الدرس : 14 - سورة القصص - تفسير الآيات 71 - 75 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 14 - سورة القصص - تفسير الآيات 71 - 75


1990-08-24

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس الرابع عشر من سورة القصص، وآية اليوم:

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73) ﴾

 ( سورة القصص)

ردٌّ أخير وبيانٌ لطريق الله تعالى:

 الحقيقة أن هذه الآيات ردٌ أخير، وبيانٌ خطير للطريق إلى الله عزَّ وجل، فهؤلاء الذين قالوا:

﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾

 ( سورة القصص: الآية 57)

 ردَّ الله عليهم ردوداً كثيرة، ولكن كيف السبيل ؟ لئلا تقول:

﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾

معرفةُ الله سبيلٌ من سُبل الاتباع:

 قد يقول قائل: أنا إن استقمت على أمر الله تتوقف تجارتي، فما السبيل الذي إذا اتبعته ؟ ألا تقول هذا الكلام ؟ إذا عرفت الله عزَّ وجل فلا تقول هذا الكلام، فإذا لم تعرفه تقول: إذا آمنت، إذا استقمت، إذا تركت هذه الطريقة في التعامل، ولم أفعل هذه المعصية أموت من الجوع، فهذا لسان حال معظم الناس الجهلة، فما السبيل إلى أن تؤمن بالله الإيمان الكافي حتى لا تقول هذا الكلام ؟
 قلت لكم قبل أسابيع عدة: لمجرَّد أن تتوهَّم أن المعصية تنفعك والطاعة تضرك، فإسلامك، وإيمانك، وصلاتك، وصومك، وحجُّك، وزكاتك لا قيمة لها عند الله إطلاقاً، لأنك ما عرفت الله أبداً، فخالق الكون إذا أمرك بأمر ثم تعتقد أنك إن أطعته تخسر، وإن عصيته تربح ! أنت لا تعرف الله عزَّ وجل، فلذلك ربنا عزَّ وجل رسم الطريق الذي إذا اتبعته عرفت عظمة الخالق، فإذا عرفت عظمة الخالق رأيت أن الخير كل الخير في طاعته، وأن الشرَّ كله في معصيته، إذاً فالقضية قضية رؤية، فإذا كنت ترى أن طاعته مَغرم، وأن معصيته مغنم فالطريق طويل أمامك، وأنت تحتاج إلى عملٍ كبير، وإلى جهدٍ جهيد، أما إذا وصلت إلى أن الخير كلَّه في طاعته، وأن الشر كله في معصية الله فقد وصلت إلى أول الطريق، فمن أجل أن تصل إلى أول الطريق، وأن تضع يدك على جوهر الدين، وقدمك في الطريق الصحيح، أُسْلك هذا السبيل..

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾

قُلْ أَرَأَيْتُمْ

 أنتم لماذا تستخفُّون بأمر الله ؟ لأنكم لا تعرفون الله، هذا الخطاب موجه لأهل الدنيا، هؤلاء الذين قالوا:

﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ﴾

 لماذا استخفّوا بالهدى ؟ ورأوا أن الهدى مغرم، وأن الضلال مغنم؟ ورأوا في طاعة الله خسارة ؟ وفي معصيته ربحٌ كثير، هذه حال معظم الناس، إن لم يبع بهذه الطريقة يخسر، وإن لم يفعل بهذا المطعم ما هو شائعٌ يخسر، وإن لم يبع هذه الألبسة يخسر، وإن لم يجامل، ويدار، ويداهن يخسر، فحياته كلُّها مصالح، وأهداف خسيسة، أما المؤمن فحياته كلها مبادئ، وقِيَم نابعة من هذا الكتاب، فلذلك كأن الله سبحانه وتعالى قال: يا عبادي، لئلا تقولوا هذا الكلام..

﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾

 ولئلا تتوهموا أن المعصية مغنمٌ، وأن الطاعة مغرمٌ، وأن أمر الله لا قيمة له، ولئلا تكونوا كهؤلاء فاسلكوا هذا السبيل، ما هو السبيل ؟ يجب أن تعرف الآمر قبل الأمر، إنها كلمة موجزة، ولكنها بليغة، إذا عرفت الأمر قبل الآمر فقد تستخفُّ به، ولا تأخذ به، وتحتال عليه، وهنا تظهر الحِيَلُ الشرعية، كل الحيل الشرعية أساسها أن هذا الإنسان ما عرف الله، وضع زكاة ماله في رغيف خبزٍ، وقدَّمها للفقير، ثم قال له: هَبْني هذا الرغيف، وخذ مئة ليرة، أعطاه الصغير هذا الرغيف، وفيه خمسة آلاف ليرة، فهذه حيلةٌ شرعية تعني أَنَّك لا تعرف الله عزَّ وجل.

