنا اليوم، هذه آية هذا الدرس..

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾

 شعار المؤمن: إلهي، أنت مقصودي، ورضاك مطلوبي، وذلك إذا تَزَوَّج المؤمن، وإذا سافر، وإذا جلس مع أهله وأولاده، وإذا لبس الجديد، وأكل الثريد، كله أعمال صالحة، لأنه لا يبتغي بهذا إلا الله والدار الآخرة، لا يبتغي بها الدنيا.

 

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾

 

 (سورة القصص: الآية: 77 )

4 – يا لها مِن حسرة إذا جئتَ إلى الدنيا ثم غادرتَها ولم تعرف لماذا عشتَ ؟

 آه، أن تأتي إلى الدنيا، وأن تغادرها، ولا تعلم لماذا أنت في الدنيا ؟ إذا نظرت إلى ميتٍ في نَعْشِهِ، وقد وضع النعش على القبر، ورُفِعَ الغطاء، وحُمِلَ هذا الميت في كفنه، وأدخل في القبر، فالسؤال خطير: هذا المَيِّت هل جاء إلى الدنيا وغادرها، وقد عَرَفَ لماذا هو في الدنيا ؟ وهو في زحمة كسب المال جاءته أزمةٌ فأودت به، وهو في زحمة رحلاته الممتعة جاءه مرضٌ عضال فأنهى حياته، وهو في زحمة خصوماته مع الناس، دعاوى في قصر العدل لها ثماني سنوات، جاء ملك الموت فأنهى الدعوى، وشطبت، وتوفى المُدَّعي، وهكذا أنت أيها المؤمن يجب أن تأتي إلى الدنيا، وأن تغادرها، وقد عرفت مهمتك.

 

5 – ماذا تركتَ وراءك في الدنيا من الأعمال الصالحة ؟

 والنبي الكريم مثل أعلى، جاء للدنيا وغادرها، ماذا ترك ؟ ترك الهدى، والفضيلة، والسعادة، والأنوار التي أشرقت حتى الصين، قد تذهب إلى أقصى البلاد، إلى أقصى آسيا مثلاً فترى مئذنةً يُذْكَر الله فيها، وترى مسجداً، وترى مؤمناً في أذربيجان، وفي أقصى الشمال، وأقصى الجنوب، وأقصى الشرق، وأقصى الغرب، هذا ما فعله النبي، فماذا فعلت أنت ؟
وبشكل آخر، ماذا تركت في الدنيا من أعمالٍ صالحة ؟ هل كنت أباً مثالياً ؟ أيَّتُها المؤمنة هل أنتِ أمٌ مِثاليَّة ؟ وهل أنتِ أمٌ صالحة ؟ يقول عليه الصلاة والسلام:

 

 

((أيُّما امرأةٍ قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة ))

 

[ ورد في الأثر ]

 قعدتِ على بيت أولادك، اعتنيت بهم، أطعمتهم، نَظَّفتهم، وهكذا.

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾

وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ

 ما هو نصيبك من الدنيا ؟ قال:

﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾

 (سورة القصص: الآية 77 )

﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

 ( سورة الإنسان )

 الله عزَّ وجل أحسن إلينا بنعمة الإيجاد، فكل واحد منا سنة 1900، لم يكن أحد منا موجودا، ولم يكن له اسم بالسجلات، من أنت ؟ فلان الفلاني، ألف وتسعمئة ؟.

﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾

 نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد ؛ جعلك من أبوين يعطفان عليك، يقدِّمان لك كل شيء، ربياك حتى كَبُرْت، نعمة الإمداد، الهواء، والماء، والطعام، والشراب، والفواكه، والمأوى، والفِراش الوثير، والماء الوفير، وما شاكل ذلك، ثم أنعم الله عليك بنعمة الإرشاد، إذاً: نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الإرشاد.

﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾

 ( سورة القصص: الآية 77 )

أنواع الفساد: وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ

النوع الأول:

 هنا آيةٌ دقيقةٌ جداً، هذا الغني، إذا أراد أن يَغْرَقَ في الترف، أي إذا أراد أن يجعل من بيته قبلَة الأنظار، أن يجعل من أنماط حياته الراقية مساراً للإعجاب، فماذا يفعل ؟ يُفْسِد وهو لا يدري، لماذا ؟ لأنه يخلق شعور الحرمان عند الناس، ويخلق فيهم الحسد، والبغضاء، والحرمان، ولذلك فالفقراء إذا رأوا الغني قد أَلَمَّت به المُلِمَّات لماذا يفرحون ؟ لما عندهم من حسد وبغض، أما إذا كان هذا الغني متواضعاً، وكان معتدلاً في طعامه وشرابه وبيته، من دون إسرافٍ ولا مخيلةٍ، لا يشعِر الناسَ بالحرمان، ولذلك المبالغة في الترف، والزينة تخلق في قلوب الناس الحسد والضغينة والإحساس بالحرمان، هذا أول أنواع الفساد، لم يفعل شيئاً، لطيف المعشر، رقيق الحاشية، متواضع، لكنه أغرق نفسه في نعيمٍ لا نهاية له، فكُلَّما رأى فقيرٌ هذا البذخ، وهذا الترف، والإنفاق وفي الطعام، وما شاكل ذلك شعر بالحرمان، والصغار، وبالانكماش، وإذا كان غير مؤمنٍ شعر بالحقد، والحسد، والضغينة، هذا هو أول أنواع الفساد، حينما يبالغ الغني في زينته، وعرض ما عنده، حينما يغْرَق في النعيم والترف، والملذَّات، طعامه وشرابه، ورحلاته، ونزهاته، وثيابه، ويعرضها على الناس، ويذكر لهم مصدرها هذه أجنبية، وسعرها، وأنواعها، وكثرة الثياب بالخزانة، فإذا فعل الغني هذا أفسد وهو لا يشعر، وهذا أول أنواع الفساد.