 

1 ـ أصلُ الدين معرفةُ الله:

 فيا أيها الإخوة الأكارم، أصل الدين معرفة الله، فإن عرفت الله عرفت عظمته، وأنَّه الخالق، وأَّنه لا عبادة إلا للخالق..

 

 

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾

 

 ( سورة البقرة: الآية 21)

 عرفت أنه المُرَبِّي، لأنه رب العالمين، والمُسَيِّر، وعرفت أسماءه الحُسْنى وصفاته الفُضْلى، وعرفته المعرفة التي تدفعك إلى طاعته.

 

2 ـ المعصيةُ دليلٌ على جهلِ العاصي بربِّه:

 يا أيها الإخوة الأكارم، حقيقة خطيرة، إذا كنت مقيماً على معصية الله فأنت لا تعرف الله، وهذه حقيقةٌ مُرَّة يجب أن تتقبَّلها، لأن الحقيقة المرة خيرٌ من الوهم المُريح، فقد تتوهم أنك مؤمن، ولكنك لمجرد أن تعصي الله وأن تُرضي زيداً أو عبيداً، فأنت لا ترضي الله عزَّ وجل، أو معرفتك بالله بحجمٍ لا يحملك على طاعته، معرفة ساذجة، أو معرفة غير مبنية عن بحث ودرس، معرفة تلقيتها ممن علمك فيما مضى من دون أن تتحقق، ومن دون أن تتبنى هذه المعرفة، فلذلك وألا ترى في معصية الله مغنماً، وألا تجد في طاعته مَغْرَماً، من أجل ألا تقول كما قال هؤلاء:

 

﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾

3 – من منهج التفكّرِ: التفكّرُ في الشيء، وفي خلاف ما هو عليه:

 لِتَضَعَ يدك على جوهر الدين، وأن تكون من الفائزين يجب أن تسْلُك هذا الطريق في معرفة الله، هذا الطريق أساسه التفكّر في الشيء، وبخلاف ما هو عليه، هذا منهج التفكر.

 

التفكر في العين:

 يمكن أن تُفَكِّر في أن هاتين العينين لو أنهما عينٌ واحدة فما الذي يحصل ؟ الذي يحصل أنك لا ترى إلا بُعدين، طولاً وعرضاً، أما البعد الثالث فلا تُمَيِّزه، أنت بعينٍ واحدة لا تستطيع أن تضع الخيط في ثقب الإبرة، بعين واحدة تظن أنه دخل، وبين الخيط وثقب الإبرة عشرة سنتمترات، ولكن بالعينين يتضح البعد الثالث.
 إذاً: لو فكَّرت في العين، لو أن العينين عين واحدة، ولو أن هذه العين ليس فيها إلا عُصَيّات، وليس فيها مخاريط، لرأيت الأشياء بلونين أبيض وأسود فقط، لو أن هذه العُصيات أو المخاريط ليست مئة وثلاثين مليوناً، بل عشرة ملايين، لرأيت الصورة ضبابيةً، ولو أن هذا العصب البصري لم يكن على ما هو عليه، لو لم يكن في الدماغ مركزٌ للإبصار، لو لم يكن في الأذن مركزٌ للسمع وقنواتٌ دائرية للتوازن، أي أنك كلما رأيت شيئاً من خلق الله، لو فكرت أن هذا الشيء بخلاف ما هو عليه لعرفت قيمة هذا الشيء، فربنا عزَّ وجل لفت نظرنا إلى آية واحدة قال:

 

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾

 ( سورة القصص: الآية 71)

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

 الليل سرمد، أي أن الأرض لو أنها واقفة لا تدور، وهذه هي الشمس، نصف الكرة نهارٌ إلى الأبد، ونصفها الآخر المقابل لكرة الشمس ليلٌ إلى الأبد.

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً ﴾

 ( سورة القصص: الآية 72)

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾

 إذا كان الليل سرمداً فمعنى ذلك أن الحرارة مئتان وخمسون تحت الصفر، الحياة منعدمة في الوجه المُضيء، لأن الحرارة ثلاثمئة وخمسون فوق الصفر، فنحن في الدرجة الخمسين لا نتحمَّل، يقال لك: شيء لا يُطاق، الأرض تدور، لو أنها توقَّفت عن الدوران لأصبح النهار سرمداً والليل سرمداً، ومَن الذي أمَرها أن تدور ؟ الله سبحانه وتعالى، من الذي أعطاها هذه السرعة المناسبة ؟ لو أنها دارت كل ساعةٍ دورة فنصف ساعة ليل، ونصف ساعة نهار، فلا النهار صار معاشاً، ولا الليل صار لباساً، ولو كانت الدورة كل السنة مرة، ستة أشهرٍ بأكملها ليل، ننام ونقوم، ننام ونقوم، والليل مخيمٌ علينا، وستة أشهرٍ نهار.
 إذاً: المشكلة أن هذا الفكر إذا انطلق من جموده، وتأمَّل في خَلق الله عزَّ وجل لخرَّ ساجداً لله.
 أولاً: الأرض تدور، مَن جعلها تدور ؟ الله سبحانه وتعالى، من دورتها حول نفسها جعل الليل والنهار، ولو توقَّفت عن الدوران لأصبح النهار سرمداً، والليل سرمداً إلى يوم القيامة، ولأصبحت الأرض في ليلها السَرْمَدِي قبراً جليدياً، ولأصبحت الأرض في نهارها السرمدي جحيماً أبدياً، وانتهى الأمر، من جعل هذه الأرض تدور، دورتها بسرعة نصف كيلو متر في الثانية بالضبط، فالنقطة على خط الاستواء، تدور أربعين ألف كيلو متر في أربع وعشرين ساعة، قَسِّم أربعين ألف كيلو متر على أربع وعشرين ساعة، يطلع ألف وستمئة كيلو متر في الساعة، طبعاً الطائرات التجارية سرعتها تسعمئة كيلو متر، والحديثة تسعمئة إلى ألف، الأرض تدور بسرعة ألف وستمئة كيلو متر بالساعة، قسِّم على الدقيقة والثانية، تدور نصف كيلو متر في الثانية، فهي تدور، ومَن أعطاها هذه السرعة ؟ وهذا من عظمة الله عزَّ وجل.
 إنّ الإنسان يعمل ثماني ساعات، ويأتي إلى البيت يأكل ويجلس مع أهله ساعتين أو ثلاثاً، فتغيب الشمس، فيصبح مرتاحاً، ولكن تصوَّر النهار ستة أشهر، أو النهار سنة والليل سنة، أو تصور أن النهار ساعة والليل ساعة، فهذه أول حقيقة.
 فربنا عزَّ وجل أمرنا أن نُفَكِّر في بهذه الأرض من صممها بهذا الحجم ؟ أنت وزنك على الأرض ستون كيلوًا، ولو انطلقت إلى القمر لكان وزنك عشرة كيلو بالضبط، والحركة صعبة جداً على القمر، ولو أنك على كوكبٍ حجمه كبير لكان وزنك ثمانية أطنان، وحركتك كتحريك صخرة، إذاً: ربنا عزَّ وجل جعل حجم الأرض مناسباً، وجعلها تدور من أجل أن يكون الليل والنهار، وجعلها تدور بهذه السرعة المناسبة، هذه أول دورة.

 

دوَرات الأرض:

 وكل الناس يعتقدون أن للأرض دروتين فقط، دورةٌ حول نفسها ودورةٌ حول الشمس، مع أن للأرض حتى الآن اثنتي عشرةً دورة، اخترت لكم من هذه الدورات ست دورات، لأن الست الأُخَر لا يمكن أن تشرح هنا إلا على سبورة، وعلى وسائل إيضاح.

 

 

الدورة الأولى:

 فالدورة الأولى حول نفسها.

 

 

الدورة الثانية:

 والدورة الثانية حول الشمس، وسرعة الأرض حول الشمس ثلاثون كيلو متراً في الثانية، فإذا كان الدرس ساعة، فثلاثون كيلو متراً ضرب ستين ضرب ستين، فنقطع في درسٍ كهذا الدرس مئات الألوف من الكيلو مترات.

 

﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾

 ( سورة النمل)

الأرض والجاذبية:

 هذه حول الشمس، ولكن حول الشمس عندنا مشكلة ؛ أن مسار الأرض حول الشمس ليس مساراً دائرياً، بل هو مسار إهليلَجي على شكل بيضوي، وفي الشكل البيضوي قطر أصغر وقطر أكبر، والمعلوم عندكم ففي الجاذبية أن الأرض إذا اقتربت من الشمس جذبتها الشمس، فلو أن الأرض سارت بسرعةٍ ثابتة حول الشمس، وجاء المكان الذي يضيق فيه المِحور، وتقلّ مسافته لا بدَّ من أن الشمس تجذبها، لأن قانون الجاذبية أساسه الكتلة مع المسافة، جداء الكتلة مع مربع المسافة، إذاً: يجب أن تزيد الأرض من سرعتها في النقطة الحرجة، وقد تنشأ من هذه الزيادة قوة نابذة تُكافئ القوة الجاذبة، ويجب أن تزيد هذه السرعة بشكلٍ تدريجي، لأنها لو زادتها بشكلٍ مفاجئ لانهدم كل شيءٍ على الأرض، ولو أن السرعة زادت فجأةً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً، وكل ما على الأرض يصبح قاعاً صفصفاً، فالله حكيم، رفع السرعة لئلا تنجذب الأرض إلى الشمس، ولكن هذه السرعة التي ارتفعت تدريجياً وهذا ما يُسَمَّى بالتسارع وبالتباطؤ، فأن تزداد السرعة شيئاً فشيئاً بنظامٍ دقيق، وأنت على هذه الأرض فكِّر في الذي صممها، بحجمها، وبشكلها، وبحركتها وحول نفسها، وبحركتها حول الشمس، وبازدياد سرعتها، وبأن تكون هذه الزيادة بلطفٍ شديد، وسرعة الأرض حول الشمس ثلاثون كيلو متراً في الثانية، تدور الأرض دورةً حول الشمس بثلاثمائة وخمسة وستين يوماً، ومئتين وستة وخمسين جزءا من ألف، لذلك فسنة كبيسة، كل أربع سنوات، وشباط تسعة وعشرون يوماً، لأن الأرض تدور حول الشمس بثلاثمئة وخمسة وستين يوماً وربعاً، أربعة أرباع تساوي يوماً بكامله، أما الأرض وهي بحجمٍ كبيرٍ فتدور حول نفسها بثلاث وعشرين ساعة وستة وخمسين دقيقة وأربع ثوان وخمسة وتسعين جزءًا من ألف من الثانية، وهذا الرقم دقيق جداً لا يزيد ولا يقلّ، هذه يد الله عزَّ وجل..

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾

 ( سورة الزمر: الآية 67)

 هذه هي الحركة الثانية، حركتها حول الشمس.
 والآن ربنا عزَّ وجل قال: الأرض تدور حول نفسها حركة، وحول الشمس حركة.

 

الدورة الثالثة:

 والشمس تجري لمستقر لها:

 

﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾

 ( سورة يس: الآية 38 )

 إذاً: الأرض حول نفسها، وحول الشمس، والشمس ماشية إذاً لها حركة ثالثة، وحركة الشمس مئتان وأربعون كيلو مترا في الثانية، نصف كيلو في الثانية حول نفسها، وثلاثون كيلومترا في الثانية حول الشمس، مئتان وأربعون كيلومترا في الثانية حركتها مع الشمس في درب التَبَّانة، وهذه الحركة الثالثة.

 

الدورة الرابعة:

 هذه الأرض تدور حول محورٍ وهمي، وهذا المحور إما أن يكون قائماً على مستوى الدوران، وإما أن يكون مائلاً، وإما أن يكون موازياً لمستوى الدوران، الأرض تدور هكذا حول الشمس، فهذه الأرض إما أن محورها عموديٌ على مستوى الدوران زاوية قائمة، وإما أن محورها موازٍ لمستوى الدوران، وإما أنَّ محورها مائل، شاءت حكمة الله عزَّ وجل أن يكون محور الأرض مائلاً، تصوَّر محوراً هكذا، عمودياً على مستوى الدوران والشمس من هنا، هنا صيفٌ سرمدي، وهنا ربيعٌ سرمدي، وهنا شتاءٌ سرمدي، والآية أوسع من ذلك.
 قل أرأيتم إن كان الصيف سرمداً إلى يوم القيامة ؟
 قل أرأيتم إن كان الشتاء سرمداً إلى يوم القيامة ؟
 قل أرأيتم إن كان الخريف سرمداً إلى يوم القيامة ؟
 إذا طال الشتاء على الإنسان تضجر نفسه، ويشتاق للصيف، ويطول الصيف عليه فتشتاق نفسه إلى الشتاء، هذا التبدُّل من صيفٍ إلى خريفٍ إلى شتاءٍ إلى ربيع، هذا شيء مُسعد منعش، فلو أن المحور عمودي على مستوى الدوران والشمس من هنا، فأشعة الشمس عمودية في هذا المكان، أي في خط الاستواء، إذاً: صيفٌ سرمدي، وإذا كانت مائلة في هذا المكان فربيعٌ سرمدي، أو كانت أشدَّ ميلاً في هذا المكان فشتاءٌ سرمدي، لأن محور الدوران هكذا، ولو كانت الأرض تدور هكذا، والشمس من هنا فلا يوجد ليل ونهار، بل نهار سرمدي وليل سرمدي، والأرض تدور، وإذا توقفت عن الدوران صار ليل سرمدي، ونهار سرمدي، ولو دارت ومحورها أفقي لصار النهار سرمدياً والليل سرمدياً.