 

النوع الثاني:

 أن يحرم أصحاب الحقوق حقوقهم، وهذا فساد آخر.

 

 

النوع الثالث:

 أن يأخذ ما ليس له، وهذا أصعب، فإيقاع الإحساس بالحرمان فساد، ومنع الحقوق فساد، وغَصْبِ الأموال فساد.

 

﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾

 ( سورة القصص)

 في الأثر:

(( أن الأغنياء يحشرون أربع فرقٍ يوم القيامة، فريقٍ جمع المال من حرام، وأنفقه في حرام فيقال: خذوه إلى النار، وهي قضية سهلة جداً، يحاسب بلمح البصر، وفريقٍ جمع المال من حلال، تجارة مشروعة، وأنفقه في حرام، على ملذَّاته ولياليه الحمراء وموائده الخضراء، وسهراته المخملية كما يقولون، فيقال: خذوه إلى النار، فحسابه كذلك سريع، وفريقٍ جمع المال من حرام، عنده ملهى أو مقْمَرة، وأنفقه في حلال، تزوج، واشترى بيتاً، وأكل وشرب، فيقال: خذوه إلى النار، أيضاً حسابه سريع، وفريق جمع المال من حلال، وأنفقه في حلال، فهذا الذي يحاسب، ويقال: قفوه فاسألوه، وهل تاهَ بماله على عباد الله، هل قَصَّر في حق جيرانه، هل قال من حوله: يا رب قد أغنيته بين أظهرنا فقَصَّر في حقنا ))

 هكذا يروي النبي عليه الصلاة والسلام، أنه وقف ينتظر حسابه رآه طويلاً جداً، سؤال وراء سؤال، قائمة أسئلة، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( فما زال يُسأل ويسأل ))

 فهذا الذي جمع المال من حلال وأنفقه في حلال.
 فأنا أريد أن أقول لكم: ليس الغني الشاكر بأقلَّ أجراً من الفقير الصابر، ولكن الغنى مسؤولية، يحتاج إلى إيمان لكي يكون متواضعا، لأن الحديث القدسي:

 

(( أحب الطائعين، وحبِّي للشاب الطائع أشد، أحب الكرماء، وحبي للفقير الكريم أشد، أحب المتواضعين، وحبي للغني المتواضع أشد، وأبغض ثلاثاً، وبغضي لثلاثٍ أشد، أبغض العصاة، وبغضي للشيخ العاصي أشد، أبغض المتكبِّرين، وبغضي للفقير المتكبِّر أشد، أبغض البخلاء، وبغضي للغني البخيل أشد ))

 

[ ورد في الأثر ]

 إذاً:

 

﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾

 مهمتك معرفة الله، ومعرفة أمره، استقامتك على أمره، والأعمال الصالحة التي تقرِّب إليه، أن تكون مع أهل الحق،

 

﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾

الإحسان مبتَغى كل مؤمن، والإساءة هدفُ كل كافرٍ:

 بل إن نصيبك من الدنيا يُلَخَّص بهذه الآية.

﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾

 (سورة القصص: الآية 77 )

 جوهر عملك الإحسان.. فالأنبياء العظام جاءوا إلى الدنيا فأعطوا ولم يأخذوا، والأشرار أخذوا ولم يعطوا، فأنت ماذا أعطيت ؟ وماذا قدَّمت للمسلمين ؟ ولأمتك، ولأبناء بلدك، وماذا فعلت ؟.

﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾

 (سورة القصص: الآية 77 )

 فباللغة الحديثة استراتيجية المؤمن الإحسان، واستراتيجية الكافر الإساءة والأخذ، والمؤمن العطاء والإحسان.

﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾

 (سورة القصص: الآية 77 )

 كم معنى ؟ ثلاثة:
 أول معنى: إذا بالغت في إظهار ما عندك للناس، وافتخرت به، وجمعت الناس، وأطلعتهم على ما عندك، وأثمان ما عندك، وكيف أمضيت العطلة، وأين سافرت ؟ وماذا أنفقت ؟ وفي أي فندق نزلت ؟...إلخ، فهذا ماذا يفعل في نفوس المؤمنين ؟ يفعل الإحساس بالحرمان، والضيق، وفي نفوس غير المؤمنين، الضغينة والحسد والبغضاء والحقد، أول نوع من الفساد.
 ومن الفساد أن تمنع حقوق الآخرين.
 فهو يرضى بهذا المعاش القليل، وأنت في بحبوحة كبيرة، يرضى، لكن هذا المبلغ لا يكفيه، فأعطه ما يكفيه، ولك عند الله الأجر والثواب، إذاً: حرمان الآخرين من الحقوق هذا فساد.
 وأن تأخذ ما ليس لك أيضاً فساد، ففي إلقاء بذور الحسد والحقد إفساد، وفي حرمان أصحاب الحقوق إفساد، وفي العدوان على أصحاب الحقوق إفساد.

﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾

 ( سورة القصص)

 فيجب أن تسعى أن يحبك الله عزَّ وجل، فهو يحب المحسنين، ويحب الصادقين، والتوَّابين، والمؤمنين، ولا يحب المفسدين، والفاسقين، والكافرين، والظالمين، فالآية دقيقة.

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾

 ( سورة القصص )

 ماذا قال قارون ؟ هذا ما يكون في الدرس القادم، أجابهم فقال:

 

﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾

 بذكائي وخبراتي، وسهري الطويل، وسَعْيي وإمكاناتي، لا، هذا من جهدي، وأنا حرٌ بمالي، هذا الموضوع إن شاء الله نبحثه في الدرس القادم.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018