 

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾

 هذه الحركة، وهذا المحور المائل من ميزته أنه مادام مائلاً، فإن أشعة الشمس تأتي إلى هنا إلى أسفل الكرة الأرضية عمودية، وهنا يكون صيف، وتأتي إلى شمالها، أي أعلاها مائلة إذاً: هنا شتاء، وحينما تصبح الأرض هكذا بعدما تمشي نصف دورة تأتي الشمس عمودية على القسم الشمالي فيصير الصيف، ومائلة على القسم الجنوبي فيصير الشتاء، إذاً: لأن المحور مائل فصار صيف، وشتاء، وربيع، وخريف، وصار نبات، والنبات يحتاج إلى برودة، وإلى طور بارد، وطور معتدل، وحار حتى تنضج الفواكه، فأساس النبات تَبَدُّل درجات الحرارة، فهي دورة نباتية، إذاً لو اعتقدت أن هذا المحور عمودي لا يوجد فصول، وأفقي يصبح الليل سرمدياً والنهار سرمدياً، ولا يوجد فصول، الله جعله مائلا، لكن هذا الميل، هذا المحور المائل يدور حول نفسه دورة كل خمسة وعشرين ألف سنة مرة، ولذلك في كتب الإغريق نجم الشمال ليس نجم القطب، بل النسر الواقع، والآن أنه نجم القطب، ولكن بعد كذا ألف سنة يعود النسر الواقع نجم الشمال لا نجم القطب، لأن محور الأرض المائل يدور حول نفسه بشكل مخروط، كل خمسة وعشرين ألف سنة دورة، وهذه الدورة الرابعة، فمرةً يكون نجم القطب نجم الشمال كما هي الحال الآن، وبعد آلاف السنين، وقبل آلاف السنين كان النَسر الواقع هو نجم الشمال، إذاً: عندنا حركة رابعة للأرض، دورة المحور حول نفسه كل خمسة وعشرين ألف وثمانمائة سنة دورة، ونحن لا ندري.

 

الدورة الخامسة:

 وهذا المحور يميل عن العمود المتعامد مع مستوي الدوران يميل اثنتين وعشرين درجة، ويزداد هذا الميل إلى ثلاثٍ وثلاثين درجة، ويعود إلى اثنتين وعشرين درجة، والميل من ثلاث وثلاثين إلى اثنتين وعشرين درجة، هذه حركة خامسة، وهذه الحركة كل أربعين ألف سنة مرة، الحركة الرابعة كل خمسة وعشرين ألف وثمانمائة سنة مرة، فدورة المحور حول نفسه شَكَّل مخروطاً، أما الحركة الخامسة فالمحور نفسه انحرافه يزداد ثلاثاً وثلاثين درجة، ويقلّ اثنتين وعشرين درجة، من ثلاث وثلاثين إلى اثنتين وعشرين ألف سنة، وأنتم لا تدرون.
 لكن بعض علماء الجُغْرافيا فسَّروا انتقال خطوط المطر، وتغير حالة الجو، مثلاً: من دمشق إلى بغداد كان الطريق كلُّه أشجارا والآن صحراء، ماذا قال النبي الكريم ؟ هناك عالِم بريطاني أسلم لأنه اطَّلع على حديثٍ لرسول الله، هذا الحديث لا يمكن أن يكون من عنده إلا من خالق البشر، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

 

(( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا...))

 

[ مسلم ]

 وكان هناك عصور مطيرة، عصور خصب، إنها عصور الألف ميليمتر في العام، وكان الربع الخالي كله أشجاراً، وغابات وأنهاراً وبحيرات، ويؤَكِّد هذا أن مدناً بأكملها مطمورةً تحت الرمال في الربع الخالي في الجزيرة العربية، إذاً كانت أراضي غَنَّاء كلها بساتين، وأنهار، وينابيع، وأشجار، ومدن، وقرى، وبادية الشام كانت كلُّها أشجاراً، وتدمر كانت في قلب الغابات، والآن صحراء، إذاً: هذه الحركات أربعون ألف سنة حركة محور، خمسة وعشرون ألف سنة حركة، فهذه تفسِّر انتقال خطوط المطر وتبدُّل حالة الجو في العالم، وتغير الخصب، والنماء، والتصحر، وما إلى ذلك، فالنبي ماذا قال ؟ قال:

 

(( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا...))

 أي كانت، والمستحثات في الجزيرة العربية تؤكد ذلك، هذا العالِم البريطاني أسلم لأنه اطلع على هذا الحديث الشريف:

 

 

(( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا...))

 عندنا شيء آخر: الأرض تدور حول الشمس في مسار إهليلجي، وكل مسار إهليلجي له مركزان، الدائرة لها مركز واحد، أما الإهليلجي فله مركزان، فلو أتيت بمسمارين، وثَبَّتهما على سطح، وأحضرت خيطاً عقدته فأصبح دائرة، وجئت بقلم رصاص فشددت الخيط، وأدَرْتَه فيظهر معك شكل بيضوي، والسبب لأن هناك مركزين للدائرة، مركزا قريبا ومركزا بعيدا، فمركز دورة الأرض حول الشمس ينتقل من مركز أعظمي إلى مركز أصغري بمدة قدرها تسعون ألف سنة، فأصبح عندنا خمسة وعشرون ألف سنة دورة، وأربعون ألفاً دورة، وتسعون ألف سنة تَبَدُّل مركز فلَك الأرض.

 

 

الدورة السادسة:

 وهناك دورة سادسة، فالأرض تدور حول الشمس في مستوى، السطح الذي يمر منه خط دورانها اسمه مستوي الدوران، الأرض تدور حول الشمس هكذا، والأرض هنا والشمس هنا، وهذا المستوي يدور حول نفسه هكذا، في مدةٍ قدرها مئة وعشرة آلاف سنة، دورة الأرض حول نفسها، فدورة الأرض حول الشمس، ودورتها مع الشمس مئتان وأربعون كيلو مترا في الثانية، ودورة محور الأرض خمسة وعشرون وثمانمئة ألف سنة الدورة الواحدة، وتبدُّل محور الأرض من زاويةٍ دنيا اثنتان وعشرون إلى ثلاث وثلاثين كل أربعين ألف سنة مرة، وتبدُّل مركز الأرض كل تسعين ألف سنة مرة، ومستوى الدوران كل مئة وعشرة آلاف سنة مرة، وهناك ست دورات أُخرى يصعب شرحها في هذا المكان، يلزمها سبورة وأفلام، ومجَسَّمات، فللأرض اثنتا عشرة دورة:

 

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾

هل هذا الإله العظيم يُعصَى ؟!

 أهذا الإله العظيم يُعْصى ؟ ماذا قال سيدنا بلال ؟ قال: << لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر على من اجترأت>>.
 أهذا الإله العظيم يُعصى أمره ؟ ولا تُرْجَى جَنَّته ؟ ولا تُخشى ناره ؟ أهذا الإله العظيم الذي خَلق هذا الكون كُلَّه من أجلك لن يسألك عن شيء؟

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾

 ( سورة القيامة)

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً﴾

 (سورة المؤمنون: الآية 115)

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

 ( سورة الحجر)

 يا أخي الكريم، اعرف الله أولاً، وطَبِّق أمره ثانياً، أما إذا عرفت الأمر قبل أن تعرف الآمر فإنك ستستخف بالأمر، وستحتال عليه، ولا تأخذ به، وهكذا.

 

انظر إلى:

 

1 – اليد:

 إذاً: هذا منهج في التفكير، لو أن الإنسان بلا هذا المفصل فكيف يأكل ؟ كالهرة تماماً ؛ صحن على الأرض، وينبطح، ويلحس بلسانه، إذا لم يكن له مفصل، فإذا أكل الإنسان رأى الحركة مناسبة، وقد وصلت اليد إلى الفم، وفيها أصابع، وكل إصبع فيها ثلاث سلاميات، وإبهام، أَلْغِ الإبهام وانظر، أفبإمكانك أن تعمل عملاً واحداً بلا إبهام ؟ أن تكتب رسالة ؟ أن تخيط ثوباً ؟ أن تغلق سيارة ؟ أن تفتح باباً ؟ أن ترتدي الثياب بلا إبهام فقط، فكر هكذا، الرسغ.. مفصل دائري، وهذا المفصل الدائري معقد جداً، مفصل أُنْسي، ومفصل وَحْشي.

 

2 – العنق:

 العنق دائرة شبه كاملة تقريباً:

 

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾

 ولو كان عنق الإنسان ثابتاً مع جذعه، وناداه أحد الناس يجب أن يدور بأكمله مئة وثمانين درجة، فطلبه شخص آخر: فدار دورة ثانية، بينما جعله الله لطيفاً، ينظر هكذا، ويدير وجهه هكذا، والحركة سهلة، وهذا هو منهج للتفكير:

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً﴾

3 – المفاصل:

 ولو ألغى لك مفصل الرقبة، والفكين، أو الأسنان، أو اللسان، أو الشم، ولو كان الأنف في مكان آخر، أو باتجاه فتحتين نحو الأعلى مثلاً، والطعام نحو الأسفل، هكذا التفكير، هذا خلق الله:

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾

 ( سورة التين)

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) ﴾

 (سورة الانفطار )

4 – قنوات التوازن في الأذن:

 ولو لم يكن قنوات توازن ففي الأذن الوسطى ثلاث قنوات فيهما سائل، وبجدار القنوات أشعار حسَّاسة كثيراً، فلو مال الإنسان قليلاً فإن السائل يحافظ على أفقية سطحه، فيلامس الأشعار التي على اليمين، فيتنبه الإنسان، فلو مال يصحح وضْعَه على الفور، ولو لم توجد الأشعار الحساسة، فيجب أن يكون له قاعدة استناد بعرض سبعين سنتيمترا حتى يظل واقفاً، والدليل: أن الميت لا يقف، ومن يستطيع أن يوقف ميتاً ؟ مستحيل، لأن جهاز التوازن تعطل، فيقع على الفور، والله جعل للإنسان قدمين لطيفين، فلو لم يوجد جهاز توازن فتكون قدمه بعرض سبعين سنتيمترا ؟ وإذا سار الإنسان على طين، وحمل حذاءه، وبه كيلوين من الطين يرى أن المشي أشغال شاقة، فكيف لو كانت قدمه خمسة وعشرين كيلوا، ومتخذَة شكلاً هرمياً، كيف له يقف ؟

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾

 ولو ألغى ربنا عزّ وجل جهاز التوازن فهنا تصبح الحياة جحيماً، وكذلك المفاصل..

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

( سورة البلد)

5 – العين والأذن:

 ولو جعلها عيناً واحدة ترى بُعدين فقط، ولا يوجد بعد ثالث. وأذناً واحدة، فتطلق السيارة بوقها فتندفع إليها، أما من خلال وجود أذنين فإن الصوت يدخل إلى الأذنين، والسيارة على اليمين، فيصل الصوت من الأذن اليمنى إلى مركز الإحساس في الأذن قبل الأذن اليسرى بواحد على ألف وستمئة وخمسة وعشرين جزءًا من الثانية، فعرف الإنسان أن السيارة عن يمينه، فانطلق نحو اليسار، وهذا شيء بسيط جداً، إنه جهاز بالغ التعقيد في الدماغ يحسب تفاضل وصول الصوتين إلى الأذنين، والتفاضل هو واحد من ألف وستمئة وخمسة وعشرين جزءاً من الثانية، وبهذا التفاضل يعرف الإنسان جهة الصوت، ولو كان له أذن واحدة لسمع الأصوات بلا جهات، ولذلك قد يندفع إلى مكان الخطر:

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾

 ( سورة البلد)

 قس عليها، ألم نجعل له أذنين ؟ لكن جعل لك لساناً واحداً لأن اثنين صعب، وأنف واحد، أما عينان وأذنان، وهذا منهج التفكير، الشيء وخلاف ما هو عليه:

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾

 (سورة القصص)

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ

 معنى سرمداً أي دائماً..

﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾

مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّه

 أي هل هناك جهة في الأرض تعقد اجتماعاً على مستوى رفيع، وتتخذ قراراً بإحداث الليل ؟ فمهما ارتفع مستوى أقوى دولة في العالم، ونخبة القادة في العالم لو اجتمعوا، وقرروا أن يصنعوا ليلاً، فأي ليل هذا ؟

﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾

 لو أن الإنسانية مجتمعةً فإنها لا تستطيع:

﴿ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾

 ولو جعل لكم الليل والنهار معاً، هذا أسلوب في البلاغة اسمه اللَّف والنشر، كيف اللَّف والنشر ؟ أن تأتي بشيئين أو أكثر، وتعيد على كلٍ منهما بالترتيب، فربنا عزّ وجل قال:

 

وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ

 الليل..

 

﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾

1 – الليل سَكَنٌ وراحة:

 النهار.. النهار معاش للسعي، والليل للسكن، لكن الحضارة الحديثة جعلت الآية معكوسة، فأصبح ليل الناس نهاراً ونهارهم ليلاً، وهذا يُسيء إلى صحتهم، لأن ساعة نومٍ في أوَّل الليل لا تعدلها ثلاث ساعات في آخر الليل، فهذه الكهرباء، وهذه أجهزة اللهو التي فيها ما لا يُرْضي الله عزّ وجل يمضي الناس وقتهم الطويل وراءها إلى ساعةٍ متأخرة من الليل، أما ساعات الرحمة، وساعات التجَلِّي، والصلاة، والذكر، وتلاوة القرآن، والأنوار، والدعاء، والتَهَجُّد فالناس فيها نيام.
 كنت البارحة في مسجد في صلاة الفجر، فرأيت سبعة يصلون فقط، والمسجد في حي مكْتَظ، فقلت: سبحان الله ! كل هذه الأبنية، وكل بناء بخمسة أو ستة طوابق، وكل طابق فيه شقتان أو ثلاث، سبعة أشخاص أو ثمانية، والآن اعمل جولة في مساجد دمشق صباحاً تر قليلاً جداً، صفاً ونصفاً أكثر شيء، ورَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا))

 

[ صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 ولكن أصبح ليلُ الناس نهارا، ونهارهم ليلا، وتصميم ربنا غير هذا، التصميم:

﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾

 في الليل سكن، وراحة..

 

َلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

 

﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

معنى ابتغاء فضلِ الله في النهار:

 الابتغاء من فضل الله إما بالعمل بكسب الرزق، وإما بكسب العمل الصالح، وأنت في النهار تدعو إلى الله، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتتصدَّق، وترعى اليتيم، وترعى الأرملة، وتُعِين أخاك، أو أن تكتسب مالاً تكفي نفسك وأهلك وأولادك، وتنفق منه في طاعة الله، إذاً: ربنا عزّ وجل صمم الليل للسكن والراحة والنوم، وصمم النهار للعمل الصالح:

﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

الأمر التكويني والأمر التكليفي:

 في هذه الآية إشارة إلى الأمر التكويني، وإشارة إلى الأمر التكليفي، فالله كَوَّن الأرض ليلاً ونهاراً، الليل للسكن، والنهار للعمل، ولكنَّه أمرك أن تشكره لهذه الآيات الدَّالة على عظمته..
 فيا أيها الإخوة الأكارم، على الإنسان أن يفكر في هذه الآيات التي لا تعدُّ ولا تحصى، والتي أحاطنا الله بها، لقوله تعالى:

﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴾

 ( سورة الذاريات)

﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾

 ( سورة القصص)

وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ

 هؤلاء الذين زعمتم أنَّهم آلهة، أو أعطيتموهم صفات الآلهة، في الماضي قالوا: هذا ودُّ إلهٌ، ثم إله الشمس، وإلهُ القمر، وإله المطر، وإله الخير، وإله الشر، هكذا كان الإغريق، وهذه الشعوب التي هي في آسيا وإفريقيا الوثنية تَدَّعي أن هذا الشيء إله، وفي بلاد المسلمين أحياناً الإنسان يدَّعي أن زيداً إله، لا يقول: هو إله، بل يقول: يؤذيني، وينفعني، ويرفعني، ويخفضني، ويعطيني، ويحرمني، فمعنى هذا أنك عملته إله، فإما أن تدَّعي أن هذا الشيء إله، وإما أن تُسْبِغَ على إنسانٍ ما صفات الإله ؛ بالعطاء، والمنع، والضُرِّ، والنفع، وما إلى ذلك، فربنا عزّ وجل يوم القيامة يقول:

 

وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً

 

﴿ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74) وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ﴾

فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ

 هذا شهيد الأعمال، اقرأ كتابك، فهو شهيد على أعمالنا:

﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾

 ( سورة القصص)

 لماذا فعلتم كذا وكذا ؟

﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾

َعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ

 لا لهذه الجهة، ولا لتلك الجهة، وربنا عزّ وجل قال:

﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾

( سورة النور: من الآية 35)

 ولكنها عُلوية، والحق عُلوي، فلا يوجد حق شرقي، وحق غربي، بل الحق عُلوي:

﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾

 ( سورة القصص)

وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ

 كلُّ هذه النظريات، وهذه الدعاوى، وهذه الأضاليل، وهذه الأوهام، وهذه التحَزُّبات، وهذه الانقسامات، وهذه كلها ما أرادها الله، وما أنزل بها من سلطانٍ، لأن الحق واحد لله، الحق له فقط، والآن شاهد عملي، كل الآيات مترابطة:

﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾

 ( سورة القصص: من الآية 57)

 وهؤلاء آثروا دنياهم على هُداهم.

 

مثَلٌ بشري في القرآن على الطغيان: قارون:

 الآن هذا مَثلٌ عملي: قارون آثر دنياه على الهُدى:

 

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾

 ( سورة القصص: الآية 76)

 هذه القصة إن شاء الله نتركها للدرس القادم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018